|
مستحيلات العرب ومستحاثَّاتها
تحدثت العرب عن مستحيلات ثلاثة: الغول والعنقاء والخل الوفي، وأضافت إليها في العصر الحديث أشباهاً تعززها؛ ويضيف الصراع العربي الصهيوني مستحيلات أخرى أصبحت تشكل بعض مقومات المناخ العام السائد في المنطقة، مع مجاوزة الاستثناءات والخروق.
وتراودني الأحلام من آن لآخر بانتفاء المستحيل وتحول الثابت وتبدل طبيعة الجامد، فإخال أن ذلك ممكن الحدوث على أرضية منطق: "لو أن"، فأبني عليه حلماً أو وهماً أو واقعاً افتراضياً مدهشاً، ويقودني الافتراض إلى افتراض، فأقيم في ذلك الفضاء الافتراضي عمراناً، يصبح التجول في مساحاته أمراً ممكناً فأقول:
- لو أن الصهيونية تخلَّت عن طبيعتها العنصرية، وقالت: إن لكل أبناء الله أجنحة، وإن الخلق كلهم متساوون، وانتفت بذلك مقولة "الغوييم" وما يرافقها من معطيات وأحكام سلبية بذهن اليهودي؛ وصار الحاخامات من أتباع الرب" وليسوا أنداداً له أو أمّاراً عليه "، ولو أن الرب نقض تحالفه الخاص مع الشعب الذي "أسموه" مختاراً ليكون الناس عنده سواسية وكل الشعوب مهيأة لمصير واحد على أرضية الوحدانية والإيمان.
- ولو أن عتاة الصهاينة، ومنهم نتنياهو وشارون وسنيه.. الخ، تحولوا إلى حمائم وحملان وديعة ترغب في "السلام" العادل الدائم والشامل، وتخلوا عن المشروع الاستيطاني- الصهيوني؛ واكتفوا بما لهفوا من أرض الفلسطينيين، وعادوا إلى حدود الرابع من حزيران 1967 بما في ذلك حدود القدس، وقرروا العيش بسلام في المنطقة ومع أهلها.
- ولو أن الولايات المتحدة الأميركية تخلت عن قلعتها الاستعمارية المتقدمة في فلسطين، وقررت أن تعتمد أسلوب التعامل مع من لديها مصالح معهم على أرضية من الاحترام والعدل، وأقلعت عن أسلوب التهديد والابتزاز واستخدام القوة أو التهديد باستخدامها للوصول إلى مصالحها.
- ولو أن العرب اتفقوا على سياسة واحدة بتنسيق مشترك وتفاهم جاد يؤديان إلى خدمة المصالح العربية العليا. ونقلوا عرفات من مختار يعمل لمصلحة "إسرائيل" وبإمرتها إلى سيد لمصيره يخدم دولة لكل الفلسطينيين.
- ولو أن.. ولو أن.. ولو أن ...
فهل تنتهي مشكلات المنطقة، ويستتب الأمن، ويقوم السلام وتنتفي كل الأسباب الداعية للقلق والرهق والأرق في مجتمعنا ومنطقتنا، وتزول أسباب الصراع العربي الصهيوني ومعطياته، وتنتهي من تاريخنا الحاضر ملفات القضية الفلسطينية ومعطياتها؟!
إن مدخل الإجابة على هذا السؤال يقترن بطرح مجموعة من الأسئلة أو يبدأ أمنها، ومن تلك الأسئلة نذكر:
- هل فلسطين التي احتلت قبل عام 1967 هي أرض عربية تاريخياً، أم أنها أرض متنازع عليها تاريخياً مع اليهود، كما يريد البعض أن يرسِّخ في الأذهان؟!
- وهل الشعب الفلسطيني الذي شُرِّد من أرضه عام 1948 وما بعدها، فقد حقه بأرضه وبمعنى الوطن وهويته ومدلوله ومكانته في الحياة، وأصبح له مجرد حلم أو وهم يمكن أن يعوّض عنه بالمال بعد جدال!؟ وهل الوطن مما يباع بمال، ومما يتخلى عنه شعب ينتمي لأمة ذات عمق وطول وعرض في التاريخ والحضارة والأرض؟!
- وهل الحق والعدل، فيما يتصل بهذا النوع من القضايا، مما يمكن تجزئته والقبول بنصفه أو ربعه أو بأعشار منه؟!
- وهل ينتهي بانتهاء هذه القضية- قضية فلسطين ـ على هذا النحو، هل ينتهي الخطر المحدق بالأمة من الصهيونية والغرب الاستعماري، أم أنه يبدأ على أساس مغاير ومعطى واقعي مغاير أيضاً ؟!
إن الرؤية ضمن العمران الافتراضي في هذا الفضاء ذاته تبدو مشوشة ومدخولة بعوادم الرؤية، فكيف إذا انتقلنا من الافتراض إلى الواقع المدجج بالسلاح والعنصرية الدموية والغش والتشويه المتعمد للحقائق والواقع، والإرهاب التاريخي الذي قامت عليه الصهيونية بخرافاتها وأساطيرها وأقامت عليه كيان دولة؟!
