صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

يا أطفال العرب

أخال أن كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، الموجود الآن في بغداد، سينجح في مهمته التي كلفه بها مجلس الأمن الدولي، بعد موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية فيه على خطوطها الرئيسة الحمراء وغير الحمراء.‏

ونجاح عنان، إذا تحقق، يعني تجنيب العراق ضربة أميركية -صهيونية- بريطانية في الوقت الراهن، وانتزاع فتيل الأزمة الحالية التي قدم العراق جهداً لحلها؛ وهو نجاح يأتي محصلة أو تتويجاً لجهود دولية وعربية من جهة واستجابة لمواقف شعبية رائعة وعادلة شهدها الوطن العربي وبعض مناطق العالم.‏

ولا يعني هذا النجاح المرتقب أن رأس العراق لم يعد مطلوباً، ولا أن الفكر العلمي العربي، والإرادة المتطلعة إلى امتلاك ذاك العلم وتجسيده قوة منقذة محررة، باتا بعيدين عن الرصد والضربة القادمة.‏

كما أنه لا يعني على الإطلاق أن التهديد الذي يلف المنطقة كلها قد زال، وأن القوات السوداء والأيدي القذرة والأسلحة الفتاكة قد رحلت عن أجزاء من وطننا؛ ولكنه يعني فيما يعني أشياء ظاهرة منها:‏

1-أن العالم لم يعد في جيب الرئيس الأميركي، وأن مجلس الأمن أخذ يصحو من دوامة 1991 بعد سبع سنوات، ليجد راعي البقر قد علق أنشوطته في عنق دول بحر قزوين بعد أن ثبّت قامته فوق بحر النفط في الخليج العربي كله دون منازع؛ وأن الحلف الذي يقيمه في هذه المنطقة هو الذي ينبغي التفكير بأهدافه البعيدة وتأثيره عليها، وقدراته على التحكم بمصالح أطراف كثيرة يعنيها شأن الطاقة والتجارة والسياسة في هذا الجزء من العالم، كما يعنيها استقراره الجيو ـ سياسي.‏

2-أن العرب، شعوباً وحكاماً، قد سئموا من رمي أنفسهم وأبنائهم في المحرقة الأميركية -الصهيونية التي تشرف عليها وجوه الحقد العنصري الأعمى والكره التاريخي البغيض وتدير جوفها عقائد الموت والمال والجنس. وأدركوا، بعد خراب البصرة، أن تلك المحرقة لن تتوقف عند حد، وأن نارها ووقودها ونتائج حرائقها لا تكون إلا على حسابهم، ولا تهدف إلا لإذلالهم إن لم يكن لإبادتهم؛ فقرروا أن يقولوا: لا، وأن يجربوا النتيجة؛ ولكنهم ليسوا على يقين لأن أقداماً كثيرة ما زالت ترقص على حبلين وتعيق الجسم عن الخطو بكامل القوة والقدرة.‏

3-أن العراق أخذ درساً في المرونة من مواقف عام 1991 وهو يدرس الوقع الحقيقي لانعكاس أي قرار أو موقف؛ وأنه أيضاً أخذ بمعايير مغايرة لتلك التي حكمته لفترة، وأخذ يحكمها بأمور لا يرجح كفتها الصراخ والحق والشعار والمنطق من غير أن يكون هناك أشياء أخرى تعطي لكل شيء قيمة ومعنى وحضوراً مؤثراً في أرض الواقع؛ كما أنه، وسواه من العرب، أدركوا أوهم في طريقهم إلى أن يدركوا بعمق أشد، أن الأمة تحمي ويُحتمى بها، والخارج عليها لا يستظل من جحيم العداوة بشيء.‏

4-إن استخدام القوة العمياء سيحقق أهدافاً عمياء ولن ينهي مشكلات بمقدار ما يخلق مشكلات؛ وأن من يعمل مرتزقاً في جيش تنشئه الصهيونية بأموالها سوف يدفع الثمن للصهيونية مرَّتين مرة من أمواله ومرة من دمه؛ وعليه في ضوء ذلك أن يزن الأمور بالقسطاس المستقيم ليستقيم له منها ما يستقيم.‏

