|
خطابنا الثقافي وخطاب العصر
أعني أولاً بالخطاب الثقافي ما يتصل بذلك الخطاب ويكوِّنه في إطار المفهوم الشامل للثقافة، وليس ما يقتصر منها على الأدبي والفني بآفاقهما وتنوعهما بل بما يتصل بامتدادهما التربوي والفكري وبأداء الوعي البشري عامة عبر قنوات متعددة وبصور أداء متنوعة.
وأعني بخطاب العصر لغة المتقدمين من أهله واهتماماتهم ووسائلهم وأدواتهم وما يستندون إليه من قيم ومصالح ورؤى؛ وما وصل إليه أولئك المتقدمون منهم في ميادين المعرفة والعلم. لاسيما ما تحقق من تقانة عالية أدت إلى تفوق في امتلاك القوة واستخدامها. وهو ما فرض هيمنة قوى على قرارات العالم وعلى بعض صيغ مستقبله من بعض الوجوه، وكذلك ما يصيب أناس العصر من معارف ومكاسب، ومن معاناة وكوارث إحباط أيضاً جراء استخدام أدوات العصر المتقدمة من جهة أو جرَّاء الحرمان منها ومما توفره للإنسان من آفاق، واستخدامها ضدهم لتحقيق أغراض المتقدمين ومصالحهم.
وسوف أحاول التوقف عند بعض أبعاد ذلك الخطاب بشيء من الإيجاز لأصل من بعد إلى تقديم خلاصة ما أتطلع إلى تقديمه مما يتصل به، وأبدأ أولاً بالتوقف عند البعدين القومي والإسلامي في الخطاب :
1- البعد القومي في الخطاب الثقافي العربي:
وهو بعد عريق يؤكد الثوابت القومية والمبدئية والقيمية للأمة العربية، ويعمل على تحقيق الأهداف التي يرى في تحقيقها خروجاً من المآزق التي آل إليها وضع الأمة بعد سني الحكم العثماني وعهود الاستعمار الغربي واستنزاف الصراع المستمر مع العدو الصهيوني.
وهو -فيما آل إليه أمر النضال العربي والتضامن العربي معاً- خلال العقود الماضية من هذا القرن، وعلى أرضية الواقع والطموح، الحق والمتحقق فعلياً على الأرض، يلقي علينا ظلال الأسئلة الآتية وأعباءها:
-هل هو خارج العصر، الذي يدلف إلى العَوْلَمة، وتطغى فيه هيمنة القطب الواحد واقتصاد السوق وصيغة العالم القرية، وينذر بزوال الهويات القومية، كما يقول البعض، عالم الحداثوية التي تفتح آفاقاً عدة لنهج واحد ولغة واحدة وتقانة تتنامى في الشرق والغرب فتتواصل وتتفاعل وتدمر حدوداً وقيوداً وهويَّات وتقيم عالماً يهيمن فيه من يملكها ويهيمن عليها؟!
-هل ما في خطابنا القومي -العربي من: قيم قومية وأحلام وحدوية وتطلعات تحريرية وتحررية، وما يركز عليه من انتماء وأصالة وتواصل حديث بقديم وعربي بآخر، ومصالح مشتركة، هو خارج حدود العصر ومعطياته وخطابه؟!
-هل القومية العربية ماتت؟ أو يمكن أن تموت، وكل ما بني عليها أصبح باطلاً وقبض الريح؟!
-هل زال عصر القوميات -بالنسبة لنا- وهو يتفتح ويزهر ويزدهر عند غيرنا، روسيا الاتحادية مثلاً!! لقد قال بعض الغربيين /من مفكرين وسياسيين/ في مطلع التسعينيات من هذا القرن بعد حرب الخليج الثانية:
"وداعاً للقومية العربية"- "وداعاً للأمة العربية" والهدف هو الإعلان عن رغبة في موت الحلم القومي واستقرار عصر القطريات والدويلات الضيقة الأفق والمدى، التي لا تقوم بينها جسور ثقة من أي نوع وتتهاوى عند مصالح حكامها وأنظمتها المصالح القومية كلها.
