|
لماذا خسرنا كل تلك المعارك وما الذي تغير في الصهيونية؟!
لماذا خسرنا كل هذه المعارك مع العدو الصهيوني، وكادت الهزيمة تستقر في نفوسنا وتصبح المعطى الوحيد لكل ما مضى من صراع معه؟! ولماذا يُراد لنا، بعد كلِّ تلك العقود من الصراع وكل ذلك الكم من التضحيات والمعاناة، أن نسلِّم بالهزيمة وبعدم قدرة الأمة على تحقيق نصر، وباستحالة حسم هذا الصراع لمصلحتها، وبأنه ليس أمامها إلا أن تقبل بما يُعرض عليها من قبَل أعدائها، مهما كان ذاك الذي يُعرض قليلاً، " بذريعة : حتى لا نضيع كل شيء " !! وكأن ما هو سائد اليوم من معطيات وأوضاع وظروف ومتغيرات وقوى سيبقى مستقراً على هذا الوضع إلى الأبد، على غير ما هو معروف ومألوف في قوانين الحياة، التي هي حالة مستمرة من التجدد والحركة التي لا تعرف السكون ولا الجمود؟!
إن مقاربة الجواب تغرينا بطرح بعض الأسئلة عند مداخله منها :
هل خضنا، نحن العرب، معاركنا مع العدو الصهيوني انطلاقاً من استراتيجية عربية شاملة تقوم على وحدة الهدف والموقف والصف، واستخدام القوة بإرادة الأمة كلها وقرارها وطاقتها وتصميمها التام لحسم الصراع لمصلحتها مع العدو مهما غلى الثمن وبلغت التضحيات واستمر القتال واتسع مداه !؟ هل فعلنا ذلك في أي يوم من الأيام، أم أن تلك المعارك كانت تُخاض من قِبَلِ قطر أو قطرين في أحسن الأحوال، وتبقى الدول العربية الأخرى متضامنة أو متفرجة أو متآمرة؛ وأن الأمة لم تخض معركة واحدة بالمعنى الدقيق والعميق للكلمة، والتالي أنها انهزمت لأنها لم تحارب أولم تحارب فانهزمت؟! وهل كان هناك قرار عربي، وحتى فلسطيني حاسم وشامل، يستند إلى إرادة وسيادة عربيتين حرتين وقوة عسكرية متكاملة معدَّة إعداداً جيداً لهذا الغرض في يوم من الأيام؟! أم أن المعارك التي كانت تخوضها أقطار، أو تُفرض على أقطار، كانت تتم في ظل تحييد وتفرُّق وتمزيق : ظاهر وباطن، للدول والقوى في وطن الأمة العربية، ينجم عنه كَرْسَحَةٌ للوعي، وطعنٌ للوجدان، وقنوطٌ في ساحات بشرية ومجالات عمل عربي كثيرة !؟
إن حرب 1948 التي " خاضتها " سبعة جيوش عربية بقيادة " موحَّدة " نظرياً مشتتة عملياً ومحكومة بالفوضى وبأشياء أخرى أكثر خطورة، ولم تكن استراتيجيتها العسكرية والسياسية هي التحرير الشامل، كما لم يكن قرارها واستمرارها عربيين حرين يجسِّدان السيادة والإرادة بشكل واع وكامل، ولم تكن تلك الجيوش، التي " دخلت الحرب "، معدَّة ومستعدة لخوض معركة واضحة الأهداف والخطط بالمعنى الفعلي والعملي لذلك، ولا هي مساوية من حيث العدد والعدة للعدو الصهيوني المدعَّم بقوى خارجية، ولا هي مجهزة بما تحتاج إليه في مجال المواجهة؛ وقد لفَّت الفوضى أداء من دخلها دخولاً جاداً لأنه اكتشف ما لم يكن يتوقع. وقد كانت لقيادتها العسكرية " الموحدة " مواقف وأهداف لا تنسجم وتطلعات الشعب العربي عامة والفلسطيني خاصة، ولا تعبر عن حقيقة مواقف أبناء الأمة؛ وكان لأطرافها أكثر من قرار وهدف وغرض على الصعيد السياسي، كما كان لمن يحكم قرار تلك الأطراف عملياً أو يتحكَّم بسقف ذلك القرار، من قوى الاستعمار المناصِرة للمشروع الصهيوني والمتبنية له والمسؤولة عن تنفيذه حسب قرارات عصبة الأمم؛ كان له نفوذ ودور لا يستهان بهما في أكثر من قطر وموقع عربي.
ويمكن القول عن تلك الحرب بمعنى من المعاني : إنها حرب الاستعمار الشكلية بأدوات عربية لإقامة الدولة الصهيونية وتحطيم الإرادة والروح والمعنويات العربية وكل ما يتصل بالثقة بالنفس وبالمستقبل في ظل هزيمة منكرة. أما عن الإعداد والاستعداد لخوض القتال فحدث عن التقصير في ذلك ولا حرج، وتخيَّل من النتائج السلبية والمأساوية ما شئت أيضاً، وتذكَّر شريط الأحداث والمعطيات : من " غلوب " باشا و" ما كو " أوامر إلى السلاح الفاسد في الجبهة المصرية ولقاءات السيدة غولدا مائيير على ضفاف الأردن / في الشونة أو قربها / مع قيادات عليا، كانت قد حددت مستقبلها وطموحاتها الشخصية وبرامجها ورتبت أمورها وحدود ما تريد أن تصل إليه مع العدو وحلفائه مسبقاً، وكانت تتقاضى مخصصاتها منه بانتظام، في إطار اتفاق لم يعد يخفه التاريخ المكتوب .
