|
المؤتمر القومي- الإسلامي
في بيروت وللمرة الثانية ينعقد المؤتمر القومي- الإسلامي، ويأتي اللقاء الثاني/ 27- 29/ تشرين الأول 1997/ ليعزز المسار الذي شقه اللقاء الأول بعد ندوة تمهيدية عقدت في القاهرة. ومن خلال الحوار المسؤول والمراجعة الشجاعة للذات والممارسات اكتشف التياران كم كان الثمن الذي دفعته الأمة فادحاً جراء خصوماتهما وخلافاتهما التي أخذت تتصاعد حدتها منذ بداية الخمسينات من هذا القرن بشكل واضح.
كان لابد من مرور عقود، وسقوط ضحايا، وتراكم معاناة، وتفاقم فرقة وتمزق وضعف، ثم المرور بمحن وامتحانات قاسية، ليكتشف الفريقان أن وضع العروبة في مقابل الإسلام، والإسلام في مقابل العروبة قد أضعف كلاً من العروبة والإسلام وكلف الأمة غالياً؛ وأنه كان فخاً مهلكاً وجحيماً ساهمت تيارات أخرى في تغذية ناره وتأجيج أواره لتضرب قوى الأمة الرئيسة بعضها ببعض وترتاح منها وعلى ظهرها، ولتجني ثمار ذلك وهماً آناً ودماراً واستعماراً ونصرة للصهيونية والاستعمار في كل آن!؟ وسواء أوعى الموقدون ناراً أهدافهم ووظائفهم أم لم يعوها فإن النتيجة كانت وبالاً على الأمة بكاملها وعلى الوطن كله. في نهاية الثمانينيات من هذا القرن وبداية التسعينيات منه بدأت حركة الوعي والمراجعة والمصارحة تتصاعد، وبدأ الصوت يرتفع وقد كان لمرارة حرب الخليج الأولى وحصادها، ولزحف الموت والدمار والاستعمار في حرب الخليج الثانية، ولما تبع ذلك ونتج عنه دور في التنبه والصحوة، كما كان لانتصار الولايات المتحدة الأميركية ومن ثمة حليفها الصهيوني في حرب الخليج الثانية والحرب الباردة دور في كشف المستور وتوجيه الصواريخ والإعلان عن المخطط القادم في القرن القادم، حيث علا صوت صهيوني /حاييم هرتزوغ/ في الغرب وردّد معه وقبله وبعده أميركيون وغربيون من مواقع سياسية وإعلامية وثقافية "لازمة عدوانية" تقول: "إنه كما شهد القرن الحالي انهيار الماركسية والشيوعية سوف يشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام".
وحين ردد أميركي مسؤول من الجزائر- إذا لم تخني الذاكرة- قوله: "وداعاً للقومية العربية، وداعاً للأمة العربية"، كان صوت صهيوني يردد من موقع آخر: " يجب أن تحتشد القوى ضد الأصولية الإسلامية والقومية".
