صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

خمسون سنة على اغتصاب فلسطين

هذه المناسبة ، مناسبة الذكرى الخمسين لاغتصاب فلسطين التي يحاول العدو الصهيوني أن يقدمها للعالم مناسبة احتفالية بمرور خمسين سنة على تأسيس الكيان الصهيوني ، هي بالنسبة لنا، مناسبة للألم المضيء يطهر نفوسنا مما لحق بها من عفن ، ويجلو صدأ أرواحنا ويفجر فينا طاقة الفداء والإبداع في أساليب الأداء جميعها من أجل رد العدوان وخطر الاستيطان وسيف الإرهاب عن شعبنا وأرضنا وثقافتنا؛ تلك الأخطار المستبيحة لحقوقنا ورقابنا ودمائنا على نحو ما منذ خمسين سنة خلت من اغتصاب فلسطين وأكثر من خمسين أخرى قبلها هيأت لذلك الاغتصاب بتواطؤ وتعاون استعماري صهيوني ما زالا مستمرين مع توزع في الأدوار . وما زال أبناء شعبنا الفلسطيني أولاً وأشقاؤهم في بلاد الشام ثانياً وامتداد اخوتهم في أرجاء الوطن العربي ثالثاً يتعرضون للإرهاب المنطلق من بؤرته التاريخية المتمثلة في الصهيونية العنصرية واليهودية التلمودية.‏

هذه مناسبة للألم المضيء كما قلت وليست للتفجُّع البائس، مناسبة لتكثيف الغضب الساطع في أداء فعّال على أرضية متينة من الوعي بمخاطر المشروع الصهيوني- الغربي وامتداده المستمر من جهة والوعي بأن مجابهة هذا المشروع -الكارثة لا تتم إلا على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما من جهة أخرى ، انطلاقاً من رؤية ثابتة للصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود مع وجود ، لا تحوله عن حقيقته الاتفاقيات والمعاهدات والمفاوضات؛ لأنه يتصل بالحق والأرض والعدل والحرية والمستقبل والوجود وليس بالمصالح المادية الرئيسة لأمتنا فقط .‏

هذه مناسبة لتجديد الذاكرة وتعميق معطى الوجدان القومي على الصعيدين الفردي والجمعي بمعطيات قضية العرب المركزية : قضية فلسطين، وبالصراع الذي دار من أجل حسمها لمصلحة العرب، وبأسباب النكسات والهزائم، ونوع المشروع الذي نواجهه والعدو الذي يفرض علينا إرهابه الممتد عبر المذابح البشعة من دير ياسين وكفر قاسم حتى حريق الأقصى ومذبحتي الحرم الإبراهيمي و " قانا" .‏

هذه مناسبة لنرى فيها البعد القومي للقضية الفلسطينية بانعكاسات غيابه والتزامات حضوره وآفاقه المستقبلية ، وأهمية استعادة ذلك البعد من أجل وضع حد للتفريط بالقضية ولجم المفرطين البائسين ، الذين يعولون في كل المناسبات بطلب بدائل عن الاستسلام لتثبيت معطيات "واقعية انهزامية" منافية لحقائق الحياة والتاريخ والمنطق؛ واقعية استسلامية توحي بأن معطيات الوضع العربي والدولي الراهنة هي معطيات أبدية، وليس من سبيل ، مع استقرارها واستمرارها ، إلا القبول بما يقدمه لنا سدنتها من فتات موائدهم ؛ مما يعني أن يملأ بعض أصحاب الكروش كروشهم ونفقد كلنا الكرامة والأرض والأمل في مستقبل أفضل !؟ هذه مناسبة نحيي فيها ذكرى الشهداء، ونعلي شأن المضحين من أجل القضية والصابرين السائرين على طريق التحرير ، والعاملين لتثبيت عروبة فلسطين في الأداء الفكري والسياسي والنضالي ، وعلى حماية الكرامة واستعادة المبادرة والثقة والإرادة من أجل أمة واحدة قوية عزيزة ترد عنها أنواع الإرهاب والعدوان والاحتلال كما ترد طمع الطامعين بها وبأهلها والمعادين لهويتها وعقيدتها . والتأكيد على أنه لن يقيم تلك الأمة إلا وعي معرفي بالذات والآخر وإيمان برسالتها وانتماء لها وتضحية من أجلها .‏

