|
مسؤوليتنا جميعاً
قد تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في تلافي الضربة المحدقة بالعراق إذا ما عزز العراق مرونته التي أبداها حين وافق على فتح القصور الرئاسية لفرق تفتيش معدلة الصيغة ولمدة ستين يوماً تنهي خلالها مهمتها وتوقد شمعة في نهاية النفق المظلم تنير طريقاً إلى إنهاء الحصار الفظيع المضروب على الشعب العراقي منذ سبع سنوات ونيف؛ ولكن الحصار الذي بدأ جداره يتشقق على نحو ما، وبدأت الولايات المتحدة تدرك أنه لن يصمد ليدوم طويلاً، ذلك الحصار لن ينتهي قبل توجيه ضربة محتمة تخطط لها الصهيونية والإدارة الأميركية، وهي ضربة تهدف إلى القضاء على كل إمكانية مادية وروحية بامتلاك القوة على أرضية العلم، ومتابعة السعي لامتلاكها تحريراً للإرادة وحفاظاً على حرية القرار والسيادة، والحشود العسكرية المتصاعدة وكذلك الجهود السياسية الأميركية المستمرة لخلق مناخ وشروط وقوة ملائمة لتوجيه الضربة وتحقيق أهدافها كل ذلك يشير إلى تصميم أميركي- بريطاني- إسرائيلي ثابت ومعلن للقيام بذلك.
وإذا نجح العراق بتلافي الضربة في هذه المرحلة فلن ينجح بتلافيها قبل رفع الحصار، لأن قرارها قد اتُخذ، وأسبابها ما زالت قائمة أما الذرائع فلا يصعب إيجادها أو الإيحاء والاستفزاز لإيجادها على هذه الأرضية أريد أن أنظر إلى الموقف العربي في هوامشه وتغيراته الآنية المرتبطة بهذا الحدث أو الناشئة عنه.
إن مبعوثي العراق إلى الأقطار العربي الصحاف والمالكي وغيرهما، وتصريحات مسؤوليه ونتائج اللقاءات والزيارات وردود الفعل عليها تشير إلى معطيات جديدة نسبياً أهمها انفتاح قنوات اللقاء والحوار في الاتجاهين: بين العراق والعرب وبين العرب والعراق على المستوى الرسمي، وتحقق استجابة متبادلة لما يحمله الخطاب المتبادل عبر تلك القنوات، وهذا بحد ذاته يشكل معطى هاماً يؤسس لحالة عربية جديدة لا بد منها تسبق إعادة العلاقات والصلات والُلحمة القومية على أرضية من المنطق والثقة والاحترام والمسؤولية المتبادلة عما يهم الأمة وينعكس عليها سلباً وإيجاباً.
وإذا كان صوت العراق، أو الصوت من العراق يصل اليوم بصورة أفضل مما كان عليه الأمر قبل وفي أثناء وبعد حرب الخليج الثانية فإن الصوت العربي يصل إلى العراق اليوم ويلقي استجابة أفضل ويؤثر في القرار، وهذا أمر ينبغي ألا يستهان به بعد الذي جرى والذي كان؛ وعلى المعنيين بالوضع العربي مستقبلاً أن يستثمروا هذه المعطيات والظروف وينمّو ما فيها من إيجابيات لخلق المناخ الذي تبدأ فيه مراجعة شجاعة وصريحة ودقيقة لكل ما كان وصولاً إلى وضع عربي يعيد جسور الثقة وحركة المرور عليها في الاتجاهين بين أطراف الأزمة التي أسفرت عن كارثة لكل أطرافها وللأمة العربية وقضاياها. لقد أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بياناً عبّر عن وحدة موقف حيال الأزمة الجديدة والتهديد الأميركي للعراق، وعلى رغم من كل ما تضمنه من تحميل العراق لمسؤولية ما ينتج عن عدم التعاون مع لجنة التفتيش وقرارات مجلس الأمن، فإنه خلا من الإشارة إلى تأييد للضربة الأميركية التي يُعدَّ لها، كما أشار إلى تعزيز المساعي الدبلوماسية والسياسية لحل هذه الأزمة وتأكيد أهمية نجاح هذا المسار والرغبة في إنجاحه؛ وحين يصدر هذا بإجماع عن اجتماع في الكويت فينبغي ألاَّ نستهين بما اشتمل عليه من تحول في الموقف ولو كان هذا التحول جزئياً أو نسبياً.
إن جهد المخلصين من العرب لا بد أن ينصبَّ على إزالة فتيل الأزمة وكل فتيل قد يؤدي إلى أزمة، لا سيما بين الأقطار العربية والآن، لتتفرغ للصراع الأساسي مع العدو الصهيوني وما ينشأ عنه، فالظروف الدقيقة والتهديدات المتتالية، والجهد الصهيوني المتصاعد لاستغلال الظروف الحالية الناشئة عن الأزمة أو عن افتعال أزمة مع العراق، وتركيز الأضواء عليها للقيام بتمرير بناء مستعمرتي: "جبل أبو غنيم" و"باب العمود" في القدس واستكمال تهويد المدينة المقدسة، وقضم ما تبقى من الضفة الغربية، وإقامة مستوطنات جديدة في الجولان، والسطو على أراضي أهلنا هناك وتملكها لتحقيق تلك الأغراض، كل ذلك الذي غاب أو غُيب أو يُراد له أن يغيّب في غبار هذه الأزمة ومن ثم في نارها ودخانها يجب ألا يغيب عنا وألا نسمح باستمراره في العتمة، فهو من الأهمية بمكان.
