|
مخاطر الصهيونية على أمن المنطقة
ـ 1 ـ
الصهيونية خطر كلي مستمر ومتعاظم، يتركز منذ بداية القرن في الوطن العربي، وفي فلسطين من بين أقطاره؛ وهي حركة عنصرية بمنطوق التلمود الذي يشكل العمود الفقري لثقافة اليهود اليوم والذي يجمع أشتاتهم ويوحد أحلامهم وتطلعاتهم؛ والتلمود هو في النهاية مفسروه وشرَّاحه وحملته من "الربيين"ومن الحاخامات الذين يشرفون على تقديمه للناس وفرضه من خلالهم على السياسة والساسة، ومتابعة حسن تطبيق ما يفرضون؛ ولا مستقبل ولا تأثير ولا قرار لمن يخرج على ما يرسمه رجال الدين اليهودي في الأصل انطلاقاً من رؤيتهم التلمودية أو رؤيتهم المعاصرة للتلمود، وهي دائماً رؤية مصلحيَّة تصب في إطار العنصرية التاريخية التي يحيط بها اليهودي نفسه بناء على ما يُغذّى به من تعاليم وعقائد وأفكار يصوغها الربيون ويقدمونها بصيغ متعددة وضمن برامج أداء متنوعة تخدم أغراضهم في النهاية.
وإذا كان القرار 3379 الذي أصدرته الأمم المتحدة في السبعينيات وألغته الولايات المتحدة الأميركية بتأثيرها على الأمم المتحدة في التسعينيات قد وضع العالم، لما يقرب من عقدين من الزمن في صورة هي أقرب ما تكون للحقيقة بالنسبة لهذه الحركة الهدامة المعادية للإنسانية والتي تقوم على تخريب الغير وصولاً إلى تحقيق أهدافها، فإن إلغاءه لم يستطع أن يبعد الصهيونية ولو خطوة واحدة عن طبيعتها العنصرية وممارستها التي تجسد تلك الطبيعة. ويكفي أن نحصي عدد المذابح التي ارتكبتها الصهيونية في فلسطين المحتلة منذ إلغاء ذلك القرار حتى اليوم من مذبحة الحرم الإبراهيمي إلى "قانا" مروراً بالعدوان اليومي المستمر على جنوب لبنان، وما قامت به من مصادرة للأرض وقهر للسكان العرب واغتيالات وإفساد للبنية السياسية والثقافة في أقطار عربية على أرضية /أوسلو ووادي عربة/ حتى نقف على صورة بشعة ومقززة لتلك الحركة التي يجسدها اليوم أحد أشد ممثليها هوساً بها وهو بنيامين نتنياهو الذي لا يمثل حالة فردية وإنما يعبر /ديمقراطياً/ عن الأكثرية اليهودية التي تحتل فلسطين العربية، فقد انتخب بأكثرية 65% من بين اليهود، ويمثل اليمين الصهيوني الذي يضع قراراته ويسيطر عليه عملياً المتدينون اليهود وقياداتهم الروحية، وهي الأكثر عنفاً وتشدداً في موضوع الاستيطان والسيطرة على الأرض والقضاء على العرب والوصول إلى أهداف صهيونية بنيت على "وعد الرب" وأحلام التوراة وأساطير اليهود وخرافاتهم التي يفرضون قداستها على أوساط سياسية واجتماعية واسعة في الغرب "الواعي جداً" و"المتحضر جداً" والملك للقوة التدميريَّة الشاملة /عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، تلك التي يطبقها بسادية فظيعة على أقطار عربية وبلدان إسلامية بإيحاء صهيوني، وتلبية لرغبات واجتثاثاً لمخاوف مستقبلية يقول بها العنصريون الصهاينة.
والصهيونية اليوم خطر أهم، ماثل في مواقع كثيرة، ومتقدم حسب برنامج أساسه ومنطلقه المشروع الصهيوني، الذي هو المشروع المضاد للمشروع العربي بكل أبعاده وتوجهاته.
