صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

نحن والمهام الصعبة

الشباب مستقبل الأمة ورصيدها والأساس المتين الذي يقوم عليه كل بناء تبنيه ويتحقق به التطلع الذي تبغيه، به يتعيَّن نوع حضورها بين الأمم ونوع أدائها على طريق التقدم، وعلى قدراته وطاقاته المادية والروحية يتوقف الأداء بإبداع في كل مجال من مجالات الحياة والعمل والعلم.‏

وإذا كانت أمتنا تعاني في وضعها الراهن من مشكلات صعبة وأزمات حادة، وتعيش أوضاعاً متردية، فإن انعكاس ذلك يكون شديداً على الشباب، ووطأته تزداد شدة على مستقبلهم وسبل خروجهم بها من أزماتها، فكيف يكون وضع أمة، إذا كانت مشكلاتها في شبابها، وكيف تتحدد معالم المستقبل، بالنسبة لها ولهم، إذا كان الضياع أو الإحباط يسيطران على السياسات والرؤى والممارسات والتطلعات والآمال التي لها ولهم؟!‏

إن نظرة متأنية نلقيها على التربية الاجتماعية والرسمية، في البيت والشارع والمدرسة، وعلى نوع المعرفة التي يهتم بها الشباب ومناهج التعليم المتاحة ومدى الاستفادة منها من جهة؛ وعلى قيم الشباب واهتماماتهم وتطلعاتهم التي يصنعها أو يساهم في صنعها على الأرجح: إعلام وافد وآخر راكد، أو راقد في التبعية والتخلف من جهة أخرى، تجعلنا في حالة من القلق والأرق، تضاعف همومنا الناشئة عن تردي الحاضر ملقية ظلالاً قاتمة على المستقبل ورؤانا له.‏

فالشباب يضع الهوية، والأصالة والتراث موضع تساؤل من حيث الجدية والجدوى، ولا يخوض معترك هذا التساؤل على أرضية المعرفة الواعية بما لديه والقدرة على إصدار حكم واختيار قائمين على روية ودراية ومعيار، وإنما ينطلق في أكثر الحالات من اتهام جاهز يُروَّج له بأشكال مختلفة على أرضية مقولة تزعم أن الحداثة الضرورية لدخول العصر ولتحقيق التقدم تتنافى مع الأصالة والتراث ومقومات هوية منها اللغة والعقيدة ومعطى التقاليد والأعراف والعادات .‏

وكأن التحديث وامتلاك العلم والعمل به يتنافيان مع العربية بما حملت، والإيمان وما يوجبه ويوحي به، ومع الأخلاق والأعراف الاجتماعية والسلوك والعادات تلك المحكومة بقيم العروبة والإسلام!!‏

وشبابنا اليوم ينصرف عن جهاد النفس والعلم المحض والعمل المجهد إلى جهد المتعة السهلة والاستغراق في نِعَمِ مجتمع استهلاكي وقيمه ومواصفاته وما يرفعه ذلك المجتمع من قيم وشعارات ومعايير، وهو في ذلك يعيش التباساً يزيد درجة الإحباط وضعف الرؤية.‏

ذلك أنه إذا كانت الحياة لا تعاش إلا مرة واحدة فقط وأن من حقه ألا يضيع فرص عمره وحظوظه من السعادة في الحياة، فإن ذلك بالذات يقتضي التدقيق في نوع الفرص ومعاني السعادة التي ينبغي أن يقتنصها الأسوياء ويسعوا إليها، وأنها ينبغي ألا تتنافى مع المكانة المرموقة بين الناس، والكرامة الشخصية التي لا تنفصل عن كرامة الأمة والوطن، والحرية المسؤولة التي تجعل الحر الحق هو الذي يحرره الوعي وامتلاك القوة بشمول معناها، وهو ذاك الذي يتخلّص من عبودية الجسد والشهوة وعبادة الخلق والالتحاق بهم، ليكون حراً بالمعرفة وبالعبودية لله وحده وليس لعبيده.‏

وأناس أمة لا يملكون أن يحرروا عقولهم واقتصادهم وقرارهم وسيادتهم، لا يحققون الحرية في استهلاك إنتاج الأقوياء المستغلّين وتقليدهم في أشكال الملبس والمأكل والسلوك، لأنهم إذا هم فعلوا فإنما يسيرون في طريق الانتحار المعنوي والمادي على المدى البعيد بالعيش في وهم امتلاك منتج القوة بالقوة الشرائية، واتباع مسلك الانحلال في إطار وهم ممارسة الحرية من كل قيد والتحرر من كل مسؤولية والتزام.‏