لم تخض الأمة العربية معركتها موحَّدة مع العدو في يوم من الأيام، ولم تستخدم طاقاتها بجدية وعلمية لتحرير فلسطين؛ ولذا فإنني أرى أنه من الظلم التام القول بأن الأمة العربية انهزمت في معاركها مع العدو الصهيوني وحلفائه، الذين كانوا معه دوماً وضدنا دوماً؛ وأنه لم يبق أمامها إلا التسليم بعجزها والاستسلام لما يصوَّر لأبنائها من أوضاع اليوم على أنه قدر أبيد ونهاية التاريخ.
وإذا أردنا أن نستطلع القدرة والطاقة العربيتين على المواجهة فعلياً فإنه يمكن قراءة النتائج التي يسفر عنها عمل عربي حازم ضد العدو الصهيوني، ولو في نطاق محدَّد ومحدود، في حالتين هما :
أ ـ حرب تشرين / أكتوبر 1973 / على الرغم من وجود خلل كبير في الأهداف النهائية المضمرة لقطبيها أدى إلى نتائج مأساوية وإلى ضياع الكثير من نتائجها، وهو ذلك الذي يلخَّص بخوض السادات لها بوصفها حرب تحريك، وخوض الأسد لها بوصفها حرب تحرير؛ وهو الفرق بين المضمَر والمعلَن في معظم الأعمال والنيَّات والأقوال والاتفاقات والتوافقات
العربية ـ العربية .
ب ـ وأداء المقاومة ضد العدو في فلسطين المحتلة ومن الأردن وجنوب لبنان، وما أسفر عنه ذلك الأداء، لا سيما في مراحله الإيجابية، من نتائج مرهقة للعدو ومؤثرة على مشروعه وبرامجه واستقراره. والاستعداد لتنفيذ القرار 425 بعد عشرين سنة من اتخاذه خير شاهد ومثال، كما أن الانتفاضة خير دليل على فعل عربي جماهيري مؤثر، أوصل الصوت والقضية بجلاء إلى أنحاء العالم.
أما نضال الفلسطينيين من خلال المنظمة والتنظيمات والفصائل، فقد تحوَّل بعد الزهو الأول والانطلاقة المبدئية الجبارة المعتمدة على الشعب، والمخلصة كلياً لقضية التحرير الشامل، تحوَّل بكل أسى وأسف إلى : صراع قيادات ومنظمات وفصائل وأيديولوجيات من أجل التسلط والمغنم والقيادة والسيادة، وإلى نضال في الإعلام أو في فنادق الدرجة الممتازة، وأدى في نهاية المطاف إلى :
1ـ توزُّع قوى المقاومة على الأنظمة العربية، بعد هجر قاعدة الاستناد الشعبية التي كانت لها، وتبنيها لخلافات الأنظمة والحكام، وخوضها لمعارك بالوكالة عنها وعنهم، وابتلاعها أحياناً لطعم العدو : الوطن البديل؛ الأمر الذي جعلها تتحوَّل من قوى مقاومة للعدو الصهيوني تحظى باحترام وتأييد عربيين شاملين ومن حركة تحرير تنذُر بنادقها للقضية وتستند إلى الوجدان الشعبي وتعمِّق البعد القومي للصراع العربي الصهيوني، وتجسِّد إرادة عربية تفرض نفسها على البلدان والحكومات العربية؛ إلى حركة تؤجِّر بنادقها لتلك البلدان والحكومات، أو تستخدم تلك البنادق لتصفية حسابات داخل كيان الأمة العربية وداخل كيان الشعب الفلسطيني ذاته، أو تقدم " لفتات " مجاملة لقوى عالمية / تقدمية وغير تقدمية؛ وهو ما أفقدها في كثير من المواقع والمواقف والحالات والساحات : سلامة الرؤية، وصحة الهدف، ونظافة السلاح، والمصداقية، وقوة الشارعين العربي والفلسطيني، واحترام الرأي العام العربي والدولي، وجعلها تنفق من رصيدها بدلاً من زيادة ذلك الرصيد؛ وفتَح الباب واسعاً أمام الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، والعربي ـ الفلسطيني؛ وأقام في الشارع الفلسطيني سوق الدكاكين السياسية، وجعلها في حالة من الحيوية والاستهلاك المهلكين؛ مما كلف الشعب والقضية مزيداً من الانقسام والمواجهات الدامية والانصراف عن الأهداف الرئيسة؛ وفتَح عليها باب النقد والانتقاد وأدخلها، بشكل أو بآخر، سوق المساومة على أهدافها النهائية ومبادئها الجوهرية : مراعاة للارتباطات والمصالح والعلاقات والمواقع والقوى، الأمر الذي جعل القضية والشعب يخسران والمسؤولين يربحون ويكبرون مؤقتاً، ولكن دائماً على حساب الشعب والقضية والأمة. وما زال الشعب الفلسطيني والقضية والأمة العربية يدفع ثمن ذلك كله ويحصد نتائجه المرة حتى اليوم.
2 ـ توزُّع الولاء على جهات وجبهات عالمية، سواء أكان ذلك في ظل المعسكرات السياسية والأيديولوجية المتنافسة إبَّان الحرب الباردة، أو خارج دوائر تأثير تلك الجبهات وحضورها بعد انتهاء تلك الحرب وسيطرة قطب وحيد الطرف على سياسة العالم.