- إنها قوة عسكرية تستند أولاً على القوة الأميركية، وتوظفها وتستفيد منها وتتبادل معها المصالح؛ وترمي إلى فرض هيمنتها وإعادة ترتيب المنطقة جيو- سياسياً، من منظور يريحها ويحميها ويحقق سيطرتها على الأرض والناس والمصالح في المستقبل وقوة اقتصادية تركز رأس المال اليهودي في خدمة برامجها ومصالحها حتى لو لم يستقر في فلسطين المحتلة وينطلق منها، فهو في صلب قوة العولمة ونظريتها، وهو يعمل جاهداً على وضع الآخرين/ حكومات وأفراداً في خدمة مشروعه أو يحدهم على الأقل لكي يبقوا أفراداً لا يخدمون مشروعهم ولا يقاومون مشروعه الصهيوني المتجسد في الكيان الصهيوني وبرامجه البعيدة الأمد.
- وقوة تقنية وإعلامية مؤثرة، ليس انطلاقاً من مركز الثقل القائم في فلسطين المحتلة وإنما من مواقع الثقل الأخرى الموزعة في مناطق مختلفة في العالم، ولاسيما تلك المتجمعة في الغرب والمهيمنة بأشكال مختلفة على الإعلام والرأي العام في الولايات المتحدة الأميركية.
لقد أخذت مخاطر الصهيونية /سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً/ على أمن هذه المنطقة تتعاظم وتتفاقم، فمن الأحلاف والمناورات والاستفزازات والتهديدات العسكرية إلى تطوير الأسلحة النووية وغير النووية، وكذلك الأسلحة العادية ومركزتها في مواقع تهديد مباشر لدول عربية وإسلامية؛ إلى المؤتمرات الاقتصادية والشركات والاستثمارات /الصهيونية- العربية- الغربية/ إلى الاختراقات السياسية إلى عزل أقطار عربية وإيقاعها نهائياً في الشرك الصهيوني برغبة حكامها أو بغفلتهم، إلى تخريب مستمر للقيم والمقومات الثقافية والفنية في مواقع وتركيز على التغيير التربوي والتعليمي في مواقع أخرى، وإلى تركيز آخر في مراكز الأبحاث والدراسات لجمع المعلومات، وفي دور نشر ومنابر إعلامية دارت قوة تأثير كبيرة، ويضاف ذلك إلى تركيز الصهيونية على عاملين رئيسين تنصب عليهما جهودهما ويستند إليهما مشروعها في الأساس وهما:
السيطرة على الأرض والسيطرة على المياه وكل هذا الخطر الداهم الذي يتنامى بالصمت عنه أو عدم الوعي الكافي به، أو بالتهوين من شأنه، يستدعي الالتفات إليه بهدف وقف زحفه من جهة والسعي إلى إيجاد قوة توازنه وتواجهه من جهة أخرى.
وإذا جاز لي أن أقتطع صورة أو صوراً من مشهد الخطر العام المتنامي، والاختراق المتكاثر، أركز عليها لأنبه إلى نوع الأداء الذي يقوم به الأعداء/ صهاينة ومتصهينون ومتحالفون معهم/ ولأنبّه إلى نوع المواجهة التي تتم له من قبلنا حيث يعملون هم على الأرض وبإمكانات كبيرة وتغطية سياسية وإعلامية واسعة، ونعمل نحن في مساحات الصوت والهواء، وفي مواقع ومساحات محدودة تحاط بالتعتيم ويتجلى فيها التنافر أحياناً وتشتت الرأي والرؤية في كثير من الأحيان؛ والهدف الذي أرمي إليه من وراء ذلك هو أن أسترعي الانتباه إلى ضرورة الإسراع في الوصول إلى رؤية مشتركة متكاملة نبني عليها ولا نعيد بناءها كلما التقينا، يسفر عنها برنامج عمل ولا تتطوح في الفراغ كلما بدأ "برنامج خاص" آخذ طريقه إلى التنفيذ بالعمل..، رؤية تلتقي حولها الإيرادات والأفكار والسياسات إن أمكن وتوظف في خدمتها الطاقات والإمكانات والأموال، حتى لا نبقى نشيداً وشعاراً ومختبراً لحالات الإحباط.
