|
السُّلْطة الفلسطينية والاستحقاقات الجديدة
هل أصبحت الحرب الأهلية الفلسطينية داخل منطقة حكم السلطة الفلسطينية على الأبواب؟!
وهل قرر عرفات تنفيذ الاتفاق / التكليف / الذي يعرضه عليه نتنياهو : إعادة الانتشار في 9 % مما تبقى من أرض الضفة الغربية، في مقابل تصفية البنية التحتية لحماس والجهاد الإسلامي والقضاء على كل من يرفض أوسلو ويفكر باتباع الطرق العملية لمقاومة الأطماع والممارسات الصهيونية؟!
وهل كان تنفيذ عملية اغتيال الشهيد محيي الدين الشريف ـ المهندس الثاني بعد الشهيد المهندس يحيى عياش ـ هو المقدمة المنطقية اللازمة للبدء بذلك؟!
إن الفرح والإشادة الإسرائيليين اللذين تعج بهما تصريحاتٌ ووسائل إعلام في فلسطين المحتلة والأوساط الصهيونية الأميركية هما من المؤشرات الأولية على قبول السلطة الفلسطينية للتكليف وبداية قيامها بتنفيذ ما يتوجب عليها تنفيذه بجدية وهمة تامتين و" القيام بجهد بنسبة 100 % لمقاومة " الإرهاب الفلسطيني "؛ هذا ما هو مطلوب منها منذ زمن حسبما تكرر طلبه وتأكيده من قبل رموز السلطتين الصهيونيتين في فلسطين المحتلة والولايات المتحدة الأميركية. وإذا كان " الضغط " الأميركي على نتنياهو لقبول " مبادرة كلنتون " لتحريك المسار الفلسطيني قد أخفق، بل وانعكس سلبياً على كلنتون نفسه فابتلع الإعلان عن مبادرته حتى الآن، فإن الضغط على عرفات ـ وهو ما قد يمهد لإعلان مبادرة كلنتون ـ قد أصاب نجاحاً كبيراً، وفُسر على أنه علامة حب ورضا لا بد من أن تقابل بالامتنان؛ وهاهي آيات الشكر تنهال رصاصاً وسياطاً واعتقالاً من السلطة الفلسطينية على أبناء الشعب العربي الفلسطيني الرافضين لنهج عرفات، وترتفع في الأفق تهديداً معلناً للذين يقاومون مشروع تصفية القضية الفلسطينية بأيد فلسطينية !!
لقد تم القبض على قيادات حماس في الداخل وإلقائها في سجون السلطة، وأُلحقت بها القيادات الطلابية المنتخبة في الجامعة الإسلامية، تلك التي نظمت مظاهرات في الجامعة بعد اغتيال الشريف مباشرة؛ وتزداد الآن حملات الاعتقال والملاحقات اتساعاً وشدة، ويقوم تنسيق عال بين أجهزة السلطة وأجهزة الاحتلال الصهيوني في هذا المجال؛ ويتصاعد الثناء على أفعال عرفات هذه ويزداد رجاله شراسة وعناداً في قمع شعبهم إرضاء لعدوهم؟! فما الذي يُرتجى فعلياً من ذلك كله، ولماذا يتم الذي يتم بهذه القوة والقسوة في هذه الظروف والأوقات بالذات ؟!
هل من أجل أن يرفع نتنياهو نسبة المناطق التي يقرر إعادة الانتشار فيها من 9 % إلى13.1 %، وهو الفخ الذي نُصب أصلاً لعرفات وسقط أو اسَّاقط فيه، حيث أصبح يتمنى الآن تحقيق هذه النسبة ـ السقف ـ في هذه المرحلة بعد أن كان يقول بالانسحاب من 30 % من المساحة المتبقية في وقت سابق ؟! ربما .. ولكن هذا الحَشَف لن يتم كيله له إلا إذا نفَّذ الشروط " الإسرائيلية " السابقة، التي لم تتغير أبداً ومنها : أن يَلغَ عرفات في الدم الفلسطيني وأن يريق المزيد من ذلك الدم الطاهر، وأن يضع قدميه بقوة وبثبات على طريق الحرب الأهلية الفلسطينية ويندفع فيها بعزم وثقة لتصفية أعداء " إسرائيل " الذين ينبغي أن يكونوا أعداءه؛ وهو ما كان يُدفع باتجاهه ويتردد في البدء به، منذ بدأت فصائل المقاومة الإسلامية / حماس والجهاد / جهادها ضد الاحتلال الصهيوني، ومنذ وقع الاتفاق البائس ـ اتفاق أوسلو ـ وبدأ النضال لإسقاطه، ومنذ أعلن أن الانتفاضة لم يعد لها ضرورة وأنها ستقمع إن لم تتوقف.
