صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

فلسطين في طهران

في الخامس والعشرين من شهر أيار الحالي 11998، وضمن فعاليات المعرض الدولي الحادي عشر للكتاب في طهران خصص يوم للذكرى الخمسين لاغتصاب فلسطين، وكان قد فُتِح جناح خاص في المعرض لهذه الذكرى وللبلد الذي فقدنا معظم أرضه والسيادة عليه، وفقدنا كذلك سيطرتنا على أراض عربية وقرارات عربية منذ فُرض الكيان الصهيوني فيه بقوة القهر وبتدبير من الدول الاستعمارية التي شكلت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ثم هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وسخرت العصبة لتنفيذ وعد بلفور وتطبيق معاهدة سايكس - بيكو وإقامة المؤسسات وتهيئة المناخ الذي مهد لإقامة "دولة" الكيان الصهيوني، وسخرت مجلس الأمن لحماية تلك الدولة وللتغطية على ممارساتها العدوانية والاستيطانية والإرهابية، وتوفير كل سبل الدعم المادي والمعنوي لها لتعزز وجودها، وهي تتابع مراحل مشروعها الموجه ضد الأمة العربية وشعوب المنطقة من دون كلل.‏

في طهران الشاه، كانت أجهزة السافاك والموساد والـ C.I.A تعمل معاً ضد البعد الفلسطيني والعربي والإسلامي، ومع الصهيونية وتكريس اغتصاب فلسطين واستكمال مراحل المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة؛ وعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران انقلب الأمر رأساً على عقب "وحلت سفارة "فلسطين" محل سفارة "إسرائيل" ووضع حد نهائي لممارسات الموساد والسافاك والـ C. A. I ضد الشعب الفلسطيني وعروبة فلسطين.‏

وعلى الرغم من الانتقام الأمريكي - الصهيوني الكريه الذي فرض سنوات ثمان مؤلمات من الحرب والتدمير بين العراق والجمهورية الإسلامية في إيران، وكاد ينفذ مخططه الذي كان يرمي إلى وضع العرب بمواجهة الفرس وحشد كل العرب في جبهة لمواجهة المسلمين فيما يمكن أن يصبح جبهة ساخنة، يقضي صراعهم فيها على العروبة والإسلام معاً، ويحقق للصهيونية والولايات المتحدة والغرب الاستعماري أحلاماً قديمة وأهدافاً بعيدة قريبة في آن معاً، وهو المخطط الذي أحبطه بالدرجة الأولى وعي سورية لأبعاده ومخاطره، على الرغم من ذلك، فقد استمر وجه إيران الفلسطيني أو وجه فلسطين في إيران نقياً سليماً واضحاً مشرقاً ومتابعاً لكل أشكال التعاطف والدعم والتأييد: ففلسطين عربية، والقدس عاصمة لها، ومقدساتها تهم الفلسطينيين والعرب والإيرانيين كما تهم المسلمين والمسيحيين المشرقيين بكل تأكيد وفي كل آن.‏

لم يتأثر موقف إيران من فلسطين والقضية الفلسطينية بما اتخذه عرفات من مواقف قبل أن تبدأ مسيرة مدريد، وازداد موقفها تأكيداً على ضرورة تحرير فلسطين ومقاومة المشروع العنصري - الاستيطاني الصهيوني بعد مدريد؛ ولم تر الجمهورية الإسلامية في إيران أي مجال للصلح وإقامة ما يسمى "السلام" على أرضية استمرارية إبعاد الفلسطينيين عن وطنهم، وإقامة "كانتون" لهم ملحق بقوة الاحتلال يشكل بديلاً عن حقهم الشرعي والتاريخي في وطنهم من قِبَل من يصوغون اتفاقيات الإذعان ويتابعون مسيرة يائسة تسمى مسيرة "السلام" مع الصهيونية والإدارة الأمريكية المتصهينة المناصر الأول للمشروع الصهيوني وللإرهاب الذي أسس له واستمر معه ومازال يمارس من أجل تعزيز حضوره وانتشاره.‏