قد تنجح جهود العالم المتمسك بحل سلمي للأزمة الحالية بين العراق والإدارة الأميركية، ولكن على العالم أن يدرك جيداً أن الحشد الأميركي الموجود في الخليج لم يُحشد لمجرد التظاهر وأنه سيحقق ما يريد ولو بعد حين، وقد يمد رأسه ويده ليضرب في مكان آخر؛ ونحن ندرك أنه يريد كل من لا يخضع للإرادة الأميركية، وكل من يعارض المشروع العنصري- الصهيوني في المنطقة. والحشد العسكري المتكاثف ليس هو الموجود فقط في مياه الخليج وفي القواعد الأميركية القريبة من أماكن تمركز حاملات الطائرات الأميركية والبريطانية، إنه امتداد ذلك الحشد في تحالفاته ومعاهداته وقدراته العسكرية في المنطقة كالتحالف التركي - "الإسرائيلي" وما هيأه من قوى وخطط وبرامج ومراكز تجسس وقواعد انطلاق ونقاط انقضاض على دول رئيسة في المنطقة هي: إيران والعراق وسورية تنفيذاً للهدف الأميركي الأول والمصلحة الأميركية العليا: "إسرائيل" التي تشكل هي والنفط الروح والجسد بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.‏

قد يتم نزع فتيل هذه الأزمة الآن، وقد يبدو ضوء في نهاية النفق المظلم الذي دخله الشعب العربي في العراق منذ بداية حرب الخليج الثانية وما تلاها من حصار، ولكن الضربة المبيتة للعراق لا بد أن تنفذ قبل رفع الحصار الذي لا بد أن يرفع، والضربة ليست للتخلص من أسلحة بمقدار ما هي اختراق في العمق لكل تفكير بامتلاك أسلحة تمكن العرب من الدفاع عن النفس والتفكير بالتحرير الشامل لفلسطين وعندما يحين موعد تلك الضربة، التي قد لا تقتصر على العراق، فإنها لن تكون بلا ذرائع ولن تكون بلا فواجع قد تصل إلى حدود الكارثة ولكن.. مهما كان من أمر ذلك، ومهما نتج عن ذلك الذي نرى ما يِخَطط له يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم؛ فإنه سيبقى في الوطن العربي أحياء بعزائم الأنبياء وأقوياء بعقول العلماء، وأطفال لهم حقوق إنسانية واجبة، وأحلام وتطلعات؛ وسوف نكتب لهم ونعلمهم ونقول لهم فيما نقول:‏

يا أبناءنا.. يا بضعة أطفال ولو من كل قطر عربي طفل يحمل الشعلة.. قولوا لأميركي والصهيوني، قولوا للعنصريين والمحتلين وتجَّار الدم والحرب والجوع والسلاح: "من حقنا أن نعيش وأن ندافع عن حقنا في العيش، وهذا يستدعي أن نملك سلاحاً كما تملكون أنتم سلاحاً، ومن حقنا أن نستعمل عقولنا كما تستعملون عقولكم، وإذا أجزتم لأطفالكم أن يملكوا أسلحة يدافعوا بها عن أنفسهم، فلماذا تصير هذه الأسلحة أدوات تهددوننا بها وتحاصروننا بها في أوطاننا فما الذي يمنعنا من أن نفكر بامتلاك الأسلحة ذاتها التي ندافع بها عن أنفسنا، حين لا تفهمون إلا معاني القهر والسلب والعدوان والإبادة والتعالي العنصري؟‍‏

لن تنقصنا العقول ولن تنقصنا الإرادات ولا تنقصنا الإمكانات. إنكم تختارون لأطفال العالم المصير المرعب، وتضعوننا في مقدمة ذلك المصير، فلم لا يكون لنا جميعاً المصير ذاته؟‍!‏

ألا يملك أولادكم لعباً؟! إنهم يملكون فلم لا نملك لعباً مثلها؟! تقولون لنا: نحن صنعنا لهم لعباً.. ونقول لكم حسناً!.‏

وتحتجون بأنها لعب مهلكة ونحن نقر بذلك ونسألكم لماذا تكون لأطفالكم لعب يهلكوننا بها ولا تكون لنا لعب نمنعهم بها من أن يهلكونا ويهلكوا أنفسهم؟! إننا لا نريد أن يهلك أحد فهل أنتم على استعداد لتدمير رصيد اللعب المهلكة كله لنلعب تحت شمس مشرقة ألعاباً جميلة تنطوي على الحب والأمان وحق المتعة للجميع؟! إنكم لا تريدون وإذا أردتم فقوموا بتدمير لعب أطفالكم وأزيلوا الكابوس عن هذا العالم؟!‏

يا أطفال العرب قولوا لكل الأطفال: نريد مصيراً مشتركاً وشروط عيش مشترك وحرية وأمناً لكل الناس، لكي نأمن ولكي نعيش معاً بكرامة.‏

الأسبوع الأدبي/ع599//21/2/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244