|
بين يدي قمة طهران
ـ1ـ
في شهر كانون أول / ديسمبر / القادم 1997 تنعقد قمة الدول الإسلامية في طهران، ويأتي انعقادها في مكان وزمان يستثيران التوقعات ويحرضان على التخيل، حيث تحتشد فيهما تحديات وأسئلة وأزمات ومعطيات كثيرة وخطيرة، وكل ذلك يطرح نفسه وثقله وظلاله على القمة العتيدة، التي تتوجه إليها أنظار وأسماع وأفئدة من داخل العالم الإسلامي ومن خارجه، بانتظار ردود وحلول ومواقف، تحدد كلمة العالم الإسلامي ورؤيته وتوجهاته، إن أمكن، للتعامل مع ما هو مطروح من قضايا ومشكلات.
ولا أتصور أن "جوب" طهران سوف يتسع لماء الروافد التي سيحملها كل وفد إلى القمة في جعبته، وهناك من سيحمل المعاناة وخطاب الدم الذي يراق في بلاده، وهناك من سيحمل خطاب التحدي والتصدي لصيغ الظلم والاستلاب، وهناك من سيحمل ظلال الأغلال والقيود والقهر والحصار بأنواعه، وهناك من سيحمل عقاربه وأفاعيه في جراب مزيَّن بالكلام والشعارات والجمل المنمقة، وهناك من سيحمل حكمته وصبره وإيمانه وثقته بالله وبالأمة وبالمستقبل؛ ولكن قمة طهران لن تكون بعيدة عن تأثير ما يجري من حولها، ولن تكون بمنأى عن التوتر الذي يثيره احتشاد القوة الأميركية في الخليج العربي وتعزيز تلك القوة المستمر، ولا عن صلصلة زَرَد الحديد وما ينفثه الطيارون الأتراك وحلفاؤهم الصهاينة والأميركيون من حقد وتوتر في سماء العراق وعلى تخوم سورية وإيران، لما ينطوي عليه ذلك التحالف من تهديد للإسلام والمسلمين معاً ولمصالح الشعوب الأصيلة في المنطقة، لاسيما إذا ما أحسنا قراءة توجهات ومخططات، أولئك "الجنرالات الدونما " الذين يحكمون تركيا منذ أواخر عهد السلطان عبد الحميد، وأدركنا حقيقة أنهم الأكثر وفاء لجذورهم وأصولهم ولنهج "تركيا العلمانية" الذي وضعه ابن يهودية من سالونيك ويحتشد الصهاينة اليوم على نهجه ليعيدوا ترتيب الجغرافية السياسية للمنطقة وليسيطروا على منابع الطاقة من الخليج العربي إلى بحر قزوين، الذي يسيل نفطه وغازه لعابهم هذه الأيام، وليفرضوا هيمنة شاملة على الأمن والاقتصاد والمياه بما يملكون من قوة.
ولا أظن أن قمة إسلامية تنعقد اليوم لا يزدحم على أبوابها أنين المسلمين الجياع في إفريقيا السوداء وفي مناطق شاسعة من آسيا، ودم الأبرياء المذبوحين بسكاكين تُنمى إلى الإسلام والمسلمين؛ ومعاناة الشعب الأفغاني من صراع "المسلمين " على أرض الإسلام والمسلمين ؟!
ولا أعتقد أن أهل القمة الإسلامية سوف يتحصنون في مواقعهم العزيزة بعيداً عن تحديات العلم والتقدم والقوة التي تطرق أبواب العالم الإسلامي كلها وتنوشه من أطرافه وتدفع في وجهه الصوت والسلاح معاً، وتخضعه لاستنزاف متعدد الوجوه ليبقى خارج حدود العصر وموضوعاته الرئيسة ومعطياته الهامة:
- العولمة بكل أبعادها وتهديداتها ومقولاتها وتحدياتها سوف تزحف إلى أعتاب القمة، وتلقي عليها أسئلة سوق إسلامية مشتركة، ومصير القطاع العام، ونوع الخصخصة المطلوبة، والحمايات الجمركية، وإمكانية إقامة صناعات وسلع مزاحمة لما تطرحه الأسواق المنافسة.