وما أركز عليه من صور في المشهد العام ينحصر في المشهد الثقافي، على أرضية التخطيط والتوظيف السياسيين له، ذلك التوظيف الذي ينبع أصلاً من البرنامج الصهيوني- الغربي ويصب في خدمة أهدافه المرحلية والنهائية؛ وأبدأً مما حدث بعد مؤتمر مدريد وفي عملية مواكبة له وللمفاوضات التي انبثقت عنه.
لقد تم تأسيس ما يسمى اليوم /فيلق السلام/ وهو في المحصلة عدة مؤسسات وهيئات وتجمعات وجمعيات تعمل على تحقيق اختراقات في الجسد العربي كله لمصلحة سلام الاستسلام وما يحققه لا سيما بعد أن تجسد أنموذجه الأمثل في اتفاقيتي: (أوسلو ونسلها...ووادي عربة).
في ذلك الإطار تعمل:
مؤسسة "المبادرة من أجل السلام والتعاون في الشرق الأوسط" وهي تهدف إلى تقديم مبادرات ومشاريع لدفع عملية السلام، بمفهومها الصهيوني، الأميركي، وتعزيز ما يتم التوصل إليه من اتفاقيات، وفي هذه المؤسسة عرب ويهود/ أميركيون وغير أميركيين/ وفيها أوربيون أيضاً وممن فيها/ خليل جهشان/ فلسطيني- أميركي على صلة مباشرة بالبيت الأبيض، /وجيمس زغبي/عربي أميركي رئيس تجمع عربي/ ولطفي الخولي وسواهم وقد اعتمدت أسلوب تكوين "ورشات العمل" على نمط منظمة "بْني بْرِيتْ" أو أبناء العهد الصهيونية، التي تعد من أقوى المنظمات الصهيونية وأشرسها، عقدت ورشة المبادرة من أجل السلام تلك اجتماعات سرية قبل أوسلو، وسلسة من المشاورات والاتصالات وقامت بعد مدريد، وتحولت إلى تبني مشروع أوسلو والعمل في إطاره بعد أن بارك الأميركيون أوسلو واحتضنوها وتم توقيع اتفاقها في حديقة البيت الأبيض، ورصد الأموال اللازمة لدفع مساراتها، والمسارات التي يراد لها أن تكون على أنموذجها.
واجتماعها في مراكش هو السادس، وتم بشيء من العلانية، أو سرب عنه ما سُرِّب من أمره لأنه أتى ليدعم مساراً معلناً "أوسلو" وذلك ابتداء من المغرب وموقعها والمستشار اليهودي أزولاي/ مستشار الملك الحسن الثاني الذي ساهم في ذلك الاجتماع.
تمت أعمال الورشة في مراكش بين 18- 22/3/1994 أي بعد ملتقى غرناطة بـ95 يوماً، وكان ذلك الملتقى قد عقد بدوره بعد توقيع أوسلو بتسعين يوماً.
وقد أكدت على ما جاء تقريباً في برنامج غرناطة وشعارها "الانتقال من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام" بالمفهوم الأميركي الصهيوني للسلام، وهو برنامج كانت هي أصلاً وراءه ووراء توظيف اليونيسكو كمظلة لغرناطة، وذلك بخلق المناخ وتقديم الوسائل ودعم الأداء وزيادة عدد من يسمون "المعتدلين" ومجاوزة الرافضين وتحييدهم أو تحطيمهم.