إن خريطة " هشلر " الصهيوني ما زالت معلقة في قلب الصهيوني الذي يريد دولة يهودية تمتد من السويس إلى جبال طوروس في الأناضول ، إن ذلك لن يتحقق له ولكنه يحلم به وعلينا أن نواجه حتى هذا النوع من الأحلام ، وعلينا أن نتذكر أيضاً أن جبال طوروس هي الحدود الشمالية لسورية الطبيعية ؛ وخريطة المشروع الصهيوني تنفذ حسب مرحليات المشروع المستمرة ، وقد مرت أربع مراحل منه نفذت بدقة وأُدخلنا في المرحلة الخامسة أو نحن على أعتابها ، والمراحل هي :‏

- المرحلة الأولى: مرحلة عشاق صهيون أو أحباء صهيون ، التي استمرت خمسين سنة تقريباً من 1868 إلى 1918 وكانت مرحلة حشد فكري ونظري وتنظيمي وعاطفي وإعداد سياسي وتكوين للأسس والأدوات والتنظيمات بما في ذلك مؤتمر بال 1897.‏

- والمرحلة الثانية: هي مرحلة الصهيونية السياسية التي أسست للمشروع سياسياً واستصدرت وعد بلفور على أرضية " سايكس ـ بيكو " , كثفت الهجرة واستمرت حتى نهاية الثلاثينيات : بداية الحرب الأوروبية " العالمية " الثانية 1939.‏

- المرحلة الثالثة : هي مرحلة الصهيونية المقاتلة كما دعاها ونادى بها دافيد بن غوريون ، وقد بدأت مع صدور الكتاب الأبيض وامتدت إلى ما بعد تأسيس الكيان الصهيوني رسمياً الذي قام في 15/5/1948 باغتصاب فلسطين بقوة الإرهاب والقهر والتواطؤ الاستعماري .‏

- والمرحلة الرابعة : المتداخلة نسبياً مع المرحلة السابقة وهي الصهيونية - التوسعية ـ الاستيطانية -التي تنامت فيها العنصرية ـ العدوانية ، وامتدت من حرب السويس 1956 وحتى مؤتمر مدريد .‏

-ونحن في مرحلة الصهيونية المهيمنة التي تريد أن تفرض سلاماً واعترافاً بها تنمو في ظلهما إسرائيل العظمى ، وتُستكمل على أرضيتهما عملية توطين خمسة عشر مليون يهودي في فلسطين ، باستكمال اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم؛ وهي تعد ببدء مرحلة "إسرائيل التوراتية أو "إسرائيل رباني ـ أي التي وعد بها الرب كما يدعون ـ وتمهد لها ، بعد أن يكون العرب ، من حيث الإرادة والسيادة والقيادة والقوة المتماسكة ، أثراً بعد عين حسب التقدير والتدبير الصهيونيين .‏

وقد بدأت اختراقات التهيئة لهذه المرحلة على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية ، وعلينا أن نواجه في كل المراحل السابقة واللاحقة إرهاب الصهيونية العنصرية واليهودية التلمودية وراعي الإرهاب الأول في العالم الولايات المتحدة الأمريكية ، الحليف الاستراتيجي والشريك التام الشراكة لـ " إسرائيل " بكل شيء .‏

والإرهاب الصهيوني مستمر وهو يطال الأشخاص والمقدسات والممتلكات والأفكار والضمائر ، وهو مفتوح على كل من يتعرض للمشروع الصهيوني وللاحتلال ، والصهاينة ينذروننا علناً بالمزيد منه ؛ وها هو نتنياهو تلميذ شامير إلى جانب شارون المعجب بباروخ غولد شتاين وصفوف طويلة من الإرهابيين الملمعة نياشينهم بالدم العربي البريء فتلك القائمة تمتد بين بناي بريت / أبناء العهد / وكاهانا حي عبر منظمات ليحيا والأرغون وشتيرن و " زفاي اليومي " تلك التي كونت فيما بعد جيش الإرهاب الصهيوني، " تساهال " تنذرنا وتتوعدنا بالإرهاب وبمزيد من التدمير والتهويد ، وتحشد لذلك القوة من كل نوع .‏