- وعالم المعلوماتية، ووسائل الاتصال الحديثة، والفضائيات وشبكة الأنترنيت، والمعطى الثقافي المعاصر كله، المحمول على تلك الأجنحة التقنية العالية الأداء النافذة التأثير الذي يطرح أسئلة الهويَّات القومية ومصيرها، وحدود الوطنية وحمايتها، واختراقات الغزو الثقافي والتطبيع وأساليب الاستلاب الثقافي كله، وكيفية مواجهتها؛ كما يطرح التحديات التي تصب نيرانها على القيم الخلقية والاجتماعية والعقائدية ذاتها، وعلى بنية الأسرة وتكوين الفرد وتنال من الشباب تخريباً وتخييباً في آن معاً، كيف الرد عليها والتعامل معها وتكوين أجيال على أسس ومبادئ لتحقيق أهداف بعيدة؟!
هل يكون ذلك بالتقوقع وإغلاق الأبواب، أم بالتحصين الفعال بمعطى الأصالة والوعي والمعرفة والعلم وبامتلاك القدرة على المزاحمة في كل ميدان أدبي وفكري وإعلامي وفني وتربوي وعلمي خالص على أرضية الإيمان والتفاؤل والاعتداد الواقعي بالنفس؟!
- تحديات التبشير الاستعماري والتخريب الصهيوني، وجهود وبرامج مجلس الكنائس العالمي، وما يُبث هنا وهناك في أقطار وطننا العربي من سموم لإشاعة فرقة دينية ومذهبية؟ وتركيز الصهاينة والغرب وفئات مرتبطة تاريخياً بالاستعمار وناذرة نفسها لصيغ الأداء العدواني المتجددة، تعمل على إثارة النعرات الطائفية والعرقية والصراعات والفتن، وهي نوع من السوس في جسم العالم الإسلامي وعلاقات أقطاره وحكامه ومجتمعاته هل ستبقى من دون ردود؟.
وسوف تقف على مقربة من هذه الفئة من التحديات معطيات تخدمها بشكل أو بآخر تأتي من رسيس صراع المذاهب الإسلامية، فهل تستطيع القمة الإسلامية أن تولي عناية واهتماماً للموضوع الثقافي العام بمفهومه الشامل ومساحات آرائه وتواصله مع الآخرين، وتقدمه درجة أو درجات على سواه، لأنه من أهم جبهات المواجهة المستقبلية، سواء في ميدان المثاقفة أو إطفاء الفتن أو صوغ توجه التقريب بين أبناء العالم الإسلامي ودوله وطوائفه ومذاهبه وأقلياته!؟!
هل تستطيع أنظمة مسؤولة عن طاقة بشرية تزيد على مليار ومئتي مليون مسلم / أي خمس العالم تقريباً / أن تخصص للمشترك العقائدي والثقافي بين أبناء العالم الإسلامي ما تخصصه الولايات المتحدة الأميركية لما يسمى " فيلق السلام " مثلاً وهو الذي يدعم سياسة أوسلو ويقوم بالترويج للاعتراف " بإسرائيل " وتطبيع العلاقات معها، وإحداث اختراقات في الجسم الثقافي العربي على أرضية توجهات مثقفي لقاء " غرناطة " وتحالف " كوبنهاغن "؟! وقد بلغ ما خصصته لذلك الفيلق في موازنة عام 1998 / 222/ مليون دولار أميركي، تصرف على مراكز أبحاث وتجمعات ذات أهداف سياسية وثقافية واجتماعية منها : جماعة القاهرة من أجل السلام وجمعية أبناء إبراهيم في الأردن المتعاونة مع جماعة السلام الآن في فلسطين المحتلة بإشراف الموساد والــ C.I.A .
وعلى صعيد آخر من المشكلات والأزمات وبؤر التوتر والمواجهات ستجد قمة طهران بين مقاعد وفودها وبين ملفاتهم وعبر ابتساماتهم مشكلات مثل : جزر " أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى - جزر حنيش - قبرص - كشمير - البوسنة والهرسك - أفغانستان- الصومال - والمعلق بين العراق والكويت والعراق وإيران، وبين تركيا وجيرانها العرب والإيرانيين، ومشكلات المسلمين في الغرب كله ومشكلات الحصار والتهديد بالحصار والدمار، وأوضاع داخلية فيها عنف وعنف مضاد واتهامات واتهامات مضادة كما في الجزائر ومصر؟! فهل يمكن أن نتطلع إلى حلول جذرية ودائمة تقوم على أسس العقيدة الواحدة والمشترك التاريخي، حيث تنشأ محكمة عدل إسلامية عليا يتم احتكام الدول الإسلامية إليها فيما يشجر بينها من خلاف، وهيئة حكماء عليا تحاول أن تطفئ لهيب الخلافات الإسلامية - الإسلامية وتعمل على تقوية الصف والموقف والثوابت القيمية المبدئية بين دول وشعوب مستهدفة من قبل أهل القوة المتغطرسة في عالم اليوم هي ومصالحها وإرادتها وقراراتها السياسية وثقافتها وحتى عقيدتها ؟!
