صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

نفاق الغرب وتواطؤه ودماء مسلمي البوسنة

تدفق الدم البريء على أرضية التطهير العرقي البشع على أرضية دينية، وتعاظم الظلم والاضطهاد والبؤس البشري، وتمازج العجز والتواطؤ أو تقنع التواطؤ القذر بالعجز، ذلك أبرز ما أظهرته أحداث البوسنة والهرسك منذ أعلنت تلك الجمهورية استقلالها واعترفت الأمم المتحدة بذلك الاستقلال، بعد تفكك يوغسلافيا السابقة وانهيارها.‏

وعلى أرض تلك الدولة ذات الأكثرية المسلمة التي يمارس مواطنوها من الصرب والكروات وظائفهم بأمان واطمئنان حتى الآن، على أرضها تتم أبشع الممارسات ضد المسلمين من قبل الصرب بالدرجة الأولى ومن قبل الكروات في بعض الفترات، ويتم ذلك في الملاذات الآمنة التي أعلنتها الأمم المتحدة، من دون أن تتحرك تلك المنظمة الدولية لحماية أحد أو إنقاذه، ودون أن تكلف نفسها حتى بإصدار قرار من رخيصها غالي بوقف هجمات الصرب ذات الطبيعة الصهيونية -النازية ببعض الضربات الجوية الوقائية.‏

وقد كشفت تلك المأساة الإنسانية الفظيعة عجزاً وتواطؤاً دولياً في المنظمات والمحاور التالية:‏

1-الأمم المتحدة التي:‏

-فرضت حصاراً على تصدير السلاح على يوغسلافيا السابقة، لم ينفذ بدقة إلا ضد سكان البوسنة والهرسك الذين يبادون عرقياً من قبل الصرب العنصريين من دون أن يتاح لهم الدفاع عن أنفسهم.‏

بينما يتزود الصرب بالسلاح من صربيا وروسيا واليونان وإسرائيل وغيرها بوضوح وعلانية ولا يردعهم أحد.‏

-أقامت مناطقة آمنة في: سراييفو -غوراجدة- سربرنيتسا- بيهاتش، على الخصوص، وكلها أماكن تجمع سكاني للمدنيين العزل من المسلمين في البوسنة والهرسك، ولكن المنظمة الدولية لم تستطع أن توفر لأولئك السكان سوى الهلع والرعب والتصفية الجسدية المنظمة المدروسة حتى لتبدو كأنها شريك كامل الشراكة في برنامج الإبادة العرقية الذي يشنه الصرب المتصهينون /ممارسة ونزوعاً عدوانياً وبرنامجاً عسكرياً/ ضد المسلمين.‏

وفي الوقت الذي يتعرض فيه أولئك الأبرياء للقتل والتشريد، وتتعرض نساؤهم للاغتصاب والعذاب، وينتقلن من مكان إلى مكان مع أطفالهن ومعاناتهن، لا تقوم المنظمة الدولية بأي فعل من شأنه أن يخفف الألم أو يوقف الموت.‏

-أخذت جانباً من القرار العسكري إضافة إلى القرار السياسي، فلا تقوم القوى الدولية الموجودة في البوسنة والهرسك بأي عمل عسكري إلا بعد موافقة الأمين العام الذي يبدو على رأس المتواطئين عرقياً مع الصرب إلى درجة تبعث على الاشمئزاز.‏

ولا يمكن أن نصنف موقف الأمم المتحدة ذاك بشعبه العديدة على أنه موقف العاجز وحسب، فرائحة التواطؤ تنبعث من كل دقيقة صمت، ومن كل موقف متخاذل، ومن كل قرار يعطي مهلة بعد مهلة للصرب، ويوجه إنذاراً مستخذياً بعد إنذار، كأن الهدف تمديد المهلة للصرب لينجزوا عملية الإبادة الشاملة للمسلمين في البوسنة والهرسك، وقد لمسنا شيئاً من ذلك في سلوك تلك المنظمة وصانعي قرارها الفعليين أثناء اجتياح "إسرائيل" للبنان وحصارها لبيروت... المراحل ذاتها والخطا ذاتها والقرارات ذاتها والرائحة الكريهة ذاتها.‏

2-الدول الأوروبية وحلف الناتو:‏

لقد دخلت الدول الأوروبية دخولاً قوياً على قضية البوسنة والهرسك حيث اعتبرتها قضية أوروبية، وأنها أولى بحلها من سواها. ولم تسمح لغيرها من الدول بالتدخل، ووضعت قوات لها في الملاذات التي أعلنتها الأمم المتحدة ملاذات آمنة، وتولت تأمين وصول إمدادات الغذاء والدواء للمحاصرين.‏

وقد نجحت تلك القوة في أن تفرض على مسلمي البوسنة والهرسك:‏

أ- حصاراً دقيقاً حيث لا يصل إليها أي نوع من السلاح عملاً بقرارات الأمم المتحدة ولم تفرض مثل ذلك الحصار على الصرب والكروات.‏

