صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

نداء مؤتمر القمة

"القمة العربية" الشاملة، نداء تحمله الريح السياسية وتعيده إلى منطلقه في دورات صحراوية، تشكل خضم الرمال العربية المتحركة؛ ومن قمة القاهرة الأخيرة -حزيران 1996- وحتى اليوم تصاعد ذلك النداء وخبا مرات ومرات؛ وها هو يتعالى اليوم، فهل ينتهي إلى استماع فاجتماع؟!‏

لقد بقي على الاستمهال الأميركي، الذي تمَّ في عمّان بين بيكرنغ وولي عهد الأردن، ثلاثة أو أربعة أيام، تنجز فيها الإدارة الأميركية وعداً بانتزاع موقف من حكومة نتنياهو بتنفيذ انسحاب بنسبة 13,1 % من الضفة الغربية تطبيقاً لمرحلة من مراحل اتفاق أوسلو، سواء أتمَّ ذلك على مرحلتين (9+ 4%) أو على مرحلة واحدة؛ وهو الاستمهال الذي يلغي مبرر عقد القمة إذا ما تحقق خلاله إنجاز "الوعد"، فهل يلغي ذلك القمة ومسوِّغاتها وهل يؤدي إلى أن يبتلع المنادون بعقدها، لتكون وراء أوسلو ومن أجلها، هل يبتلعون ألسنتهم وينسون نداءهم وكل مبرراته إذا ما تحقق لهم ذلك؟!‏

علينا ألا نستغرب إذا ما تمَّ ذلك، فنداء القمة ينطلق في هذه الدورة من دورات الريح الصحراوية " لإنقاذ عملية السلام "أي إنقاذ أوسلو عملياً، التي أصبحت تعني عند الكثيرين من الساسة العرب عملية السلام برمتها، وهذا الإنقاذ أخذ يرتبط في أذهانهم بتنفيذ انسحاب بنسبة 13.1 % من أراضي الضفة الغربية، بعد الصدمات "البافلوفية" التي صنعها وقدمها الثلاثي‏

(الإسرائيلي -الأميركي- العرفاتي) على مدى أشهر والتي هيأتهم لذلك؛ ومن الأفضل إلغاء قمة تعقد لهذه الغاية وتشكل مظلة جديدة لمخططات صهيونية تتشرَّبها السلطة الوطنية الفلسطينية ثم تتمثّلها وتعيد إنتاجها فلسطينياً وعربياً، فتغدو "مطلباً ثورياً إنقاذياً" يحتاج إلى التفاف الأمة كلها حول أوسلو -الكارثة لإنقاذها من الفناء؛ وإنقاذ أوسلو يعني إنقاذ وادي عربة وعدم إحراج التطبيع -التحالف الأردني- الإسرائيلي ؛ وفي تقديري أن هذا المسوّغ من مسوّغات القمة سوف يلغى ممهداً لإلغاء القمة أو تحجيمها، لأن الإدارة الأميركية المتواطئة دوماً مع الكيان الصهيوني المحتل ـ مهما كانت واجهة الحكم فيه - سوف تنفذ وعدها في ظل "تكتيك" متقن يمارسه صنّاع القرار الصهاينة في المواقع النافذة الرأي والإرادة سواء في الولايات المتحدة أو في فلسطين المحتلة؛ وحين يتحقق ذلك تمتد موجة عاتية من الدعاوى الإيجابية ذات الإطناب "بإسرائيل"، التي "أنقذت عملية السلام" باستجابتها بعد تردد كبير مصدره "الخوف على أمنها" وهي تستحق لذلك "دعماً غربياً بل عالمياً مطلقاً" لأنها" غامرت من أجل السلام". ولا بد أن تخفف عنها "مخاطر المغامرة"؟!‏

وبهذه الصادّات للريح السياسية العربية يعود نداء القمة متخافتاً إلى منطلقه أو مبتدئه؛ ليتردد بعده شعار: إن الظروف الحالية غير ملائمة لعقد قمة عربية ناجحة!!‏

هذا الموَّال السقيم ألفناه وسئمناه، وإذا كنا نتمسك من قبل ومن بعد بعقد أي قمة: شاملة أو موسعة أو مصغرة ونصرُّ عليها، فلأننا لا نريد لهذه المؤسسة أن تموت كما لا نريد للعمل والتضامن العربيين، في حدودهما الدنيا، أن ينتهيا؛ ولأن ذلك كذلك فلا مناص من طرح بعض الأسئلة والتساؤلات على هامش نداء القمة، وحالة النزع الأخير لاتفاقية أوسلو، ومن الأسئلة:-لماذا يحرص أهل اتفاقيات الإذعان ومن لفّ لفّهم على حصر جدول أعمال القمة بموضوع أوسلو وتطبيق مراحلها، ولا يلتفتون إلى مسارات عربية أخرى؟‍‍ ولمَ لمْ يتنادوا، ولا يتنادون، للاجتماع حين تتعطل مسارات عربية أخرى طويلاً، إذا كان يهمهم فعلاً وضع عربي شامل وسلام عادل وموقف عربي متكامل من هذه القضية المصيرية قضية فلسطين؟!‏