في طهران كان يوم لفلسطين، وبتعاون مع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب وفصائل الثورة الفلسطينية الرافضة لأوسلو أقيم ذلك اليوم في قاعة من قاعات معرض طهران الدولي الحادي عشر للكتاب، وحضره سفراء عرب ومهتمون بهذا الشأن وممثلون رسميون إيرانيون وحشد متميز من الجمهورية الإيرانية /نساءً ورجالاً/.‏

وأعادتني اللحظات الأولى لذلك اللقاء، وفي مراحل التقديم له شعراً والتلاوة القرآنية المتميزة، أعادتني إلى يوم من أيام مؤتمر الشعب العربي في الجماهيرية (طرابلس وبنغازي) كنا على المدرجات الخشبية بانتظار بدء الاحتفال التقليدي بالفاتح من سبتمبر/ أيلول، وفجأة ارتفعت أصوات من جانب من جوانب المدرج: "فلسطين.. فلسطين". واستمر النداء صادقاً متعالياً مؤثراً، وسرت عدواه إلى قلوب عربية طهرها طمي الأحداث فما تكاد تضطرب وتطرب لشعاراتها. ولكن الصوت الداوي أخذ ينفض التراب عنها، وبدأت دائرة الصوت تكبر وتنتشر. وخيل إليّ أنني أسمع الوطن العربي والبعد المترامي للشعوب الإسلامية وتلك المؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية تهتف معنا في ذلك المدرج باسم فلسطين وعروبتها وقداسة قضية العدل والحق والحرية فيها وكان ذلك كله بتأثير الأخوة من إيران الذين بدؤوا تلك العاصفة من حيوية الإيمان والتذكير والتأكيد على المطلب الأول لعرب اليوم.‏

في طهران استعدت روح المد العربي الأول، كما استعدت روح المد الأول للثورة الإسلامية التي ناصرت قضية العرب المركزية: قضية فلسطين وتساءلت: ما الذي جرى للعرب في السنين العجاف الماضيات حتى نسوا قضيتهم أو كادوا، وهرول من هرول منهم على أبواب العدو وأعتابه، وتناوم على الجرح من تناوم عليه، وأخذت تتردد في الحمى أصوات تناصر العدو من دون أن يثير ذلك فينا ما ينبغي أن يثيره من ثورة على الاستسلام والانهزام ومروجي مشروع العدو والناعقين باسم واقعية الخوف والهزيمة والموت والتعامل الباشّ مع نتنياهو وغلاة الصهاينة الذين يريدون كل شيء، ويريدون منا أن نبارك مجرد وارهم معنا؟!‏

في طهران: استعدت بعض حيوية الإيمان بأن القضية الفلسطينية مازالت تحتفظ ببعض أبعادها القومية والإسلامية، ومازالت تستقطب الإرادات على الحق والنضال من أجل توحيد الصف وتحرير الأرض والمحافظة على مكانة القدس؛ وفي طهران؛ أحسست بيد تسند يد بإخلاص وإيمان، وبقلب يتناغم مع نبض قلبي بتزامن وتكامل حول قضية عادلة، وبصف مؤمن بأنه لا يمكن أن يمسخ "السلام" تحت ضغط القوة، ويمسح وجه العرب والمسلمين من وطنهم التاريخي ومدينتهم المقدسة بهذه البساطة، حتى لو وجد من يستخدم رمزاً لذينك المسخ والمسح من الفلسطينيين والعرب.‏

كان مجرد إقامة هذا الاحتفال أحد المؤشرات لمن يقرؤون خط السير الواضح جيداً، وتأكيد على أن هناك طرقاً أخرى وأبواب أمل مفتوحة، وأن هناك استعداداً لعمل مغاير من أجل القوة والتحرير والكرامة، وأن هناك طرحاً مختلفاً، لذلك الذي يحاول التيار الانهزامي والمنهزم إشاعته بعقده مقارنة بائسة بين : الواقعية والمثالية ‍؟ إنه الاستعداد والطرح اللذان يقولان بأن القضية هي قضية صراع بين حق وباطل، وبين قوة غاشمة وكرامة دائمة، بين مشروع يهودي، عنصري، غربي، ومشروع عربي- إسلامي:‏

الأول: عدواني- غاز- مستعمر، موجه ضد تاريخ المنطقة وشخصيتها الحضارية، ضد عقيدتها وثقافتها وصلاتها ومصالحها.‏

