صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

لقاء شيخ الأزهر بـ " لاو "

أدهشني موقف الإمام الأكبر فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر وصدمني في آن معاً، أدهشني غياب البعد السياسي في موقفه ورؤيته وخطابه حيال موضوع من أعقد المواضيع المعاصرة وأكثرها مساساً بحياة العرب ومقدسات المسلمين ومستقبل الأجيال والأوطان هو موضوع الصراع العربي الصهيوني؛ وصدمتني كما صدمت كثيرين عباراته وما شابها من ألفاظ مثل : الاحتقار لفكر الآخرين والجبن والتأديب و" النيلة- التطبيع" أو التطبيع النيلة " ... إلخ.‏

لقد استقبل فضيلة الشيخ، الذي يمثل موقعاً مرموقاً عند المسلمين، استقبل الحاخام الأكبر للكيان الصهيوني رمز العدوان والاعتقاد التلمودي - العنصري، الذي يحتل فلسطين ويهوّد القدس ويذبح المصلين الركع السجود في الحرم الإبراهيمي ويحاول الإساءة للرسول (ص) والعذراء مريم، وينطلق في ذلك كله من عقيدة تلمودية - عنصرية معادية للإنسانية وللإسلام، ومن مشروع استيطاني - استعماري يستهدف وجود العرب وحضارتهم ودينهم.‏

ولم تكن المقابلة بين رجل دين يمثل شخصه هو / شيخ الأزهر / ورجل دين آخر لا يمثل احتلالاً ومشروعاً أو كياناً غاصباً أو عدواناً مستمراً، فقد كان شيخ الأزهر ومازال يمثل وجدان الكثيرين من العرب والمسلمين وهو في موقعه لا يمثل شخصه وإنما منصبه أيضاً، وكان الحاخام لاو ومازال يمثل الكيان الصهيوني بكل ما يعنيه احتلاله للأرض وإرهابه المستمر للسكان وجرائمه وعدوانيته واستعماره، وكان اللقاء رسمياً بالمعنى التام للكلمة بحضور " سفير الكيان الصهيوني " في القاهرة له، والذي تم في رحاب الأزهر الشريف وليس خارجه.‏

فتبسيط الشيخ سيد طنطاوي للأمور على هذا النحو، وإظهار اللقاء على أنه : رغبة رجل دين في لقاء رجل دين ليبحثا في قضايا دينية، ليس وارداً على الإطلاق، ولا ينسجم مع ما أشار إليه فضيلة الشيخ مما تم في اللقاء من بحث أمور تتعلق بالإرهاب وزيارة القدس - التي يراها الحاخام عاصمة أبدية لإسرائيل - ولا ينسحب عليه فضل لقاء أهل العقائد في جو من التسامي والتسامح بعيداً عن شؤون الدنيا وشجون السياسة ومشكلات العيش الصعب والتعايش المستحيل بين الضحية والجلاد، فقد وصف شيخ الأزهر ذاته اللقاء بينهما بأنه كان " مناقشة ديوك "‏

وما يثير الأسئلة المربكة هو فهم شيخ الأزهر للتطبيع مع العدو الصهيوني وأبعاد ذلك وآثاره وما يرتبه اللقاء من نتائج أو استنتاجات سياسية وثقافية واجتماعية؛ فإذا كان شيخ الأزهر يقابل الحاخام ويبيح مقابلة أتباعه فما الذي يضير رجل الشارع المصري أو يمنعه من أن يقابل اليهودي المحتل لفلسطين ويتعامل معه؛ ولنا أن نتساءل : إلى أين يقود ذلك النهج؟! أليس إلى علاقات طبيعية بين العرب والمحتلين الصهاينة بعيداً عن حسم القضية الأساس موضوع الصراع العربي الصهيوني، وبعيداً عن حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية في أرضه.؟!‏

وشيخ الأزهر الذي ينفي علاقته بالسياسة ويصر على أنه رجل دين فقط يخوض في موضوعات سياسية ذات طبيعة شائكة مثل الإرهاب والقدس وما يتصل بمستقبل الصراع، وأنا أسوق ذلك هنا لكي أؤكد التصاق رجل الدين بالسياسة، ولأقلل من أهمية الفصل بينهما في مثل هذه الأمور.‏