في الولايات المتحدة قيل إنهم يعيدون توجيه الصواريخ نحو خطر قادم، وأشارت المؤشرات إلى عالم الإسلام"، وبدأ البحث عن "شيطان" بعد أن سقط "الشيطان الشيوعي"، وأصبح من الواضح لكل ذي بصر وبصيرة أن الصهيونية تركز جهد الغرب العدواني وترسانته وحقده باتجاه مركز الثقل القومي- الإسلامي لتنهي مرحلة من مشروعها وتبدأ مرحلة؛ لتنهي مرحلة إنشاء "الدولة" واستقرارها وامتلاك القوة الرادعة، وتبدأ مرحلة أخرى تقوم على فرض اعتراف بها على العرب وانتزاعه من المسلمين، وهي المرحلة التي بدأت في مؤتمر مدريد وانطلقت منه بعد انحسار لمد "كامب ديفيد"، وما زالت مستمرة تحصد إرادات ومكاسب وانفتاحاً لمصلحة الكيان الصهيوني. وحده "صموئيل هنتنغتون" المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي "بشر" بإمكانية ولادة صراع يكون فيه طرف شريك للعرب والمسلمين هو الصين، وطرفه الآخر هو الغرب؛ وبعد أن "زف فوكو ياما" إلى العالم نبأ "نهاية التاريخ"؛ ولكن ذلك كله لم يوقظ معظم الأنظمة العربية من سباتها ولكنه نبه أنظمة وتيارات فكرية وسياسية سمعت أصوات مثقفين عرب مخلصين يدعون إلى الحوار واللقاء ومراجعة الذات والتجارب والخلافات بغية اكتشاف المشترك وتعزيزه ووضع حد للخصومة ووأد الفرقة المهلكة بين أبناء الأمة الواحدة بتياراتها الفكرية وتنظيماتها الحزبية وسياساتها القطرية؛ والعودة في ضوء المسؤولية والانتماء، إلى شيء من وحدة الموقف ووضوح الرؤية وتبيُّن الاستهداف المعادي الذي يشمل الأمة ويركز على قواها الحية التي تمثل الهوية والعقيدة وصدق الانتماء وعزيمة المواجهة. ويوم بدأ مسار الهرولة نحو أعتاب العدو ومسار المقاومة للاستسلام لذلك العدو ومنع الهرولة إلى أعتابه، واتضح للناس ترامي أنظمة وأشخاص على "سلام الاستسلام" في صيغ اتفاقيات الإذعان، يوم بدأ المساران يتصاعدان، بدأ التنبه إلى حقائق ووقائع تتشبث بالأرض وتخط عليها خطوطاً حمراء.
الدم الطهور المنبثق من شهداء المقاومة في فلسطين وجنوب لبنان، والمواقف التي تحدد مسار الجهد والجهاد وغاياتهما، رفع في فضاء الوطن مؤشرات استدعت التوقف عندها.
- المقاومة الإسلامية: حماس- الجهاد- حزب الله.. الخ تتمسك بالتحرير الكامل للأرض وبالدفاع عن المقدسات، وتعمل على رفض الاستسلام ومشروع الاستيطان الصهيوني والهيمنة الأميركية- الصهيونية على المنطقة، وتنادي بالحرية والتحرير ولقاء الكلمة الحق في موقع القتال حيث المطهر والمصهر الفعليان والعمليان.
- والمقاومة القومية: سياسية جسدت صموداً وغير سياسية، وعناصر قوتها ومواجهتها وما تستطيع أن تقدمه من دعم لشقيقتها على الأرض، تقول بما تقول به الأولى، وتتطلع من مواقع مختلفة إلى إعمال قدرات وقوى في سبل ووسائل، وتفعيل مرحليَّات سياسية ودبلوماسية وصولاً إلى الهدف ذاته: هدف التحرير، أو إلى تأخير الموت المذل بانتظار الفرج في متغيرات عربية ودولية؛ قبل أن يفرض عليها خيار الحرب الذي لا تطيقه أو خيار الاعتراف والتطبيع الذي تكرهه.
وفي ظل تنامي ذلك المناخ، وفي ظل استهداف العدو الصهيوني- الأميركي للطرفين، وللأمة كلها من خلالهما بدأ يضمر الخلاف وينمو أمل بالوفاق، وينحسر الضيم عن البصائر وبدأت الأبصار التي في القلوب تتفتح لتجعل الرؤية القادمة عبر مسارب العصب والبصر أكثر دقة وسلامة، ولتمكّن من وعي أصوب لما تحمل وعلم أشمل بما تعني، وتدبر أفضل بما يجب.