3ـ وجود شرخ رئيس، منذ البدايات، في الجسم الفلسطيني، ظهر وعبر عن نفسه سراً وعلناً، في الموقف والنضال الفلسطينيين، لم يعالَج بجدية وبقي جرحاً ينزف ويستنزف وثغرة في الصف والرأي والرؤية، وهو الموقف من الوجود الصهيوني كله في فلسطين / الكيان ـ الدولة / وكيفية التعامل / استراتيجياً / معه : هل يقوَّض تماماً وتُبنى فلسطين ـ الدولة على أنقاضه، ويكون ليهودٍ حضورٌ في تلك الدولة تحت السيادة الفلسطينية المطلقة على فلسطين، أم يتم التصالح معه على أرضية الاعتراف المسبق بحق له / مضمرٍ أو معلَن / على أرضية الاستراحة للأمر الواقع المفروض والاستسلام لما يرسمه، أو القبول بالقرار / 181 / المرفوض من البعض، المقبول من البعض، في السياق التاريخي للقضية ومراحل الصراع؟! والتعاون مع " الدولة اليهودية " في ظل تلك البلبلة، أو مع ما يتراءى أنه فريق معارض في داخلها، ولو من قِبَل فريق من الفلسطينيين وفريق من العرب، الذين يأخذون بالأفكار والمبادئ ذاتها التي لذاك الفريق ويشاطرون أفراده رؤيتهم للصراع والحل ومستقبل المنطقة؛ تدعمهم في ذلك قوة دولية وسياسة قوية وحالة أيديولوجية استمر تأثيرها عقوداً من الزمن، استقر خلالها الكيان الصهيوني وتقوَّى بشكل ظاهر في ظل ما خلقته من ظروف وأوضاع وحالات اجتماعية وفكرية ونضالية داخل الصف الفلسطيني والوطن العربي .
إن الساحة السياسية والفكرية الفلسطينية، التي لم تكن موحَّدة الأهداف والبرامج، وكانت موزعة الولاء، مخترقة الصف، مشوشة الرؤية، ومختلطة الرأي : خلقت حالة عربية مشابهة لها على الصُّعُد جميعاً في كلِّ ما يتصل بموضوع الصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية، التي يقوم من أجلها ذلك الصراع. ولو أنها توحَّدت في كلِّ شيء رئيس أو في معظم ما هو مبدئي وجوهري ورئيس، لوحَّدت أكثر بكثير مما فرَّقت، ولتقدَّمت أكثر بكثير مما تراجعت في مشروعها وعنه؛ ذاك الذي يجسِّد الحق التاريخي للفلسطيني في وطنه الأصلي، وطن الأمة العربية من منظور البعد القومي للقضية، نظرياً وعملياً، الحق الذي لا يجوز ولا يمكن أن نتخطاه .
المشروع الفلسطيني : من التحرير الشامل / فلسطين من البحر إلى النهر / إلى التدمير الشامل / " أوسلو " وما تبقى من بؤسها على الأرض وفي النفوس / هل هذا هو فعلاً حصاد المرحلة الماضية على أرض الواقع العربي والفلسطيني؛ وهو يوازي ويذكِّر في آن معاً بالموقف العربي وتراجعه من : لاءات مؤتمر القمة العربية في الخرطوم إلى الهرولة بألف نعم إلى أعتاب العدو الصهيوني تلك التي ظهرت بجلاء في قمة شرم الشيخ ؟!؟
إنني لا أقبل ذلك من دون ظلاله وهوامشه الهامة، وحتى أنه لا يصح أن يكون ذاك هو المتن النهائي لهذا الموضوع والباقي مجرد هوامش، لا على الصعيد العربي ولا على الصعيد الفلسطيني. فعلى أرض واقع القضية الفلسطينية، ببعديها الفلسطيني والعربي، وفي مجالات الصراع الدائر من أجلها؛ توجد ثوابت وركائز ومعطيات وحقائق ومرتسمات لكل ما كان لها منذ البدء، ولكن التجليات والمفارقات أصبحت اليوم أكثر وضوحاً بانعكاس بعضها وانقلابه إلى النقيض؛ وما كان في فترة من الفترات هامشاً أو برنامجاً خفياً لشريحة اجتماعية ولرغبات مضمَرة لديها أصبح اليوم أكثر حضوراً وظهوراً وتعبيراً عن نفسه، وقد عززت المتغيرات العربية والدولية ذينك : الحضور والظهور.
على أرض الواقع / عربياً وفلسطينياً / يوجد من يقول اليوم بالمشروع الفلسطيني التام : فلسطين من النهر إلى البحر، ويقدم دماً من أجل ذلك؛ ويوجد أيضاً من يقول بأوسلو حسب النصوص الموقعة في واشنطن ولا يستحي من المناداة بذلك، ويوجد من يقبَل، من أهل أوسلو، بما " يتكرَّم به نتنياهو " لأنه تعِب ويريد أن ينشر ذلك التعب في أوصال الأجيال القادمة ولذلك فهو يبشر به ويتحالف مع العدو من أجل تحقيقه؛ ويوجد من يقول بما رفضه فلسطينيون سابقاً : مشروع ألون، ويوجد من يعمل لمشروع المملكة المتحدة والكونفدرالية النهائية بين فلسطين والأردن في ظل المملكة من جهة، و" إسرائيل " من جهة أخرى؛ ويوجد أيضاً من يقول بالقومية المطلقة للقضية والقرار وبتحمل ما يترتب على ذلك من تبعات ومسؤوليات، ويرى أن الداء توطَّن منذ قرار قمة الرباط ونعق به شعار أو أكذوبة : " يا وحدنا "؛ وهناك من يقول بالبعد الإسلامي للقضية لأن القدس خاصة وفلسطين عامة، بعد سقوط السلطنة العثمانية وحلول الاستعمار الغربي، بقيت نوعاً من الوقف المطلق للأمة الإسلامية إلى أن تعاد لأصحابها الأصليين ويعودون إليها أسياداً عليها .