ونحن يمزقنا ارتماؤنا على مشاريع التصفية ويضعفنا ويشتت أهدافنا وبرامجنا ، هذا إن وجدت تلك البرامج !؟‏

لقد فتحت أوسلوا "باباً" لن يسد إلا بإغلاقها، ذاك الذي لا يكون إلا بالإعلان عن تشييع جثمانها البغيض ، الذي مازال مسجى في غزة ورام الله والقدس وواشنطن على الرغم من الإعلان المتكرر عن الوفاة ، والذي يستجيب من آن لآخر لنبضات المنعشين على أساس آلي ‍‍!!!؟ من قال إن القطط بسبعة أرواح؟! إن أوسلو بسبعين ألف روح ويزيد، ويتأتى لها ذلك من تشبث القائمين عليها بالمكابرة واعتمادهم أسلوب التنازل المستمر ومن حرص أصحاب المشروع الأصلي مشروع أوسلو على أن تبقى تلك الجثة من دون دفن حرصاً على سمعة الملك .‏

لقد قسمت أوسلو الشارع الفلسطيني كما لم يقسم من قبل، وقسمت الشارع العربي، وعطلت قرار التحرير الفلسطيني، وسوغت للعرب أن يتنصلوا من القضية وتبعاتها، وفتحت الباب أمام الدول العربية وبقية دول العالم لتعترف "بإسرائيل" وتطبيع العلاقات معها، بذريعة أن صاحب البيت صالح فما شأن الآخرين؟!! وعلى الرغم مما في هذا من مغالطات ونفي لوقائع ومعطيات فلسطينية وعربية، إلا أنه يسوغ ويسوق ويروج في مجالات ومحافل كثيرة وكبيرة.‏

لقد عطلت أوسلو مفهوم الصراع العربي الصهيوني، وهي ترمي إلى إلغائه، كما إنها عطلت مفهوم المقاومة الوطنية المشروعية وغيرت مفاهيمها، وتصر على أن تقدمها للعالم على أنها إرهاب وتخريب وأفعال منافية للعدل ومدمرة للسلام؛ وكل هذا -لو أنه أفلح في تحقيق أهدافه- فإنه يعطل مسارات المقاومة ويلغي الصراع عملياً، ويعطي شرعية للاحتلال ويدين من يقاومه، وقد أضافت أوسلو إلى "فضائلها" فضيلة مدهشة في وطنيتها حين جعلت السلطة الوطنية الفلسطينية في حالة تكليف رسمي بتدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية التي تتعرض للاحتلال وتدفع عن الحق والوطن والمواطن، أي أنها مكلفة عملياً بإثارة حرب أهلية في الساحة الفلسطينية، لاسيما ضد أولئك الذين حرمتهم أوسلو من حق العودة ومن التفكير بالقدس عاصمة عربية وبفلسطين حلماً فلسطينياً، فهل يبقى هناك مجال للتفكير في صراع عربي صهيوني- من منظور أوسلو وأخواتها- في الوقت الذي تمنع فيه نصوص تلك الاتفاقيات العرب الموقعين عليها من التعاون مع العرب الذين ينشب بينهم وبين "إسرائيل" قتال من أي نوع وحول أية قضية حتى لو كانت قضية فلسطين ذاتها؟!‏

إن أوسلو ووادي عربة وكامب ديفيد من قبلهما، تشكل جميعاً رزمة لتصفية غير عادلة للقضية الفلسطينية، ولحق الشعب العربي الفلسطيني في وطنه التاريخي، ونضاله المشروع من أجل الأرض والحق والوجود الحر والحياة الكريمة، وهي بهذا المعنى صيغ من صكوك الاستسلام، وقيود استعمارية تكبل الإرادة والأجيال، ونوع من عقود الإذعان التي تهلك موقّعيها وهم يتهالكون على إقناع الذين يرفضونها لكي يقبلوا بها.‏