ويبدو هذه المرة أن عرفات عازم على انتزاع رضا الرئيس كلنتون والسيدة أولبرايت والسيد نتنياهو دفعة واحدة، بعمل كبير يقضي نهائياً على أولئك الذين " يعكرون " صفو الأمور مع " أبناء العم " ـ الشركاء الخلَّص ـ ويعوِّقون المفاوضات و يهددون " مسيرة السلام " بالانهيار !؟
والسؤال الذي يقوم هنا والآن هو : لماذا اتخذ هذا القرار الآن، إن صحت الدلائل والمؤشرات التي تجتاح فضاء المعطيات الراهنة !؟ ولماذا تُبدى كل هذه الهمة في تنفيذه من قبل معظم رموز السلطة إن لم نقل من مسؤوليها جميعاً، ولم هذا التهديد بمنع أي من الفصائل بمحاكمة أي من أعضائها على " أرض السلطة " بعد أن كان هذا مباحاً ومتاحاً في كل الأرض التي حلت بها الفصائل وامتد إليها نفوذ من هم في " السلطة " الآن في كل الأوقات والأزمان الماضية؟!
هل لم يعد لحماس والجهاد ومن ينتهج سياسة التمسك بالمبادئ وبكل فلسطين من أبنائها المخلصين حق في أرض فلسطين وفي النضال من أجلها؟! وهل " أرض السلطة " هي حصة السلطة وعلى الآخرين أن يتدبروا أمورهم خارجها !؟ أم أن معنى هذا شيوع قاعدة ترتب خلاصتها : أن على من يريد أن يعيش في " مربَّعات الألعاب " التي حصلنا عليها " بدهائنا السياسي " وبتفردنا في القرار " وباتصالنا من تحت الطاولة مع المسؤولين " الإسرائيليين " خفية عن العرب وعن الشعب الفلسطيني، ورضينا بها بديلاً عن فلسطين التاريخية؛ أن يلعب لعبتنا بشروطنا وكما نحب، وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور ؟!
وهل لذلك صلة بالأمر الذي يخشاه عرفات : وهو أن ينصرف الاهتمام "الإسرائيلي" ـ الأميركي إلى ترتيبات الانسحاب من جنوب لبنان / تنفيذ القرار 425 /، وإلى الاهتمام بمسارات أخرى على حساب إرجاء مساره وضعه في الشمس حتى يصبح أكثر نضجاً أو حتى تسقط ثمرته على الأرض أو فيها؟! أم أن الأمر يتصل بقرار قلق داخلي خالص يجعل السلطة التي يقيمها موضع تساؤل مستقبلي في تمثيلها لذاتها ـ ومن تحصيل الحاصل لفلسطين والفلسطينيين ـ حيث مشروع " ألون " المعدل يوضع على نار حامية لتكون المملكة الأردنية الهاشمية هي البديل العملي، وتقوم المملكة العربية المتحدة بسحب البساط من تحت قدميه وتخطف منه كل شيء، بعد أن عبد الطريق لمصالحة " تاريخية " كان ينتظرها الملك حسين ويهيئ لها في الخفاء ويدفع باتجاهها بلطف ودهاء؛ إلى أن تم اندفاع عرفات في الوقت الملائم إلى أحضان " إسرائيل " تاركاً الباب مفتوحاً على مصراعيه لمشروع الملك، الذي يعلق الصهاينةُ والمتصهينون عليه وحده الآمال الكبار في تحقيق الشراكة الاستراتيجية، التي تعيد ترتيب منطقة " الشرق الأوسط " ترتيباً تاماً حسب المنظور والمشروع الأميركي ـ الصهيوني، وتضع حلاً للقدس يسوق عربياً وإسلامياً، يكون فيه الملك حامياً للمقدسات الإسلامية، كما وعد في واشنطن يوم الإعلان عن اتفاق وادي عربة ؟؟!