المقاومة البطولة التي قدمت شهداء نوعيين رأوا في الموت حياة روح وكرامة وحق وأمة وعقيدة ومقدسات، حملت القوميين على تفكير مغاير، وحملت أنظمة قومية على إعادة النظر بأمور إذ المحك الفعلي الذي كان المعيار لكل جدية وإخلاص وتوجه بنظرها كان هو الموقف من العدو الصهيوني والموقف من القضية المركزية قضية فلسطين، وها هم يرون مقاومة شرسة للعدو الصهيوني وإخلاصاً مطلقاً للقضية يحمل رؤية التحرير ويرفض معطيات التسوية.
كانت "كامب ديفيد" قد نكتت "هميانها" وتبيّن للعرب ما فيه من "ازدهار ورخاء وسعادة وأمن من جوع وخوف، وحضارية تجعل الناس غير الناس؟!" وكانت "أوسلو" بجلالها قد أتت على الانتفاضة المباركة وأخذت تأكل المقاومة "بتكليف شريف" لسلطة الحكم الذاتي يسند إليها مهمة "تصفية أو تدمير البنية التحتية للمقاومة الإسلامية" وشفاء الشعب الفلسطيني من أدواء: المقاومة، التحرير، الحرية، الكرامة... ومن كل أمراض: "فلسطين والقومية العربية الإسلام المنقذ".
وكانت "وادي عربة" قد حققت ركوع الملوك يذرفون الدمع، عند شواهد قبور قاتلي أبناء شعبهم ومغتصبي أرض ذلك الشعب.
كل شيء في الأفق قد اتضح بعد زوال الغيم المصطنع؛ وكل ما كان يدفع التيار القومي إلى نيل شهادة "حسن سلوك تقدمي" من التيار الذي يرى أن الدين أفيون الشعوب وأن القومية شوفينية والإسلام تخلف بورجوازي، كل ذلك قد أصابه الهزال، وزال أو كاد يمسحه الزوال.
لقد خف تأثير سم الأفعى في جسم الأمة الذي كان يحقن في جسدها ذات اليمين وذات الشمال، وبدأت العيون ترسل إلى مراكز التمييز في الجماجم إشارات يمكن فهمها.
في ذلك التوقيت بدأ اللقاء تحت ضغط الضرورات، تداركاً لحسرات قادمة، ولمشاهد بؤس تنذر باجتياح الناس، يقف من ورائها الصهيوني والمتصهين، والمنتفع منهما، وعناصر الطابور الخامس بفيلقيه.
واليوم.. يدرك الذين التقوا والذين يرون في اللقاء جدوى، يدرك أولئك جميعاً كم تأخر بهم الوقت إلى أن تحقق اللقاء، وكم خسروا وخسرت الأمة بين الكبوة والصحوة، وكم يلزمهم من وقت وجهد وجهاد لكي يردموا الهوة فيما بينهم، وكم هي ثقيلة وطأة العدو وأعوانه وما كوِّن من أرضيات في الواقع وفي النفوس لبنائه، وكم هي ضرورية جسور الثقة ليسير العزم آمناً في الاتجاهين، ولتتوجه الإرادات من بعد إلى ساحة الفعل المنقذ آمنة من كل شك وخوف.
في افتتاح الدورة الثانية من دورات المؤتمر القومي الإسلامي في بيروت تكلم شخصان في حفل الافتتاح كان لاختيارهما وموقعيهما وشخصيهما وكلاميهما وقع خاص ومعنى ومدلول عندي. إنهما لبنانيان مثلاً التيارين القومي والإسلامي في اللقاء، أو هكذا خيل إلي، وهما: د. سليم الحص والسيد حسن نصر الله.
سليم الحص: رجل دولة- سياسي- مثقف- سني- قومي الاتجاه، تحمل مسؤولية صعبة في أثناء محنة لبنان وحربه، وسعى خطا بالبلد نحو الأمن والسلام والعمران. وبذل جهداً مضنياً من أجل الخلاص، واكتشف الكثير وتحمل الكثير، وما زال متفائلاً يعمل لوحدة الصف المنقذة.