ب- شلت كل فعالية لردع الصرب الذين يهاجمون المناطق الآمنة وسواها وشكّلت قوة دفع للعدوان الصربي بأشكال مختلفة. وتمكنت الخلافات الفرنسية - البريطانية على الخصوص، حول القرارات الواجب اتخاذها والسبل الأنفع والأجدى(؟!) من جعل أفضل ما تمارسه الأمم المتحدة هو الانسحاب والتهديد به..‏

جـ- منعت تلك الدول المؤازَرة من قبل حلف الناتو، منعت أية مساعدات من أي نوع يمكن أن تأتي إلى مسلمي البوسنة والهرسك، وشكلت غطاء دولياً شاملاً للمذابح والاغتصاب والتشريد، الذي كان يتم تحت سمعها وبصرها، وشاركت على نحو مباشر أحياناً في الأحداث السلبية وحوّلت عناصرها العاملة هناك إلى عناصر ناشرة للفساد والانحلال والرعب، فقد ثبت أن جنوداً تابعين للأمم المتحدة كانوا يمارسون التهريب ويتاجرون بالدعارة ويخضعون البوسنيين البائسين لظروف الابتزاز والقهر تلك.‏

3-الولايات المتحدة الأميركية التي:‏

تشكل العصب والرأس في حلف الناتو، وتدخل مع حلفائها على خطوة قضية البوسنة والهرسك، وتحاول تلك الدولة الأعظم ممارسة النفاق الأكبر في تلك القضية.‏

فهي تعلن أنها غير راضية عما يفعله الشركاء الأوروبيون في البوسنة والهرسك وتبدي عدم ارتياحها لما يقومون به من أفعال لا تؤمِّن الناس ولا تؤمِّن حلاً لتلك القضية. ولكنها لا تبدي أي استعداداً من أي نوع للتدخل لإنقاذ المسلمين من المذابح أو لحماية الأماكن المعلنة أماكن آمنة هناك.‏

-وتقيم جدلاً ونزاعاً بيروقراطيين شكليين بين الجمهوريين والديمقراطيين أو بين البيت الأبيض والكونغرس، أساسه وجوهره حملات الرئاسة الانتخابية في الولايات المتحدة، ويقوم على أساس "خُلُقي أميركي في الإعلام" ومعنى الأساس الخُلُقي في الولايات المتحدة هو بالضبط: "المصلحة المادية الأميركية الخالصة". ويدور ذلك النزاع حول موضوع: السماح بتصدير السلاح للبوسنيين ليدافعوا عن أنفسهم أو إبقاء الحظر والحصار الصادرين بقرار من الأمم المتحدة قائمين.‏

الرئيس كلينتون يقول إنه لن يرفع الحصار والحظر من جانب واحد، فلا بد أن يكون القرار قرار الحلفاء والشركاء الأوربيين في حلف الناتو، لأن فرنسا وبريطانيا سوف تنسحبان من البوسنة والهرسك إذا ما أعلنت أميركا رفع الحظر عن السلاح من جانب واحد، ومعنى هذا من وجهة النظر الأميركية الدخول في مسؤولية عن الحرب في البوسنة والهرسك، وليس لأميركا مصلحة في ذلك.‏

بينما يقول بوب دول ممثل الجمهوريين بضرورة رفع الحظر وإرسال السلاح إلى البوسنيين ليدافعوا عن أنفسهم، وتحت مظلة "الأخلاق" وهو يرمي إلى إحراج كلينتون سياسياً وداخلياً لأن هذه المقولة أصلاً هي التي كان يرفعها كلينتون بوجه الرئيس جورج بوش ليحرجه وليكسب انتخابياً قبل أن يصل كلنتون إلى الرئاسة.‏

وتضيع الدماء المسلمة في هذه الدوامة الانتخابية الأميركية التي لا يعنيها سوى المصالح الأميركية الخالصة ولا يعنيها إطلاقاً أي حس خُلُقي من أي نوع كما لا تعنيها العدالة والديمقراطية والحرية وكل هذا الكلام "فارغ" لأن تلك ذرائع أميركية للحصول على المنافع أو للتدخل في شؤون الغير وصولاً إلى المنافع والمصالح وليست بأي حال من الأحوال ثوابت مبدئية أو أخلاقية، فالأخلاق الأميركية توجز تماماً في الدولار والتسلط فقط.‏

-تبدي الإدارة الأميركية استعداداً مؤكداً لتقديم القوة الأميركية اللازمة لحلف الناتو وللأمم المتحدة في حال تقرر الأمم المتحدة والدول الأوروبية المشاركة في البوسنة والهرسك (فرنسا -بريطانيا- هولندا) الانسحاب وتلك القوة تكون قوة حماية للقوة الدولية لتأمين الانسحاب وليست قوة حماية للبوسنيين أو المدنيين الذين يبادون في كل دقيقة.‏