وإذا ما نظرنا إلى هذا الأمر، وتفحصنا بعض تفاصيله بتدقيق، من خلال نظرة للمشروع الصهيوني من بعض وجوهه، لوجدنا الأبعاد والتحولات والمعطيات الآتية بشيء من الموازاة والمغايرة لما حصل في الوقع الفلسطيني :
أ ـ فمن قائل اليوم بـ " إسرائيل التوراتية : إسرائيل رباني أو ربَّاتي " على أرضية الاعتقاد الديني / التوراتي ـ التلمودي /، وهو يستعيد جغرافية المنظمات الإرهابية الصهيونية مثل " ليحي " وشعاراتها وممارساتها وتطلعاتها وبرامجها المرحلية وأهدافها النهائية ووسائلها : " جندي يحمل البندقية، إحدى قدميه على خريطة فلسطين الانتدابية والأخرى على امتداد شرق نهر الأردن، ونظره يمضي إلى أبعد من الفرات والنيل. "
ب ـ إلى قائل بتطبيق اتفاق أوسلو بتصرف مع تهويد القدس بكاملها، بوصفه مفتاحاً " لسلام صهيوني مفروض " يؤدي إلى انتزاع الاعتراف العربي بالدولة اليهودية وبحقٍ تاريخي لليهود في فلسطين، تستمر في ضوئهما الهجرة والتوسع الاستيطاني عملاً بتنفيذ مقولة المدى الحيوي وتفعيلها، والبناء الاستعماري في ظل من الأمن والسلام والاعتراف؛ الأمر الذي سيؤدي، في هذه المرحلة من مراحل المشروع الصهيوني المستمر، إلى إقامة " إسرائيل " الكبرى، ليس في مجال الجغرافية بالضرورة بل في مجال القوة الشاملة / عسكرياً واقتصادياً على الخصوص / وفرض الهيمنة المطلقة على المنطقة، وبسط النفوذ غير المحدود على دولها، وتأمين المصالح للذات وللحلفاء، وتعزيز الإمكانيات والأوضاع والتحالفات ـ في ظل سلام أوسلو ووادي عربة، الكائنين السياسيين المشوهين الخارجين من رحم كامب ديفيد : مستنبَت التشويه لهذه القضية وما يتصل بها من صراع وأمور في حياتنا العربية المعاصرة ـ التي تقرِّب موعد إعادة ترتيب كل شيء في الوطن العربي، ونقض بنيته الجيو ـ سياسية الحالية، وإعادة تشكيل المنطقة وصوغها في " شرق أوسط جديد " مسيطرٍ على كل شيء فيه تماماً؛ وإقامة جامعة شرق أوسطية على أنقاض الجامعة العربية ـ أو ما يسميه شمعون بيريس " جامعة الكراهية "، تساهم " إسرائيل " في تأسيسها وتسيطر عليها مع حلفائها ومن خلالهم؛ لتصبح المنطقة كلها مهيأة ومؤهلة لتنفيذ مرحلة جديدة على الأرض في المشروع الصهيوني المستمر. ويعتمد ذلك ويتوقف ـ من وجهة النظر الصهيونية والعملية الاستعمارية الاستيطانية وعرَّابيها ـ على تشويه الهوية والبنية الاجتماعية العربيتين وتدمير مقومات الشخصية الثقافية ومنظوماتها القيمية والقومية الرئيسة، ليتحقق ذلك الهدف الذي يتوقف على إنجازه نجاح المشروع الصهيوني واستمراره .
ج ـ إلى قلة لا شأن لها ولا تأثير في القرار : تقول بتنفيذ اتفاق أوسلو كما وقِّع في واشنطن، وتذهب إلى حدود المناداة بدولة فلسطينية شكلية؛ وهي تشكل طعماً مناسباً لتيار عربي يقول بالتعاون مع من يسميهم المعتدلين اليهود. وتُحسن " إسرائيل توظيف أولئك والاستفادة من آرائهم ومواقفهم في هذه المرحلة من مراحل مشروعها الاستعماري ـ الاستيطاني العنصري. ولهؤلاء اليهود، على اختلا ف مذاهبهم ومشاربهم ومواقفهم،نظرات أخرى لموضوع الصراع العربي الصهيوني ببعده القومي، ولفلسطين الدولة العربية ذات السيادة والاستقلال والتطلع المشروع للسيطرة على أرضها التاريخية.
د ـ وعلينا ألا ننتقص من قدرة القائلين بالبعد " المسْيَاوي " الديني للمشروع الصهيوني والعاملين عليه من المتصهينين أتباع المسيحية ـ اليهودية، وهم أصحاب حضور وتأثير ونفوذ وقوة لا يستهان بها في الغرب وفي الكيان الصهيوني وسياساته الحالية والمستقبلية؛ ويأتي على رأسهم خمسون مليوناً على الأقل من أصحاب المال والتأثير والنفوذ في الولايات المتحدة الأميركية وحدها؛ ومن يتوافقون مع أولئك ويقولون على نحو ما باستمرار الغزو الصليبي والمشروع الصليبي، ممن يعملون له بأشكال وصيغ مختلفة في أوربا كلِّ أوربا.
إن البذور جميعها في الحقل الخصب وهي تحاول أن تعبر عن وجودها وتمارس قدرتها على النمو .
