|
إشارتان عربيتان لافتتان
إشارتان واضحتان أرسلهما الوطن العرب /رسمياً وشعبياً/ في الأسبوع الأخير، هذا الشهر، إلى الولايات المتحدة الأميركية والعالم، تعبران عن الوجدان الشعبي، وتفتحان نافذة أمل على مرحلة عربية جديدة، نرجو أن تعززا التضامن وتغيرا العلاقات العربية العربية، وتدفعا باتجاه عمل عربي مغاير للذي شهدناه منذ بداية التسعينيات، والإشارتان هما:
- رفض المشاركة في مؤتمر الدوحة.
- ورفض الموافقة على توجيه ضربة عسكرية إلى العراق. والإشارتان على ما فيهما من تردد وضعف جراء عدم تماسك الجبهة التي أصدرتهما ووجود خروق واضحة فيها، وشعورها بفقدان عنصر القوة الذي يعزز استقلالها ووحدة قرارها، إلا أنهما تحملان مدلولاً قوياً، وتبعثان رسالة مفهومة، وتقدمان مؤشراً مستقبلياً.
فمؤتمر الدوحة الذي عقد بمشاركة خمس دول عربية هي: تونس والأردن واليمن وعمان والكويت، وبحضور عشرات الأشخاص من رجال الأعمال العرب الذين وطنهم هو قرشهم في نهاية المطاف وقضيتهم هي ربحهم، مؤتمر الدوحة هذا شكل لطمة سياسية قوية للإدارة الأميركية ولسياستها الخارجية.
فبعد تعالي أولبرايت لمدة طويلة منذ تعيينها وزيرة للخارجية ورفضها أن تزور المنطقة لتجعل العرب يخضعون أكثر ويركضون نحوها أكثر، زارتها حرصاً على أمن إسرائيل وقالت إنها لن تكرر الزيارة إلا إذا كانت هناك تغيرات ومعطيات إيجابية- من وجهة نظر الصهيونية العالمية- تجعلها تعود إليها؛ وكان يسعى إليها الرؤساء ولا تسعى إليهم، ولكن حين جاءت في مؤتمر الدوحة الذي فرضته على منظميه والمشاركين فيه لم تجد سوى وزير خارجية قطر بانتظارها، وغاب وزراء الخارجية العرب وكل المستوى الذي كان يتطلع إلى زيارتها ولقائها، ووجدت نفسها محاصرة بتناقض المنطق الأميركي الذي كان قبل انعقاد المؤتمر يضغط باتجاه فصل الاقتصاد عن السياسة، ويدعو الدول العربية إلى المشاركة في مؤتمر الدوحة بصرف النظر عما يتحقق في مسار المفاوضات السلمية وعلى المسار الفلسطيني من تلك المسارات.
وفي المؤتمر وبعده تبين لها أن منطق المستثمرين يرتكز على مقولات الأمن والاستقرار والسلام، تلك التي لم تحقق خطوات جادة على طريقها، والتي لا يمكنهم غيابها من المغامرة. كما تبين أن عدم حضور فلسطينيي عرفات الشريك في أوسلو وديفيد ليفي وزير خارجية الكيان الصهيوني هو إعلان مباشر عن عجز الإدارة الأميركية عن إحراز تقدم في المسار السياسي، وإخفاق واضح في شد الذين يخوضون في أوحال أوسلو إلى مائدة اقتصادية، وهم جياع إلى الثقة والاطمئنان، وعاجزون عن استعادة طريقهم وهدفهم، وعندما أكد المؤتمر على موضوع التقدم في مسار السلام ليتم تقدم في مسار الاقتصاد وجدت الإدارة الأميركية نفسها بمواجهة الحقيقة التي عملت أشهراً على إخفائها أو قلبها وهي أن تلازم التقدم في مساري السياسة والاقتصاد معاً في "عملية سلام الشرق الأوسط" وأنه من دون ذلك التلازم لا يتحقق للراغبين في الاستثمار على حساب السياسة والسلام أي أمن أو اطمئنان إلا بوجود سلام حقيقي ومناخ يساعد على الاستقرار والاستثمار.
وارتفع صوت يقول بضرورة إحراز تقدم في مسار السلام الذي نقضته وعطلته سياسة الكيان الصهيوني وأطماع الحركة الصهيونية.
لقد عقد مؤتمر الدوحة، وحضره حوالي ألفي شخصية من 64 بلداً بينهم /850/ رجال أعمال و/500/ مسؤول في درجات ما من المسؤولية، وبين رجال الأعمال عرب من أقطار عربية قاطعت المؤتمر؛ وانعقاد المؤتمر على هذا النحو يطلق إشارتين:
- إن النفوذ الأميركي في المنطقة موجود ومؤثر وقادر على فرض عقد مؤتمر ولكنه لا يستطيع إنجاحه، ولم يعد ذلك النفوذ كاسحاً في المنطقة ولهذا ما له من دلالات.
