صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

التحالف العدواني يبدأ الاستفزاز

نفَّذ التحالف التركي- الإسرائيلي- الأميركي، بمشاركة أردنية مشؤومة مكشوفة الأبعاد والأهداف، المناورة البحرية، التي أرجئ موعدها أكثر من مرة، وبين السابع والتاسع من شهر كانون الثاني / يناير 1998 كانت سواحل فلسطين المحتلة وتلك المقابلة لكل من لبنان وسورية مسرحاً لغواصات ومدمرات وزوارق حربية وحاملة طائرات هليكوبتر، تعود كلها للتحالف الذي يعزز أداءه الاستفزازي ويختبر هذا الأداء في شرق المتوسط لاسيما في مجال الاتصالات والتنسيق العملياتي، تحت ستار التدريب على عمليات الإنقاذ.‏

لم يعد هناك ما يستر أهداف هذا التحالف الذي وصفه وزير الحرب العدوانية الصهيوني اسحق مردخاي بأنه استراتيجي، ولم يعد سراً أنه موجه ضد سورية والعراق وإيران بالدرجة الأولى، ونواة قوة تقودها " إسرائيل " لتعزيز احتلالها وتنفيذ مشروعها الاستيطاني وفرض سلامها على الآخرين وحماية مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.‏

لقد تحول ثقل الدور التركي في حلف الأطلسي، بعد انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفييتي، من حارس يقظ على الحدود التي كانت مع ذلك المعسكر إلى أداة فاعلة لتنفيذ السياسة الأميركية- الصهيونية ضد البلدان العربية والعالم الإسلامي، بعد أن وجهت الصواريخ الغربية إليه، ولمواجهة التحولات الجديدة فيه، وبعد إخفاق سياسة الاحتواء المزدوج، واستحالة وإرغام سورية على القبول بصيغة تسوية على غرار " أوسلو" تجردها من فعاليتها القومية وقدرتها على الصمود.وأصبح من الواضح أن التحالف الذي دخله الأردن علناً -وقد أشرنا مراراً إلى ضلوع النظام الأردني في هذا التحالف- لا يتوقف عند حدود التعاون التركي "الإسرائيلي" في مجالات محدودة وإنما هو لإعادة ترتيب المنطقة كلها سياسياً حسب الرؤية الصهيونية؛ وهي رؤية تنفذ الأيديولوجية التي رفعت رأسها في بداية هذا العقد من الزمن. ويلخصها قولان أطلقهما ساسة ومفكرون سياسيون غربيون وصهاينة هما:‏

-" وداعاً للقومية العربية، وداعاً لحلم الوحدة العربية ."‏

-" كما شهد القرن الحالي انهيار الشيوعية والماركسية سوف يشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام."‏

والمدخل إلى تنفيذ هذا هو توظيف أبناء المنطقة ودولها توظيفاً مدمراً لطاقاتها مغيباً لإدراكها، وزج الكل في مواجهات تأتي على قدرة الكل، في ظل حرب استنزاف لطاقات الأمة العربية مستمرة منذ مطلع القرن رأسها الصهيونية والاحتلال اليهودي لفلسطين، وحربين أخريين استنزفتا معظم الطاقات العربية والإسلامية وحققتا شرخاً في الوجدان الجمعي هما حربا الخليج الأولى والثانية.‏

الحلف العدواني الجديد يعلن لحظة بداية الفعل بصوت يهمس " بالإنسانية" ويتفجر فعلاً عسكرياً واستخباراتياً مراً، وعلينا ألا نحصر اهتمامنا فيما يجري قبالة سواحلنا في شرق المتوسط، بل علينا أن ننظر إلى ما يجري بعيداً ووراء الحدود وفي الدوائر السياسية والدبلوماسية.‏

في العراق أقيم حزام أمني تركي، وينفذ عملياً نوع من التقسيم لأرض العراق على أرض الواقع، وعلى الحدود السورية - التركية تقوم منذ أسابيع عمليات رسم حدود منطقة أمنية أخرى تخطط للسيطرة على عمق عشرة كيلو مترات من الأراضي السورية على امتداد الحدود، وتعمل عناصر تركية- إسرائيلية على رسم المخططات استعداداً للتنفيذ؛ وهناك منطقة مماثلة تتم دراستها على الحدود التركية- الإيرانية.‏

ما هو الهدف؟! هل هو الحفاظ على الأمن كما يدعي المدعون، أم هي عمليات استفزاز لجعل كل من البلدان المستهدفة توزع قواها وتبدأ عملية التفكير والتدبير من بؤرة الخطر والاستفزاز، تلك التي تقود إلى تعميق الشك من جهة والانصراف عن مخاطر وجبهات أخرى!!‏