ولكن يبقى السؤال : بعد مئة سنة من قيام الحركة الصهيونية هل تغيَّر المشروع الصهيوني ؟!! إنني بعد الذي أسلفت أرى تقدماً في إنجاز المشروع ولا أرى تراجعاً عنه، وألمس قدرة أكثر على ممارسة التكتيك تقابلها قدرة عربية في مواقع محددة على كشف ذلك التكتيك والتصدي له .
يقولون : " إن مشروع إسرائيل الكبرى قد سقط بعد أوسلو ووادي عربة "، ولا أشارك أصحاب هذا الرأي رأيهم لأنني أقول باستمرار الهدف مع تغير الوسائل والأدوات والتكتيك، للوصول إلى " إسرائيل الكبرى " في مجالات تجعل الجغرافية المكلِفة الآن من تحصيل الحاصل في المستقبل؛ وإلا ما معنى التحالفات وتكديس الأسلحة وتطيرها في الكيان الصهيوني من جهة ومحاصرة العرب حتى لا يملكوا منها شيئاً، إن لم يكن تحقيق التفوق الصهيوني المطلق في المجال العسكري أولاً، الذي يضمن وقوع المسارات الأخرى تحت رحمته وسقوطها في يده بالمعنى الاستراتيجي ـ العسكري للكلمة ؟!؟
ومن ثم ما الذي يمكن أن يتغير في المشروع الصهيوني إذا لم يتغير موقف الحركة الصهيونية و" إسرائيل " من القدس والجولان والهجرة والاستيطان والدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة، ومن الحدود الفعلية ـ حدود الأمن ـ مع الأردن التي تبقى حتى بعد " اتفاقية وادي عربة " هي نهر الأردن؟!
هل يعنون بالتغير تلك الآراء والأفكار والاتجاهات التي يتم تداولها في مجتمع الاحتلال وفي بعض الأوساط الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية؟! من مثل : ما بعد الصهيونية، وما بعد الحداثة الأميركية؟! إنني لا أرى في ذلك سوى مسارات تاريخية وتحديد لمراحل ولاختيارات على خريطة المشروع الصهيوني ذاته الذي تعمل على تحقيقه السياسة الصهيونية الرسمية والمؤسسات الفاعلة في ذلك المجتمع العنصري؛ وإذا كان يطيب للبعض أن يتخذ من اختلافات بعض اليهود الصهاينة ذريعة للقول بالتغير والتحوُّل، فهذا لا يعني عندي شيئاً ذا بال؛ ففي عهد هرتزل والصهيونية العلمانية ـ إن صح وجود فعلي لمثل ذلك التعبير ـ وجدت أفكار ومقولات الصهيونية الروحية وتوجهات " أحاد ها عام "؛ وقام الخلاف والنزاع حول المشروع وحول الوسائل والأدوات طوال العقود السابقة على إقامة الكيان الصهيوني وطوال السنين الخمسين التي انقضت على ممارساته الإرهابية في ظل " الدولة ". فخلافات حزبي : العمل والليكود الصهيونيين لم تنته ولا أقدِّر أنها سوف تنتهي، ولكنهما يتفقان تماماً حول القدس والدولة الفلسطينية والاستيطان والمدى الحيوي المفتوح والهجرة، فما الذي يغيب من المشروع الصهيوني إذا حضرت هذه كلها وتكلمنا عن مرحلة : ما بعد الصهيونية؟ وماذا يعني هذا بالضبط؟! إنه يعني أن الصهيونية أنجزت مراحل من المشروع وأهمها انتزاع الأرض وإقامة الدولة وتحقيق توسع وانتزاع الاعتراف بها، ويأتي الآن وقت استكمال المشروع في ظل يهود يعيشون على " أرض وطن معترف بحقهم فيه " وأن عليهم استكمال الخطوات المؤدية إلى إقامة وطن لكل اليهود وجلبهم إليه وتحقيق أساطير التوراة والتلمود من خلال ابتزاز أسطورة الوعد الإلهي والمحرَقة ... إلخ
إن المشروع الصهيوني مشروع مستمَد من اعتقاد ديني وقائم عليه، والصهيونية العلمانية وغير العلمانية استندت إلى هذا البعد العقائدي ولم تنحرف عنه واستمدت منه المسوِّغات؛ حتى اليهودي الشيوعي والصهيوني الشيوعي عملا من أجل ذلك ونجحا ربما أكثر من سواهم في خدمته، ولا أظن أن أياً منهما يجرؤ على الاعتراف بحق الفلسطينيين في كل وطنهم وحق المشردين عن ذلك الوطن بالعودة إليه .
المشروع الصهيوني لم يتغير وتغيره مرتبط بتغير العقيدة الصهيونية المستمدة من التلمود، ويوم تتغير مقولات التلمود يمكن الحديث عن تغير في الطبيعة العنصرية لليهودي وفي المشروع الصهيوني على حد سواء .ربما نجح اليسار الصهيوني أكثر من سواه من الاتجاهات الصهيونية في كسب تأييد اليسار العربي لمراحل المشروع التي قادها وأنجزها وهو يحاول اليوم أن يكسب ذلك اليسار إلى جانبه في استمرار مراحل جديدة من المشروع، ويحاول أن يعتمد عليه لدعمه داخلياً في العودة إلى السلطة بعد أن تغير في المعسكر الاشتراكي ما تغير .