- إن المنطق الأميركي المزدوج الذي يزدري المصلحة والمنطق العربيين، بدأ يجرّؤ العرب على كشفه ومواجهته، وهذه بداية تهافت تأثيره على الأنظمة بعد أن تهافت ذلك التأثير في الشارع العربي إلى حد كبير.
أمَّا رفض الدول العربية الظاهر المعلن:
ابتداء من سورية ومصر وانتهاء بالسعودية والكويت، توجيه ضربة عسكرية أميركية إلى العراق، الذي يختلف مع لجنة التفتيش الأميركية التي تعمل تحت غطاء مجلس الأمن الدولي، فهو موقف ذو تأثير وانعكاسات، عربياً ودولياً؛ وعلى الرغم من اقترانه بتأكيد الدول العربية على ضرورة التزام العراق بقرارات مجلس الأمن التي يقول إنه التزم بها، فإنه موقف يعبر عما وصل إليه الوجدان الشعبي العربي من درجة احتمال فاقت قدرته على الصمت فالعراق الذي لا يجد أطفاله الدواء أو الغذاء أو الأمان، ولا يجد كتابه الورق والحبر والمطبعة وسوق الكتاب، ولا يجد شعبه السلعة وحرية التواصل مع العالم والقوة الشرائية؛ العراق المحاصر منذ سنوات، والمقطعة أوصاله بوجود القوى الأجنبية على أرضيه، المخترق بحزام من الشمال وبقوة أميركية ترابط في الجنوب، والذي نفتش عقول أبنائه ومكتبات جامعاته للبحث فيها عن إرادة وعلم وعزم وتصميم على الوجود والتقدم والتحرر؛ يريدون له أن يتخلف أكثر وأن يعاني أكثر وأن يركع أكثر، من دون أن يلمَح في نهاية النفق المظلم شعاعاً من أمل. إنها عملية التيئيس والتفتيت وقتل الروح التي أدركتها الأمة العربية اليوم، وأدركت معها حالة الابتزاز والاستنزاف التي يريد الصهاينة والأميركيون أن يبقوا الوطن العربي فيها، لا سيما أهل الثروة والقوة المحتملة من أبنائه. وحين يقول الوطن العربي "لا" لموت العراق ولا لضربة أخرى لشعبه وبقية منجزاته، لا تقولها كل أنظمته بالحماسة والرغبة ذاتهما ولا باليقين والحرص ذاتهما أيضاً، فهناك بعض ممن يقول لسانه لا ويقول "قلبه" نعم، وهناك العكس أيضاً. وقد عبر وزير الدفاع الأميركي ووزيرة الخارجية الأميركية عن تَيْنِك الحالتين في بعض العبارات؛ ولكن الصيغة الشعبية العربية المطلقة ترفض إلحاق المزيد من المعاناة بشعب العراق، والصيغة الرسمية العربية العامة تقول كفى.. وهناك من يضع هوامش هنا وهناك لكل من لا ونعم.
لكن أن تصبح "لا" الرسمية اليوم هي البديل "لنعم" شبه رسمية قبل سنوات، فإن لهذا دلالاته ولهذه الدلالات ما بعدها؛ وأن يقولها الرسميون العرب للإدارة الأميركية في الوقت ذاته تقريباً الذي قالوا لها فيه لا "للدوحة" التي تخدم مصالح الكيان الصهيوني وتلغي مصالح العرب فإن هذا يشير إلى:
1- استقرار واع من قبل الأنظمة العربية للسنوات العجاف التي مرت من هذا العقد بصحبة "الراعي" الأميركي البشع.
2- تبصر موضوعي بأهداف المشروع الصهيوني وتطلعاته وممارساته ولاسيما في ضوء رفضه تنفيذ ما أقره، ووقعه من اتفاقيات وما توصل إليه مع أطراف عربية من محادثات، وإصراره إلى الاستيطان والتوسع والتهويد وامتلاك أشكال القوة المدمرة؛ وإقامته سلسلة من التحالفات التي ترمي إلى تنفيذ المخطط الأميركي- الصهيوني بإعادة رسم الخريطة الجيو- سياسية للمنطقة، وإسناد مهام الأمن والهيمنة والسيطرة والنفوذ فيها، وقلب الطاولة على أهلها وهويتهم القومية، بل وعلى بعدهم الإسلامي في مفهومه الصحيح وتوجهاته التحريرية والنهضوية.
