|
اغتصاب فلسطين مرة أخرى
لم يكن جرح الأمة المزمن، منذ اغتصاب فلسطين إلى اليوم هو السبب والأداة الجارحة بل حال الأمة بعد كل هذه السنين وانحجاب الرؤية أو تشوشها وتضاد تياراتها في مسارات العمل القومي المنقذ على طريق قضية هي الأعدل والأقدس والأسمى بين قضايا العصر؛ واستمرار التهافت عاماً بعد عام، وحالاً بعد حال، وموقفاً بعد موقف؛ الأمر الذي يجعل السؤال: هل نحن نعيش ونعي فعلاً ما يدور من حولنا، أم أننا مجرد كتل لحم فقدت الذاكرة والرؤية وأخذت تكرج في منحدرات التاريخ لتسجل انهياراً بعد انهيار؟!
الألم ممض، ولكنني على الرغم من ثقل الألم، أملك بحمد الله ضعف حجمه من الأمل، واستناداً إليه وانطلاقاً منه فإنني لا أريد لهذه المناسبة ـ مناسبة مرور خمسين سنة على اغتصاب فلسطين ـ أن تتحول إلى مناحة وإيقاع تفجّع يقودان إلى بؤس توجّع؛ وإنما أريد لها أن تكثُف وعياً وتعزز موقفاً، وتستقرئ خبرة وتنير بالبصيرة درباً للخلاص، وأن تنعش الذاكرة والوجدان بكل معطيات الصراع العربي- الصهيوني، لنحافظ على ثوابته وتجدده بوصفه صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على حدود.
لم يكن نضالنا على طريق فلسطين خطأ أو عدواناً أو مكابرة أو انسياقاً وراء أسطورة أو وهم، بل كان النضال الحق من أجل الوطن والعدل والكرامة، وكانت تضحياتنا تولد التضحيات وتسوغ بذل الجهد في الجهاد من أجل الحرية والتحرير. ففلسطين لنا عبر التاريخ، وفلسطين لنا مدى التاريخ، ولكن هذه الحقيقة المزدوجة تحتاج إلى قوة تحميها وتقيم قوامها، والحق من دون قوة همس يضيع بين ضجيج القوى التي تكرس حقائق على الأرض.
لا أريد أن أستعيد التاريخ لهذه القضية فهو معروف جيداً، ولا أريد أن أتحدث عن طبيعة الصهيونية العنصرية وممارساتها الإرهابية فالأمر أكثر من مؤكد ومعروف؛ وقرار الأمم المتحدة /3379/ كان استخلاصاً للواقع ولن يزول لأن طبيعة الصهيوني الباقية تؤكده في كل لحظة وفي كل ممارسة ؛ وهي ممارسات إرهابية مستمرة على أساس اعتقادي تلمودي من يشوع بن نون إلى باروخ غولدشتاين ونتنياهو وكل الآتين على طريق اليهودية ـ التلمودية.
وإذا كنا نقول بمرور خمسين سنة على اغتصاب فلسطين فهي خمسون سنة من الإرهاب الشامل والمستمر ضد شعبنا، مارسته الصهيونية بدعم من الغرب الاستعماري والشرق المتعاطف مع مشروعها، وبرعاية مستمرة لهذا الإرهاب من الولايات المتحدة الأميركية الراعي الأول للإرهاب في العالم، والمفلس الأخلاقي والروحي الأكبر، والمتاجر الأول بحقوق الإنسان والديمقراطية وسائر الشعارات الإنسانية، التي تُوضع في التداول خدمة للمصالح الأميركية والصهيونية وتُسحب منه خدمة لهما، وتوظيف لجلب الدولار وتعميم الاستعمار بشكله الحديث.
ونحن اليوم، بعد مرور خمسين سنة على اغتصاب فلسطين أي خمسين سنة من ممارسة كل أنواع الإرهاب والإبادة البطيئة ضدنا، تدنت مطالب واهتمامات وتطلعات أكثرية أنظمتنا، ومن يدعون تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية من بين أنظمتنا ،إلى درجة انحصرت معها في ملاحقة العدو المحتل ليوافق على إعطاء ذلك البعض /3% / من مجمل فلسطين في مقابل أن يوقع له صكوك اعتراف بحق له في كل فلسطين، ويتعاهد ويتعاقد معه على :
ـ إبقاء مشروعه الصهيوني التوسعي-الاستيطاني في صعود، إلى أن يبلغ مداه المفتوح على الزمن والقوة والهجرة والأرض العربية.
