صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

لهاثٌ على مسارات التسوية

لقد أعلن أكثر من طرف من أطراف ما يسمى بـ " عملية السلام" ومن يرعونها أنها ماتت في أكثر من موقع منها:" جبل أبو غنيم" و" حي باب العمود" في القدس، وعدم الانسحاب من الأراضي الفلسطينية تنفيذاً لاتفاق "أسلو"؛ وفي أكثر من صدام دموي ومذبحة قام بها الصهاينة ضد الفلسطينيين. ولكن النافخين في ذلك "الكير" مازالوا ينفخون ويقدمون "تعزيماتهم" ويضغطون بأكفهم على صدر المسجى بانتظار الدفن؛ وهم فيما يبدو يصرون على "سلام" إسرائيلي- أميركي يُفرض على العرب قبل غياب شمس هذا القرن، وهو " سلام" لمصلحة الكيان الصهيوني مئة بالمئة وضد المصلحة العربية ألف بالمئة.‏

لأنه من بديهيات الأمور وأوليات الاستنتاجات المنطقية لمعطيات التاريخ والواقع معاً، أن استمرار الاحتلال اليهودي لفلسطين العربية، كل فلسطين العربية، وبقاء السيادة الصهيونية والمشروع الصهيوني واندفاع السيطرة والتهويد في القدس لن يقدم أي سلام للمنطقة بأي معنى من معاني السلام، فالتضاد والتناقض والتناحر المطلق وكل ذلك قائم وتام مع بقاء الكيان الصهيوني في الأرض العربية؛ وكذلك الاستنزاف والتهديد والهيمنة ومحاولات محو الوجود بأبعاده المادية والمعنوية إن الأحاديث التي تذهب إلى فرض "تسوية" بمنطق القوة الشاملة المهيمن، والقبول بتعليق الأمور بانتظار حسم قادم في زمن قادم، من الأمور التي يمكن فهمها والتعامل مع معطياتها في ظل الأوضاع العربية المتردية واختلال موازين القوى لمصلحة العدو الصهيوني، وما نشهده من زحف القوة على الحق والعدل والحرية والشعوب في ظل المتغيرات الدولية التي تفرض سيطرة أميركية بدأ العالم يتململ منها؛ ولكن الدخول في سلام دائم عادل وشامل تستقر على أرضيته النفوس والأوضاع والأرواح التي أزهقت على طريق هذا الصراع المر، ضرب من الأوهام والأورام النفسية المميتة، ونوع من التعمية وإقصاء العقل والعدل معاً عن ساحة الفعل البشري في الوطن العربي على الأقل.‏

إن الكيان الصهيوني المستند إلى عقيدة تلمودية وتجربة تاريخية في القتل والاحتلال والإبادة العنصرية هي تجربة الولايات المتحدة الأميركية التي تقدم له مساندتها المطلقة على أرضية مصلحة واعتقادية وتعاقدية، إن هذا الكيان مستمر في مشروعه ذي الحدود المفتوحة إلى أن يصطدم بالبحر الآخر، مائياً كان ذلك البحر أو بشرياً يرده من حيث جاء.‏

وهو لا ينكر إلا بتنفيذ مرحليَّات سياسية في ضوء استراتيجية ثابتة مبنية على معطيات دينية واستعمارية وعسكرية واقتصادية.‏

وعلينا أن ندرك جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية والغرب الذي ينتمي إلى معسكرها، والشرق الذي كان يشكل معسكراً مضاداً في يوم من الأيام، كل أولئك متفقون على بقاءٍ "لإسرائيل" وسلام لها، وهيمنة سياسية واقتصادية وعسكرية تفرضها بدعم منه على وطن العروبة والإسلام لاستنزاف كل من العروبة والإسلام وإجهاض حيويتها ومشروعهما النهضوي ووجودهما إن أمكن؛ وتلك سياسة ثابتة يتناوب على خدمتها كل طرف من أولئك حسب الظروف والإمكانيات والمواقع والمواقف والمستجدات.‏