- ولماذا يُبْعِدون عن أنفسهم، بكل الوسائل، كلَّ صيغة اجتماع أو عمل أو قرار يشتمّون منها رائحة التزام قومي يتعارض مع مصالحهم الضيقة والتزاماتهم تجاه العدو الصهيوني، التي ترتبها اتفاقيات ثنائية تمت خارج حدود الاجتماع والتنسيق والتشاور الرسمي العربي، بل وضد مصلحة أقطار أخرى والمصلحة العربية العليا وخارج حدود القبول الشعبي العربي بشكل عام؟!‏

- ولماذا يجدون في علاقاتهم مع العدو الصهيوني: "رصيداً للعرب ينبغي ألاّ يُمس"، وفي تطبيع العلاقات معه، الذي غدا في بعض المواقع تحالفاً تاماً ضد الأمة العربية وبعض أقطارها، لماذا يجدون في ذلك أمراً لا يجوز أن يبحث، ولا يجوز أن يطلب منهم التوقف عن تنميته وتطويره، مغطين مواقفهم بعلاقات "والتزامات دولية" يضعونها فوق القومي بمراحل؟!‏

ولماذا تكون التزاماتهم مع العدو، التي كرستها اتفاقيات الإذعان، أعلى درجة من التزاماتهم بميثاق الجامعة العربية واتفاقيات الدفاع المشترك والسوق العربية المشتركة، ومن كل ما يرتّبه الانتماء القومي والعمل القومي معاً من مسؤوليات وتبعات؟!‏

- وإذا كنا ندخل القمة العربية ونحن قلوب شتى وصفوف شتى ونيّات متضادة وإرادات تقيدها اتفاقيات والتزامات مع الصهيوني والأميركي والغربي هي " فوق الالتزامات العربية" فما الذي يمكن أن توصلنا إليه القمة، ولماذا نعقدها على هذه الأرضية من الغبن والغش؟! إن قمة عربية تحدد مساراتها وتوجهاتها وصيغ قراراتها تعاقداتٌ مع المحتل والمستعمر والغربي المتآمر على الأمة لن تستطيع تحرير إرادة؛ بَلْه تحرير أرض، ولن تصون كرامة، بَلْه صيانة حق أمة وصيانة مقدساتها في فلسطين المحتلة من العبث الصهيوني المستمر والتآمر الغربي المكشوف.وهذا لا يعني أننا ننفُض أيدينا أو ينبغي أن ننفضها من القمة، بل يعني حرصاً عليها وعلى سلامتها وقوتها ومصداقيتها .‏

وفي مساحة هامش التساؤلات يتكاثف شوك الحلق في مجرى القول ليجرّح الكلمات التي لا تُحب لتتابع طرح الأسئلة أو التساؤلات:‏

- أليس من الأمور الجوهرية والمصيرية والضرورية انعقاد قمة عربية شاملة، لتحقق وفاقاً واتفاقاً عربيين في وطن يعاني منذ بداية هذا العقد من انقسام خطير ما زال يشدُّ حبال كثيرٍ من الأقطار والأنظمة إلى مراسي الأعداء وإلى الغرب الاستعماري؛ ويجعل مواقع استراتيجية من الأرض العربية قواعد للأجنبي أو مراتع لاستغلاله وابتزازه؛ ومواقع ثانية منها محاصرة بأشكال القهر والموت، ومواقع ثالثة تَلُوبُ بين الرمضاء والصحراء، وتجعل كل الأمة عملياً في حالة تآكل وتبعية وبؤس وتضاد تؤدي جميعاً إلى ضعف عربي يضاعف من قوة أعداء العرب والطامعين بهم؟‍‏

- أليس من الأمور الجوهرية والمستقبلية انعقاد قمة عربية يكون على جدول أعمالها أهم ما يواجه الأمة من تحديات العصر والتقدم العلمي والتقني، وزحف العولمة، ومصير الأقطار القزميَّة "الميكرو" في عالم التكتلات الضخمة: بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً؟‍؟‏

- أليس من الأمور المصيرية والمستقبلية انعقاد قمة عربية تناقش بمسؤولية قومية موضوع: التحالفات التي يقيمها العدو الصهيوني برعاية الغرب الاستعماري ومشاركته ضد أقطار عربية ومصالح عربية؛ وتناقش أيضاً وضع المقاومة ضد الاحتلال، تلك التي تستمر في لبنان وفي فلسطين المحتلة من دون مناصرة تذكر منذ سنوات، على الرغم من تعاون الصهاينة وسلطة الحكم الذاتي وقوى أخرى ضدها، وهي مقاومة مشروعة تدافع عن حق تاريخي وثوابت مبدئية ومقدسات عربية وإسلامية، وعن أرض وشعب ووطن؟ أليس من اللائق والضروري دعمها بدلاً من وصمها بالإرهاب والمساعدة على تشويه صورتها في الإعلام، والصمت عن جهادها ومعاناة أفرادها؟‍ والمؤلم أن يتشمرخ السؤال لماذا قامت قيامة الوطن العربي والعالم مع قضايا مناضلين أقل قيمة وأضعف قضية وموقعاً في عقود سابقة، وتبتلع اليوم أنظمةٌ وأحزابٌ ومؤسسات وشخصيات ألسنتها، حين يتعلق الأمر بمقاومة العدو الصهيوني وممارساته واحتلاله، سواء أكان ذلك في جنوب لبنان أم في فلسطين؟!‏

