|
سورية وفرنسا والمنعطف التاريخي
بدأ تطور ملموس في العلاقات السورية- الفرنسية منذ سنوات، وقد تحقق دخول فرنسي مباشر وحضور فرنسي مباشر أيضاً في الصراع العربي -الصهيوني حين فرضت سورية مشاركة فرنسا في اللجنة التي تشرف على تفاهم نيسان 1996 وتتلقى شكاوى حزب الله والكيان الصهيوني فيما يتعلق باختراقات ذلك التفاهم، وهي اللجنة التي تمارس عملها دورياً في اجتماعات الناقورة.
وهناك تفاهم بين فرنسا وسورية على كثير مما يتعلق بالأوضاع في لبنان وبدور الجماعة التي تتخذ من فرنسا مركزاً ومنطلقاً للهجوم على دور سورية في لبنان من أمثال ميشيل عون، وتسلّم فرنسا بشكل واضح بتلازم المسارين السوري واللبناني في المفاوضات مع الكيان الصهيوني، كما تسلم بوجهة النظر العربية فيما يتعلق بتنفيذ القرار 425 القاضي بانسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان من دون قيد أو شرط. وينحو التعاون الاقتصادي بين فرنسا وسورية منحى إيجابياً منذ تم التفاهم على موضوع الديون المترتبة لفرنسا على سورية، وقد أخذت أرقام التبادل التجاري تزداد بشكل ملحوظ.
وعلى هذه الأرضية يقوم حوار من أجل الشراكة السورية- الأوربية في المجال الاقتصادي والفني -التقني، ما يزال في مراحله الأولى ولكنه يتجه نحو التقدم، لتكون سورية مستقبلاً في إطار هذه الشراكة، بعد أن أصبح العالم مراكز استقطاب اقتصادي واضح بعد سيطرة اقتصاد السوق.
ولفرنسا دور إيجابي ملموس فيما يتعلق ببعض القضايا العربية منها : الموقف من الحصار المفروض على العراق، والموقف من الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس- فلنتذكر زيارة شيراك للقدس وموقفه من حكومة نتنياهو إبّان تلك الزيارة- وهي إجمالاً مواقف أقل تحيزاً من الموقف الأميركي في هذا المجال.
وتهيئ فرنسا نفسها للدخول وسيطاً في الصراع العربي -الصهيوني، لمتابعة موضوع تنفيذ اتفاق أوسلو -والقرار 425- واستئناف المفاوضات السورية - الإسرائيلية، إذا أوقفت الولايات المتحدة الأميركية مساعيها في هذا المجال، وسمحت لفرنسا- أو أوعزت لها- بدخول الحلبة.
في هذا المناخ، وعلى أرضية هذه المعطيات الإيجابية وسواها، تتم زيارة الرئيس حافظ الأسد لفرنسا، وهي زيارة ذات أهمية نوعية في مدلولها وتوقيتها والآفاق التي تتطلع إليها.
فما الذي يمكن أن يتحقق من هذا، وما الذي يتطلع إليه كل من البلدين، مما هو مشترك مستقبلاً؟
مما لا شك فيه أن فرنسا شيراك تسير، أو تريد أن تسير، على خطا ديغول؛ فشيراك الديغولي يتطلع إلى دور فرنسي مستقل عن الدور الأميركي في المجالات كلها، وإلى دور أوربي تقوده فرنسا إن أمكن، يستعيد مكانة أوربا في قيادة السياسة الدولية.
وفرنسا الديغولية تريد استعادة مكانتها في الشرق وتأمين مصالحها، وعلى رأسها الطاقة: البترول والغاز، وكسب أسواق تجارية، وتأمين مبيعات سلاح ومواد أولية، وإيجاد منافذ استراتيجية لقوة دولية.
