صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الطريق الثالث " العربي " !؟!

أنا لا أتحدث هنا عن حزب " الطريق الثالث " في الكيان الصهيوني بل عن " طريق ثالث " يبشر بها بعض المثقفين العرب، يرون في اتباعها حلاً للقضية الفلسطينية أو إمكانية لحل تلك القضية !؟ وإذا صح فهمي وصدق ظني فإن " غيرتهم الإنسانية الكبرى !؟ " هي التي تدفعهم للتحرك؛ فصوتهم يقول : " هناك الآن موجة بغيضة متسللة من مناهضة السامية وادعاء السمو الأخلاقي المرائي المتغلغل في فكرنا وخطابنا السياسي. وأرى بقوة أن هناك شيئاً يجب أن يكون واضحاً : نحن لا نكافح الأعمال الجائرة للصهيونية كي نستبدلها بنزعة (قومية دينية ) مثيرة للبغض تقضي بأن يتمتع العرب في فلسطين بمساواة أكثر من الآخرين. " ؟!هذا المنطق الذي يوحي بحرص محمود على مقاومة كل بادرة تعصب أو تطرف قد تلوح في الأفق؛ يبني مشروعه أو يقدمه على أسس الاعتراف بحق لليهود في فلسطين يجب ألا يغيب حق العرب في أن يكونوا مثلهم أصحاب حق فيها، وأن يعيشوا معهم ولو تحت سيادتهم.‏

ولكن العرب المعنيين بهذا الخطاب ليسو كل عرب فلسطين بل العرب الذين بقوا في أرضهم عام 1948 وأولئك الواقعين تحت الاحتلال منذ حزيران 1967 والذين سمحت أو يمكن أن تسمح " إسرائيل " بعودتهم ممن شردوا بعد حرب حزيران 1967.‏

ومن معالم هذه الطريق، أو هذا التيار، الذي يتظاهر بأنه في طور التشكُّل النظري، والأمر على غير ذلك تماماَ، من معالمه التوجهات الآتية التي يقول بها :‏

1 ـ رفض أوسلو لأنها لا تؤدي إلى حل، وقد ولدت ميتة، وأماتها أكثر أطرافُها المعنيون بها.‏

2 ـ رفض مقولات التحرير التي يقول بها قوميون وإسلاميون،‏

واتهام القائلين بها بتهم التخلف والتعصب والعنصرية‏

واللاسامية والجهل..إلخ!؟!‏

3 ـ التعاطف مع اليهود والصهيونية التي أنجزت مشروعها " المقبول من طرف أهل ذلك التيار "، والإقرار بما تعرَّض له اليهود من اضطهاد في زمن " معاداة السامية "؛ وكذلك بما لحقهم من كوارث بسبب " المحرقة "، والثناء على استثمارهم لها استثماراً سياسياً واجتماعياً مشروعاً؛ واتهام كل من يفكر بالتقليل من حجم ضحايا اليهود الأسطورية في العهد النازي، أو يحاول إعادة قراءة التاريخ في ضوء وقائع وحقائق جديدة لمعرفة الواقع، احتراماً منه للعلم وتلبية لنزوع الإنسان لمعرفة الحقيقة؛ اتهامه بالخضوع لنزعة متسللة من معاداة السامية !!. واعتبار غارودي شخصاً " مبتذلاً وغير مسؤول "، ولا يمكن الدفاع عنه والتعاطف معه !؟ والدعوة إلى الاستفادة من أسلوب الصهيونية باستثمار المحرقة لدى الإسرائيليين ليقبلوا العرب الفلسطينيين بصفة بشر يتعرضون لنوع من الاضطهاد، قد يكون مشابهاً، ولا بد من إنصافهم على أرضية المساواة في حقوق المواطنة بالنسبة لمن يعيشون تحت السيادة الإسرائيلية. أمَّا العرب الذين أُخرجوا من فلسطين عام 1948 و عام 1967 فلا حديث عنهم ولا ذكر لهم لدى أهل تلك الطريق؛ لقد ابتلعهم الزمن كما ابتلعهم الصمت، وغابوا من دائرة الواقعية السياسية والفكرية، ومن دائرة التعاطف الإنساني مع مأساتهم ؟!.‏