والثاني: يحمي مهبطه الحضاري والجغرافي، ويدفع العدوان والتآمر عن أرضه ووجوده، يستعيد إيمانه وصحوته ووعيه، ويجمع ما يمكن أن يجمع من شتات قوته وصفه وموقفه ليواجه هجوماً استعمارياً عنصرياً غربياً مستمراً، لا توقفه إلا قوة منقذة، تقوم على أساس مكين من العلم والإيمان والعمل بهما، وتحويل جوهرهما وتفاصيلهما إلى سلوك وتعامل وعمل ومنافذ أمل تبقينا في ساحة الوجود قوة تحرك الوجود، وفي ساحات المواجهة الثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ذوي حضور قادر على الثبات والدفاع، وقادر أيضاً على تبرير الانتماء لتاريخ وحضارة وعقيدة وثقافة والاعتزاز به، حضارة لا يمكن أن يلحقها الموت مادام هناك وعي وكلمة وموقف وإيمان بالله والوطن والعدل والحرية.‏

في طهران، وفي يوم فلسطين الذي أقامته طهران، استعدت تأكدي من قدرتنا على العمل في عمق إسرائيل بعيد ما تناسيناه، أو فُرض علينا أن نتناساه، واستعدت شعوري بمدى التقصير الذي تم في السنوات الماضية، ذاك الذي أدى إلى تهديم جسور تواصل قائمة أو هجرها وتعطيل السير عليها بين وبين أخوتنا في بلدان العالم الإسلامي، والتوجه نحو مركزية الغرب الاستعماري من موقع الضعيف المهزوم، الذي يقلد القوي الغالب؛ وإعطاء الظهر للماضي بمناراته الهادية وللشرق والعالم الإسلامي اللذين تربطنا بهما صلات أمتن وأقوى وأنظف من كل ما ربطنا بالغرب الاستعماري من صلات.‏

هناك محطات مكانية وزمانية، وحتى لحظات وومضات روحية، تجعل عالماً روحياً حُجِب عنك ينكشف لك ويمتد أمامك برداً وسلاماً ونوراً يقهر ما يتطاول حولك من ظلام، محطات وومضات تنتشلك من وَهْدَة يتهاوى فيها الروح وتنحدر إلى درك عميق منها النفس، محطات وومضات تعيدك طليقاً من قيود صدئة، تلقي عنك اليأس وتهتك حجب ما يحاك حولك من قنوط؛ ومن تلك المحطات الومضات كان عندي يوم فلسطين في طهران؛ ليس لأنه أقيم لها هناك، وليس لما ضمَّ من حشد من حيث الكم والنوع؛ وليس لأنه أفضى إلى استراتيجية أداء تقضي على ما تراكم من إخفاق وتآكل وتراجع في مسارات الأداء النضالي على طريق تلك القضية الأساس من قضايانا المصيرية؛ ولكن لما حمله من مرامٍ ومعانٍ وما سجله من ثبات على المبدأ، وما ودل عليه من طريق للخلاص، قد تكون مضنية وطويلة ولكنها الطريق التي تفضي إلى امتلاك قوة منقذة على أرضية من التعاون والتواصل وإدراك أبعاد الخطر وسبل المواجهة وأدواتها والإمكانات التي يمكن أن توظف لها؛ ولأنه فتح الباب واسعاً أمام رؤية نوعية للشراكة المصيرية على أرضية المشترك العقائدي والثقافي والتاريخي بين العرب والمسلمين، ابتداء من الإيراني وانتهاء بآخر المسلمين وغير المسلمين ممن تعنيهم قضية الخروج من شرانق اليأس ومخططات التآمر التي يحوكها الغرب الاستعماري والصهيونية العنصرية اللذان يتسللان بتعاون وتنسيق بكل ثقة واقتدار إلى أماكن ومواقع مؤثرة في الشرق والغرب والشمال والجنوب؛ حاشدين لباطلهم التأييد، محققين مصالحهم التي تقوّي باطلهم وإجرامهم ضد الشعوب، بينما تستمر معاناة الضحايا وأنين المنتهكة حقوقهم وأبسط مقومات وجودهم وعيشهم؛ وهم يزدادون ضعفاً بتفرقهم وانصياعاً بتقاطرهم على أحواض الاستنزاف والاستهلاك الاستعماريين.‏