إن التحالف التركي- الإسرائيلي- الأميركي ذهب إلى مدى بعيد في الإعداد والاستعداد، فالقوة الجوية الإسرائيلية تتدرب في الأجواء التركية وتدرس المنطقة التي هي منطقتنا في النهاية دراسة دقيقة، وعناصر الاستخبارات الصهيونية والأمريكية منتشرة على حدود البلدان الثلاثة: سورية والعراق وإيران، وتعمل من هناك وتقيم شبكاتها وتجمع المعلومات وترسم الخطط و" السيناريوهات" الملائمة لتنفيذ أهدافها.‏

والتنسيق العسكري بين الأطراف المعنية لم يتوقف لحظة، وليس له حدود كما يدعون، فقد وصل الأمر حدود وضع الأسلحة النووية تحت إدارة مشتركة في لحظات الضرورة على صعيد تحديث القوات والأسلحة بين الجانبين التركي- و"الإسرائيلي"؛ القضية مغرية فهناك مئة مليار دولار يتوقع صرفها خلال السنوات العشر القادمة على تحديث الجيش التركي، وتطمع إسرائيل بمعظم هذا المبلغ، وهي تنافس بقوة مزعجة حتى لبعض حلفائها السابقين، ومن المعروف أنها أصبحت الدولة الخامسة من حيث تصدير السلاح في السنوات الأخيرة.‏

وعلى صعيد المشاريع الأخرى تحاول تركيا أن تكسب الأطراف كلها: العرب وأوربا وأميركا و"إسرائيل"؛ صحيح أنها لن تنجح؛ ولكن اللعب مستمر على هذا الحبل الرفيع.‏

والجناح الآخر من التحالف يمتد بين "إسرائيل" - والأردن برعاية أميركية، وعلى من يريد أن ينعش ذاكرته أن يعود إلى المناورات التي أجريت بين قوات أردنية وأميركية وحضرها "إسرائيليون" أو شاركوا فيها سراً، وإلى حضور ضباط إسرائيليين لمناورات وتدريبات جوية أردنية في الأردن، وإلى تدريب عسكريين في "إسرائيل"، وقد تلقت عائشة بنت الملك حسين دورة عسكرية في "إسرائيل" الأمر الذي لرمزيته مدلول.‏

أما مدى الحلم التحالفي الممتد في هذا الجناح من أجنحة الحلف فهو يرمى إلى السيطرة على العراق أو استعادة الحلم الهاشمي فيه، وإلى المسؤولية عن الأماكن المقدسة في القدس حسب نص ووعد شفيفين في "وادي عربة " بذلك.‏

إن التحالف، الذي يضع سلطة عرفات في جيبه أيضاً يزعزع أمن المنطقة وكل ما يمكن الحديث عنه من بناء جسور ثقة واتفاقيات "سلام" ومفاوضات من أجل "السلام"، لأنه يسير بخط مضاد تماماً لكل تلك التوجهات ويؤسس لمحاور قوة وتحالفات عدوانية من شأنها أن تجر الدول الأخرى إلى محاور مماثلة لتحمي نفسها من العدوان، وهذا ما يضع المنطقة في بؤرة التوتر وقد يقودها إلى أتون الحرب ؛ ولن تكون حرباً محدودة.‏

لقد أعلن الإسرائيليون مراراً وتكراراً أنهم قادرون على " إبادة سورية" ومسحها من الخريطة، وهددوا هم والأميركيون العراق وإيران، وأعلن الطرفان أن إيران تهدد أمن العالم كما أن ليبيا أو السودان تفعل هذا الشيء، ولديهم ملفات اتهام جاهزة لدول المنطقة يفتحونها عندما يريدون ليقوموا بما يريدون، إن استطاعوا ؛ فهل كل هذا الذي نشهده ونتابعه ونتحسسه سيفضي إلى استقرار أو "سلام" أو أمن من أي نوع، أم أنه الجشع والعدوان والحقد الصهيوني- الأميركي الأسود يندلق علينا ويخيم في سمائنا ويتوعدنا في كل حين؟!‏

لم يعد الخطر خافياً، ولم تعد أهداف التحالف "إنسانية " أو بعيدة عن تهديد" أحد" إن الأهداف شريرة عدوانية تماماً، والتهديد يتوجه نحو بلدان محددة لتحقيق أهداف محددة تمس الاستقلال والحق والسيادة والوجود. فهل نتطلع إلى فعل عربي أو إسلامي أو دولي يضع حداً للتهديد وللأحلاف العدوانية في المنطقة، وكيف السبيل إلى ذلك ؟!‏

في الوطن العربي يوزع التحالف وعوداً وتطمينات تغري البعض بالتصديق، ولكنها لن تنطلي على أبناء الأمة إلى أمد بعيد وها هم يرون اليوم إلى أين تمضي الأمور وكيف تمضي.‏