وكذلك تعزيز جهود التحالف التركي- الإسرائيلي- الأميركي وما تحت خوافيه من عرب، لا ينبغي أن يغيب عن مساحة الاهتمام والرؤية في هذه الظروف.
وهذا كله إضافة إلى ظروف الحصار المُرّ على العراق وليبيا والسودان، والحصار الجزئي والضغط المفروضين على سورية، ولبنان، والتهديد المتتالي لإيران كل ذلك ينبغي أن نتنبه له ولما يحاك في الظلام لتعزيزه.
إن مهمة المثقف اليوم ومسؤوليته القومية والخلقية والإنسانية أكبر حجماً وأكثر عمقاً منها في أي وقت مضى، ولم يعد من المقبول على أي مستوى وصعيد أن يستمر ارتهان موقف الثقافة ودورها القومي والخلقي مرتهنين لتجار سوق الكلام وافتراءات من أصبحوا خارج التاريخ ويلعبون على الحبال ليستعيدوا حضوراً في التاريخ، فالافتراء والكذب وتأجير المواقف للصهيونية وأجهزة الاستخبارات الأجنبية وخلافات الأنظمة والحكام في وطن العرب المأزوم المهزوم لن تصنع تاريخاً ولن تؤثر في التاريخ، قد تشوه مرحلة وتؤخر المسيرة ولكنها سوف تسقط حين ينكشف عنها القناع وتتعرى افتراء وكذباً وتأجير مواقف وتجاره في سوق الكلام لا ينمون إلا الظلم والظلام رغم الادعاءات العريضة المريضة في آنٍ معاً.
إن المعاناة قائمة ولكن القادرين على إخراج الناس منها أكبر من تلك المعاناة وأقدر من تلك الظروف وأشد عزماً وأكثر تأهلاً لدور منقذ ممن ينعق في الظلام ويتلظى في زوايا حرفة الكلام ليقضم وعياً أو يشوش ذاكرة أو يجرح ضميراً حياً، ويفوز بما يفوز به اللص أو قاطع الطريق.
إن الأمة الآن بأمس الحاجة إلى المخلصين القادرين من أبنائها الذين يعنيهم أن يخرجوا بها من الأزمة والغمة والفرقة إلى ساحة التفاهم والألفة ووحدة الموقف وسلامة الرؤية وتعزيز الموقع والمكانة والكرامة.
ومن لا يخدم الأمة بتجرد في هذه الظروف لن يستطيع أن يخدمها في أية ظروف أخرى، قد ينجح في التهويش والتشويش وفتح منابع الدم والظلم والظلام لفترة ولكنه سيجني العار عندما تسقط الأقنعة وتشرق شمس الحقيقة وينكشف دور خفافيش الظلام.
إن ما ينتظر شعب العراق ينتظرنا جميعاً وسنحصد زؤانه كلنا من غير استثناء وإذا لم نفلح في مواجهة الغطرسة الأميركية- الصهيونية- الاستعمارية بقوه منطق وخلق وموقف ورؤية، فلن ننجح في إخراج أنفسنا من أية ورطة فعلية، كما أننا لن ننجح بإخراج عربة الأمة من وحول الطرقات ومزالقها إلى مسارات جيده وسليمة ونظيفة تقودها إلى شواطئ السلامة بسرعة وأمان. إننا مدعوون إلى الفعل، فهل ننجح في تحدي الضعف والضغينة في داخلنا، وفي تحدي أولئك الذين ينصبون شراكهم حتى في حبرنا ومجاري أقلامنا، ويدخلون سموم العدو إلى الوجدان ويزينون لنا السوء وتدمير القيم القومية والاجتماعية والخلقية والدينية تحت ذرائع شتى ويسوقون العدو وأقواله وبرامجه وخططه واستراتيجياته تحت اسم السلام ودعاة التطبيع، ويسوِّغون له منطقه ومنطق الانهزاميين الذين ينصرونه، أولئك الذين يتبرقعون بألف جلد حرباء وقناع ادعاء وافتراء؟! إن الأمر مطروح علينا بحدة مبضع جراح يهمه أن يستأصل الداء لتعود السلامة والصحة للجسم فيعيش ويتألق في حياة يصنع فيها الكل سعادة الجزء وأمنه، ويصنع فيها الجزء قوة الكلّ ومناخ تقدمه الصحيح؛ إن ذلك مسؤولية تاريخية، وهي مسؤوليتنا جميعاً.
والله من وراء القصد.
دمشق في 12/2/1998
الأسبوع الأدبي/ع598//14/2/1998
|