- ولن يكون مؤتمر قمة طهران - في تقديري - بعيداً عن سؤال المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني وموضوع الإرهاب، والتهم بالإرهاب، وسيواجه مسؤولية التفريق بينهما على معيار خلقي وقانوني وشرعي ليتخذ موقفاً في ضوء الحكم حسب معيار وسيتوقف عند الموقف الأميركي - الصهيوني الذي يحاول أن يفرض معياره الفاسد وتفسيره المشوه ومواقفه العنصرية من الآخرين، وسوف يتوقف طويلاً عند قضية فلسطين والاتفاقيات التي تهشم جسم الحق والعدل فيها، والكل ينتظر رأياً وقراراً وموقفاً، لاسيما بعد الذي بتنا نرى ونسمع من تهويد للقدس وتهديد لكل فلسطين ولدول إسلامية أخرى، ومن تهديد ينطلق من فلسطين المحتلة ويشمل المنطقة كلها لاسيما سورية ولبنان والعراق وإيران.
قد تكون أحلامنا كبيرة، وتطلعاتنا تصل إلى حدود تجرّع الوهم وتزيينه، ولكن يبقى الحلم أحد المداخل المشروعة لتغيير الواقع : فهل ترانا نحلم على أرض الواقع بتسهيلات إنسانية للمواطنين في العالم الإسلامي تمكنهم من التنقل والتعامل والتواصل بحرية واحترام نسبيين حتى لا نقول تامين؟! هل نرى مشروع قطار يربط دول هذه القمة أو بعضها ببعض ويسهل انتقال بضائعها وأناسها بين المدن والأقطار ليؤسس لصلات أفضل ومشاريع أكبر؟ ولنا في أوربا، التي لم يمض على آخر حروبها، التي كلفتها ما يقرب من خمسين مليون قتيل، أكثر من نصف قرن، وها هي تقيم وحدة بين بلدانها، ولم تنقطع المواصلات والاتصالات فيما بينها، ولم يعد مواطنوها يعانون من القيود التي تكبلنا اليوم !! وهل نشهد ولادة فكرة منطقة حرة إسلامية تؤسس لموقع مناهض أو منافس للمنطقة الحرة التي تنشئها حركة الأمركة في " إربد- الأردن" بشراكة أميركية "إسرائيلية" أردنية استعداداً لغزو أسواق هذه المنطقة من الوطن العربي والتمدد منها نحو بلدان إسلامية ونحو مستقبل الأمة ذاته؟! سوق تدفع باتجاه التقارب والتواصل وتطوير الخبرة العلمية والتقنية، العملية والنظرية، وتطوير الإمكانية والقدرة على المنافسة؟!.
إن الشراكة الأوربية - العربية المطروحة بين أقطار عربية والاتحاد الأوربي سوف تعزز حضور الغرب غير الأميركي في أسواقنا وثقافتنا وهي تقوم على أساس الاعتراف بشراكة " إسرائيل " في تلك السوق، فهي بهذا المعنى حاضنة لاندماج الكيان الصهيوني في المنطقة، بل ولهيمنته عليها؛ والأمرَكَة تعزز الحضور الصهيوني - الغربي كله في تلك الأسواق والمجالات من خلال نفوذ الولايات المتحدة الأميركية وقدراتها وتحالفاتها، وهذا يستدعي رداً وموقفاً وتحركاً سريعاً، فهل تواجه القمة ذلك باقتدار بعد أن تفكر فيه بتبصّر؟!.
إنني أتمنى النجاح التام لمؤتمر القمة الإسلامية في طهران ولكل لقاء غايته الخير للإنسانية. جمعاء، وأتمنى أن ترفرف أحلامنا وتطلعاتنا في فضاء يقربها من التحقق .
والله من وراء القصد .
دمشق في :
19 / 11 / 1997 / ع
26 / 11 / 1997 / أ
الأسبوع الأدبي/ع588//29/ت2/1997
|