إن الهجمة الغربية على "مسارات السلام" في هذه الأيام، وإفساح دور حي للأمم المتحدة وأمينها العام ليزور المنطقة تحت عنوان قريب من تحريك تلك المسارات. ما هو إلا جهد ضمن مرحلية الصهيونية التي تشرف على تنفيذها الإدارة الأمريكية و"ايباك" بالتعاون والتنسيق مع الرموز "الإسرائيلية"، وهي تهدف إلى:‏

-امتصاص ما في الشارع العربي من صحوة حتى لا نسميها نقمة.‏

-وتخليص قوة الاحتلال من المستنقع الذي أغرقتها فيه قوات حزب الله في جنوب لبنان تلك التي تدعم شرعية مقاومتها سورية وإيران وبعض الدول العربية.‏

- وفك الارتباط بين المسارين السوري واللبناني في المفاوضات مع العدو.‏

- وإجبار سورية -من بعد- على دخول المفاوضات بالشروط "الإسرائيلية" وإحراجها في لبنان لإخراجها من لبنان.‏

- وتأليب قوى لبنانية على أخرى لبنانية وعلى سورية لإثارة خلافات ونزاعات وحروب إن أمكن.‏

- وإبقاء الجولان قيد الاحتلال الصهيوني إلى أن تقبل سورية "بعضاً من الجولان" وتتنازل "لإسرائيل" عن معظم كمية المليار وثمنمئة مليون متر مكعب من المياه التي تأخذها سنوياً من مياه الجولان، وترسيخ الوجود الاستيطاني اليهودي فيه، بعد أن رسخت القوة وجودها بحفر وبناء أنفاق تحت الأرض تصل إلى مئة وخمسين كيلو متر طولاً لتقيم فيها صناعات عسكرية وقوات متنوعة القدرات القتالية لتهدد سورية باستمرار وتفرض عليها تسويات لا تقبل بها.‏

لقد قرر العدو الانسحاب من جنوب لبنان من طرف واحد، وذلك تحت ضربات المقاومة وصمود الشعب العربي في لبنان ودعمه لتلك المقاومة.‏

وقرار الانسحاب المتخذ -على الرغم من اختلاف أطراف صهيونية حوله- سينفذ ولو من طرف واحد وبانتظار تحقق ذلك لابد من ممارسة الابتزاز وفرض الشروط ووضع القيود، واستدراج اللبنانيين والسوريين إن أمكن ليكونوا حراس حدود الأرض التي يحتلها الكيان الصهيوني؛ وإذا كانت تسوية أوضاع الجيش العميل جيش لحد، في الشريط المحتل تحتاج إلى تذليل بعض الصعوبات والعقبات، وعقد اتفاقيات وتقديم ضمانات، فإن المشكلة الأكبر في هذه القضية، هي نزع سلاح حزب الله وإنهاء كل شكل من أشكال المقاومة ضد الاحتلال، بما في ذلك المقاومة الفلسطينية مقاومة حماس والجهاد الإسلامي داخل فلسطين على الخصوص -تلك التي لم يستطع عرفات أن يحسمها رغم الإلحاح والدعم "الإسرائيلي -الأمريكي- الغربي" بشكل عام.‏

فهل تستطيع الوساطات والجهود المبذولة أن تضع حداً لهذه "العقبات"؟!‏

وما هو دور الأمم المتحدة وأمينها العام، ولماذا يسمح له بالتدخل -ولو على شكل زيارة المنطقة- الآن؟؟‏

وهل تستطيع الوساطة أيضاً أن تقنع سورية بأن مسارها التفاوضي مع الكيان الصهيوني لن يتأثر إذا ما تم اتفاق مع لبنان على انسحاب "إسرائيلي" من جنوبه، مشروطاً كان ذلك الانسحاب أو غير مشروط؟!‏