إن الأسئلة كلها مشروعة، والاحتمالات كلها مفتوحة، ونحن نقف بالفعل على أعتاب كارثة جديدة ـ أبعدها الله ـ تنتظر الشعب الفلسطيني وقضية العرب المركزية قضية فلسطين، بل والوطن العربي المنهك بالخلافات، إذا ما قرر عرفات الاندفاع في الطريق التي يشترط الصهاينة السير فيها وتمليها الإدارة الأميركية منذ زمن طويل : طريق تصفية الفلسطينيين بأيدي الفلسطينيين، والمقاومة العربية للاحتلال بأيد عربية؛ وإقامة حراسات عربية على حدود " الدولة العبرية " تتكفل بحماية أمن الاحتلال ليتفرغ لإنجاز المهام الكبار التي تقضي مستقبلاً على الحراسات وما يأتي منها؟!
إن الأبعاد التي تثيرها عملية اغتيال محيي الدين الشريف وطريقة ترتيب العملية وإخراجها للرأي العام، وتوسيع دائرة الحدث، والتركيز على وجود خلافات داخلية في صفوف المقاومة الإسلامية أخذت طريق التصفيات الجسدية، والدخول من هذا الباب إلى ممارسة أساليب التصفية الشاملة / المادية والمعنوية / ضد البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية / لا سيما لحماس والجهاد الإسلامي؛ في الوقت الذي يُعد فيه شيء مماثل في لبنان عن طريق خلق فتنة في الجنوب بين المقاومة الوطنية اللبنانية / حزب الله / والحكومة اللبنانية وأطراف شعبية أخرى في تلك الساحة على أرضية ما نعرفه جيداً من خلافات ماضية؛ ومن ثم فتح النار على سورية ـ الحصن القومي الوحيد المتبقي صامداً، والموقف العربي الرافض لاتفاقيات الإذعان ولأساليب تصفية القضية الفلسطينية وحقوق الشعب العربي الفلسطيني ـ من مواقع عديدة وبأساليب جديدة.
إن كل ذلك يشير إلى المخطط الواحد والأهداف المعلنة منذ زمن بعيد من قبل " إسرائيل " والإدارة الأميركية، التي تشاركها مخططاتها وتحمي احتلالها وممارساتها العنصرية، وتنظر إلى " إسرائيل " على أنها مصلحتها العليا الأولى، وتدعم المشروع الصهيوني الشامل في المنطقة، الذي تشكل " إسرائيل"، في وضعها الحالي، مرحلة من مراحله.
وتبقى المسألة الأهم هي : هل يستطيع الفلسطينيون أولاً والعرب ثانياً سحب فتيل هذه الأزمة، وإغلاق مداخل العدو الصهيوني إلى الدم الفلسطيني، ووضع حد لمخاطر الاستحقاقات الجديدة المطلوبة من السلطة الفلسطينية ؟؟ وهل ننجح، نحن المعنيين بفلسطين ومصير الصراع العربي الصهيوني، في أن نبقي حق الفلسطيني بالتحرير قائماً في ذاكرة الفلسطيني ووجدانه وشارعه و"تشريعاته " وحياته، من دون أية مصادرات من أي نوع تتم تحت ذرائع ومسوغات شتى؟! وهل نضع حداً لمحاولات تشويه المقاومة التي تتصدى للاحتلال الصهيوني وللاتهامات التي توجه ضدها وأساليب نخرها من الداخل لإجهاضها وإجهاض آمال الأمة المعقودة عليها، وأن نبقي لها تماسكها ونقاءها وشرفها وبهاءها وجاذبيتها وشرعيتها، أم أننا لن ننجح في حماية حتى قلوبنا التي بين الضلوع من شرور التلوث وأنواع القتل وغزو الرعب؟!
إنها أسئلة ملقاة على ضمير كل المعنيين بحقوق الأمة ومستقبلها وعدالة قضاياها.
دمشق في 15/4/1998
الأسبوع الأدبي/ع606//18/4/1998
|