وهي قطرية تعلن، وعلى استعداد لأن تعلن في كل حين، تحالفها مع الشيطان ضد الأمة العربية كلها إذا ما هُددت مصالحها أو تم النيل من سيادتها، أو تعرضت لضغط من أي نوع!!
وأنموذجها الأوضح اليوم هو: قطر التي تدعو إلى مؤتمر اقتصادي يحضره الكيان الصهيوني على الرغم من أن ذلك يمس وجدان الشعب العربي كله، ولا يحظى بتأييد الأنظمة العربية ويمس المصالح القومية، وأمثلتها الأخرى كثيرة، وتزداد نشوزاً منذ حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد ومنها:
-الدول العربية التي تقيم تمثيلاً دبلوماسياً مع الكيان الصهيوني، على أرضية الاعتراف به.
-والدول العربية التي تقوم بالتطبيع الاقتصادي والثقافي من تحت الطاولة سواء تلك التي تربطها بالكيان الصهيوني اتفاقيات مثل: /مصر والأردن وسلطة الحكم الذاتي/ أو تلك التي هرولت على إثر تلك الاتفاقيات وأقامت علاقات تجارية وسياحية وعقدت صفقات لبيع الغاز ولإقامة صناعات واستثمارات مختلفة.
-والدول العربية التي أعطت ظهرها بشكل صريح ونهائي لـ:
-العمل العربي المشترك، والدفاع العربي المشترك.
-التضامن العربي.
-المصلحة التي تتعارض مع مصلحتها الضيقة ولو كان فيها مصلحة الأمة.
-القضية القومية بكل ما يتصل بتاريخها وبالصراع من أجلها.
فهل بعد هذا يبقى لدى أهل الخطاب الثقافي العربي بعدُ الهوية والقومية -والأصالة- والوحدة- والتحرر - والتحرير- والمستقبل الواحد، وهي مقولات يحاربها الغرب والصهيونية منذ عقود وأخذ العرب يتنكرون لها بعد تراجع التيار القومي وما أصاب الأمة من إحباط ؟!
وهل التمسك بخطاب فيه مثل هذه القضايا أو يركز عليها، سواء أكان تركيزه ذاك في الإبداع الأدبي والفني أو في التنظير الفكري، مما يعد منسجماً مع العصر الذي يتوجه في مناح أخرى تجعل سوق الهيمنة أو العولمة، لا فرق، تمتد من نيويورك إلى طوكيو، ومن إمبريالية الولايات المتحدة الأميركية إلى اشتراكية الصين، مروراً بتحولات ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي ومجموعة الدول الاشتراكية في أوربا الشرقية من الشيوعية والأممية إلى الرأسمالية والقومية المتطرفة؟!
-وسؤال آخر يتعلق بمطلبي: التحرير- والمقاومة اللذين يقول بهما الخطاب الثقافي القومي قديماً وحديثاً للخلاص من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ولتحرير الأرض والإنسان من أشكال السيطرة والاستلاب، هل هما مطلبان واقعيان - كما يوحي التشكيك -وأسلوبان ينسجمان مع توجه العصر وخطابه الذي يقدم نفسه على أنه عصر الانفتاح وانعدام الحروب والسلام، عصر الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان؟!
وهل هناك مستند واقعي -عملي، أو نظري- منطقي لخطاب يقول بالمقاومة والتحرير في ظل الوقائع الآتية:
-غياب القدرة المادية /علمياً وتقنياً واقتصادياً/ التي تمكن من مواجهة عسكرية ناجحة مع العدو الصهيوني.
-غياب السند الدولي أو الحليف الدولي أو مصدر السلاح المتفوق.
-غياب البعد التضامني، بَلْه الوحدوي، العربي الذي يؤيد مثل هذا التطلع أو الحلم أو معطى الخطاب ويكسبه أملاً؟!