إن المنطق الذي يروِّج له في أوساطنا العربية ساسة ومثقفون وسماسرة حوار مع الاحتلال هو منطق معتل، يقوم على بيع السم في عبوات الوهم المغلفة بإعلانات السلام ومنطقه؛ والسلام الكاذب حمل كاذب يورث الحسرة والصدمة وانكسار الإرادة، فأي سلام يكون في المنطقة على أرضية السلاح النووي الإسرائيلي والمشروع التوسعي الصهيوني والتحالف الأميركي مع قوى الاحتلال ضد الأمة والثقافة، والعقيدة والمصالح والتاريخ في وطن العرب؟!وأي اعتراف يقدمه العرب للكيان الصهيوني وهو يسحب اعترافهم بحق الفلسطيني في وطنه وحق الأمة في حماية نفسها؟!وأي حوار يدور بين من يهدم البيوت ويقتلع السكان ويفتت بنية الشعب والمقاومة والإرادة والهوية في الأرض المحتلة وبين من يقعون تحت دائرة الاحتلال أو الذين يستهدفهم الاحتلال مستقبلاً؟!
إن القمة العربية التي يرتفع نداء العرب من أجل انعقادها سوف تنجح إن هي عقدت ونجحت، في استنقاذ "أوسلو" ومسار الإذعان العربي للعدوان الإسرائيلي، وإذا وصل التطلع العربي بهذا إلى حشد "إرادة الأمة في قمة" يكون سقف تطلعاتها تنفيذ المخطط الأميركي- الإسرائيلي الأخير، مخطط إعادة الانتشار في الـ13,1 % من أرض الضفة الغربية، فإن الأمة كلها تكون قد سقطت في الفخ الذي يُرْسَم منذ زمن؛ نتنياهو والليكود سوف يقدمان الـ 13,1 %، وذلك ما قلناه وأكدناه سابقاً، ولكن بعد أن تصبح هذه النسبة هي الأمل المرتجى عربياً وليس عرفاتياً فقط، وبعد أن ينغرس في الوجدان الجمعي العربي أن هذا الفوز هو أعظم فوز، يرافقه من جهة الإسرائيليين والأميركيين إعلانٌ بأن هذه هي آخر مراحل الانسحاب أو إعادة الانتشار، وقد تحقق ذلك بشق الأنفس "وانتزع" انتزاعاً من نتنياهو؟!فيالها من صفقة خاسرة وأحلام بائرة ومخططات تقود إلى التهافت في كل مجال.
إن التركيز الذي يتم اليوم /سياسياً، وثقافياً، وإعلامياً/ على العربي يجعله حقلاً صالحاً لاستنبات الوهم وإعادة إنتاجه؛ ونحن نلمس في كل مجال من مجالات حياتنا وجود سماسرة للاحتلال وللصهيونية يروجون منطقهما، ويشنون هجوماً وقحاً على من يتمسك بثوابت الحق والعدل، ومن يقول بعروبة فلسطين وبحق الفلسطيني في وطنه وبقومية القضية الفلسطينية وبصمود من أي نوع وفي أي ساحة عربية بوجه الاحتلال ومقاومة صادقة للتطبيع مع العدو.
ومن عجب أن تشن على العرب حرب الاتهامات من "مثقفين" يتهمون العرب بالعنصرية في إطار دفاع وقح عن العنصرية الصهيونية التي تلبس لبوس الدين.
ومن عجب أن يجوس أولئك في دروب وقلوب ينثرون منطقهم البائس وسمومهم الفتاكة؛ وهم يرون أن ما يرضيهم ويلبي مصالحهم الخاصة وتطلعاتهم هو غاية الحق والعدل والصدق، وما تمليه أنانيتهم المتورِّمة هو ما ينبغي أن تقبل به الأمة؛ ويرون في تآمرهم أستذة باسم ثقافة منبتَّة لا صلة لها بالشعب والحق والهوية والتاريخ، ثقافة يصنعها الدولار والارتباط المريض بعالمية، وحضارية و"ما فوق "قومية" و"إنسانية" تنحصر أهدافها وغايات مجاوزتها النضالية في خدمة العنصرية والصهيونية والتلمودية اليهودية والمصالح الأميركية والاحتلال الغاشم لأرض العرب ومقدساتهم. مؤسف منطق البؤس والوهم هذا، ومؤسف مجتمع بين ظهرانيه أشخاص اعتادوا لبس الوجه قناعاً والقناع وجهاً، ومؤسف وعي يتخلى عن كل معاني الوعي لمصلحة الزيف والغش ولخدمة الاستعمار ومخططاته، ومؤسف أكثر وسط يقول بالثقافة مدخلاً للإنقاذ ويدفن الوعي الثقافي في خضم زيف ونفاق وتستر على منطق العدو الذي يتسلل إلى منطقنا بأدواته.
إن مستحيلات العرب كثيرة في هذا العصر، ويبدو أن مستحاثَّات المستحيلات تزداد ظهوراً، ومنها مستحاثَّات عنصرية في مجال الثقافة يعاد تلميعها وتغليفها، وتقدّم في هالة من دعاية الإعلام الأميركي- الصهيوني في القرن العشرين، وبأدواته الإعلامية العربية البائسة، التي تلوك مقولات تحررية وتقدمية وتخدم الاحتلال والصهيونية ورموز الغزو الثقافي والانحلال وإفساد القيم والإرادة في مجتمع العرب ؛ ويبدو للأسف أنه من شبه المستحيل تنقية الوسط الثقافي من هذا النوع من المستحاثات الصهيونية التي ترتدي أثواباً "حضارية وإنسانية" برَّاقة. فالثقافة في بعض الأحيان وعند بعض الأشخاص نوع من الخداع ونوع من التجارة.
الأسبوع الأدبي/ع615//20/6/1998
|