3- إعادة إدراك واستدراك لحقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية لا يمكن أن تحسب لهم حساباً وهم فرادى، ولا تريدهم هي والكيان الصهيوني إلا فرادى؛ وأنها لا تشعر بهم ولا يمكن أن تشعر بأي احترام لهم ومراعاة لمصالحهم إلا إذا رفعوا صوتاً وحركوا يداً وهددوا مصالحها ونفوذها، ولو من بعد.
4- استخلاص دروس من قراءة جديدة للشارع العربي، ولرغباته وتوجهاته، واستخلاص دروس أيضاً من المقاومة في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان وما يمكن أن تؤديا إليه من تغيير على الأرض إذا ما تم تجسيد إرادة المقاومة وإرادة التحرير، أو على الأقل إرادة المحافظة على صوت وحرية قرار ونغمة سيادة "عذبة" تقع وقع موسيقا الجاز و"الروك أند رول" على مسامع راعي البقر الثمل بما أنجزته الغطرسة.
إن الإشارتين اللتين توقفت عندهما قليلاً: إشارة لا للدوحة ولا لضرب العراق، يمكن تثميرهما وتنميتها والبناء انطلاقاً منهما ليصبح هناك أساس جديد متين لموقف عربي جديد متين بعد التردي المزري والتهافت الكريه الذي وصل إليه الوضع العربي اليوم.
لقد تجرأت مادلين أولبرايت على القول في افتتاح مؤتمر الدوحة "المؤسف أن الوقت لا يعمل لصالحنا" وكانت تعني ما يتعلق بالمفاوضات بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني خصوصاً وبين ذلك الكيان وبقية العرب عموماً، ولكن الوقت في الموضوع الثاني "موضوع توجيه ضربة للعراق" يعمل في صالح الأميركيين الذين يخططون- بتقديري- لتوجيه ضربة إلى العراق تحقق لهم مخططهم فيه ومن حوله، وهم الآن يستثمرون الوقت بدهاء:
- فمن جهة يعملون سياسياً على ما يسمونه حل دبلوماسي- سياسي.
- ومن جهة أخرى يحشدون القوات في الخليج ويمارسون الضغط على الساحات المعنية بالمهمة القتالية، ويهيئون مناخاً ملائماً بينهم وبين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والقوى الأخرى التي تعنيهم عندما يتخذون قرارهم في التنفيذ.
وأكاد ألمح شرر القصف وأشم رائحة الحرائق والجثث المحترقة تتصاعد مرة أخرى من قلبنا وجسدنا في العراق من "عامرية جديدة" وخنادق تغمر رجالها الرمال!!
وحيال هذا التساؤل المر أتساءل:
- هل من سبيل إلى تحويل "لا" العربية التي ارتفعت في القضاءين الرسمي والشعبي إلى قوة مؤثرة تمنع "الأميركي- الصهيوني" من تنفيذ مخططه وتوجيه ضربته؟!
- وهل من سبيل إلى منع العراق من الانجرار إلى الفخ تحت تأثير نزيف جراحه وكبريائه المجرحة، وآماله المهددة في كل آن؟!
- وهل، إذا تحقق ذلك، من سبيل إلى إيجاد مناخ دولي أكثر تفهماً وأكثر قدرة على إحقاق الحق وإشاعة العدل؛ مناخ يأخذ بالاعتبار:
- حق العرب ومصالحهم في موضوع فلسطين والجولان وجنوب لبنان، وما ينشأ على ذلك الجذع من فروع.
- وحق الشعوب العربية المحاصرة والمظلومة والملاحقة بقدرة القهر والابتزاز الأميركي- الصهيوني في أن تعيش بأمن وأمل وراحة، وأن تتمتع "بحقوق الإنسان" مع حرية اختيار تامة في مجالات الاعتقاد والهوية الثقافية والقرار السياسي والنظام الاقتصادي التي تريد، ونوع الاستهلاك الذي تستهلكه والبرامج التي تتابعها؟!
- هل من سبيل إلى احترام حقها في أن تختار بين ملكية الدولة لقطاع عام والخصخصة المهرولة في ركاب مؤتمرات "إسرائيل" الاقتصادية؟!
إن الموقف العربي القوي الموحد مفتاح ذلك، والتضامن العربي القوي مفتاح الموقف العربي القوي، والوعي بالوضع الذي نحن فيه وبما يراد لنا أن نكون عليه مفتاح التضامن والموقف معاً؟!
فهل يكون لنا، انطلاقاً من هاتين الإشارتين، أمل في رؤية مغايرة متفائلة نضعها على طريق التنفيذ والتجسيد، لنتمكن من وضع أقدامنا على طريق أكثر أماناً وأملاً واستقلالاً؟!.
الأسبوع الأدبي/ع513//23/آيار/1996.
|