وإذا كانت مناصرة الاتحاد السوفييتي السابق ودول المعسكر الاشتراكي للحركة الصهيونية ولدولة " إسرائيل " ومدها بالعتاد والرجال في مرحلة التأسيس ترمي إلى تعزيز وجود قوة تساعد على نشر الشيوعية في المنطقة، وتجعلها موالية لها أو قريبة منها، قبل أن يسرق الغرب ـ لا سيما الولايات المتحدة الأميركية ـ هذه القوة من الاتحاد السوفييتي ويحركها بوحي من مصالحه، أو على الأصح قبل أن تنتقل هي إلى حيث تخدم مصالحها وتكمل مخطط اليهود الخَزَر ضد الروس والكنيسة الأرثوذكسية؛ فإن تحرك اليسار الصهيوني بتشعباته يرمي إلى كسب عرب يساهمون في توطيد المرحلة الحالية المهمة : مرحلة انتزاع الاعتراف بـ " إسرائيل" واستمرار مشروعها على أرضية السلام وباسمه؛ تحت مقولات ومسوغات جديدة منها محاربة الأصولية/القومية والدينية / والإسلام السياسي، لأنهم يلمسون تمسك القوميين بالحق والأرض ودفاع المسلمين والمسيحيين عن المقدسات من دون هوادة. ولا أدري هل نبتلع الطعم الصهيوني مرة أخرى بعد المرات السابقة، وندخل تيهاً جديداً وصراعاً مديداً، بعد أن تكشف لكل ذي بصر وبصير الدور الحقيقي للصهيونية ـ في الشرق والغرب ـ وبعد أن لمسنا من خلا ل الممارسات الكريهة والإرهاب المستمر عنصريتها وامتداد مشروعها ؟!!
لقد أخرجت اتفاقية كامب ديفيد مصر العربية من ساحة المواجهة مع العدو الصهيوني وحولتها من قوة مؤيدة للتحرير إلى قوة محايدة، وإلى وسيط في بعض الحالات بين العرب و" إسرائيل "؛ وقد لمسنا في السنوات العشرين الماضية من عمر كامب ديفيد كم أصبح موقف العرب ضعيفاً في المواجهة العسكرية والسياسية مع الكيان الصهيوني، الذي شن عدة حروب على بعض الأقطار العربية وعلى ومنظمة التحرير الفلسطينية، منها حرب اختبار لمصر كانت قاسية على العرب وقاتلة لموقف منظمة التحرير هي تلك التي شنها على لبنان عام 1982 واحتل فيها بيروت وأجبر منظمة التحرير على المغادرة إلى تونس، وألحق خسارة عسكرية قوية بسورية / 500 دبابة ومئة طائرة وبطاريات الصواريخ المضادة للطائرات عدا الخسائر البشرية / وقد تم ذلك من دون أن تتحرك مصر تحركاً فعالاً لمشاركة أمتها بشيء يذكر في تلك المحنة. لقد حيدت اتفاقية كامب ديفيد مصر ولكنها لم تفرض السلام " الإسرائيلي " وإن بقي ذلك الهدف جنيناً مستكناً في أعماقها حركت نموه حرب الخليج الثانية التي أدت إلى مؤتمر مدريد.
وكانت اتفاقية " أوسلو " بخطورة كامب ديفيد أو أشد، لأنها جعلت " الفلسطيني " يعترف بحق " إسرائيل " في وطنه على حساب حقه التاريخي ووجود قسم كبير من شعبه فوق أرضه، ومهدت الباب أمام العرب والعالم ليعترفوا بالكيان الصهيوني ويقيموا علاقات طبيعية معه على أساس ما أُشيع من سلام وتسوية للقضية موضوع الصراع. لقد سجل الفلسطينيون بدمهم ومعاناتهم ومعهم العرب حضوراً قوياً لهم ولعدالة قضيتهم في كل أنحاء العالم لا سيما بعد حرب تشرين ـ أكتوبر، وبطولة شباب الانتفاضة والجهد المضني الذي أسفر عن اعتراف أكثر من ثمانين دولة بمنظمة التحرير الفلسطينية قبل " أوسلو " وقبول الأمم المتحدة لها بصفة مراقب، وأخذت تحشر " إسرائيل " في الزاوية الضيقة في كل المؤتمرات واللقاءات والمنظمات الدولية؛ إلى أن استيقظنا على نفي بارد سفيه محزن لكل ذلك الذي أنجزته وكرسته حرارة الدم العربي الزكي: دم الشهداء على دروب قضية العرب المركزية في هذا القرن : قضية فلسطين.
لقد فتحت " أوسلو " باباً " لن يسد إلا بإغلاقها، ذاك الذي لا يكون إلا بالإعلان عن تشييع جثمانها البغيض الذي ما زال مسجى في غزة ورام الله والقدس وواشنطن على الرغم من الإعلان المتكرر عن الوفاة !!؟ من قال إن القطط بسبعة أرواح؟! إن أوسلو بسبعين ألف روح ويزيد، ويتأتى لها ذلك من تشبث القائمين عليها بالمكابرة .
لقد قسمت أوسلو الشارع الفلسطيني كما لم يقسم من قبل، وقسمت الشارع العربي، وعطلت قرار التحرير الفلسطيني، وسوَّغت للعرب أن يتنصلوا من القضية وتبعاتها، وفتحت الباب أمام الدول العربية وبقية دول العالم لتعترف " بإسرائيل " وتطبِّع العلاقات معها، بذريعة أن صاحب البيت صالَحَ فما شأن الآخرين؟! وعلى الرغم مما في هذا من مغالطات ونفي لوقائع ومعطيات فلسطينية وعربية، إلا أنه يسوَّغ ويسوَّق ويروَّج في مجالات ومحافل كثيرة وكبيرة.