وهل البعد القومي في الخطاب الثقافي الذي يقول بالمقاومة ويتغنى بالشهادة ويسجل نتوءات الفكر والفعل القوميين في وقائع وساحات ومواجهات معينة، منذ مطلع القرن، ما يزال يملك القدرة على الحلم أو على ابتلاع "الوهم" وتسويغه وتسويقه؟! وعلى أية معطيات يعتمد في ذلك!؟ هل هو في العصر أم خارجه؟ هل يدرك خطاب العصر وتوجه ذلك الخطاب وقدراته أم هو خارج الموضوع تماماً يعيش حلماً في التيه ويتوه في الحلم ؟!
-وهل يمكن بعد انتهاء الحرب الباردة ،وسيادة قطب وحيد الطرف، والانتصارات العلمية والتقنية الباهرة للغرب وحلفائه، وبعد امتلاك الكيان الصهيوني لأنواع الأسلحة المتطورة ذات القوة التدميرية الشاملة وتحالفه وتعاونه اللذين يمتدان عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً من تركيا إلى الصين، مروراً بالغرب وبعض دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، أن تقوم حرب يرجو فيها العرب نصراً وتحريراً؟! أو هل يمكن أن تقوم حرب أصلاً في ظل توجه معلن من قبل القوى الكبرى في العالم نحو "السلام" وفرض اتفاقيات باسم السلام؟!
هل الخطاب الثقافي العربي في بعده القومي، الذي واكب ثورة الجزائر، ما زال لديه القدرة على التغني بأمجاد الشعب الجزائري اليوم بعد الذي يُرى ويُسمع، في الجزائر وعنها ؟!.
وهل هناك أمل في استعادة تأثير المد القومي الذي حملته الفترة الناصرية، أو فترة صعود البعث وانتشاره عربياً، ليستعيد الخطاب الثقافي في بعده القومي تأثيراً في الشارع وفي الوجدان العربيين وليتمكن من تحريكهما باتجاه الصمود والمقاومة والحلم الوحدوي والمشروع النهضوي كما كان يفعل في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من هذا القرن مثلاً؟!.
أسئلة وتساؤلات تخترق العظم وتركز فيه برودتها... ولكن : هل هي أسئلة تستقر معطيات واقعية في مقولاتها تصل في استقرارها إلى تقديم أجوبة تنطوي على سلبية مستقرة هي الأخرى ؟!.وهل تلك السلبية " المحتملة" مستقرة في النفس العربية وتملك معطى واقعياً يجعلها تعزز استقرار أدائها السلبي المفضي إلى إحباط إن لم نقل إلى يأس من احتمالات التغيير في المستقبل ؟!.
-هل خطاب العصر، الذي يسعى تحت قناع العولمة والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، قد ألغى، أو يمكنه أن يلغي الهوية والقومية، وحضور الغنى الحضاري في التنوع الثقافي!!.
-هل هو خطاب مصالح أم خطاب مبادئ وقيم "إنسانية" خالصة، خطاب قوة أم خطاب ينطوي على معطى خلقي وإنساني وحقاني يمنحه القوة ؟!.
-هل هو خطاب فكري قومي بنزوع أممي- خلقي أم بنزوع استعلائي فوقي يزري بأمم وقوميات ومصالح لا تملك القوة لحساب أمم وقوميات ومصالح تملك القوة؟!.
إنه بتقديري خطاب قوة تكتسح الساحة الدولية بإمكاناتها العلمية والتقنية والاقتصادية والعسكرية، وتمنح ثقلها في ذلك الموقع لخطابها الثقافي المتنكر في زي إنساني وما هو في واقع الأمر إلا خطاب استلابي- استعلائي- عنصري على نحو ما، خطاب كاذب ومنافق يريد أن يحقق بفعل القوة محو الخطاب الآخر وابتلاعه أو فرض التبعية عليه، ووضعه وأهله معاً، في حالة سخرة واستلاب دائمين!!.