وأغلب الظن أن تغييب جماعة الطريق الثالث "العربية " ـ التي تتشكل على النمط "الإسرائيلي"، مثل جماعة السلام الآن الأميركية والأخرى " الإسرائيلية " والطريق الثالث في " إسرائيل " ـ لموضوع الفلسطينيين الذين هم أساس القضية، والسكوت حتى عن حق العودة ومن يطالبون به ومن يشملهم نصه، من الأمور المقصودة؛ لأنهم يرون ألا حل لمشكلة هؤلاء، وأن طرح موضوعهم يعقد كل حل ويعرِّض من يثيره لغضب الصهيونية، فـ " إسرائيل " ترفض والولايات المتحدة الأميركية لا توحي " لمفكِّريها في هذا المجال " بذكر ذلك أو الإشارة إليه؛ ولذا فإن تغييبه في الصمت والتجاهل من الأمور المستحسنة لديهم !!؟.‏

4 ـ اتهام القومية العربية والتوجه القومي والإسلام والتوجه الإسلامي، وكل ما يناديان به من أفكار وحلول وتصورات، باتهامات استفزازية موجعة؛ تمطرهم بها " فوقيةٌ " ثقافية أكثر من متغطرسة وأكثر من متعصبة لرؤيتها وعقيدتها وولائها، الذي تراه أكثر من مشروع ومن مقدس .‏

5 ـ عُقم مقولة الحل العسكري : فالحل العسكري عند " الطريق الثالث " غير قائم وغير مقبول وغير ممكن وغير قابل للتحقق مستقبلاً وينبغي أن يلغيه العرب من قائمة الاحتمالات. وهو عملياً غير وارد لا بالنسبة للعرب ولا بالنسبة للإسرائيليين. إنه حل يرفضه المناخ الدولي العام فضلاً عن أنه لن يحقق حسماً حتى بالنسبة لإسرائيل المتفوقة عسكرياً. ولذلك ينبغي صرف النظر عن فكرة امتلاك القوة من قبل العرب لأنهم لن يجاروا " إسرائيل " التي تتفوق بامتلاكها لها ولن يلحقوا بها؛ ولن يحققوا بالقوة حلاً، فلِمَ السعي إذن وراء امتلاك القوة؟!‏

وتوجههم يستند إلى منطق يقول : إن " إسرائيل "، التي نجحت في امتلاك قوة متفوقة، ستبقى من دون رادع لغياب إمكانية السماح بقيامه؛ وسيردعها عملياً غيابُ الخصم من أمامها وغياب الوهم الناشئ من تفكير بمشروع ـ أي المشروع النهضوي العربي ـ يقيمه خصم مقتدر. وحده : تقرُّب الخصم منها وطلبه الحماية، واستجلابه العطف والسلام على أساس الضعف الدائم والاستسلام التام، وما يمليه الخضوع للأمر الواقع ولسطوة من يشكلون معطياته ويفرضونها، ذاك الذي يشير فيما يشير إليه أهل الطريق الثالث : إن السعي لامتلاك القوة من قِبَلِ العرب يفسَّر على أنه سعي لممارسة الإرهاب وشن العدوان على " شعب " عانى من " اللاسامية وأهوال المحرقة "، ومن " التهديد لوجود دولته وشرعيتها " على مدى عقود من الزمن؛ فـ " سواء شئنا أم أبينا إن اليهود ليسوا مستعمرين عاديين.. " ـ على حد تعبير أحد رواد " الطريق الثالث " العربي. ولذلك فإن التفكير بامتلاك أي قوة هو تفكير " قومي ـ إسلامي " متطرف ينطوي على " عنصرية بغيضة "، ويقع خارج حدود الزمن وخارج العصر ومعطيات الواقع !؟!.‏