إن يوم فلسطين في طهران مناسبة لمراجعة الذات الفردية والجمعية، الوطنية القومية، في موضوع هو الأساس بالنسبة للنهضة والمستقبل والخلاص العربي- الإسلامي، من أشكال الذل والتبعية والإرهاب.‏

ومن أشكال العدوان واتفاقيات الإذعان، هو مناسبة لاكتشاف رد على من يطرح التنازل والتفريط في ظل الضعف والفرقة طريقاً وحيدة للعمل، متسائلاً عن البدائل خارج ذاك الذي لا يقدم له سوى الذل والخسران والبوار؛ وهو مناسبة لاكتشاف الآخر الشريك في الاستنزاف العدواني على الصُّعد كلها، وطرح موضوع الحوار معه لتعميق المشترك وتبادل المصالح والتجارب والخبرة، ولإيجاد سبل للتعاون تقلل من كلفة الجهل به والتجاهل له.‏

وهو مناسبة أيضاً للتعرف على كيف يفكر ذلك الآخر، الذي حصرناه لزمن طويل بالغربي والصهيوني فقط، متناسين البعد الحقيقي للآخر الإنساني، وكيف يرى ذلك الآخر الحلول والردود على المشكلات والأزمات والتحديات، وكيف يكون التعاون والتكامل الحضاريين بين الأمم والشعوب لا الصدام والموت والدمار فيما بينها، تلك التي اشتهرت بها "الحضارة" الغربية القائمة على رؤية المادي واغتصابه واحتكاره، وعلى تعامل مع الآخر في إطار القهر وليس في إطار التسامح والاحترام.‏

إن ذكرى اغتصاب فلسطين التي مرت عليها خمسون من السنين المرّة المشبعة بالهوان لنفوسنا نحن العرب وبالتهديد لأجيالنا وبالظلام أمام أبصارنا وبصائرنا، هي مناسبة لتعميق الإيمان بالحق وتعزيز الثبات على المبدأ ورفض صور الاستسلام والهزيمة، ولا سيما هزيمة الروح والإرادة؛ وهي مناسبة للتفكّر والتدبّر والعمل بأمل، وصولاً إلى تعزيز موقف المقاومة، وسبيل التحرير، والإيمان بالمستقبل؛ هي مناسبة لاستخلاص النتائج والعبر التي تقود إلى نجاح أفضل في طريق المواجهة، وليس إلى تكريس مسارات الهزيمة والاستسلام التي نراها في صور الاعتراف بالعدو الصهيوني، واتفاقيات الإذعان له، والترامي على فتات من حقنا بعد رميه لنا في وحل الذل، كما نراها في أشكال التفاوض التي تقود إلى مزيد من الاستسلام لتراخ قومي مهلك على جبهات المواجهة كلها، وعلى رأسها الجبهة السياسية والثقافية والعسكرية.‏

فهل يحق لنا، ونحن نقرأ العزم في وجوه أخوتنا، أن نبني أسس العزم من جديد في أعماق قلوبنا وفي أداء سواعدنا، وفي خطط وتوجهاتنا التربوية والعلمية والثقافية، استناداً إلى جوهر حقنا ومنظومات قيمنا وسمو عقيدتنا وتاريخ أمتنا، وعمق صلتنا بالأرض والعدل والحرية والكرامة؟!‏

إن سؤال قضيتنا ليس هو سؤال الواقع المتهالك المرّقع البائس، والمثال المترامي في الطوباوية على أرضية الضعف البادي لأسباب مختلفة، وإنما هو سؤال الحق في مقابل الباطل، والتاريخ المتماهي مع الجغرافية في بوتقة الإيمان والثقافة، على أرضية من المعطيات الواقعية التي تغير واقعنا إذا ما أحسنا توظيفها توظيفاً سليماً انطلاقاً من العلم والإيمان والعمل بهما بأمل.‏

والله من وراء القصد.‏

الأسبوع الأدبي/ع612//30/5/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244