واعتمدت تكثيف الأنشطة في المجالات الثقافية، وإقامة ما يسمى ورشات عمل في مجالات /تثاقفية متعددة/ أدبية- فكرية- تربوية- فنية- تاريخية- إعلامية- حقوقية..الخ.
وبدأت بتكوين المدربين والقادة والأطر البشرية الأخرى تمهيداً للانتشار، وأقامت نشاطات عديدة في مصر وفلسطين المحتلة والولايات المتحدة وأوربا الغربية وتركيا..الخ.
- وحظي البرنامج الموجه للتربية والتعليم باهتمام خاص في غرناطة وسواها أو في مجالات ملتقيات الورش وهيئة الإشراف القيادي العليا، لاسيما:
- مناهج التعليم. وتكوين أطر المستقبل "بذور السلام". وحواضن تربوية واجتماعية "المرأة من أجل السلام" في اليونان وتركيا..الخ. وقد تم التركيز منذ اللحظات الأولى على مواجهة كل من لا يدعم هذا الاتجاه بوصفه قوة ظلامية/ كما قال أدونيس بلسان فيديركو مايور/ مدير عام اليونيسكو في تصريحه الموجه ضد اتحاد الكتاب العرب/ ومعادياً للسلام، ومؤيداً للإرهاب الذي هو المقاومة مشوهة من منظور صهيوني- أميركي.
وأخذت حملات التشويه والتشويش تترى من منابر ثقافية وإعلامية ومؤسسات وتنظيمات فاعلة في التأثير على الرأي العام، لمقاومة من يقاوم أوسلو ونسلها، ولتشويه صورته والتعتيم عليه، وتسفيه فكره وأدائه، ونشطت ميلشيات دغمائية في أداء ذي امتداد تاريخي في هذا المجال.ووظفت أقلام ومنابر في الصحافة العربية خارج الوطن العربي وداخله للعمل في اتجاهين:
- طرح التوجه العام /لسلام أوسلو/ على أرضية ما يسمى بالواقعية- واقعية انهزامية- ومنطقها الآخذ بمعطى نهائي للتاريخ على ما وصل إليه تاريخ، يستمد زخماً من "نهاية التاريخ" الفوكويامية- الأميركية، وحشر العرب في زاوية اليأس بعد نشر الإحباط في أوساطهم وجعلهم يقولون: ليس بالإمكان أبدع مما كان". ويعلنون هزيمتهم لمصلحة العدو الصهيوني، ثقافياً أولاً وسياسياً ثانياً، أو بتزامن تام إن أمكن ذلك، نظراً لما للثقافة من دور مؤثر في توطين ما يسمونه "السلام" وجعل الناس يقبلونه ويقبلون عليه، أي غرسه على حساب الذاكرة والوجدان العربيين وعلى حساب معطيات الصراع العربي الصهيوني ووقائعه وتاريخه وحقائقه وأهدافه النهائية.
- وتشويه صورة كل ما يعمل في الاتجاه المضاد، أي رفض أوسلو ودعم المقاومة والتشبت بالحق والثوابت والأخذ بواقعية تفاؤلية، غير تلك المنهزمة أو الانهزامية: واقعية ترى نوراً في نهاية النفق، وترفض مقولة نهاية التاريخ، والعصر الإسرائيلي النهائي الكلي القدرة النهائي الحضور، كما ترفض مقولة بقاء الولايات المتحدة الأميركية، أبدياً، قطباً وحيداً مسيطراً، وكأنها قدر منزل .كما بدأ فعل التعتيم على أفراد ذلك الفريق، وافتعال ما يشوه مواقفهم وصورهم ويعوق أداءهم ويحبطهم أو يعزز توجه الإحباط مما يطرحون، مع تلميع صورة من ناصر أوسلو ونسلها ووقف مع مناصريها.