ـ اضمحلال مشروعنا القومي النهضوي- التحريري وتهافته إلى درجة أن نبقى نلهث وراء المحافظة على مجرد الإطار البائس الذي يضم فسيفساء القطر الواحد والمصلحة الضيقة والأنانية المتورمة، حتى لا يتحطم ذلك الإطار، بعد الأحلام الكبرى بالوحدة ؟!!.
فالقضية المركزية للأمة العربية التي تتطلب الوحدة والقوة والحرية وسلامة الرؤية وشمولها تحولت على أيدي سدنة السياسة في هذا الوقت إلى قضية خاصة جداً جداً بدايتها ونهايتها : أوسلو وعرفات وسلطة الحكم الذاتي المحدود في غزة وبقية الجزر البشرية المتآكلة في الضفة الغربية، ورصيدها القومي : أنظمة تفترس شعوباً، وأخرى تداري وضعها مع الشعوب، وثالثة تبني وينهدم بين يديها أساس البناء، وتحاول أن تحافظ على ما تبقى من إرادة وذاكرة وعزم، وتقاتل على جبهات عدة وتبقى محكومة بالمعطيات والمتغيرات العربية والدولية، ولو إلى حين.
وانطلاقاً من هذه الأرض ومن تربة الواقع والوعي به، وفي مساحات عطائها ووجودنا الحي فوقها، نريد أن نؤسس لاستعادة حقنا وتجدد حلمنا المشروع: بنهضة وقوة ووحدة وكرامة.
فهل نستطيع أن نفعل ذلك، ونتوجه نحوه ولو بعد مرور خمسين سنة من النكبة.. النكسة.. الهزيمة....إلى آخر مفردات قاموس العرب الحديث؟!
إنني أتطلع إلى بداية تقوم على أساس متين من الثقة بالنفس وبالنصر، وعلى أساس متين أيضاً من الثقة المتبادلة فيما بيننا لننطلق نحو عمل مثمر بعد القحط الذي شمل كثيراً من السنين الماضيات.
فهل هذا ممكن؟!
وهل هناك معطيات واقعية له؟!
وكيف السبيل إلى ذلك؟!
لا أزعم أنني أقدم الآن برنامجاً، ولا أدعي أنني أقول ما لم يقله أحد في الماضي على نحو ما.. فما ينقصنا نحن العرب ليس القرارات والتوصيات والخطابات فلدينا من ذلك الكثير، وحتى لدينا من برامج العمل الكثير، ما ينقصنا وما افتقدناه هو : التنفيذ بدقة والإبداع في الأداء والعمل على خطط وبرامج بقيت أهدافها صحيحة إلى أن غمرتها وغمرتنا توجهات قمة فاس، واختيار الحلول السلمية استراتيجية عربية، التي أفضت إلى التراخي والاستسلام، وفتحت الطريق أمام المفرطين بالحق والمتآمرين مع العدو والمتواطئين ضد الأمة منذ بدأت قضية الأمة.
وقد وصلنا اليوم إلى وضع نحتاج معه إلى عمليات جراحية صعبة في جسم الأمة، تستأصل منه ما ينتشر فيه سرطانياً ليقضي عليه باسم: الواقعية- الانهزامية، التي ترى الكيان الصهيوني قدراً، والقوة الأميركية المسيطرة قوة تستمر إلى الأبد، وتقدم لنا ضعفنا وما استقر عليه عالم اليوم على أنه المعطى النهائي للتاريخ، وأنه القدر والأبد مجتمعان خالدان يمليان التسليم لهما بكل شيء!؟!
كذب هذا... كذب ومناف لحقائق الحياة ودروس التاريخ وتجارب الأمم، ومناقض تماماً لإرادات الشعوب عندما تريد، ومضاد لقانون الحركة الذي تقوم عليه الحياة وهو قانون ينتج عنه التغيير بل ويلازمه التعبير.