كما تبدي الولايات المتحدة استعداداً لتقديم الدعم المالي اللازم لقوات الأمم المتحدة والشركاء الأوروبيين لتأمين المصاريف وتقديم بعض المساعدات الغذائية للمحاصرين البوسنيين، وقد بلغ ذلك حتى الآن /90/ مليون دولار تقريباً، وتعلن الإدارة الأميركية بوضوح أنه ليس لها مصلحة في إرسال جنودها للقتال ولا في "أمرَكَة الحرب - البوسنية" على الرغم من إعلانها بأن ما يجري في البوسنة والهرسك فظيع وأنه قد قتل /200.000/ قتيل هناك خلال السنوات الأربع الماضية، وأن مسلك الصرب فظيع حتى بالمقاييس البوسنية -وهذا يعني أن المقاييس الأميركية أرفع وأسمى.‏

إن الولايات المتحدة "خُلُقية" حسب مقاييسها ومصالحها ومنافعها، وهي لا تجد من يدفع تكاليف الحرب في البوسنة والهرسك، ولا تجد نهراً من الدولارات والبترول يتدفق من هناك لتسارع إلى حمايته وإسباغ الثوب الخُلُقي الأميركي عليه. إنها تجد فقط نهراً من الدم المسلم وسيولاً من البؤس البشري الإسلامي، وما لا نهاية له من الرعب يلاحق "قطعاناً" من النساء والأطفال والرجال الذين ينتمون إلى عقيدة ليست عقيدتها وإلى فئات من الناس تتمنى -على طريقة إسحق رابين الصهيوني مع غزة - أن تستيقظ لترى البحر وقد ابتلعهم جميعاً.‏

وهكذا نجد في مأساة مسلمي البوسنة والهرسك تواطؤ أربعة أطراف، إذا ما قسنا الأمور بنتائجها وهي:‏

-الصرب العنصريون الذين يريدون "تطهير" البوسنة والهرسك من المسلمين وأخذ الأرض نظيفة، ومنع إقامة دولة مسلمة في أوروبا. وتشاركهم هذه السياسة والرغبة أوروبا بشكل عام وحتى الفاتيكان الذي لا يرغب في رؤية دولة مسلمة في أوربا هو الآخر.‏

-الأوربيون الذين أرادوا أن يحققوا هذا الهدف المشترك من قبل الصرب ووفروا لهم الحماية والغطاء السياسي والإعلامي والعسكري، وتباكوا عند اللزوم على الإنسانية.‏

-الأميركيون الذين يسرهم في الأعماق زوال البوسنة والهرسك ولكنهم لا يستطيعون إظهار ذلك أو إعلانه، وهم الدولة الأعظم التي قادت حرباً عالمية من أجل تثبيت دول.‏

والأميركيون يحافظون بمهارة -من خلال النفاق الكبير- على صورة خُلُقية بمقاييسهم الخُلُقية، ولا يرون اهتزاز هذه الصورة بنظر الآخرين.‏

-الأمم المتحدة التي تعتبر مطية فعلية للغرب الاستعماري.‏

-الولايات المتحدة التي أسبغت شرعية على التصفية العرقية من خلال وجودها غطاء وآمراً ومعوّقاً.‏

-الأوربيون الذين تربطهم صلات عميقة بالصربيين والكروات والذين يريدون زوال كل المسلمين أفراداً من أوروبا فكيف بهم يرون دولة تقوم هناك؟! وهم يشكلون الغطاء الفعلي لعمليات الإبادة والحاجز الذي يحول دون إنقاذ المسلمين من الإبادة، أو خروجهم بعيداً عن حقول الرمي اليومي والإذلال والإبادة الروحية والجسدية ليكون ذلك أمثولة وأنموذجاً للآخرين في كل أنحاء العالم، وقوة ردع لكل المسلمين، يقدمها الغرب لإحداث الخضوع والاستكانة والتسليم.‏

أما القوة الأخيرة التي كشفتها، أو عرّتها أحداث البوسنة والهرسك فهي الدول الإسلامية جميعاً ودول عدم الانحياز وما يسمى ببلدان العالم الثالث، فهذه الدول جميعاً أثبتت أنها تابعة للغرب ولا تستطيع أن ترفع السكين عن رقابها فكيف بها ترفعها عن رقاب سواها. إنها دول لا تملك حتى أن ترفع صوتها عندما يذبح سواها أو تذبح هي.‏

فهل يبقى العالم اليوم بهذا البؤس الذي تظهره على حقيقته وفي حجمه الفظيع مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك؟! إنه سؤال مطروح على البشرية جمعاء، وليس موجهاً إلى الدول الغربية وعلى رأسها أميركا.. تلك التي كرّست تخلفها الخُلُقي وبؤسها الروحي وتواطؤها العنصري من خلال أحداث البوسنة والهرسك. ولا يجوز لها بعد الآن أن تتحدث عن الأخلاق والعدل والحق والحرية والديمقراطية والإنسانية، فلقد فجعت البشرية بمفاهيم الغرب عن هذه الأمور وبممارساته القبيحة المتعلقة بها، فهل نرى الغرب بعد ذلك حضارياً ومتقدماً؟! نعم في مجالات الإبادة والقوة الغاشمة، ولا، ثم لا ثم لا في المجالات المبدئية والإنسانية والخُلُقية والروحية.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244