ـ2ـ
في إطار تسويغ اتفاقيات أوسلو وتسويقها بوصفها " أنموذجاً" للاتفاقيات التالية مع الأطراف العربية المتفاوضة مع الكيان الصهيوني، وبدفع سحري من اتفاق " وادي عربة "، أخذت الجماعات العاملة لترويج سلام الاستسلام في المجال الثقافي وتشكيل حاضنة شعبية لذلك " السلام" بتأثير من الثقافة تمّ عقد لقاءات صحفية وتربوية وأدبية وفنية ولقاءات مخصّصة للنساء في بلدان منها : تركيا - اليونان - تونس - مصر - الأردن - إيطاليا، وقام المشاركون في تلك اللقاءات بوضع ما يشبه اللمسات التفصيلية على البرامج الموضوعة لترجمة أهداف استراتيجية إلى أداء في الواقع المعيش وتقديم تصور عن آلية عمل اتضحت بصورة جلية في مجال الأداء الإعلامي على الخصوص، حيث أعلنت المجموعة التي التقت في تركيا / أنقرة أيلول 1994 / عن برنامجها وكيفية الأداء المتناغم والتعاون بين الكيان الصهيوني والأطراف المشاركة بدعم وتنسيق أميركيين، ويمكن العودة إلى نقاط " البيان - البرنامج " الذي أعلن من أنقرة ونشر في أكثر من صحيفة ومجلة عربية وقد شارك في وضعه والالتزام به صحفيون عرب من مؤسسات وصحف ووكالات مؤثرة في الرأي العام العربي بعضها يصدر داخل الوطن العربي وبعضها يصدر خارجه، وكل منهم يصب أداءه في أعماق ذلك الرأي العام خدمة لهذا المنحى.
وبعد ذلك بدأنا نقرأ مقالات مترجمة وأخرى موضوعة في الصحافة العربية تدعو صراحة إلى تقديم الاعتراف والأرض بما فيها القدس للإسرائيليين، والقبول بالمبدأ الحضاري الذي استنّه السادات والكف عن " الغوغائية القومية" التي تطالب بالأرض المحتلة، وتسفيه التطلعات والأحلام القومية الوحدوية والتحريرية، وفي بعض الحالات شتم العرب والتبرؤ من "قوميتهم " ومن أهدافها ومنطقها ومن يرجع إلى صحف ومجلات تصدر في لندن والقاهرة والكويت. يجد الكثير مما كتب في ذلك المنحى.
وقد واكب ذلك وتبعه تزايد في الضخ الإعلامي الذي هدف إلى إدخال صورة " العدو - الرمز أو رموز - العدو " إلى البيت والعين العربيين تركيزاً على ما سمي " كسر الحاجز النفسي " وتكوين الاعتيادي على تلك الحالة من الرؤية في الإعلام العربي، في إطار تهيئة الرأي العام لأوضاع تتماشى مع " السلام القادم " على أحصنة أميركية بيضاء.
ومن منا لم يشهد في تلك الأعوام 94-96 بصورة خاصة، وما بعدها بشكل عام اللقاءات المتكررة التي أجريت مع مسؤولين صهاينة، بل من عتاة العنصرية الصهيونية الملطخة أيديهم بدماء الأطفال العرب في عشرات المذابح التي ارتكبوها، ومنها مؤخراً : / صبرا وشاتيلا والحرم الإبراهيمي في الخليل وقانا - لبنان/،عبر فضائيات بالعربية، وفي نشرات الأخبار على نطاق أوسع في التلفزات المحلية العربية، عدا التتبع الإعلامي الذي يلمّع الصورة أحياناً، أو يقدمها بنوع من " الحياد الإيجابي " منها، تاركاً الزمن يفعل فعله المؤثر في الاتجاه الذي يركز عليه في ذلك الحياد، اتجاه تعزيز الاختراق في الذاكرة والوجدان والعقل من الإنسان العربي.