6 ـ إن " مقاومة التطبيع والدعوة إلى استمرار المقاطعة العربية لإسرائيل، وحتى التفكير بذلك " سخف ما بعده سخف "؟! ؛ ونوع من تمييز عنصري، أو عنصرية مدانة يمارسها العرب أو يدعون إلى ممارستها!؟! ويدعوا أهل الطريق الثالث بدلاً من ذلك إلى الحوار مع " إسرائيليين "، ويتساءلون بحنق وتعال وقلق " معرفي " : " هل ينبغي لفنانين ومثقفين أحرار وكتاب وطلبة وأكاديميين ومواطنين عاديين أن يقاطَعوا لأنهم إسرائيليون؟! واضح أن القيام بذلك سيعني التظاهر بأن الانتصار على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لم يحدث. ". فليتأمل العرب جيدا في هذا وليسألوا من بعد، إذا أُستثني أولئك " الأبرياء " جميعاً من المقاطعة والتطبيع والغضب العربي، من الذي ينبغي أن يفوز بذلك كله ممن يسرقون وطننا ويحتلون أرضنا ويصادرون مستقبلنا : أهم : نتنياهو وشارون وشمعون بيريس وايهود باراك فقط، وليسو اليهود الذين ينتخبونهم ويشكلون قوتهم والرأي العام الذي يسيرهم ؟!. وكل الإسرائيليين " العاديين "، أي الذين يقيمون مجتمع الكيان الصهيوني وبناه التحتية ومستوطناته ومؤسساته العسكرية والمدنية التي تكون قوة الاحتلال والمشروع الصهيوني بتطلعاته وينتخبون نتنياهو وباراك وشارون لتحقيق أهداف أتوا إلى فلسطين من أجل تحقيقها؛ هؤلاء كلهم أبرياء نتجنى نحن العرب، المسروقة أرضنا والمهدد مستقبلنا بسببهم، نتجنى عليهم ونقاطعهم من دون سبب ؟!، وعلينا أن نعود عن تلك المقاطعة ونستسلم للعنصرية الصهيونية البغيضة وتمييزها العنصري ومسلسل إبادتها البطيء ـ المستمر لنا : مادياً وروحياً، وإلاَّ فإننا نحمل نزوعاً عنصرياً وتتسلل إلينا نزعة العداء للسامية ؟؟! أهكذا تقول الحضارية المتأطِّرة برهافة " حداثية "، ونزعة إنسانية عالية المستوى أو متعالية، تتحدر إلينا من جامعة هارفارد، ومن الحرص الأميركي الهائل على الحرية وحقوق الإنسان، ومن الأحلام الفردية المتورِّمة " المتسامية " بالحصول على رضا الصهيونية للوصول إلى " ضواحي نوبل " والاستمرار في طعن الحق العربي وقيم العدل والإنسانية كلها من هناك ؟!.‏

7 ـ يقول أهل الطريق الثالث " العربي ؟!" إنه : " يتجنب إفلاس أوسلو والارتداد إلى سياسات المقاطعة الشاملة على السواء "، وهم يقولون بوضوح ما بعده وضوح : " ليس كل الإسرائيليين على الشاكلة ذاتها، ومهما يحدث يجب أن نتعلم العيش معهم بشكل ما، والأفضل أن يكون ذلك بشكل عادل، بدل أن يكون بشكل جائر. "؟! يا لفضل الله علينا بهذه الطريق التي يلخص أهلها قضيتنا التاريخية كلها بأنها اليوم : " معركتنا من أجل الديموقراطية والحقوق المتكافئة، من أجل رابطة أو دولة علمانية يكون فيها كل الأفراد مواطنين متساوين ... " وهم لا يعنون خوض هذه المعركة عربياً، بل داخل الكيان الصهيوني وفي ظل سيادته وتملقه ليقبل بنا مواطنين بدرجة ما وبصيغة ما في أرضنا التي سلبها؟!‏

8 ـ الطريق الثالث " العربي "، يقول بالاعتراف التام والمطلق بحق لليهود الصهاينة في فلسطين وبحقهم في إقامة الدولة العبرية وبعدم مشروعية النزوع العربي إلى مجاراتهم لإقامة دولة " قومية " أو " إسلامية ". ويضع استراتيجية التقرب منهم على أرضية الولاء لهم ـ مدخلاً مبدئياً للحل ـ لكي يطمئنوا ويمنحوا عرب إسرائيل " عرب الأرض المحتلة عام 1948 " حق المواطنة التامة؛ وأن يوافق عرب ما بعد ذلك التاريخ، الذين يعيشون في الضفة والقدس.. إلخ على أن يكونوا تحت السيادة و الحماية الإسرائيليتين ؛ بعد إقناع " إسرائيل " واستعطافها واستدرار شفقتها عن طريق تذكيرها بالمحرقة، لتقبل النظر إلى الوضع الفلسطيني بعين المعاناة اليهودية التي تقطر إنسانية ونبلاً !؟!‏

إن الكفر بالثقافة وبالمثقفين، الذين لا يقفون إلى جانب الحق إلا إذا ساندته القوة وشفع له الدولار وتقدمت بشائر نصره ودلائل ذلك النصر أمامهم؛ ولا يكونون قوة نصره؛ هو من أوجب الواجبات في هذا العصر وفي كل عصر. ونبذ الثقافة التي تسوِّغ حق القوة وتقدمه حقاً، وتتغافل عن حق مفلول الحد لغياب القوة التي تقيمه على قدم وساق، هو من أوجب واجبات المؤمنين بأن الثقافة موقف وعدل ودفاع عن الحق والعدل؛ وأن الوعي والكلمة الموقف هما اللذان يقيمان متاريس الحرية ويدافعان عن الحقوق والحريات، ويهزمان الغطرسة والنفاق والقوة الغاشمة؛ ويكشفان أساليب ليّ أعناق المواقف والحقائق ليقوم بالنفاق درع حقائق القوة المسلَّحة بالغش والفساد، المحمية بالضمائر الفاسدة.‏