لقد نسفت اتفاقيات الإذعان تلك البعد العربي والالتزام العربي بالقضية الفلسطينية وأحدثت شروخاً في الوجدان ، وجعلت الجامعة العربية أثراً بعد عين ؛ لقد ورد في تلك الاتفاقيات نصوص تحرم التعاون العربي ـ العربي وتملي تعاوناً بديلاً مع العدو الصهيوني وتعطي لذلك التعاون أولوية على الالتزامات العربية من أي نوع وإليكم ما ورد في المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية في الفقرة الرابعة مادة " الأمن " لكي نرى بعض الأبعاد والمخاطر :‏

4- بما يتماشى مع حقبة السلام ومع الجهود لبناء أمن إقليمي وما يمنع ويحول دون العدوان والعنف، يتفق الطرفان على الامتناع عما يلي:‏

أ- الدخول في ائتلاف أو تنظيم أو حلف ذي صيغة عسكرية أو أمنية مع طرف ثالث أومساعدته بأي طريقة من الطرق أو الترويج له أو التعاون معه، إذا كانت أهدافه أو نشاطاته تتضمن أشكالاً من العدوان أو أية أعمال أخرى من العداء العسكري ضد الطرف الآخر بما يتناقض مع مواد هذه المعاهدة.‏

ب- عدم السماح بدخول أو إقامة أو عمل قوى عسكرية أو عسكريين أو معدات تعود لطرف ثالث على أراضيها أو من خلالها في أحوال يمكن أن تخل بسلامة الطرف الآخر) .‏

فأين يغدو مع هذه النصوص ميثاق الدفاع العربي المشترك الذي وضع أصلاً لحماية الأقطار العربية والحق العربي في فلسطين من العدوان والاحتلال الصهيوني؟!‏

إن قضية فلسطين قضية قومية بكل المقاييس، ومن مصلحة الفلسطيني، بل من واجبه قبل سواه، أن يتشبث ببعدها القومي ويدعو العربي لتحمل مسؤولياته في هذا المجال، لأن الفلسطيني وحده ، وأي متمسك بكيان قطري من أي نوع مهما كبر ذلك الكيان ، لا يستطيع أن يواجه العدو الصهيوني وحلفاءه ويحقق نجاحاً ونصراً في قضية بحجم القضية الفلسطينية وحدها.‏

ولذا فإن الوطني يتماهى مع القومي في هذه القضية، التي يتوقف على حسمها لمصلحة الأمة العربية كل معنى لاستقلال ناجز، وتقدم منتظر ومواجهة ناجحة لتحديات العصر ومتطلباته وتكتلاته، وكل نهضة من أي نوع .‏

وحين يدرك القطري /نظاماً كان القطري أم حاكماً أم حزباً أم شخصاً/ أنه قوي بأمته ومستضعف من دونها ويوافق على أن يقدم التنازل ليحفظ بذلك وجوده وكرامته ومستقبله ، عندها تبدأ الخطوات العملية البناءة على طريق الوطنية الحقة والقوة العادلة التي تحمي أرضها ومصالحها وثرواتها وكرامة مواطنيها وحرياتهم وتوفر لهم الأمن والرفاهية وفرص العيش الكريم في وطن حر ذي سيادة حقيقة وإرادة حرة.‏

إني أتطلع إلى دور رئيس للمثقفين في المحافظة على سلامة الذاكرة والوجدان العربيين ، وتأكيد المعطى النضالي من أجل عروبة فلسطين واستعادة الحق العربي فيها ، وإلى قدرتهم الخلاقة في إقامة جبهة قومية قادرة على الحضور في ساحة القرار السياسي، وقادرة على امتلاك الوعي والعلم، وعلى مواجهة المشروع الصهيوني بمشروع عربي يعي أهدافه واحتياجاته وأدواته ويحدد برنامجه ويعمل على تنفيذ ذلك البرنامج . وأرى الانطلاق من أرضية ميثاق المثقفين العرب الذي أقره الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب وطرحه على الجبهة القومية للاتحادات والمنظمات والنقابات المهنية العربية التي يشكل قيامها وعملها الجاد بداية خطوة على طريق صحيحة طويلة.‏