من منا لم يشاهد رابين وبيريس ونتنياهو وشارون وحتى إسحق شامير، وكل منهم إرهابي، عريق في الإرهاب، على الشاشات ليس في استعراض الخبر وإنما في لقاءات ومن القدس المحتلة أحياناً. سيرتفع الصوت بأن هذا هو معطى العصر في الإعلام اليوم وليس منطقياً أن نتخلف في الأداء عن العصر، وهذا منطق مقبول ومرغوب فيه وسليم، ولكنه يبقى محكوماً بأهداف كل أمة أو بلد أو وسيلة إعلام، ويظل الهدف الاستراتيجي مسيطراً على التكتيك وموظفاً للوسيلة والمعلومة لخدمة أغراضه ضمن رؤية وبرنامج مرحلي في حالات الأداء السليم، فلا يُقدَّم العدو مثلاً للأمّة التي يحتل أرضها ويقتل بنيها بصفة الشريك أو المغبون أو صاحب المنطق الذي علينا أن نقبله ونتعايش معه؛ وفي إطارٍ يصمّم ويوظّف أصلاً لقبول الناطق والمنطق معاً، ولتقديمه بوصفه صاحب وجهة نظر علينا أن نتفاعل معها وليس ممثل قوة احتلال ونوع من العنصرية البغيضة وحالة العدوان المتنامي مع الزمن، تلك التي تفرض المقاومة وتستدعيها وتستنفر الرفض وتكرسه، حفاظاً على الحق والأرض والمناخ الروحي والاجتماعي الرافض لمنطق القوة وبقاء الاحتلال وتحويله هو ونتائجه البعيدة إلى واقع مقبول معترف بحقوقه وعلينا التلاؤم معه والتعامل الإيجابي
مع منطقه، وفي سبيل ذلك نحاول خلق مناخ نفسي واجتماعي يهيئ
الأرضية المناسبة لذلك كله !؟
وقد وصل أمر التسويغ والتعاون حدود الشراكة في الانتخابات الصهيونية الأخيرة حيث خاضت " أنظمة عربية " الانتخابات في الكيان الصهيوني على نحو ما مناصرة العمل أو الليكود - بيريس أو نتنياهو - ودفع بعض المسؤولين العرب أموالاً لحملة بيريس، وقدم تصريحات ملائمة وجعلت تلك الأنظمة الشعب يتابع هذه المعركة في الإعلام وكأنه يتوقف عليها أمر نصره أو هزيمته، وفي المحصلة فإنه سيكون نفسيا واجتماعياً في حالة موافقة وارتياح إذا نجح الذي يناصره ويرضى به، وفي حالة انزعاج إذا لم ينجح، ولكنه يعلق الآمال على مجيئه ليكون شريكاً معترفاً به وبحقه في الشراكة. وهذه هي أكبر فجوة اختراق تتحقق لمصلحة العدو في مجال الرأي العام بفعل إعلام سياسي وسياسة إعلامية لبعض الأنظمة والمراكز الإعلامية التي تركز على إحداث اختراق في الثقافة والوجدان الشعبيين.
وفي مجال آخر من مجالات هذا النوع من العمل يستمر توسيع دائرة المنضمين إلى ذلك النوع من الاختيار الأداء أو المقربين منه والمتفهمين له، المتعاطفين معه أو الساكتين عليه، وهناك جهد مستمر لاستقطاب عناصر بشرية مؤهلة وفاعلة يركز على زيادة تأهيلها وفاعليتها من خلال الزيارات والدورات التدريبية التي تنظمها الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، ويواكب ذلك وينمّي فاعليته الترويج للأسماء المستقطبة أو المؤيدة وتمكينها من مواقع تستطيع، انطلاقاً منها، تحسين أدائها وتقوية تأثيرها، وإذا لم تتح في البداية أماكن اللقاء الواسع بالناس والتأثير عليها، فلا بأس في أن يتم ذلك عبر الصالونات التي تنتشر وتتسع، ومن خلال الأندية المشبوهة.