إننا نحتاج لذلك الوعي بحقائق التاريخ وبحقائق الحياة لنقيم على أساسه نظرة واقعية، وواقعية تفاؤلية -(إيجابية) تمتح من واقعنا ومن معطيات أمتنا وإمكانياتها وقدراتها وطاقات أبنائها ؛ واقعية تضع الأمور في نصابها، وتنظر إلى الصراع العربي ـ الصهيوني من منطلقاته المبدئية والحقانية والتاريخية، لتواجه حقيقة أنه لا يُختزل إلى صراع بين الواقع والمثال ليحكم عليه وعلى أطرافه بمقاييس منطق التسوية والتنازل والمقايضة والقبول بما يحقق إرادة القوة ويفرضها، بل بمقاييس الخلُقي والعادل والإنساني ليُحكم له أو عليه بمقاييس الحق والباطل وما يمليه صراعهما من مبدئية قيمية ؛ واقعية تكرس الأمل وتقيم صروحه على أساس من بناء الواقع بناء يحقق نهضة شاملة تقوم على العلم والإيمان والعمل بهما ؛ واقعية توظف طاقة الأمة وقدراتها وإمكانياتها كافة في خدمة برامج التنمية والتطوير لامتلاك القوة من كل نوع وفي كل مجال من مجالات الحياة، لينشأ بذلك ومنه واقع مغاير للسائد في ميادين النفس والعمل والحياة والإنتاج.
وهذا يقتضي أولاً: إيماناً بالقيم والمبادئ وثباتاً عليها وإيماناً بالإنسان وحباً للوطن وثقة بالغد، وتجسيداً لذلك في القوانين والممارسات والسلوك وفي العلاقات بصيغها ومستوياتها جميعاً.
ويقتضي هذا شجاعة وصراحة ومصارحة تقوم بها عقول وقلوب وإرادات تملك وجوهاً وقلوباً وألسنة عربية، وتعلن انتماء مطلقاً للأمة في واقعها، أياً كان ذلك الواقع، وتحمل التاريخ على كتف والواقع على كتف أخرى لتخوض انطلاقاً من الحاضر والمستقبل معركة إبداع صورة المستقبل وجلاء معالمها. تلك حالة صحية ليس من الصعب أن تقوم وأن تكون، ولكن الصعب فيما يبدو أن تبدأ، ولن تبدأ من دون استعداد داخلي ومراجعة جريئة وشاقة تبدأ من وقفة مسؤولة مع الذات وعلاقات مع الآخر من داخل التاريخ، على أرضية من صدق الانتماء والمسؤولية.
وأعتقد أنه لن تقوم لنا قائمة ما لم نتخلص من الوجهين واللسانين والموقفين والقولين في سلوكنا وعلاقاتنا وعملنا وعباداتنا. ولن يكون ذلك ما لم تتخلص هذه الأمة من سيطرة اليهود وأتباعهم وأشباههم على مقدراتها، أولئك الذين ينخرون جسمها ويفتِّتون إرادتها ويزينون لها الاستسلام والفساد والغوغائية، ويغلقون أمامها نوافذ الأمل وأبواب التاريخ، ويفرضون عليها أن تلهث وراء تحقيق أهدافهم وكأنها تحقق أحلامها وطموحاتها. إن قمة عربية ـ مثلاً ـ تعقد لتكون مظلة لتنازلات سلطة الحكم الذاتي ولما يفرضه نتنياهو بأساليب وأدوات أميركية على العرب، لن تكون إلا في خدمة الاستسلام والتطبيع اللذين يرتديان عباءة السلام. نحن لسنا ضد السلام ولكننا نسأل : هل الصيغة الأميركية ـ الإسرائيلية، التي تُقدم لنا على أنها انتصارنا التاريخي أو فرصتنا التاريخية، ولا يُفتح أمامنا إلا طريقها بوصفها تقدم لنا ولأجيالنا وللمنطقة كلها السلام؟! هل هي تنطوي فعلاً على أي من مقومات السلام؟! وكيف يكون السلام بالنسبة إلينا هو اعتراف بنتائج القوة وفرض اعتراف بممارساتها الإرهابية ؟؟ ألا يكون اعترافنا بالعدو على هذا الأساس مناقضاً لكل المبادئ والقيم الحقانية والإنسانية، وهل يقوم سلام دائم وعادل وشامل على أنقاض العدل؟! ألا يعني اعترافُنا بالعدو الصهيوني الغاصب انتزاع الاعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني بوطنه التاريخي؟!
