صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

العرب وحمى العدوان

لماذا الإصرار الأميركي- البريطاني- الصهيوني على توجيه ضربة عسكرية مؤلمة إلى العراق في ظل تصاعد معاناة الشعب العراقي من الحصار ونتائجه المدمرة؟! ولم الاستمرار الغربي في حشد الأساطيل والقوة والرأي العام والجهد السياسي والدبلوماسي وراء ذلك التوجه العدواني، حتى في اللحظات التي شهدت انفراجاً نسبياً في الأزمة بين لجنة التفتيش "الأونيسكو" والحكومة العراقية؟!‏

هل لأن العراق يملك حقاً بضعة صواريخ "تهدد إسرائيل" وتريد القوى العظمى التخلص من أسلحة الدمار الشامل تلك التي يملكها؟! أم لأنه "لا يلتزم التزاماً تاماً" بقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بتلك القضية؟! أم أن هناك أسباباً أخرى وخلفيات أبعد وترتيبات أعمق وراء ذلك كله؟!‏

من المؤكد أن لجان التفتيش دمرت أسلحة ومعدات ومعامل وقدرات عراقية في مجال التسلح أكثر مما دمرته حرب الخليج الثانية، وهذا ما أعلنه المسؤولون في لجنة التفتيش ذاتها، وإذا كان العراق لا يملك في بدء تلك الحرب أسلحة نووية وقدرات تدميرية شاملة، وكان الخشية من؛ يملكها أن إحدى ذرائع التدمير الذي لحق به، فكيف يمكنه أن يمتلك في ظل الحصار شيئاً من ذلك، أو يخشى من أن يطور في ظروف التدمير الأشد والأشمل التي لحقت به بعد الحرب ذلك النوع من القدرات التي "تهدد تل أبيب أو سكانها بالإبادة" كما صرح ريتشارد بتلر رئيس لجنة التفتيش قبل أيام، ثم عاد عن تصريحه بعد أن قدم ذريعة لتنامي السّعار الأميركي- الصهيوني ضد الشعب العراقي في هذه الحملة المحمومة؟!‏

القضية، في تقديري، ليست قضية بضعة صواريخ تريد اللجنة تدميرها، ولا قضية مواقع تريد دخولها، ولا قضية شخص تريد التخلص منه؛ القضية تتصل بإذلال شعب وتخويف أمة، وملاحقة عقلها ووجدانها وذاكرتها، والوصول إلى حدود التدمير التام لكل حلم أو أمل أو تفكير بامتلاك علم وتقانة وقوة في المستقبل تستطيع أن تحمي قراراً أو تحرره، أو أن تملك قوة وتستخدمها في وجه قوى ترمي إلى فرض هيمنتها على المنطقة وإعادة ترتيبها جيو- سياسياً، وضمان مصالحها المادية والحيوية فيها مستقبلاً من غير قلق أو خوف أو تهديد، والعراق الآن هو الدرس والأنموذج والأمثولة.‏

وإذا أردنا أن نقرأ ذلك التوجه بشكل أوضح علينا أن نجيل النظر في أنواع الحصار والتهديد والضغط التي تمارس ضد دول عربية وإسلامية أخرى مثل: سورية وإيران والسودان وليبيا وحتى مصر وباكستان يوم فكرت كل منهما بامتلاك سلاح وليس بتصنيع سلاح.‏

و"الدرس الأميركي- الصهيوني" اليوم يلقَّن للأمة من خلال العراق، ويبالغ في تركيزه وتوضيحه ليراه الجميع ويتعظ به من يتعظ.‏

صحيح أن الجهات الحاكمة في العراق تتحمل مسؤولية كبيرة فيما جرى، لا سيما غزوها للكويت؛ ولكن السنوات السبع العجاف القاسيات اللائي مررن على شعب العراق ولم يؤثرن في قياداته مثلما أثرن في أطفاله، واللائي ألحقن دماراً شاملاً في الأنفس وتكوين الأجيال ستظهر نتائجه على مدى العقود القادمة، أكثر مما ألحقنه بالصناعات والقوة العسكرية والحيوية السياسية للعراق؛ لكن تلك السنوات جعلت الشعب العراقي هو الذي يدفع الفواتير الأضخم، والأمة العربية تدفع نزفاً غزيراً من رصيد ثقتها بنفسها وقدرتها على رفع الحيف عن جزء منها، وتخسر إرادتها وأحلامها ورصيدها في المجال القومي والأخلاقي، وتتهافت مسؤولياتها الإنسانية؛ وإذا كان الدرس المُرّ ما يزال مستمراً فلأن الذين يلقونه علينا يريدون أن ندخل في دوَّامته ولا نخرج منها، ويريدون أن يكون أطول الدروس وأكثرها مرارة وأشدها تأثيراً؛ وأن يذهبوا في استثماره إلى المدى الذي يرضيهم ويطمئنهم، فلا تعود بعده لدى البلدان العربية أو أبناء الأمة رغبة في التفكير بمشاريع كبيرة منقذة ومكلفة.‏

