صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

حياة موت وموت حياة

للرماد طعم الموت وللموت طعم الرماد، إنهما يتداخلان ويتواكبان ويفضي كل منهما إلى الآخر، وحين يضمهما زمان ومكان يبدأ عهد جليد السكون والظلام بالانتشار ؛ فمن قال إن الحياة من بعد لها طعم أي من الرماد أو الموت وإنها السكون، تحت تأثير ظرف كائن أو يكون !؟‏

الحياة مغايرة في كل شيء للموت والرماد والسكون، مغايرة لواحديَّة اللون وبرودة الموت واستمرارية السكون، الذي يتحول عندما يكون في دائرتها إلى جزء من آليَّتها ؛ الحياة تدفق الألوان والحرارة والحركة والتغيير، ودفق الأمل وبعث الرماد وتجدد الثماد، إنها ميدان نور ترمح فيه الروح كأنها عاصفة مبرمجة.‏

من قال أنا أعيش قال حكماً : أنا أقاوم الموت والرمادية في كل لحظة، وأُبعث من رمادي في كل صباح، وأتجدد مع كل دورة دم وحركة تنفس وتفتح برعم وانسكاب قطرة ندى على ورقة خضراء ؛ من قال : أنا أعيش أعلن انتماءه للحياة ولكل ما يكوّنها ويحميها ويقويها ويجددها ويجعلها أكثر لياقة بالإنسان، وتخندق في جبهة تقاوم الرمادية المميتة وأنواع الموت في ثوب الحياة وديمومتها .‏

تقسو علينا ظروف الحياة وتضاعف القسوة نهايتُها المحتومة، ويقسو الأحياء بعضهم على بعض قسوة تبلغ حدود القهر والقتل، ولكن في دوَّامة الحركة ـ الحياة يستمر تصارع الحب والبغض، اليأس والأمل، وتستمر الحياة.‏

الرمادي تكتسحه الألوان، يتلاشى ولا يكون ظهوره في الأفق إلا حين تُفني الألوان بعضها بعضاً ويصير دمها رماداً يمتد مشكّلاً مشهداً في الحياة، الرمادي لون ناتج عن فناء اللون فهو إحدى نتائج صراع في الحياة وصراع من أجل الحياة ؛ إنه موجود فيها ولكنه ليس لونها الأساس الأصيل أو الدليل الأمثل عليها، بل هو مؤشر من مؤشرات ضمورها وذبولها، وإشارة تُعطى للأحياء أو يعطيها الأحياء تقول : انتبهوا الموت قادم لقد تعطلت الحياة أو تعطل شيء فيها. إن الموت في ظل هذه الظروف أقوى منه في ظل ظروف أخرى .‏

في لحظات مقاومة الجسم الحي أو الكائن الحي أو الأمة الحية يغدو الحياد نوعاً من رمادية موقف، ويغدو إخراجاً لطاقة حية من دائرة الفعل، وتعطيلاً مقصوداً أو تحييداً منشوداً لإرادة وقوة فاعلتين تمكِّنان من أداء حي منقذ أو تساعدان عليه ؛ والحياد في حالات يقود أهله إلى المساحة الرمادية مساحة الموت، يوسع بهم دائرتها ويساعد أداء الموت، ويتضافر جهده مع جهد من يحمل للإرادة الخيرة المقاومة الموتَ أو يريده لها ؛ الحياد في حالات نوع من تواطؤ على مقومات الحياة الحقَّة وقيمها وهو نوع من موت في حالات أخرى، وسواء أنتج عن جهل أو خوف أو طمع أو عن سلبية مفرطة حيال الذات والوطن والآخر، فهو نوع من قتال في صفوف من يستهدفون قوة الحياة أو قوة الإرادة الخيرة والرؤية السليمة في جسم حي أو كائن حي أو أمة حية !! إنه فعل رمادي يشير إلى الموت أو يبشر به أو يسانده أو ينتج عنه.‏

الحياد ليس موقفاً محموداً إلا إذا كان عوناً للحياة والعدل وإبقاء عليهما في سلامة توجه وحيوية أداء، والحياد الذي يشكل نوعاً من الفرجة على صراع بين الخير والشر، الحق والباطل، العدل والظلم، الحرية والعبودية، الكرامة والذل، هو نوع من قتل في الظلام ونصر للظلم والظلام ؛ إنه في نهاية المطاف موقف حشوه الجبن أو الضعف أو الخداع أو الطمع يؤدي إلى سلب ظاهر لجوهر الحياة وحرارة نارها وحصيلة نورها ومقومات استمرارها، وهو مما لا يليق بالإنسان ولا يخدمه على أية حال.‏