ولا أملُّ من التأكيد على ضرورة أن يقوم حوار مسؤول في مناخ ملائم على أرضية متينة من المواطنة والانتماء القومي والإيمان الراسخ بالله والوطن والشعب بين الأحزاب والتيارات الفكرية الرئيسة في الوطن العربي التيار القومي والإسلامي واليساري والليبرالي بتشعباتها جميعاً على أرضية من الالتزام بانقاذ الأمة والوطن ومواجهة التحدي والتهديد ليكتشفوا المشترك وينموه وليؤسسوا لقوة عربية ونهضة عربية في المجالات كلها لا سيما الاقتصادي منها وليكونوا الجسور التي تقييم الثقة بين الناس والسياسات ويحكم في ذلك كله الوعي المعرفي والمصلحة العليا للوطن والشعب وحقيقة تقدم الجزء من خلال الكل بأمن وثقة وكرامة، وتقدم الوطن بجهود أبنائه جميعاً وليضعوا حداً للديمقراطية المسؤولة عن تهاوي الأنظمة والحكام واستماتتهم على الاحتماء بالآخر الغريب خوفاً من الأخ والشعب والتقدم.‏

إن مقاومة المشروع الصهيوني لا تكون إلا بمشروع قومي متكامل يضع طاقات الأمة في خدمة أبنائها وقضاياها وصراعاتها الحيوية العادلة، وبتحقيق التقدم على أسس متينة من امتلاك العلم والتقانة والعمل بهما على أرضية أكثر متانة من الخلق والإيمان.‏

وإذا كانت الثقافة في هذا الميدان تشكل المدخل ورأس الحربة وقرون الاستشعار والقوة الحامية للشخصية والمفعلة لها، فإن هذا لا يجعل منها بديلاً عن العمل الحثيث في المجالين السياسي والاقتصادي وإنما تحملها مسؤولية دفع القوى العاملة في هذين المجالين الحيويين للقيام بفعل منقذ من أجل الوطن والإنسان والمستقبل.‏

وأود أن أسجل في النهاية بعض ما أراه مقدمات للخروج من المأزق الذي نحن فيه تضاف إلى ما قدمت في ثنايا ما سبق من كلام:‏

1- تمتين الجبهة الثقافية على أرضية الحوار، وتنمية المشترك الذي ترسخه وتأكيد ثوابت الصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على حدود وحسم الجدل في هذا الموضوع لصالح العمل انطلاقاً من ثوابت الصراع وتحقيقاً لاحتياجاته.‏

2- إعلان وفاة أوسلو ودفنها تلك التي لن تقدم في أحسن أحوال استكمال تطبيقها وكماله سوى كارثة للشعب الفلسطيني والأمة العربية والقضية الفلسطينية ودعوة منظمة التحرير للشعب والميثاق الوطني الفلسطيني والأمة العربية ليكون الجميع أمام مسؤولياتهم القومية وأمام حقيقة قومية القضية الأمر الذي ينبغي أن يؤمن به ويعمل عليه المسؤولون في المنظمة أولاً.‏

3- عقد قمة عربية نوعية في توجهها والتزاماتها، قمة تعمل على تنقية الأجواء العربية والوصول إلى المصالحة على أرضية المصارحة وأن تقوم بتفعيل الجامعة بعد تغيير ميثاقها وإقامة اتحاد عربي يعطي للشعب حضوراً تمثيلاً على أسس ديمقراطية محترمة ويجمع بين حضور القوى الممثلة للجماهير على أسس تمثيلية عادلة وليس على أساس تمثيل الدول في البرلمان القومي بأعداد متساوية بكل دولة كما تعطي للاتحادات والمنظمات والنقابات القومية دوراً وحضوراً فاعلاً في صنع القرار، بوصفها هيئات قومية متخصصة في مجالاتها تتصل اتصالاً مباشراً بكل قطاعات الشعب ومناحي الحياة وتشكل جسر التواصل والخبرة والنهضة، وتقدم الترجمة العملية بين الإرادة السياسية وقراراتها من جهة وبين الواقع والناس وسبل التطبيق للخطط والبرامج من جهة أخرى.‏