القيادة في العراق تتحمل مسؤولية فيما جرى للشعب نعم، ولكن شعب العراق هو الذي يدفع التكاليف كلها من كل الأنواع ولا يمكن أن يستمر في دفع تكاليف الرغبة الأميركية في القضاء على المستقبل والتفكير مستقبلاً بامتلاك علم وقوة من أي نوع.‏

إن المخيف في المشروع الأميركي- الصهيوني ليس هو الضربة المؤلمة ضد العراق، ولكن ما يدبر في ظل استمرار ذلك الوضع ضد دول المنطقة، ومنها العراق، من مخططات ترمي إلى إعادة رسم الجغرافية السياسية لها في ضوء مصلحة تحالف تقوده الولايات المتحدة الأميركية ويقف على رأس منفذيه والمستفيدين منه "إسرائيل".‏

إنه تحالف يتنامى ويتعاظم خطره ويشتد تأثيره ويريد أن يمنع أي من البلدان التي يستهدفها من التحرك لمواجهته أو لوضع حد لخطره عليها.‏

وإذا كان تقسيم العراق إلى دويلات وتهديد سورية بالتقسيم، وإقامة كانتونات طائفية متناحرة على الحدود الحالية للدولة الصهيونية، وضرب إيران أو تحييدها واستقطابها إن أمكن من الأهداف القريبة لذلك التحالف، فإن سقوط المنطقة كلها في القبضة الأميركية- الصهيونية وتدمير الهوية الثقافية لها وإعادة تكوين ثقافتها وعقيدتها وجغرافيتها الاجتماعية والسياسية بالشكل الذي يريده الغرب المتصهين والصهيونية العالمية هو الهدف الأبعد الذي تضمن تلك الجهات بتحققه تجسيد حلم الصهيونية بـ"إسرائيل التوراتية أو "إسرائيل ربّاني، أو ربَّاتي "، وإنهاء حضور العروبة والإسلام في ساحة الفعل بحيوية وتأثير على المدى المنظور.‏

وهذا يستنبت سؤالاً على جذع المسألة الأساس: هل نملك قوة الفعل الرادع أو المنقذ ولا نستخدمها بشكل جيد؟! أم أننا لا نملك تلك القوة ولا نفكر باستخدامها؟! أم أننا خارج الموضوع تماماً، أي خارج حدود التفكير به والتوجه نحو مصادمته؟!‏

يكاد يكون في حكم المؤكد أن الدول العربية والإسلامية لا تملك قوة تواجه بها قوة العدوان الأميركي- الصهيوني إذا ما قامت تلك القوة بضرب العراق، كما أنها لا تملك الإرادة والقرار بالتصدي للمصالح الأميركية والصهيونية لمنع وقوع ذلك.‏

ومن تحصيل الحاصل أن العراق وحده لا يملك قوة يمنع بها إلحاق ضربة به أو الرد على تلك الضربة.‏

يبقى أن نسأل ما الذي يحدث إذا ما وقعت تلك الضربة: هل سينحصر أثرها في العراق أم أن نتائجها سوف تمتد لتشمل مناطق أخرى وأوضاعاً إقليمية وأولية أشمل؟!‏

إن ضرب العراق بقرار أميركي- بريطاني خارج حدود غطاء مجلس الأمن الدولي سوف يخلق أوضاعاً دولية جديدة، قد لا تصل إلى درجة المواجهة بين القوى الكبيرة ولكنها على الأقل تنهي تفاهمها واستكانة الأضعف منها للأقوى؛ وهذا يمهد لتغيير ذي تأثير وقيمة في ما استقر عليه عالم اليوم بعد سنوات سبع من انتهاء الحرب الباردة وسيطرة قطب وحيد الطرف على السياسية الدولية، قد لا يؤدي ذلك إلى نشوء أقطاب أخرى، ولكنه على الأقل سيعلن عن بداية النهاية لسيادة قطب وحيد على السياسية الدولية.‏