إنني أعتقد جازماً بأن السلام في هذه المنطقة لن يقوم ولن يسود ولن يستتب مع بقاء السيادة الصهيونية في فلسطين والشعب العربي الفلسطيني خارج أرضه التاريخية مجردٌ من وطنه وسيادته ودولته، ومع استمرار المشروع الصهيوني الاستعماري ـ الاستيطاني التوسعي الذي يحقق أهدافه من خلال المراحل التي يضعها على أساس من استراتيجية توسعية وأهداف عدوانية ثابتة ؛ وقد كان هذا المشروع دائماً يطبق مرحلية مدروسة منذ بداية التخطيط له، وقد مر بالمراحل التالية :
أ- عشاق صهيون أو أحباء صهيون امتدت بين 1868-1918 تقريباً بتداخل مع المرحلة التالية.
ب- الصهيونية السياسية 1918-1937 - 1939 وهي التي حققت وعد بلفور بعد سايكس ـ بيكو، وعملت على تسخير عصبة الأمم لتحقيق أهدافها السياسية .
ج- الصهيونية المقاتلة كما سماها بن غوريون 1939-1948 وهي التي تم في مرحلتها استخدام التنظيمات الإرهابية التي كونت فيما بعد جيش العدوان الإسرائيلي : شتيرن ـ الهاغانا ـ ليحي ـ زفاي ليومي ـ الإرغون ...إلخ
د- الصهيونية التوسعية - العدوانية 1948- 1991 وقد قامت بالعدوان والتوسع والاحتلال في : 1948، 1956، 1967، 1973، 1982 وبغير ذلك من ممارسات إرهاب الدولة المستمر .
هـ- الصهيونية المهيمنة على أرضية سلام الاستسلام، وهي تلك التي حققت فرض اتفاقات : أوسلو ـ والمعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية ؛ وتعمل لتحقيق : " إسرائيل " الكبرى، ثم " " إسرائيل التوراتية"
كما أعتقد بأن العمل العربي إذا لم يأخذ حقائق المشروع الصهيوني وتوجهاته واستراتيجياته بالاعتبار فإنه لن يستطيع وضع استراتيجية عربية صحيحة، وهي استراتيجية مضادة تماماً لذلك المشروع. ومن هذا المنطلق أرى أن كل التوجهات " السِّلْمَوية " مع الكيان الصهيوني هي توغل عربي في الوهم وخدمة مطلقة للمشروع الصهيوني بمراحله المستمرة. وفي ضوء هذا يمكن أن نتبين مدى الخطر الذي تمثله اتفاقيات الإذعان وما تبيِّته للأمة من هزائم على أرضية المصلحة القطرية المتورمة، التي أصبحت تشكل صيغة اعتراضية على القومية والتزاماتها وقوة معطلة لأي تصحيح في مسار العمل العربي والعلاقات العربية لا سيما ما يتصل من ذلك بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني ؛ ومن هذا المنظور يمكن القول على أساس من الاستقراء للمواقف والمعطيات :
ـ إن دولة تدافع عن اتفاقياتها والتزاماتها مع العدو الصهيوني، وتجعل من تلك الالتزامات "قضية مقدسة دولياً"، وتزعم أن صلاتها التحالفية معه تشكل " رصيداً " للعرب لدى الكيان الصهيوني، وهي تحالفات ضد أمتها ؛ لن تخدم هذه الأمة ولا تؤتمن على مصالحها ونضالها وقراراتها، وتشكل مخلباً للعدو في قلبها. ولا يمكن الركون إلى دورها وسياستها ما لم تتنصل من التزام يضع الصهيوني فوق العرب وحقوقهم التاريخية، في صلاتها والتزاماتها .
- إن مجتمعاً يسكت على جراثيم التطبيع مع العدو الصهيوني ويحمي مناخ تكاثرها وانتشارها، ويعلي شأن رموز الاختراق الثقافي لهويته، ويتهم نفسه بالغباء والتخلف لأنه لا يعطي للعمالة صفة الوطنية والحضارية، هو مجتمع متآكل يقوده البوم إلى الخراب.