وهل التحرك على هذا المسار سيكون معزولاً عما يتم على المسار الفلسطيني - "الإسرائيلي" الذي يعتمد التحرك فيه على إحياء "أوسلو" وتنفيذ اتفاقياتها، وهو مالا يمكن التكهن بإمكانية التقدم في مجالاته، بل يكاد المرء يقترب من الجزم بأن أي تقدم مرضٍ على ذلك المسار غير ممكن بعد استئناف البناء في "أبو غنيم" و"باب العمود" والتسارع الحاصل في تهويد القدس وتفريغ سلطة عرفات من كل مضمون والاستغناء عن واجهته بطرح كونفدرالية مع الملك حسين تبقيه مختاراً محدود القدرة حتى شكلياً؟!‏

في تقديري أن الأسئلة الأربعة متداخلة وشديدة التعقيد، ومقاربة الإجابة عليها ستكون أشد تعقيداً وتداخلاً.‏

إن الأمين العام للأمم المتحدة الذي سيزور لبنان، سيحمل معه تصريح "إسرائيلي" بأنها ستلتزم تنفيذ القرارين (425 )و (426) مع تأكيد تمسكها بتفسير خاص لهما ومحاولة ربطهما بالقرار/520/ وإذا ما تلقى "كوفي عنان" وثيقة رسمية من "إسرائيل" بتنفيذ القرارين (425) و (426) بوصفه مسؤول المنظمة التي أصدرتهما، فإنه سيتكلم بشكل رسمي عن انسحاب وترتيبات أمنية وربما عن اتفاق؛ وعلى الرغم عما في هذا الموضوع /الموقف من إعطاء فرصة ودور للأمم المتحدة فكانت "إسرائيل" والإدارة الأمريكية ترفضهما إلا أن حاجة "إسرائيل" لوقف نزيف دم جنودها في جنوب لبنان ونصب الفخ لكل من سورية ولبنان، وإشارة لبنان الصريحة إلى مخاطبة الأمم المتحدة في هذا الشأن ليسمع كلاماً مسؤولاً يناقش ويرد عليه بمسؤولية فإن المحتلين وأنصارهم، أصحاب المشروع الاستراتيجي الذي ينفذ مرحلياً، سيوافقون بتحفظ، على أن تبقى الأمم المتحدة مجرد بيت عنكبوت وعنان ناسجاً ضعيفاً موجّهاً مُحِرَّكاً من بعد في ذلك البيت.‏

وإذا كان عرفات يمكن إسكاته بـ 13% على الأكثر مما تبقى من أرض الضفة الغربية، بعد أن يَلِغ في الدم الفلسطيني ويباشر تصفية البنية التحتية لحماس والجهاد الإسلامي فإن العقبة الأكبر التي تواجه هذا التسلل الاستعماري إلى ما تبقى من صمود عربي هي سورية التي تدرك أبعاد اللعبة، وتدرك جيداً مرامي العدو الصهيوني والأبعاد الاستراتيجية لمشروعه الاستيطاني ومعنى تحالفاته العسكرية، وحشده لأنواع القوة في ترسانة لا مثيل لها في مساحة كمساحة فلسطين المحتلة.‏

سورية تريد الجولان كلَّه، ولا تريده قبل جنوب لبنان وأمن لبنان وعروبة لبنان؛ وسورية تريد القدس عاصمة عربية حتى لو وعد صاحب وادي عربة بجعلها عاصمة يهودية إذا ما أعطي وصاية شكلية على المقدسات الإسلامية في القدس.‏

وسورية لا تفرط بدورها القومي، ومشروعها القومي، ومسؤوليتها عن وصول الشعب العربي الفلسطيني إلى حقوقه المشروعة في وطنه.‏

نعم إنها ليست كل العرب ولا هي البديل عنهم أو لهم، ولكنها تبقى قلبهم النابض وقلعة صمودهم والموقع الثابت على المبادئ، المتمسك بالحقوق التاريخية للأمة العربية.‏

وهي القطر العربي الذي نذر نفسه لقضايا الأمة وتحمل من أجل ذلك الكثير ومازال يتحمل من أجل ذلك، ولن يستسلم للعدو ولتسوية يفرضها العدو وحماته مهما بلغت التضحيات، كما أنه لن يدير ظهره لسورية وتاريخها وأرضها وشعبها ولا لأمته العربية وتطلعاتها مهما قدم له من إغراءات، وكيفما زُيِّنت له طرق النجاة بنفسه والانكفاء على ذاته وجني ثمار ذلك بهدوء واطمئنان وثقة.‏