والسيد حسن نصر الله: رمز مقاومة إسلامية- مثقف- شيعي- إسلامي الاتجاه، يقود حزب الله في مقاومة العدو الصهيوني في الجنوب والبقاع الغربي- تحمل مسؤولية صعبة في المواجهة- وقدم شهداء هم أبناؤه جميعاً منهم ابنه هادي، ويسعى خطى نحو التحرير والأمن والتضامن ووحدة الصف عربياً وإسلامياً.
والرجلان في الموقعين اللذين أشرت إليهما عبرا باسم التيارين والتجربتين ومن الموقعين والمواصفات المتمايزة عن: عزم على اللقاء وثقة بنجاحه- عزم على التخلص من الإحباط وتعزيز الأمل بالنجاح - تصميم على إنجاح اللقاء القومي الإسلامي وإظهار ضرورته وأهميته- انفتاح على الآخر: القومي- الإسلامي أولاً، والمسلم والمسيحي ثانياً، والإنسان في العالم ثالثاً انطلاقاً من سماحة الإسلام وحضارية القومية العربية.
وعبر الأول عن ثقة مطلقة بنهضة الأمة من خلال بناء مشروعها النهضوي الإسلامي، وعبر الثاني عن ثقة مطلقة أيضاً بانتصار المقاومة، التي تفتح أبوابها لكل أبناء الأمة "الأديان والطوائف والأعمار والانتماءات"، وبأهمية أن تتحول إلى ظاهرة شعبية عربية- إسلامية لتدفع الخطر وتحرر الإرادة والأرض.
إنهما- من وجهة نظري- يلخصان التجربة والواقع والتطلع، ليس بشخصيهما وإنما في المواقع التي يمثلان الآمال والأعمال التي نتطلع إليها.
لا أزعم أن المؤتمر الذي تحاور أعضاؤه على مدى أيام ثلاثة، وأصدر بياناً وتوصيات عبرت عن القاسم المشترك من الآراء والتوجهات والثوابت المبدئية والقيمية للأمة قد جعل القومي نسخة من الإسلامي والإسلامي نسخة من القومي، أو أنه قد أزال كل شك وخلاف وتوجس بين الأطراف، ولكنني أزعم أن كل عضو من أعضائه خرج أكثر عزماً وتفاؤلاً وثقة بالآخر ورغبة في التعرف إليه أكثر والتعاون معه بشكل أوثق.
لقد اكتشف القوميون انفتاحاً عند الإسلاميين ما كانوا يتوقعونه ومتابعة ونضجاً وتمسكاً بالحق والهوية والانتماء، واكتشف الإسلاميون إيماناً عند القوميين ما كانوا يتوقعونه ووعياً وحنكة وتمسكاً بالأرض والمقدسات ومعاداة مرة للصهيونية وحماتها وحلفائها، ورغبة في التعاون مع العالم الإسلامي كله لبلورة رؤية وإرادة ومكانة ومصالح مشتركة.
ويكفي أن يتجدد الأفق وينمو الأمل وتتبدى ولو في المدى البعيد إمكانيات أكبر وأوسع للقاء والعمل حتى يصبح اللقاء مجدياً ومشجعاً على تجديده.
اليوم تولد مسيره أصيلة متكاملة واعية لذاتها ولما حولها، أخشى عليها من الأعداء، وأخشى عليها من رسيس الماضي، وأخشى عليها من فتنة السلطة وشهوتها، وخشيتي مبعثها الحب والرغبة في النمو والتطلع إلى ما يمكن أن تحققه من تغيير وما تنجزه من أعمال.
وأكاد أعلن أنها تفتح صدرها للجميع ممن يستطيعون مراجعة الذات والمعطيات، مراجعة الماضي والتخلص من عقده وأمراضه وتراكماته، من أفراد هذين التيارين أو من غيرهما، لتكون حضن الأمة وبوتقتها ومنطلق نهوضها وبداية مسيرتها الظافرة، بعون الله، نحو التحرير والحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية.
والله ولي التوفيق
دمشق 30/10/1997
الأسبوع الأدبي/ع584//1/ت2/1997
|