ويمكن أن نقرأ جيداً الترويج للكتّاب الذين يناصرون ما يسمى خط " الاعتدال " والواقعية - التي أسميها حملة تزيين الهزيمة بمنطق واقعي وتوسيع مداها في النفس والمجتمع - وتلميع صورهم وتوزيع إنتاجهم على نطاق واسع وترشيحهم للجوائز ومتابعة حتى التافه من أخبارهم وتكبيره، وتعزيز كل ما يبرز لهم دوراً ويعظم لهم صورةً ويصنع منهم عصا غليظة، بصرف النظر عن قيمتهم الحقيقية فكرياً وأدبياً، ومكانتهم الثقافية والاجتماعية.
" لقد بدأ العرس عملياً وسارت الزّفة " وهناك في خضم ذلك الزحام، وعلى قرع الطبول والغناء المختلط مع الضجيج من يُقنع من وبماذا؟! ومن يُنقذ من وكيف؟! لا سيما إذا ما واكب الزّفة وتخللها " رش النقود والحلوى " فوق العرسين؟! إن المحاكمة المنطقية تضعف أو تغيب، والصوت الآخر يضيع أو يغيّب، وهذا هو منطلق الاختراق الاجتماعي والنفسي من المدخل الثقافي والإعلامي. إضافة إلى ما يعزز ذلك الاختراق ويمهد له من وعود بالازدهار الاقتصادي وتحسن الأوضاع واستقرار الأمن وشيوع البحبوحة، ولو كان ذلك على حساب الكرامة لا بأس .. فما معنى الكرامة وما قيمتها، هل تشبع بطناً جائعة كما يقول أهل الواقعية الانهزامية.
وهكذا تتعمق أسس الاختراق لتذهب بعيداً نحو تغلب المادي على الروحي، والآني على المستقبلي، والمرحلي على الاستراتيجي، مستفيدة من ضغط الحاجة وممارسات الأنظمة. وغياب الوعي أو ضموره، ومن غياب الجماهير أو تغييبها ومحاصرتها بصور الفساد العربي وأشكاله وبصور الضعف العربي وأشكاله أيضاً، لكي تيأس فتقبل، وتتجرع مما تكره؛ تجرعه لأنها لا تجد ما تشرب سواه، أو هكذا يقدم لها الأمر.
وحين ننظر إلى الحملة من زاوية أخرى نقف على معطى يكمل الصورة نسبياً ويشكل تتاماً للبرنامج المطلوب .وهو معطى يتلخص بما يمكن تسميته " المساهمة بتعزيز مناخ الاختراق المعادي " وينحصر في ممارسة السلبي أو تعزيزه أو التعتيم عليه وجعله، يمرُّ ويكبر في أثناء مروره، حيث يشكل معه تياره المستفيد منه، أي خلق كرة الثلج التي تزداد كبراً واتساخاً كلما تدحرجت أكثر وهذا يتصل بممارسة وثقافية " أدبية وفنية وإعلامية وفكرية " ويسفر أداؤها عن مناخ ثقافي واجتماعي عام يسهم في تهافت الروح والإدارة والمكانة معاً، ويقتل مقومات الثقة وأنواع المبادرة حتى في أعماق الذات، ويؤسس للهزيمة أو يسوغها، ويتجلى ذلك في :
" تخريب القيم، وجلد الذات، وتشويه الماضي، ونخر الحاضر والتيئيس من المستقبل "؛ وأسترعي الانتباه لقراءة الظواهر التالية في ضوء ما يتم من مخططات :
أولاً: شيوع توظيف الجنس للجنس في الأدب العربي، والابتعاد عن الموضوعات التي تتناول أبطالاً إيجابيين ووقائع وظواهر إيجابية في المجتمع، وهجر الأداء الإبداعي في موضوع المقاومة الذي يعززها ويستلهم تضحيات أبطالها وشهدائها، ووضع الإبداع _ من منظور البعض لوظيفة الإبداع - وضعه في جانب، وكل أداء الدولة والمجتمع وأهدافهما وصراعاتهما والقضايا الضاغطة عليهما في جانب آخر، وكأن المطلوب أن يتم الطلاق ويستمر بين الإبداع والقضايا التي تطرح نفسها على الدولة من خلال السلطة، وفي هذه الحالة يضعف أداء الأمة، وهذا يكفي.