وسيفتح ذلك الباب أمام صراع أكثر حدة وشدة حول المصالح والنفوذ مما يسمح باستقطاب دولي وبحث عن مصالح وحمايات؛ وإذا ما برز الحلف التركي- الإسرائيلي- الأميركي بشكل أقوى إثر ذلك- وسوف يبرز بكل تأكيد- فإنه سيقود إلى التفكير بمحاور وتحالفات جديدة في المنطقة، وسوف يزج الدول الكبيرة في مواقف ليست محايدة تماماً مما يجري على أرض السياسية الدولية.‏

أما على صعيد المنطقة العربية، والمنظومة الإسلامية فالوقع سيكون أشد والتأثير أعظم؛ وقد يؤدي ذلك إلى حضور شعبي ذي موقف ورؤية ورأي يؤثر على القرار الرسمي أو يهزه هزاً عنيفاً، بصرف النظر عما سيسفر عنه ذلك من نتائج على الأرض؛ إذ ستكون الأرض مهيأة أكثر للتمرد القائم على الشعور المر الناتج عن امتزاج الخوف والذل والثأر والكرامة والإحباط وحتى القنوط بالحصار المتعدد الشُّعب الذي يجعل المحاصرين يخرمشون الجدران بأظفارهم بحثاً عن ذواتهم وعن مخارج لذواتهم مما هم فيه.‏

ومن المتوقع أن تخرج من تحت الستائر والسجف مخططات ورغبات وممالك يخفيها الخوف والحذر اليوم لتعلن عن تطلعاتها ولتمارس في ظل رايات قديمة- جديدة ترفعها، فصلاً من فصول خدمة الاستعمار والصهيونية على أرضية من الاقتناع المتعالي بدور تاريخي يفرضه "الوعي والمسؤولية".‏

إننا في اللحظة الحرجة، اللحظة التي تشتعل فيها النار في الغابة ولكن لا يدري أحد إلى أي مدى ستمتد تلك النار وما الذي ستأتي عليه من الغابة وما الذي ستبقيه منها.‏

يقول المثل العربي القديم: "آخر الطب الكي" ولا ندري هل ستؤثر مياسم النار التي يكوى بها جسد الأمة ا لعربية في شفائها أو استنفار قدرتها على رفع تلك المياسم عن جسدها؟!‏

إنه سؤال مطروح على القاصي والداني من أبناء أمة العرب.‏

أما شعبنا العربي في العراق، الذي عانى ويعاني، من أشكال الإبادة الجسدية والروحية جراء أشكال الظلم والحصار، فإننا معه ننصره مظلوماً، مثلما نصرناه ظالماً بالوقوف ضد ظلمه يوم اقتيد إلى حرب المقت الأولى والثانية التي ما زالت الأمة تمضغ مرارة زؤانهما بينما يتمتع بقمحها الذهبي الأميركيون والصهاينة.‏

إننا مع شعبنا في العراق ضد الطغيان والعدوان الأميركيين، مع رفع الحصار عنه، واستعادة سيادته على أرضه وخيراته وعودته إلى أحضان الأمة والعالم بكل الكرامة والعزة؛ معه ضد مشروع الإبادة الأميركي- الصهيوني المستمر، وضد كل أشكال الحصار والعدوان والظلم والقهر التي يتعرض لها،التي حرمته من حقوق أساسية ومقومات حياة وتعلم وتقدم جوهرية في هذا الزمن، وندين بشدة استمرار الحصار والتهديد بالعدوان، وملاحقة الفكر العلمي والوعي المعرفي حتى في الأجنة والجينات البشرية لأبناء شعبنا من قبل الصهاينة والغرب المتصهين وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التي تتمتع بأخلاق بائسة، وتدّعي أنها تدافع عن الحقوق والقيم الأخلاقية والإنسانية‏

ونهيب بالمثقفين وأهل الرأي والمسؤولية والقرار في الوطن العربي لاتخاذ مواقف حازمة وحاسمة تضع حداً لهذه المعاناة، وتقيم في وجه أشكال الظلم والعدوان والغزو قوة تستطيع أن تحمي الإنسان والحق والعدل والضمير والقيم الإنسانية من تدمير قوى فقدت كل مسؤولية تاريخية وإنسانية وأخلاقية.‏

الأسبوع الأدبي/ع597//7/2/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244