إن إعلاماً وثقافة وفناً لا يكون رائدها ورائد سدنتها : الحقيقة والموضوعية سلامة الإبداع وسلامة معاييره واستناد تلك المعايير إلى منظومات القيم السليمة والمبادئ الثابتة والحقوق التاريخية للأمة، هو أداة تخريب وتضليل وليس أداة بناء وقوة دفاع ومرتكز خلاص وطريق نور وهداية ونهضة .
وبعد :
- هل نستطيع أن نحيي ذكرى اغتصاب فلسطين في كل عام يأتي بعد هذا العام، بتقديم كشف حساب عما أنجزناه على طريق التحرير، وعما أعددناه للنهضة من وعي وعلم وتقنيات ومنتجات في كل مجال من مجالات الحياة، المدنية والعسكرية ؟!
- هل نستطيع أن نبني إرادة المقاومة لمشروع العدو بمشروع تزول من أجله: المصالح الضيقة والأنانيات القطرية والحزبية، ويتقدم الناس فيه ويتراتبون بالأداء الموضوعي حسب معيار سليم في كل مجال، وليس بالجهد الغوغائي والافتراءات وأشكال الفساد التي تكاد تغرق الحق والصدق والإخلاص والقيمة في كل مجال؟!
- هل نقيم على الأرض، وفي مواقع المواجهة، قرى الثغور، وخنادق المواجهة ونصقل الإرادات بالقتال ونحقق فرزاً موضوعياً لمن هو مع فلسطين والأمة ومن هو ضدهما، من خلال معايير أساسها خدمة المعركة مع العدو، والتقدم في مجالات العلم والعمل اللذين يحققان بعداً حيوياً لها ودعماً عملياتياً لاستمرارها وتصاعدها؟ ؟
- هل نستطيع أن نقول القدس كل صباح ونعمل لها ومن أجلها يوم، وأن نقيم صلة بينها وبين الأجيال الصاعدة ؟؟
- إن الشباب يؤرقني.. وأتمنى أن أكون مخطئاً، ولكني أرى من يفترس طاقته وإرادته وإبداعه أمام أعيننا ويحوله إلى كم من الرغبة والشهوة والنزوات.. وإلى أحلام متهالكة ونزعات وأفكار سقطت لأنها قامت على أركان متداعية من المنطق والعلم والرؤية.
نحن أمام صهيونية ترتبط عنصريتها بالعقيدة التلمودية، وأمام قوة كبرى في العالم تعتنق الصهيونية وتعمل لها، وما زال في مجتمعنا من يعمل للتقدم بتدمير القيم والبُنى التي قام عليها مجتمعنا والتي ما زالت صحيحة وخيرة وصالحة.
إنهم يدمرون قيماً ولا يملكون بديلاً، ويعيشون وهماً قتالاً يقدمونه حلماً، ويمارسون غوغائية يصورنها علماً، ويفتكون فتك الصهيونية بنا ويعتقدون أنهم يبنون بيتنا والفؤوس تهدمه على رؤوس من هم فيه.
تلك محنة لا بد لنا من مواجهتها لكي نتلمس الطريق إلى الخلاص. ولن يكون ذلك إلا بالحوار على أرضية الانتماء والالتزام وما يرتبانه، في مناخ يؤهل المتحاورين ويمكنهم من الانتقال من مواقعهم إلى المواقع التي تمليها المصلحة العليا للأمة وتقدمه الحقيقة أو تدعو إليه ؛ فهل نحن فاعلون.؟!
إن الجبهة الثقافية (بما فيها الإعلام) أخطر ما نواجه وما ينبغي أن نهتم به إلى جانب امتلاك العزة، وهذه جبهة تحتاج إلى من يعملون بعلم وموضوعية ووعي، على أرضية المبدأ وباقتدار وعلى أرضية الانتماء بصدق، بعيداً عن أمراض الجهلة وأغراضهم ؛ فهل هناك من يُنذر لها نفسه وقدراته، بكل قوة لتقاوم الممكنة والواجبة مع من يدعهم أجهزة شتى لتخريب تربية أجيالنا وتدمير مستقبلنا؟!؟
الأسبوع الأدبي/ع614//13/6/1998.
|