نحن العرب في ظروف وأوضاع وحالات صراع مع قوى وعوامل داخلية وخارجية، ذاتية وموضوعية، تستهدف فيما تستهدف أهم ما يميزنا ويشكل جوهر شخصيتنا وخلاصة مصالحنا ومعاني وجودنا الحر الكريم ؛ وتستدعي من كل منا حيوية أداء وتعبيراً عن حضور وانتماء وموقف بمنتهى الوضوح والصلابة والشجاعة، كما تتطلب إعمالاً للعقل والوجدان وقيم الإيمان بكل وعي وعلمية وجدية ودقة، حيث يكون لكل منا حصاد القول والعمل في بيدر اليوم وليس حسرات مورِقات يوم تحترق البيادر ويصبح الأسى والأسف نوعاً من الموت !!؟‏

إننا نلمس في وطن العرب اليوم وفي حياتهم منطق الأعداء وحججهم وذرائعهم وما يوجهونه لثقافتنا وعقيدتنا وأمتنا وأجيالنا من سموم وسهام وأدوات تخريب، ونجد من لحمنا ودمنا، وكلاء معتمدين، مأجورين ومجانيين، يمهدون لخطط الأعداء ويروجونها ويسوّغون ممارساتهم أو يساعدون على تسويغ تلك الممارسات بكل ما أوتوا من طاقة وحماسة ؛ وقد بلغ بعضهم حدود الاقتناع بكل ادعاء العدو ومقولاته فسار في ركابه يطعن بسيفه ورمحه، ينشر ما يريد ويعتّم على من وما يرد قوله وقول الأعداء ويفند مزاعمهم ويتصدى لخططهم ؛ وقد أصبح أولئك النفر فيلقاً ذا تأثير في مواقع شديدة التأثير على الرأي والناس ومواقع القرار في ساحات عربية ؛ وتزداد خطورة ذلك الفيلق لأنه يعمل من داخل البيت العربي وفي مواقع حساسة من جهة وتحت ستار الإخلاص ومنطق العصر من جهة أخرى، ويرسل منطقاً هيناً مستهيناً بكثير من الحقائق والوقائع والثوابت والقيم، يرسله بين فئات من الناس تعبت أو أُحبطت أو سئمت جراء معطيات وممارسات وتفشي سلبيات تفاقم ضررها وطال أمدها واشتد بؤس نتائجها، فيكون لذلك أثره. ويبقى هذا النوع من الناس ممن لهم لون يتستر بلون ويقود إلى موت كل لون على المدى البعيد ؛ أما أخطر ما يقومون به فهو القدرة على تحييد الكثرة الكاثرة وسحب البساط الرمادي عليها ؛ ومن هنا تأتي خطورة أمرين ينبعان من فئتين أو تجسدهما فئتان وهما :‏

ـ نشر الرمادية المميتة أو انتشارها في شكل " فرجة " على ما يجري : خوفاً أو طمعاً أو جهلاً وضعف انتماء وعقيدة وأداء.‏

ـ واستثمار تلك الرمادية : الموت لإظهار الكثرة الجماهيرية بصورة الموافق على ما يقوله الأعداء ويروجه أعوانهم ؛ مما يظهر الموقف الآخر والرأي الآخر وكأنه الشاذ والنادر والغير المعبر عن حقائق الأوضاع والتوجهات والأمور. وهذا بحد ذاته يضاعف الرمادية : الموت، ويقوي العدوان: المقت، بصور وأشكال مختلفة.‏

وهذا ما يجعلنا نصدع بالتكبير في ذروة الهاجرة وظلمة الدياجير ليستيقظ منا العقل والقلب والضمير، ونقرع ناقوساً ونحمل فانوساً وندور في الطرقات والساحات نبحث عن الموقف الحق والإنسان الإنسان في ثنايا بؤس المكان والزمان، نبحث عن اللون والحياة وقوة التعلق بها والدفاع عنها، نبحث عن الكلمة الطيبة تُستنبت في الأرض الطيبة فتحيي موات النفوس وتستشرف مستقبلها على ضوء العمل في رحاب العلم والأمل ؛ فهل ترانا نصل إلى شيء مما نريد وقد ضعف الطالب وعز المطلوب وازدادت مساحة الرمادي من حولنا!؟‏

إن إيماننا بالله وبحقنا وبعدالة قضيتنا وبقدرة أمتنا على تحقيق النصر، عاجلاً أم آجلاً، كل ذلك يجعلنا نندفع بثقة في طريق الحياة، طريق نستشعر فيها طعم الكرامة حتى الموت وطعم الإيمان حين نموت، إذ لا مهرب من موت ؛ ولكن أن تموت عزيزاً فتلك حياة على الرغم من الموت وأن تعيش ذليلاً فذلك موت على الرغم من حياة ؛ وكم من بون شاسع بين حياة موت وموت حياة .‏

دمشق في 21 / 1 0/ 1998‏

الأسبوع الأدبي/ع596//24/1/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244