لقد عطلت أوسلو مفهوم الصراع العربي الصهيوني، وهي ترمي إلى إلغائه، كما أنها عطلت مفهوم المقاومة الوطنية المشروعة وغيرت مفاهيمها، وتصر على أن تقدمها للعالم على أنها إرهاب وتخريب وأفعال منافية للعدل ومدمرة للسلام؛ وكل هذا ـ حتى لو أنه أفلح في تحقيق أهدافه ـ فإنه يعطل مسارات المقاومة ويلغي الصراع عملياً، ويعطي شرعية للاحتلال ويدين من يقاومه ويلغي فلسطين من الجغرافية. وقد أضافت أوسلو إلى " فضائلها " فضيلة مدهشة في وطنيتها حين جعلت السلطة الوطنية الفلسطينية في حالة تكليف رسمي بتدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية التي تعرِض للاحتلال وتدافع عن الحق والوطن والمواطن؛ أي أنها مكلفة عملياً بإثارة حرب أهلية في الساحة الفلسطينية، لا سيما ضد أولئك الذين حرمتهم أوسلو من حق العودة ومن التفكير بالقدس عاصمة عربية وبفلسطين حلماً فلسطينياً. فهل يبقى هناك مجال للتفكير في صراع عربي صهيوني ـ من منظور أوسلو وأخواتها ـ في الوقت الذي تمنع فيه نصوص تلك الاتفاقيات العرب الموقعين عليها من التعاون مع العرب الذين ينشب بينهم وبين " إسرائيل " قتال من أي نوع وحول أية قضية حتى لو كانت قضية القدس ذاتها؟!
إن أوسلو ووادي عربة وكامب ديفيد من قبلهما، تشكل جميعاً تصفية غير عادلة للقضية الفلسطينية، ولحق الشعب العربي الفلسطيني في وطنه التاريخي، ونضاله المشروع من أجل الأرض والحق والوجود الحر والحياة الكريمة. وهي بهذا المعنى صيغ من صكوك الاستسلام، وقيود استعمارية تكبل الإرادة والأجيال، ونوع من عقود الإذعان التي تهلك موقعيها وهم يتهالكون على إقناع الذين يرفضونها لكي يقبلوا بها .
إن قضية فلسطين قضية قومية بكل المقاييس، ومن مصلحة الفلسطيني، بل من واجبه قبل سواه، أن يتشبث ببعدها القومي ويدعو العربي لتحمل مسؤولياته في هذا المجال؛ لأن الفلسطيني وحده، وأي متمسك بكيان قطري من أي نوع مهما كبر ذلك الكيان، لا يستطيع أن يواجه العدو الصهيوني وحلفاءه ويحقق نجاحاً ونصراً في قضية بحجم القضية الفلسطينية وحده.
ولذا فإن الوطني يتماهى مع القومي في هذه القضية، التي يتوقف على حسمها لمصلحة الأمة العربية كل معنى لاستقلال ناجز، وتقدم منتظَر، ومواجهة ناجحة لتحديات العصر ومتطلباته وتكتلاته، وكل نهضة من أي نوع .
وحين يدرك القطري / نظاماً كان أم حاكماً أم حزباً أم شخصاً / أنه قوي بأمته ومستضعَف من دونها ويوافق على أن يقدم التنازل لها ليحفظ بذلك وجوده وكرامته ومستقبله؛ عندها نبدأ الخطوات العملية البناءة على طريق الوطنية الحقَّة والقوة العادلة التي تحمي أرضها ومصالحها وثرواتها
وكرامة مواطنيها وحرياتهم، وتوفر لهم الأمن والرفاهية وفرص
العيش الكريم في وطن حر ذي سيادة حقيقة وإرادة حرة .
إنني أتطلع إلى دور رئيس للمثقفين في إقامة جبهة قومية قادرة على الحضور في ساحة القرار السياسي، وقادرة على امتلاك الوعي والعلم، وعلى مواجهة المشروع الصهيوني بمشروع عربي يعي أهدافه واحتياجاته ويحدد برنامجه ويعمل على تنفيذ ذلك البرنامج. وأرى الانطلاق من أرضية ميثاق المثقفين العرب الذي أقره الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب وطرحه على الجبهة القومية للاتحادات والمنظمات والنقابات المهنية العربية، التي يشكل قيامها وعملها الجاد بداية خطو على طريق صحيحة طويلة.
وأرى أن يقوم حوار مسؤول في مناخ ملائم، وعلى أرضية متينة من المواطنة والانتماء القومي والإيمان الراسخ بالله والوطن والشعب، بين الأحزاب والتيارات الفكرية الرئيسة في الوطن العربي : التيار القومي والإسلامي واليساري والليبرالي بتشعباتها جميعاً، على أرضية من الالتزام بإنقاذ الوطن والأمة ومواجهة التحدي والتهديد، ليكتشفوا المشترك وينمّوه، وليؤسسوا لقوة عربية ونهضة عربية في المجالات كلها لا سيما الاقتصادي منها، ولكوِّنوا الجسور التي تقيم الثقة بين الناس والسياسات ويحكِّموا في ذلك كله الوعي المعرفي والمصلحة العليا للوطن والشعب وحقيقة تقدم الجزء من خلال الكل بأمن وثقة وكرامة، وتقدم الوطن بجهود أبنائه جميعاً؛ وليضعوا حداً بالديموقراطية المسؤولة لتهاوي الأنظمة والحكام واستماتتهم على الاحتماء بالآخر الغريب خوفاً من الأخ والشعب والتقدم.