خطاب العصر الذي يمثله الغرب المتصهين وتطفو على سطح منطقه الصهيونية بأساطيرها وتشويهها للحقائق وفعلها التخريبي للثقافات خطاب قوة لا تملك الحق ولا الأخلاق، وخطابنا خطاب أخلاق يملك الحق ولا يملك القوة. وهذا يطرح علينا السؤال المر، ويفتح نافذة الأمل في آنٍ معاً:
- ألا نملك المقومات والإمكانات والمعطيات التي تجعل من نهضتنا ومن أمر امتلاكنا للقوة على أرضية العلم والإيمان أمراً ممكناً؟! في ظل حقائق: أن الحياة حركة لا تعرف السكون على حال، وأن الحركة تحمل التغيير، والتغيير يحمل كل الإمكانات والاحتمالات، سواء أكان بفعل إيجابي من الضعيف المتواكل ينهي ضعفه وتواكله، أو بفعل سلبي تدميري من القوي المتآكل في الأعماق ينهي قوته ويعري حقيقته ويفسح في المجال أمام تجدد الحياة والشعوب والحضارات الأخرى على حساب زواله بفساده ؟!.
- دروس التاريخ تفيد ذلك.
- وقراءة تجارب الأمم تؤكده.
- واستقراء الواقع يبشر به.
فليست قوى اليوم هي قوى خالدة وباقية إلى الأبد: في القديم كان الفراعنة والآشوريون والفرس واليونان قوى عالم ما قبل الميلاد، وتغير الوضع من بعد فأصبح الروم والفرس والبيزنطيون ثم العرب المسلمون، ثم المسلمون ومنهم العرب، قوى العالم الحية؛ وجاء عهد سادت فيه فرنسا وإسبانيا وبريطانيا واليابان، ثم تراجع أولئك ليصعد الألمان ليكون على ترديهم صعود السوفييت والأميركيين..، وها نحن في عالم شهد انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو ويترقب صعود نجم الصين ليضاهي النجم الأميركي أو لينذر بأفوله..
فهل هناك ثبات على حال؟ أليس تداول الدول سنة الحياة وقانونها وديدنها؟ وهل هناك مراكز حضارية ومراكز قوة دائمة في العالم وهناك أطراف لها لن تتمتع إلا بحق أن تكون أطرافاً، أم أن موضوع الصعود والهبوط، والتحول والانتقال، والنهوض والإخفاق هو شأن الحضارة والقوى البشرية على مر الزمن؟! وهل هناك ما يمنع- انطلاقاً من ذلك واعتماداً عليه - من صعود نجم أمة العرب ونجم المسلمين مرة أخرى ؟!.
يحذِّر صموئيل هنتنغتون الكاتب الأميركي صاحب: صراع الحضارات من مستقبل يتعاون فيه المسلمون والصين ضد الولايات المتحدة الأميركية والغرب؟! ويحاول أن يسترعي الانتباه لتتوجه الصواريخ العابرة للقارات والنزوع المتصهين في الغرب المتعاون مع الصهيونية إلى ما يقرره من خطر قادم.
ولنا أن نرد على ذلك بأن الثقافة الحقَّة تقيم جسوراً بين الأمم وتصنع التعارف وتمتن الصداقة وتعزز السلام إذا كانت في خدمة الإنسان والقيم والمبادئ والأخلاق، أما إذا كانت موظفة لخدمة المصالح والأطماع الاستعمارية والشهوات التسلطية المريضة ورأس المال الجشع والربى الصهيوني والعنصرية العريقين لدى من يمثلهم " شايلوك التاريخي" فلا يمكن أن تنتج إلا "شراً وتدفع باتجاه الشر، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم"
إن البعد القومي في الخطاب الثقافي العربي يأخذ بالتحرير ويعزز المقاومة ويناصرها، والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال ،المقرة حسب القوانين والأعراف الدولية تغدو خارجة على العرف في السائد من خطاب العصر /ذي الصبغة الإعلامية- الأميركية -الصهيونية، الصبغة المصلحية التي تتسلح بالقوة وتعمل على قهر الآخرين/ وتغدو المقاومة حسب المعايير الأميركية- الصهيونية وخطاب القوة الذي يعلى شأن تلك المعايير على سواها وعلى الحق ذاته، تغدو إرهاباً، ويغدو الخطاب القومي مناصراً للإرهاب ومعادياً للسلام، أقصد السلام الذي يروجه خطاب العصر الصهيوني- الأميركي اليوم، وهو" سلام" لا صلة له بالعدل والحق ولا بالسلام بمفهومه الحقاني - الإنساني التاريخي.