إن موقفاً عربياً وإسلامياً من تركيا قد يجعلها تفكر جيداً بمصالحها وبنتائج ما تقوم به من ألعاب خطرة، وتنوير الشارع التركي بالرغبة العربية الحقيقية بإقامة علاقات أخوة وشراكة مصيرية تستند إلى التاريخ المشترك والعقيدة الواحدة والثقافة المؤسسة لحسن الجوار والمصالح المتبادلة قد يقود إلى حال شعبية تؤثر في القرار السياسي تأثيراً يخدم تركيا كما يخدم محيطها العربي والإسلامي ولا يجعلها قوة العدو الموجَّهة إلى قلب الأمة، فقد كانت في يوم من الأيام قلب العالم الإسلامي وقوته.‏

أما الأردن الذي يختار المشاركة تحت ذرائع غريبة فعليه أن يعود إلى مقولاته الفكرية والسياسية ومنطلقاته الاستراتيجية التي يذكرنا بها ويذكرها لنا.‏

فهل هو جزء من كل عربي، أم أن "سيادته التي لها كما لغيرها الحق في حماية مصالحها الحيوية وفق ما تراه مناسباً"- على حد تعبيراً أحد مسؤوليه- تجعله فوق مصلحة الكل وكل جزء فيه؟! وهل تساوت لديه سورية مثلاً مع إسرائيل لأنه يرتبط مع الأخيرة بمعاهدة "سلام" فأصبح " ابن العم" أقرب من الأخ وصار التحالف معه فوق لحمة الإسلام والعروبة وتاريخها المشترك؟!‏

وهل دخوله، ولو بصفة مشارك في هذه المناورات، يخدم "السلام الذي يحرص عليه" والاستقرار الذي يريده للمنطقة ويدعم "الاتفاقيات التي وقعها " أم أن ذلك يوطد لحالة من فرض الهيمنة الصهيونية بقوة الأحلاف على الآخرين ليذعنوا ويستسلموا، ويأخذ هو جزءاً من القرص- الغنيمة إن فرض على أمته أو بعض أقطارها الاستسلام؟!‏

نحن نعرف أن اتفاقية وادي عربة تمنع الأردن من التحالف مع أي بلد "ولو كان عربياً" ضد إسرائيل المتعاهد معها، ولكن ألا تؤهله " سيادته الوطنية" أن يرفض التحالف مع" إسرائيل" ضد المصلحة العربية والإسلامية، أو ضد مصلحة بعض البلدان العربية والإسلامية !‍!‏

لقد أفاد تصرح ناطق أردني بأن الأردن يعزز قواته من خلال المشاركة- وهي حقيقة التحالف- وهذا يكشف الضلوع في الأمر- المؤامرة، وقد قال بالحرف!" ومشاركته أي الأردن - في تلك المناورات بصفة مراقب لا تستهدف أي طرف عربي، بل هدفها تطوير القدرات العسكرية الأردنية في ما يخدم الاستقرار الإقليمي".‏

وهذا يؤكد أن الأردن يشارك ليعزز قدراته العسكرية- وهذه هي الطبيعة الحقَّة لهذه المناورات - وهو بذلك "يخدم الاستقرار في المنطقة." وخدمة الاستقرار من وجهة النظر تلك هي في إزالة كل القوى الأخرى أو إذابتها أو السيطرة عليها وفرض الهيمنة واتفاقيات الإذعان على ساستها ومحاصرتها ليبقى لون واحد وقرار واحد ولسان واحد في المنطقة هو اللسان الصهيوني بالقبعة الأميركية، ولن يكون لبقية المنضوين تحته إلا شرف "الخدمة" في الميثاق الاستعماري الاستيطاني- الصهيوني.‏

ولن تكون هذه -إن تحققت - نهاية الأمة ولا نهاية التاريخ، فالأمة لن تركع، والتاريخ تجدّدُ كتابته الإرادة والشهادة، ولا أظن أن انهزاماً أو استسلاماً سوف يفرضان أبدياً على شعوب حتى لو قهرت أنظمة أو التحقت أنظمة وتبعت العدو أو خدمت أهدافه أنظمة أخرى.‏

إن التحالف التركي - الإسرائيلي- الأميركي- والمشاركين فيه شر على الأمة، وخطر على أمن المنطقة، وفعل استفزازي، وخطوة هيمنة، وتفتيت وإعادة ترتيب استعماري صهيوني لدولها، وعلينا أن نواجهه بكل الوعي والصلابة وأن نستنقذ شعبنا وإرادتنا من كل حبائله، والله المعين.‏

الأسبوع الأدبي/ع594//10/1/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244