4- تفعيل الأداء الثقافي والإعلامي العربي، ودعوة القائمين عليه إلى التركيز على ما يجمع الأمة وأبناءها وسياسييها وأقطارها على وحدة الهدف ومن ثم وحدة الصف، وإلى ما يحقق نهضة علمية-عملية في مجالات الحياة والعمل جميعا، وما يعزز الثقة بالنفس والمستقبل والنصر والتقدم، انطلاقا من احترام الإنسان، واحترام حقوقه وحرياته ودوره في الحياة وصنع القرار والاختيار، ومن توظيف ثروات الوطن العربي وإمكانات الأمة وطاقاتها البشرية والمادية، التي تكفل تحقيق النهضة والتقدم وحمل أعباء الصراع، إذا ما أحسن استخدامها على أسس علمية ومن منظور التكامل العربي التام.‏

5- إنني أعلق أهمية خاصة على دور المثقفين العرب-بالمعنى الشامل للثقافة- وأرى أن يتحمل المثقفون مسؤولية الانطلاقة الجادة في هذا الاتجاه، مهما كلفهم ذلك من جهد وما حملهم من تبعات وتكاليف. ولن يتأتى لهم ذلك إلا إذا كانوا للأمة كلها ولمصلحتها الشخصية؛ عليهم أن يغلقوا سوق الكلام الذي يحاول أن يفسد أقلاما وعقولا ومواقف، وعلى كل منهم أن يحمي ظهر الآخر في مواجهة لن تكون سهلة ولا قصيرة، وأن يكون أحد أهم هواجسهم حماية الأجيال وسلامة تكوينها على أسس تضمن حماية الحق والشخصية والوطن والهوية، وتسلحها بالعلم والإيمان معا، وامتلاكها للتقانة والقدرة والخبرة لتخوض معركة التقدم والنهضة الشاملة، وأن تكون عربية القلب والانتماء لا قطرية التوجه واللسان، وأن يحافظوا على سلامة الذاكرة والوجدان العربيين في كل ما يتصل بالماضي والحاضر وما يؤسس للمستقبل بسلامة، وما يقيم المثاقفة مع الآخر على أساس متين من المعرفة والثقة والاقتدار والانفتاح.‏

إن المهام ثقيلة في واقع عربي نعرف ما فيه وما يستهدفه وما ينتظره ويحيط به، ولكن من للأمة غير طاقة الوعي ونقاوة الضمير اللتين يفترض أن يكون مستودعهما الثقافة والمثقفون؟!‏

وأختم بإلقاء بعض الأسئلة ، في هذه المناسبة على نفسي وعلى الجميع لتكون موضع تفكير إن أمكن :‏

1- هل نوافق على بقاء أربعة ملايين فلسطيني خارج فلسطين ؟؟ وهو ما تقوم عليه مشاريع التسوية ، وهو عماد أوسلو أصلاً ؟!؟ .‏

2- هل نقبل أن تهود المقدسات المسيحية والإسلامية في فلسطين، وأن تصبح تحت سيادة اليهود ، وتحت رحمة برنامجهم الاستيطاني ونزوعهم العنصري وقواهم الفتاكة ؟! .‏

3- هل نقبل بقيام "دولة إسرائيل" على حساب فلسطين ونعترف بها ونطبع العلاقات معها؟!‏

4- هل السؤال حول عروبة فلسطين، كل فلسطين ، هو سؤال مطروح للمناقشة بيننا؟!‏

5- هل الاعتراف بالعدو الذي يعني سحب الاعتراف من الفلسطيني سيداً فوق أرضه هو سؤال مطروح ، ومن ثم سؤال التطبيع الذي هو إحدى نتائج الاعتراف!!‏

ألم يكن القرار الفلسطيني المستقل أحد أهم أسباب الكارثة التي وصلنا إليها اليوم ؟!!‏

في قناعتي‏

تبقى كل الأسئلة مؤلمة ، وتبقى كل منافذ الأمل ونوافذه مفتوحة .‏

والمجد للشهداء والنصر للمقاومة .‏

دمشق 18/5/1998.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244