لقد قال شيخ الأزهر في لقائه كلمة عابرة جداً بعفوية تكشف مدى البعد عن حقيقة الصراع وعن مفهوم أبعاد اللقاء الذي أجراه مع الحاخام الصهيوني لاو ،قال إننا نلتقي " ثم يعود إلى بلده " وهنا العقدة الشائكة : هل فلسطين العربية هي بلد الحاخام الأشكينازي " لاو " وبلد من يمثلهم من اليهود المحتلين لفلسطين؟! إذا كان شيخ الأزهر يصدر فيما يفعل / اللقاء / وفيما يقول /بلده / عن اعتقاد راسخ بأن فلسطين المحتلة هي بلد يهود " لاو "، فإن كل ما يبنى على ذلك من وجهة نظره ليس مستغرباً ولا مستهجناً، ويصبح عدم اللقاء بين العرب واليهود وبين المسلمين واليهود نوعاً من قصور أو غباء أو جبن كما يسميه شيخ الأزهر؛ أما إذا كان " لاو " ويهوده يغتصبون وطننا فلسطين وقدسنا، مسرى نبيينا وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ويشهرون القوة النووية في وجوهنا، ويرغموننا على الاعتراف بهم وبحقهم التاريخي في تلك الأرض التي اغتصبوها بالقوة، ويريدون فرض إقامة علاقات طبيعية معنا على أرضية استقرار حقهم التاريخي في فلسطين على حساب تشردنا ونفينا منها، وانتزاع رضا وتسليماً بذلك، وإقامة صلات معنا بما يوحي بانتهاء الأمر إلى الاستسلام والتسليم؛ وبقاء كل في " بلده " إن شئنا، واللقاء من بعد في بلد الآخر للحوار أو للنفار " ومناقشة الديوك " كلما شاءوا، ليظهروا للعالم - بذلك - أن الأمور استقرت في هذه الأرض على سلام يشوبه بعض الخصام، وأن العرب قبلوا " بحق اليهود التاريخي في أرضهم الموعودة"، وأن عليهم أن يستوعبوا مواطنيهم الفلسطينيين- الذين "أخرجناهم" من "أرضنا التاريخية - أرض إسرائيل " في أرضيهم، وأن " سرقة " فلسطين قد تمت وانتهت، وأن اللقاءات بين مسؤوليهم ومسؤولينا، رجال دينهم ورجال ديننا أصبحت " عادية.. وعادية جداً " - وهذا هو التطبيع" Normalisation " ؛ أقول إذا كان الأمر يصبح كذلك ويفضي إلى ذلك، فإن كل لقاء ومساومة واعتراف وتسوية تصبح هي المرفوض كلياً بكل المعايير والمقاييس.‏

ولا يجوز لنا هنا، في مثل حالنا مع محتل أرضنا ومقدساتنا، أن نقيس على وضع مختلف تماماً كان في عهد النبي (ص) وبعض صحابته، ولا أن نطبق أقوالاً وأفعالاً على أساس قياس مختل.‏

إن العدو الصهيوني يسعى لفرض تعامل وتواصل معنا في كل مجالات الحياة ليفضي ذلك إلى وضع طبيعي بيننا وبينه، ومثل هذا الوضع الطبيعي الذي تسود فيه علاقات طبيعية وتعامل وتجارة وتواصل يلغي كل صور العداء المرتبط باغتصاب الأرض والحق والمقدسات، ويجعل العدو قادراً على الفتك بنا من الداخل، كما يجعلنا غير قادرين على تبرير استمرار صراعنا معه مادام قد دخل شؤون حياتنا وعلاقاتنا بشكل طبيعي معترف به !!‏

إنه يرمي إلى أن يصبح، باعتراف الجميع، جزءاً من النسيج التاريخي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والأمني للمنطقة، قد تنشأ بينه وبين بعض أقطارها خلافات ولكن تلك الخلافات لا ترقى إلى مستوى الصراع على الوجود والسيادة والأرض، وبهذا يستقر في أرضنا ويستمر في تخريب الذاكرة والوجدان الشعبيين، وتخريب قيم الأجيال ونخر تعاليمنا ومقومات حياتنا لنسير من ضعف إلى ضعف ويسير هو من قوة إلى قوة.‏

إن التطبيع الذي يسعى إليه العدو هو إحدى نتائج الاعتراف به، واعترافنا به وبحق له في فلسطين يعني بكل البساطة سحب الاعتراف من شرعية سيادة الفلسطيني، ومن ثم العربي،على وطنه أو على جزء من وطنه، ونقض لكل البناء المنطقي الذي يبنى على ذلك.‏

إن شيخ الأزهر، الذي نجله ونحترم تمثله لسماحة الإسلام صدمنا وأدهشنا بأمرين:‏

1- استهانته بأصعب الأمور وأعقدها ومحاولته تقديم ذلك لنا على أنه بساطة البطولة وبطولة البساطة.‏

2- محاولته الإساءة إلى كل من لا يسير على نهجه ويرضى بمنطقه، ويختار نهجاً مغايراً، فمن لا يرضى بنهج الشيخ جبان ومحتقر الأفكار ويستحق التعنيف وأكثر.؟!‏

أما الترويج للعدو الصهيوني وتسويقه وتسويغ الاعتراف به، على حساب الأرض والحق والمقدسات والشخصية الثقافية للأمة، فهو الشجاعة والمنهج الصالح ؟!؟‏

إننا نشك بذلك، ونعلن صدمتنا ودهشتنا منه، وإذا لم يكن الشيخ الجليل متعباً أو واقعاً تحت ضغط ما في هذه القضية فإن الأمور تحتاج، إلى تدبير وتفكير وحكمة وتدبر‏

وأسأل الله تعالى لنا جميعاً السلامة‏

إنه على كل شيء قدير‏

جريدة المستقلة /ع196//9/2/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244