2- تعمد الإساءة لمشاعر الناس، وجرح الاعتقاد الديني والحس الخلقي والاجتماعي، تحت مسوغ رواج الأدب، أو التحرر المطلق، ونحر التقاليد البالية، واستخدام الحرية الطبيعية والتنكر للحرية بالمفهوم الوضعي - المدني.
3- الاستهانة بجماليات اللغة والأسلوب وبمقومات الأداء شعراً ونثراً، والخروج على القواعد والراسخ من القيم الفنية والخلقية والإنسانية بذرائع شتى.
ثانياً : بقاء الأداء الإعلامي العربي / بأشكاله المختلفة لا سيما الفني منها/ غير قادر على المزاحمة، ومن يقارن البرامج العربية في الفضائيات المحلية أو المحطات الداخلية / إن صح التعبير / يلمس ذلك بوضوح.
2- ابتلاع الغناء والغنج لقسم كثير من الساعات المخصصة للبث في بعض فضائيات ومحليات عربية، وضياع وقت آخر لا بأس به لأداء برامجي وفني من نوع ما سماه بعض ظرفاء السعودية والخليج : أداء / الساق على الساق وشكوى الهجر والفراق / وهو أداء لا يقيم همّة ولا يبعث "من النوم " جسداً رمّة.
ثالثاً : ونوع ثالث، سمّه إن شئت / أداء التقايض، لا ماشٍٍ ولا رابض، يأخذك إلى النبع ويعيدك ظمآن، وتقول من بعد وكأننا يا عين لا رحنا ولاجينا... " وسواء أكانت هذه المساهمة في تعزيز السلب تأتي من : قصور الأشخاص أو ضعف الإمكانات أو شيوع علاقات عامة ومناخ عام يشوبه المرض أو من غير ذلك، مما هو كثير، ويضيق بنا المجال عن التفصيل فيه، فإنه - عن عمد أو عن غير عمد -يصبّ في مصلحة من يعملون على تحقيق الاختراق الشامل لمجتمعنا / ثقافياً وسياسيا واجتماعياً واقتصادياً / بكل الأساليب، وعلى فرض الاتفاقيات المذلّة، وإقامة المؤتمرات المشبوهة، والمفاوضات البائسة مما يؤدي إلى تخريب القيم والروح، ومحاربة القومية والدين، وإضعاف الهمة وقتل الثقة.
إن الصهيونية / العنصرية، وحلفاءها والمتعاونين معها، والراعي الأكبر لمشروعها الاستيطاني/ الاستعماري، وصاحب المصلحة في تفوقها وهيمنتها، الولايات المتحدة الأميركية تبقى خطراً شاملاً على أمن المنطقة، وعلى أمننا الثقافي العربي، وأهداف ثقافتنا المقاومة ومثقفينا الرافضين لكلّ أشكال الاعتراف بالعدو وتطبيع العلاقات معه وصولاً إلى وضع وموقع وحالة يمكّن من النهوض والتحرير، بامتلاك العلم والإيمان والعمل بهما، وتعزيز الأمل ومواقع الصمود القومي، وعلى رأسها سورية التي تعتزّ بحكمة رئيسها وقيادته وريادته، وبدعمه المطلق لدور الثقافة والمثقفين في إطار رؤية سديدة تعطي للمثقفين دوراً مؤثراً في المجتمع ومسيرة الثورة ومستقبل الأمة، ابتداء من التنمية المادية والروحية وانتهاء بالوحدة والنهضة والازدهار .
الأسبوع الأدبي/ع589//6/ك1/1997
الأسبوع الأدبي/ع590//13/ك1/1997
|