وتنتقل صفة الإرهاب لتغدو قاسماً مشتركاً يصيب البعد القومي والبعد الإسلامي في الخطاب الثقافي العربي.
فتصبح الأصولية القومية والأصولية الإسلامية تهمتين تقتضيان الاقتصاص ممن يتهم بهما.
-فالقومي الأصولي- حسب خطاب أقوياء العصر- يمارس "الإرهاب" أو يدعم من يمارسه.
-والإسلامي الأصولي يمارس "الإرهاب" في فلسطين وجنوب لبنان، أو يدعم من يمارسه، وينسحب إلى اتهام للإسلام من خلال "الإسلامي" واتهام للقومية من خلال القومي.
فلنتوقف قليلاً عند البعد الديني في الخطاب الثقافي العربي إذن، بعد أن توقفنا قليلاً عند البعد القومي من ذلك الخطاب.
وتوقفنا هذا سيكون استفزازاً في صوغ الأسئلة التي تطرح علينا نحن العرب المسلمين أو على المسلمين إجمالاً، لأنها توجه مباشرة نحو الإسلام ممن يكنّون له ولأهله ضغينة، حتى من مسلمين ما عاد يربطهم بالعقيدة إلا الاسم وبعض الشكليات، ومن مسلمين مسجلين "في قيود السجلات المدنية"، بينما يختارون موقفاً من الإسلام أو موقفاً من الدين.
وعلى هذا نبدأ بطرح أسئلة البعد الديني في الخطاب الثقافي العربي مركزين على الشق الإسلامي في ذلك البعد: البعد الديني في الخطاب الثقافي العربي وهو بعد متأصل في خطابنا الثقافي العربي:
هل هو خطاب متخلف أم يقود أصلاً إلى التخلف من حيث مرجعيَّاته وغيبيَّاته وأدواته ووسائله؟!.
إنه سؤال يثير الانزعاج والاحتجاج، بل والغضب المفضي إلى العنف، وربما العنف المشروع؛ لأنه من غير المقبول ومن غير المحتمل توجيه نقد ضمني لخطاب يشكل رصيده أعظم ما في الوجدان الشعبي من رصيد، وما في الإرث الثقافي المتداول من دون تحقيق تلك الإثارة أو الجرح لمشاعر الناس؟! وخطاب يجرح مشاعر الناس يخرج بهم عن المألوف ،ربما كان ذلك ليس من حقه على الرغم من مشروعية أن يسعى الخطاب إلى الخروج عن المألوف بعد الولوج فيه.
وهل هو خطاب عصري ذو مستقبل أو يفيد الناس في المستقبل، أم أنه خطاب عفى عليه الزمن وتجاوزته البشرية، ونقض بنيته العلم، ودمرت هياكله الحداثة وما بعدها فيما دمرتا؟! وأثار العقل من حوله الشك فزعزع بعض ما يترسخ فيه وما يقوم عليه من يقين؟!.
ليس من المفيد التهرب من سؤال ومن دوائر تنداح على صفحته مهما كان فجاً واستفزازياً، فالتهرب لا يلغي الشك ولا ينهي المشكلة ولا ينقض السؤال حتى لو احتجب وراء غلالات من ضباب وغبار.
في خطابنا الثقافي بعد ديني /إسلامي ومسيحي/ ويتجلى هذا البعد في قيم ومحرمات ونواهٍ ودعاوة. ويواجَه خطابنا الديني بتهم وينسب إليه بعض التطرف أو قل التعصب.