- أليس من الأمور الجوهرية أن تعقد قمة عربية تؤسس لمصالحة عربية شاملة، وتعاون وتكامل عربيين يؤديان إلى خطط استراتيجية تتعلق بمستقبل شباب هذه الأمة، وبإيجاد عمل وأمل لهم، وفتح كل أبواب الوطن أمامهم، واستعادة المغترب منهم وماله وثقته بأرضه وأنظمته ومستقبله، لنؤسس لرؤية مستقبلية على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما والانتماء القومي وتجسيده عملياً في أنواع الأداء والحلم والأمل؟!‏

- أليس من الأمور الملحة عقد قمة عربية، على أدنى أرضية من الثقة المتبادلة، لمناقشة أخطر قضية يُسكت عنها، وهي امتلاك العدو الصهيوني للسلاح النووي واستمراره في تطوير هذا النوع وسواه من الأسلحة ذات القوة التدميريَّة الشاملة، في ظل تواطؤ وتشجيع غربيين وتآكل عربي عام حتى للإحساس بالخطر الذي يتهدد الوجود والقضايا الكبرى والبيئة وكل أمل في حياة وأمن واستقرار في هذه المنطقة من العالم، جراء وجود تلك الأسلحة بأيدي عنصرية صهيونية ذات مشروع توسعي - استيطاني، لا يتوقف إلا إذا تنازلت الأمة عن كل شيء وأسلمت قيادها للمحتل والمستعمر؟!‏

ولنا أن نتمتم، على هامش هذا التساؤل بتساؤل مُرّ:‏

"أمن أجل ضمان الالتحاق بصف القوي، حتى لو كان عدواً، تتمُّ الاتفاقيات ويتمُّ التطبيع وتتمُّ التحالفات مع الكيان الصهيوني، لتأمين مستقبل نظام أو شخص، على حساب تدمير الهوية القومية والمستقبل القومي كله؟!‏

- أليس من الأمور المصيرية أن تناقش قمة من هذا النوع وفي هذا المستوى موضوع التجارب النووية التي تنتشر من حولنا، وتحدد موقفنا من ذلك وما ينبغي أن يكون لنا من تصرف، ونحن في أتون هذا الوضع، شئنا ذلك أم أبيناه؟!‏

إن الأسئلة مُرّة والتساؤلات أكثر مرارة، ولكن الأنكى والأمرَّ من ذلك كله أن هذه الأمة التي مرت بتجارب قاسية ودروس صعبة في هذا القرن، ومضى على ما كانت تسميه "الصراع العربي الصهيوني" وفقدها لفلسطين خمسون عاماً، لم ترسخ بعد مؤسسة قومية قوية يجري العمل فيها باحترام لقوانينها من جهة ولمصلحة الأمة وسيادتها وحقوقها وحرية أرضها وقرارها والبشر فيها من جهة أخرى.‏

والمؤسف أنه حتى مؤسسة القمة، الأرفع من بين المستويات والاهتمامات والمسؤوليات، لا يوجد ما يحكمها من معايير تجعل الجزء يستشعر الأمن من جوع وخوف في ظل الكلِّ، ويشعر برهبة أن يخرج عليه ويتغرَّب خارجه، بَلْه أن يتآمر عليه ويتاجر به وينخر بُنيته كالسوس من الداخل غير آبه بالمصير العام، لأنه "يظن" أنه اطمأن على مصيره "الخاص"، ضارباً عرض الحائط بكل المقومات التي تجعلنا جميعاً في مركب واحد.‏

إن " نداء القمة العربية" جزء من حال استشعار وجود الأمة، ويكاد يكون نداء استغاثة أحياناً؛ فمتى نحوّل هذا النداء الرَّعوي إلى معطى حضاري راسخ له أصالته وأصوله؟! إنه سؤال يرتفع كلما اشتدت وطأة التآمر والنفاق العربي من جهة، وكلما ازدادت صور التملُّص من الانتماء القومي وما يرتبه، وكلما بدت ملامح الخطر في الأفق من جهة أخرى؛ وهو سؤال، في ظروف طرحه وتجليه المرتبطة بما سبق وأشرت إليه، يبقى معبّراً عن عاطفة تحتاج إلى مؤسسة العقل وأحكام المنطق ومعايير الخلق والمصلحة التي يعرفها العرب وعليهم أن يعملوا بها، لنقيم البنيان على أساس، ولنرفع مدماكاً فيه فوق مدماك، جيلاً بعد جيل؛ لكي نكفُّ عن البناء العشوائي والتدمير الأعشى اللذين يحكماننا منذ عقود.‏

فهل إلى ذلك من سبيل؟!‏

الأسبوع الأدبي/ع613//6/6/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244