بقي أن نلامس من بعيد معاني ومرامي ردود الفعل "الإسرائيلية" التي تتم على زيارات الموفدين لتنفيذ هذا الذي نقول: إن لها مصلحة فيه، مثل روبن كوك، فهل من المعقول أن تريد شيئاً وتخطط له ثم تسيء لمن يكلف بتنفيذه؟!‏

إن قاعدة الصهيونية المتبعة منذ عقود هي الهجوم والاتهام المستمران حتى لا يرفع أحد صوته ويسير في الطريق المرسومة تحت ضغط الخوف من الاتهام بمعاداة الصهيونية ولا تتوقف الغطرسة الصهيونية عند حدود اتهام الأشخاص وإنما تذهب إلى اتهام الآخرين بالجهل والتآمر والتواطؤ كما فعل نتنياهو مؤخراً مع الأوربيين على سبيل المثال، وكما يوجه الصهاينة اتهاماتهم حتى للأمم المتحدة بصورة عامة.‏

أما موضوع روبن كوك مثل موضوع شيراك من قبل يتصل بالقدس التي تعلن "إسرائيل" إنها ليست موضوع مساومة، وأنها "عاصمتها" الموحدة إلى الأبد" وكل ما يتصل بالقدس تواجهه بردة فعل عنيفة لتنفيذ أمرين:‏

1- عدم مفاتحتها بأي أمر يتصل بالبناء والتهجير والتهويد في هذه المدينة على الخصوص، وفي المدن والبلدات والقرى التي تعتبر أن لها حقاً طبيعياً في تحقيق ما يحتاجه نموها وتطورها من توسع.‏

2- التمهيد -منذ الآن- لتشكيل حاجز كثيف مصمت من الرفض المطلق في وجه أي حديث عن تسوية تشمل القدس في المرحلة الأخيرة من "معاهدات السلام" بينها وبين الأطراف العربية.‏

وهي تفعل ذلك على أرضية من الدعم المطلق لها من قبل الإدارة الأمريكية والقوى الصهيونية وبعض دول الغرب في هذا المجال.‏

فهل تنجح "إسرائيل" في تنفيذ مراحل مشروعها الصهيوني الكبير في ظل لعب "الثلاث ورقات هذا"؟‍!‏

وهل ينجح العرب في تخطي مراحل الضعف والتردي وأوضاع الهرولة والتطبيع والتبعية، ليواجهوا ما يدركون مراميه وأبعاده وأخطاره بقوة تضامنهم ولا أقول وحدتهم على هدف ومبدأ وموقف، وفي صف متراص صامد؟!‏

وهل تنجو أطراف المسارات التفاوضية المحاصرة بأنواع من التهديدات والاستفزازات والتحالفات وبكثير من الاحتمالات مما ينصب لها من أحابيل ويدار لها من مكائد؟!‏

وهل يفلح الوعي العربي ولو في مجال ضيق من الأرض ووجود الشعب في التصدي لهذه المؤامرات الصهيونية الغربية المشتركة؟! وهل يدرك العرب جميعاً أنه لا يوجد مطلقاً أي نوع من السلام الحق مع بقاء الكيان الصهيوني والاحتلال والسيادة اليهودية-الأمريكية والمشروع الصهيوني التوسعي في المنطقة؟!‏

إن معطيات الواقع تشير إلى تفاؤل نسبي لا يمكن أن نقفز فوق مقوماته، وهي معطيات تدفعنا أو ينبغي أن تدفعنا، إلى مزيد من العمل والأمل والوعي لنستعيد مواقع ومواقف وقوى فقدناها فأفقدتنا الكثير مما نحتاج إليه لمواجهة تحديات العصر ومتطلبات مجتمعاتنا وأمتنا.‏

الأسبوع الأدبي/ع603//21/3/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244