ويرمى من قبل قوى معادية ذات تأثير عالمي ومن قوى عربية ذات حضور رسمي أو ثقافي بأنه الإرهاب أو يؤسس لنوع من الممارسة تصب في الإرهاب!!.
فهل نقر ذلك جملة أو نرفضه جملة، أم أن هناك هوامش على كل صفحة تتصل بذلك القول وبالرد عليه وتفسح في المجال للتأمل والتروي ؟!.
بداية أوضح موقفاً ورأياً بإيجاز:
-الخطاب الديني موجود ومؤثر وهو في حالة نمو، ورصيده على الأرض كما في الوجدان يتعزز في معظم الوقت، وشعبنا ذو اعتقاد ديني ثابت واضح، وليس من السهل مجاوزة هذه الحقيقة أو القفز فوقها.
-وهو جزء من الهوية والتكوين الفكري والنفسي والاجتماعية، ولا مصلحة لنا في إضعاف تأثيره أو في تهميشه، ولن يكون عامل ضعف أو تخلف إلا من خلال فهمنا له واستخدامنا إياه ونوع تواصلنا معه ومع العصر من خلاله.
-وليس هو سبب التخلف ولا يمكن أن يكون، وإنما بناؤه وتوظيفه وأداؤنا له وتوظيفنا لذلك الأداء قد يكون متخلفاً فيقود إلى التخلف وضيق الأفق والتحجر والتعصب.
المصدر الأساسي لذلك الخطاب /القرآن ثم الحديث ثم السنة الثابتة قولاً وعملاً/ والمراجع كثيرة، ولمن ملك القدرة عقلياً وشرعياً وعلمياً وتمكن من المعرفة وأدواتها، حق الاجتهاد.
ولكن هل يمكن أن يغلق علينا أبواب الفهم والتبصر والتأمل والاجتهاد إلا جهل أو قصور أو تجاهل أو تجهيل؟! وهو مما يُرفض الاحتباس في أقفاصه والركون إلى معطياته وأحكامه؟! ومن يمنع من التأمل والتفكر والتبصر وهو كله مما يحث عليه الدين ويحتِّمه العقل ويقود إليه الوعي.
يفترض في الخطاب الديني أن يعزز الإيمان والإيمان كلٌ لا يتجزأ، ومن حَسُن دينه حسن إيمانه وحسن سلوكه وحسن أداؤه."إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، والمؤمن حر لا تحكمه عبودية لغير الله، ولا طاعة عليه لأحد في معصية الخالق، ومعصية الخالق تكون، بالنسبة للمؤمن في كل ما يؤثر فى صفاء الرؤية والقلب والعقيدة، وما ينطوي على ظلم أو غش أو فساد من أي نوع، والمؤمن إن أحسن الفهم والتمثّل والسلوك."يعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً" وفي ظل هذا التوازن المعيار والمعيار المتوازن ينشأ إقبال غير محدد على الحياة وعلى ما أحل الله لنا فيها، وهو بلا ضفاف بوصفها ممراً إلى مستقر؛ كما تنشأ مراعاة غير منقوصة لما يوفر اطمئناناً روحياً إلى فعل شامل ينفع ويشفع في الآخرة، دار القرار.
وخطابنا الديني القائم على الإيمان والداعي إليه لا ينقض العلم، ولا يضعفه بل يعززه؛ ولا يجوز، بأي حال من الأحوال، أن يعوق الاندفاع في طرقه كافة أو يقصر في دفع الناس إلى السير في تلك الطرق كافة.
فليس هناك وعي من دون معرفة واستخلاص عبر وتكريس خبرة، ولا يكون ذلك خارج حدود العلم والعمل به أو على هامشه وهامش الإيمان بقدرته على الإنقاذ وتعزيز الإيمان ذاته، ولا يتحقق تقدم من دون تحويل معطى العلم النظري إلى تطبيق عملي على أسس تقنية عالية تمكّن من توفير المنتجات المتقدمة في الميادين كلها، حيث تتوافر مقومات البقاء والحماية والأمان والصحة والحرية والسعادة والازدهار في ظل التقدم والأمن.