إن العرب الذين يسيرون في طريق " ثالث " من هذا النوع عليهم أن يقروا أولاً بأنهم ليسو أصحاب حق من أي نوع في فلسطين ومقدساتها، وبأن الأوطان والحقائق والمبادئ يمكن أن تغيَّر وتلوَّن وتباع وتشترى في السوق.‏

وعليهم أن يقروا نهائياً بنهاية تاريخهم انصياعاً لـ " فوكوياما " الأميركي الذي أعلن " كذبة : نهاية التاريخ "، وأن يقبلوا بأن قوميتهم وعقيدتهم وشخصيتهم الثقافية وهويتهم هي : " لا شيء "، ومدانة أو ذاوية ومضمحلة إلى الدرجة التي يصبح التخلص منها والتنكر لها من فضائل العصر والحكمة والعقل !!.‏

وعليهم أن يستسلموا لليأس، وأن يفتحوا أبواب وطنهم أمام كل قوة محتملة تطمع بأرضهم وبخيرات وطنهم، وأن يجعلوا مصلحتهم العليا وأهدافهم الأسمى هي الدخول في خدمة الآخرين وتلبية مصالحهم .‏

إن لسان الطريق الثالث " العربي " لسان أعجمي، صهيوني الهوى، أميركي الانتماء والانتساب والموطن، ولا يمكن أن يحمل همومَنا ورسالة شهدائنا أولئك الذين رموا هوية الوطن عند أعتاب مصالحهم الشخصية وأنانيتهم الفردية، وبحثوا عن خلاص شخصي حتى لو كان ذلك الخلاص على حساب الشعب والحق والوطن؛ وهم يتباهون بأنهم ينتسبون لغير الشعب العربي وعقيدته وترابه الجاهلي المتخلف !؟ لا يمكن أن يحمل همنا وجرحنا وقضيتنا إلا الذين يرتبط مصيرهم ومستقبلهم بمصير أهل هذه الأرض وبمستقبل أهلها والذين اختاروا بشجاعة ووعي أن يربطوا مصيرهم وخلاصهم بمصير أولئك وخلاصهم.‏

لن تهديني إلى طريقي نجمة من شمع، وكلمة عجماء مجففة في عيون لا ترى معاناتي ومعاناة الناس من حولي !! ومن لا يحمل هوية الوطن ولا يعيش معاناته لا يهمه مصيره، لا يجوز له أن يقدم لنا الدروس والنظريات بتعال تعصبي مقيت، وانحياز ظاهر ضد القومية العربية والإسلام والشهداء ونبل الهدف وما يقدَّم على طريقه من تضحيات منذ نيف وخمسين عاماً، أي ضد الهوية والحضارة والتاريخ والمستقبل.‏

إن المثقفين العرب الذين تعنيهم القضية والأرض والهوية والانتماء، وتعنيهم تضحيات شعبهم ومعاناته، مدعوون لموقف ورأي ورؤية، حتى لا يشكِّلنا ويشكل مواقفنا الصهاينة والمتصهينون والأميركيون المتحالفون معهم وأصحاب الحلم الصهيوني الممتد من إرهاب يشوع بن نون إلى إرهاب من يأتون من أصحابه وأتباعه محمولين على سيف القوة الغاشمة والتعالي الكريه والصليبية المقنعة بقشرة حضارية لا تخفي من حقائقها شيئاً، ولا تغرّ إلا من جهل حقائق الحياة وحقائق تلمود اليهود ومن سار على معطيات خرافاته وأساطيره .‏

أيها المثقفون العرب انهضوا قبل أن يشكِّلنا ويشكِّل أجيالَنا وأحلامَنا المشككون بقدرة أمتنا على الصمود والبقاء والنهوض، والذين يرون أن العدو صاحب حق في الوطن : فلسطين، وصاحب الوطن والحق الأصلي عنصري ومتخلف ومناهض للسامية إذا تشبث بحقه ودافع عن وطنه وعقيدته وهويته القومية وانتمائه ؟!‏

الأسبوع الأدبي/ع618//11/7/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244