وشبابنا الذي ورث خيباتنا وإحباطنا وحصد الزؤان الذي بذره جيل أو أجيال سابقة يَغْرَقُ ويُغْرِقُ ما تبقى له ولنا من أمل إذا اعتقد أن خلاصه يكمن في الخروج على ما تبقى من التزامات يرتبها الانتماء لواقع أمة تعيش الإحباط أو الضعف، والتحلل من كل تبعات الماضي والتزامات الحاضر، والانطلاق من رؤية محدودة منقوصة تصور له أن كل ما دعا إليه الذين لم يحققوا انتصاراً عربياً ووحدة وتقدماً علمياً ويقظة معرفية منقذة، يجب التخلص منه وهجره ليكون من بعد تقدم وتكون حياة بلا أزمات خانقة ومنغصات عيش ودخول عصر المتقدمين الأقوياء. فالمعارك التي لم تحسم والصراعات المستمرة، ومعترك التحرير والتحرر والتقدم العلمي والاجتماعي، التي خاضتها أجيال سابقة ولم تصل فيها إلى نصر ونجاح تامين، وخلفت كل هذا الرصيد من الألم المر والأمل المهيض الجناح؛ خاضتها تلك الأجيال في ظل ظروف صعبة جداً من التخلف والأمية وفقدان القدرة واختلال التوازن الذي يعود لأسباب ومعطيات بعيدة الغور في الواقع والتاريخ. ويستطيع النظر المنصف أن يرى كم حققت تلك الأجيال من تقدم عن طريق بذل الجهد ومتابعة الجهاد إذا وقف على حجم التواطؤ الاستعماري - الدولي وقدراته وعلى حجم الإنجازات ومداها، في ظل معطى علم حقق القوة وقوة تمكنت بالعلم، فهيأ لأصحابها تقدماً حسب متوالية هندسية في حين نتقدم -إن تقدمنا - حسب متوالية عددية، والفرق يبقى شاسعاً ويزداد اتساعاً.‏

وشبابنا الذي يقع في كل دقيقة من يومه تحت تأثير الضخ الإعلامي الذي يُشْهِر في وجهنا اليوم أعتى سلاح يوجه ضد الثقة بالنفس وبالمستقبل، بالماضي والحاضر والآتي، لا سيما المسموع - المرئي منه- يحتاج، في معركة استعادة الثقة والانتماء، إلى إعلام يوازن الكفة ويرد على مقولات الترويج والتخريب والتشريب، ويدخل معترك المنافسة باقتدار تام من حيث شكل الأداء ومضمونه، فنيته وتشويقه وموضوعاته، ونوع المعرفة التي يقدمها والقيم التي يرفعها والذوق الذي يشكله.‏

إن مستقبل الأمة رهن بما يحققه شبابها من وعي ورؤية وثقة، وما يكتسبه على أرضية ذلك كله من علم ومعرفة، بالذات والآخر، ليكون راغباً في خوض صراع وقادر على الفوز فيه، أو مالكاً لمعطى الأمل من أجل الفوز فيه. فكيف يتسنى له ذلك من دون اقتناع تام بتحويل جهده من المتعة والاستمتاع بما يقدمه مجتمع الاستهلاك ومغريات الشهوة واللذة المادية العابرة إلى جهاد النفس وإجهادها في ميدان اكتساب العلم والمعرفة وتحويل العلم إلى تقانة عالية في الإنجاز والإنتاج،وامتلاك القوة على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما؛ ليضمن حضوراً فاعلاً في ميادين التقدم جميعاً، يكفل له الخروج من وضع التخلف والتردي إلى وضع منقذ تزداد فيه خصوبة الروح وتتعزز قدراتها على تذوق المتعة فيما يجعل الإنسان حراً وكريماً وعزيزاً في تربة وطنه وتربة ثقافته، قادراً على تحقيق حضور متألق بين الأمم، وعلى تقديم البديل الذي من شأنه أن يجعله فذاً في الاستمتاع بموقع متميز وهوية متمايزة، في مجتمع تتوازن فيه حاجاته المادية والمعنوية فيتوازن روحاً وجسداً، وينعكس ذلك متعة فذة هي الأخرى لدى الفرد الذي يأكل مما ينتج ويحمي ما يبني، ويصون ما يعتقد، ويجد للذة الجسد وقعاً في الروح وللذة الروح استجابة من الجسد؟!؟.‏

إن شبابنا مدعو للتأمل فيما يلقى عليه من أسئلة وتبعات، مثلما نحن مدعوون إلى التفكير بما ينقذه مما يعاني منه ليكون هو لنا، وليكون لنا مستقبل، وذلك لا يكون من دون تحمل مسؤولية مشتركة يقوم فيها هذا الجيل الذي يمارس المسؤولية اليوم بتذليل صعوبات تغلق أبواب الأمل على الشباب أو تضيق تلك الأبواب، ويحقق له ما يمكنه من بناء خلية اجتماعية بأمان واطمئنان، وما يجعله يغرس حاضره في مستنبَت ماضيه بثقة، ويقوم الجيل الذي يتطلّع إلى تحمّل تلك المسؤولية باطلاع عميق وتحمل تام لتبعات المسؤولية والاختيار اللذين يتوقف عليهما الكثير مما هو راهن ومستقبلي، ومما يتوقف عليه الخروج بالجيل والأمة من الطرق المسدودة، وحالة الضياع والاستهلاك والغربة أو الاغتراب. وذلك كله لا ينال إلا على جسر من التعب، ينذر الشباب نفسه له ليحقق له ولأمته ما يريد وما تريد، تلك مهام صعبة، وشبابنا لها، ورحم الله من قال :‏

وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام‏

الأسبوع الأدبي/ع583//25/ت1/1997‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244