فإذا شكّل الفكر الديني عائقاً في وجه تقدم الإنسان ونمو قدراته توجب طرح السؤال على الفكر والمفكرين، وتقصي أسس الفهم والتفسير والتأويل والتدبَّر والتدبير. وقد فتح القرآن أمامنا أفق التجاوز بالعلم والإيمان من دون حدود، حيث جاء النص في قوله تعالى: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" صدق الله العظيم. والسلطان هنا علم وحجة وبرهان ومنطق وعقل وقدرة على الأداء بإبداع وابتكار بتفوق، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام /اطلبوا العلم ولو في الصين/ ولم يكن في الصين علم من علوم القرآن أو الحديث يوم ورد الحديث، ولكنه جاء للحث على بذل أقصى الجهد لتحصيل المعرفة بكل أشكالها حيثما أمكن ذلك وامتلاك القوة بالمعرفة كيفما تم ذلك. ورباط الخيل الذي نرهب به عدو الله وعدونا، أصبح اليوم بالتطور والتقدم العالميين رباط صواريخ وطائرات ودبابات وقنابل متعددة القدرات، وذلك أمر مندوب إليه ديناً وعلماً وعقلاً وبقاء قومية وحماية للناس والعقيدة والأرض
-ولا يجوز أن يكون الخطاب الديني مصدر اعتراض على النزوع القومي، والتمايز القومي، لا عند العرب ولا عند سواهم من الأقوام، ولا سيما في ديار الإسلام؛ لأن الإسلام لم يمنع التمايز القومي بل منع التعصب القومي والغلو والغطرسة والتعالي على الأفراد والأمم. ولكن الحالة الاعتراضية مستمرة على التعصب والغلو والتمييز العنصري، فقد فضل الناس بالتقوى وليس بالعرق والدم واللون.
"وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكركم عند الله أتقاكم." كما جعل الانتماء إلى العروبة انتماء ثقافياً في صورته الأسمى حيث جاء في الحديث الصحيح : " أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، العربية لسان، فمن تكلم العربية فهو عربي." وهنا انتماء يتعالى على العصبية العصابيَّة العنصرية باستمرار.
وعلى هذا فإنه من غير المقبول أن يتعارض الشق الديني من خطابنا الثقافي مع الشق القومي لذلك الخطاب، فالأساس هو التكامل وليس التضاد أو التنافي أو التخاصم.
وهذا يفضي بنا إلى طرح موضوع التفاعل الحيوي والتداخل العضوي بين البعد- الشق -الديني والبعد- الشق- القومي من خطابنا الثقافي اللذين ما انفكا في نزاع وفراق وصدام منذ نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن على نحو ما، لدرجة خيل معها للبعض أنه لا يستقيم حال الأمة إلا بنفي أحدهما للآخر، وكأنهما ضدَّان لا يلتقيان، مع أن الواقع والمعطيات القومية والدينية تشير إلى غير ذلك.
وسبل الخروج مما تلاقيه الأمة من مآزق وأزمات وضعف وتهافت واستهانة بمصالحها وإرادتها ناتج في معظمه من تفرق في العمق صُنِّع وغذي بمهارة واستمرار، جعل العروبة في مقابل الإسلام والإسلام في مقابل العروبة فأضعف الطرفين ونال منهما، وجعل أعداء الأمة يستبشرون بتحقيق انهيارهما في القرن القادم كما أعلن بعض الغربيين في مطلع التسعينيات من هذا القرن:" كما شهد القرن الحالي انهيار الماركسية والشيوعية سوف يشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام." فهل يكون ذلك من غير أن نكون نحن شركاء فيه؟!.
الأسبوع الأدبي/ع585//8/ت2/1997
|