إن مقاومة المشروع الصهيوني لا تكون إلا بمشروع قومي متكامل، يضع طاقات الأمة في خدمة أبنائها وقضاياها وصراعاتها الحيوية العادلة، وبتحقيق التقدم على أسس متينة من امتلاك العلم والتقانة والعمل بهما على أرضية أكثر متانة من الخلق والإيمان. وإذا كانت الثقافة في هذا الميدان تشكل المدخل ورأس الحربة والبصيرة وقرون الاستشعار، والقوة الحامية للشخصية والمفعِّلة لها، فإن هذا لا يجعل منها بديلاً عن العمل الحثيث في المجالين السياسي والاقتصادي، وإنما يحملها مسؤولية دفع القوى العاملة في هذين المجالين الحيويين للقيام بفعل منقذ من أجل الوطن والإنسان والمستقبل.
وأود أن أسجل في النهاية بعض ما أراه مقدمات للخروج من المأزق الذي نحن فيه، تضاف إلى ما سبق وقدمت في ثنايا ما سبق من كلام :
تمتين الجبهة الثقافية، على أرضية الحوار وتنمية المشترك الذي ترسخه، وتأكيد ثوابت الصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على حدود، وحسم الجدل في هذا الموضوع لصالح العمل انطلاقاً من ثوابت الصراع وتحقيقاً لاحتياجاته.
إعلان وفاة " أوسلو " ودفنها، تلك التي لن تقدم في أحسن أحوال استكمال تطبيقها وكماله سوى كارثة للشعب الفلسطيني والأمة العربية والقضية الفلسطينية؛ وإعلان عودة منظمة التحرير للشعب والميثاق الوطني الفلسطيني والأمة العربية؛ لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم القومية وأمام حقيقة قومية القضية؛ الأمر الذي ينبغي أن يؤمن به ويعمل عليه المسؤولون في المنظمة أولاً، وكل مؤمن بالبعد القومي للقضية ثانياً.
عقد قمة عربية نوعية في توجهها والتزاماتها، قمة من تعمل على تنقية الأجواء العربية والوصول إلى المصالحة على أرضية المصارحة؛ وتقوم بتفعيل الجامعة بعد تغيير ميثاقها، وإقامة اتحاد عربي يعطي للشعب حضوراً تمثيلياً على أسس ديمقراطية محترمة ويجمع بين حضور القوى الممثلة للجماهير على أسس تمثيلية عادلة وليس على أساس تمثيل الدول في البرلمان القومي بأعداد متساوية لكل دولة؛ كما تعطي للاتحادات والمنظمات والنقابات القومية دوراً وحضوراً فاعلاً في صنع القرار، بوصفها هيئات قومية متخصصة في مجالاتها، تتصل اتصالاً مباشراً بكل قطاعات الشعب ومنتجي الحياة، وتشكل جسر التواصل والخبرة والنهضة، وتقدم الترجمة العملية بين الإرادة السياسية وقراراتها من جهة وبين الواقع والناس وسبل التطبيق للخطط والبرامج من جهة أخرى .
تفعيل الأداء الثقافي والإعلامي العربي، ودعوة القائمين عليه إلى التركيز على ما يجمع الأمة وأبناءها وسياسييها وأقطارها على وحدة الهدف ومن ثم وحدة الصف، وإلى ما يحقق نهضة علمية ـ عملية في مجالات الحياة والعمل جميعاً، وما يعزز الثقة بالنفس والمستقبل والنصر والتقدم، انطلاقاً من احترام الإنسان واحترام حقوقه وحرياته ودوره في الحياة وصنع القرار والاختيار، ومن توظيف ثروات الوطن العربي وإمكانات الأمة وطاقاتها البشرية والمادية، التي تكفل تحقيق النهضة والتقدم وحمل أعباء الصراع، إذا ما أُحسن استخدامها على أسس علمية ومن منظور التكامل العربي التام؛ توظيفها في الوطن العربي ولخدمته .
إنني أعلق أهمية خاصة على دور المثقفين العرب ـ بالمعنى الشامل للثقافة ـ وأرى أن يتحمل المثقفون مسؤولية الانطلاقة في هذا الاتجاه، مهما كلفهم ذلك من جهد وما حملهم من تبعات وتكاليف. ولن يتأتَّى لهم ذلك إلا إذا كانوا للأمة كلها ولمصلحتها العليا ولقضيتها الرئيسة بصرف النظر عن انتماءاتهم القطرية واهتماماتهم الشخصية؛ عليهم أن يغلقوا سوق الكلام الذي يحاول أن يفسد أقلاماً وعقولاً ومواقف، وعلى كل منهم أن يحمي ظهر الآخر في مواجهة لن تكون سهلة ولا قصيرة، وأن يكون أحد أهم هواجسهم حماية الأجيال وسلامة تكوينها على أسس تضمن حماية الحق والشخصية والوطن والهوية، وتسلحها بالعلم والإيمان معاً، وامتلاكها للتَّقانة والقدرة والخبرة لتخوض معركة التقدم والنهضة الشاملة، وأن تكون عربية القلب والانتماء لا قطرية التوجه واللسان؛ وأن يحافظوا على سلامة الذاكرة والوجدان العربيين في كل ما يتصل بالماضي والحاضر وما يؤسس للمستقبل بسلامة، وما يقيم المثَاقَفَة مع الآخر على أساس متين من المعرفة والثقة والاقتدار والانفتاح.
إن المهمة ثقيلة في واقع عربي نعرف ما فيه وما يستهدفه وما ينتظره ويحيط به، ولكن من للأمة غير طاقة الوعي ونقاوة الضمير التي يُفترض أن يكون مستودعها الثقافة والمثقفون؟! وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون .
دمشق في 3/4/1998
|