ولتطلعات فرنسا الديغولية أبعاد ثقافية تتصل بالفرانكوفونية وصلاتها ودفع تلك الصلات باتجاه التطور لاستعادة مواقع تأثير ثقافي من خلال اللغة والثقافة الفرنسيتين، مع أوساط كانت لها بها علاقات حميمة سابقاً وما زالت تتطلع إلى استعادة مثل ذلك التأثير وتلك العلاقات، لا سيما في ظل تنافس مع عالم "الأنغلوفون" الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية بعد بريطانيا العظمى، وهو تنافس مائل بشكل صارخ لمصلحة "الأنغلوفون". وفي هذا المجال الثقافي، الذي تقف وراءه سياسة ويوظّف أيضاً لتحقيق سياسة؛ هناك جوانب مجافية للمصلحة العربية، لا سيما في أوساط لبنانية ضيقة تعيش حالة تبعية مطلقة للثقافة الفرنسية وعداء شبه مطلق للهوية العربية، وفي أوساط قبطية ضيقة لا تمثل الأقباط تاريخياً تعمل على مشروع طائفي باصطناع روابط ثقافية غير عربية، وكذلك في أوساط مغاربيَّة يتمركز زخمها السلبي اليوم في الجزائر، حيث تخوض أوساط جزائرية معركة الفرانكوفونية ضد العربية والعروبة وحتى ضد الإسلام، المتهم هو واللغة العربية بأنهما مصادر الإرهاب، تخوض تلك الأوساط معركة من أجل الفرنسية بتحريض وتشجيع فرنسيين مستورين.
فرنسا الديغولية لها أحلام، والأحلام قد يكون لها ضفاف عند البعض وقد تكون بلا ضفاف عند فرنسيين من أمثال هنري لوبين غير الديغولي، ولكن هل نقول اليوم إنها فرنسا الاستعمار الماضي؟! لا نستطيع أن نقول ذلك بتأكيد، ولا نستطيع أن نلغي كل شُبَه الماضي الاستعماري عن فرنسا؛ ولكنها اليوم بكل تأكيد أخف علينا من وطأة الأميركي المتصهين والصهيوني المحتل؛ ونحتاج إلى علاقة متميزة معها بعد الخلل الذي أصاب عالم اليوم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وما جرى في حرب الخليج الثانية، وما آل إليه وضع العرب بعد مؤتمر مدريد واتفاقيات الإذعان والهرولة نحو العدو المحتل على جثة التضامن العربي والعمل العربي المشترك.
فما الذي نريده نحن من فرنسا؟! وهل نحن على استعداد لقبول كل ما تريد لتعطينا ما توافق على إعطائنا إيّاه مما نريد ؟!
فرنسا وأروبا والعالم كله يعرف اليوم موقف سورية ومكانتها وموقعها مما يسمى "عملية السلام أو مسيرة السلام في الشرق الأوسط"، وفرنسا من القائلين بأنه لا يقوم سلام من دون سورية، ولا تدخل سورية المفاوضات من دون استعادة الجولان؛ ولا تأثير/ سلبياً/ على موقع سورية في لبنان حفاظاً على مصلحة لبنان ولا فصل بين مساريه مع "إسرائيل" ولا تدخل "فرنسا" من وراء ظهر سورية في قضايا ذات حساسية في لبنان، لأن ذلك من دون جدوى. فقد جرّبت القوى المتعددة الجنسية حظوظها في لبنان يوم دخلته دعماً لمشروع غربي -صهيوني يرمي إلى إقامة دولة لبنانية موالية لذلك المشروع، وشهدنا وشهد العالم كيف سقط اتفاق /17/ أيار وبشير الجميل، وكيف انسحبت الولايات المتحدة الأميركية خائبة مجرّحة وانسحب حلفاؤها في المتعددة الجنسيات من لبنان، بعد العملية الفدائية النوعية ضد قواتها في بيروت والضاحية الجنوبية.
فرنسا تتطلع -إذن- من زاوية تجربة قريبة طويلة وعميقة، ومن خلال ماضٍ وعلاقات مستمرة مع ذلك الماضي، ومن خلال مصلحة وحرص على علاقات وأشخاص وتيارات ومصالح مستقبلية؛ وتأخذ بالاعتبار مكانة سورية عربياً، ومكانة الرجل الذي تحاوره وتاريخه ومواقفه؛ وتبدو في كل ذلك، ومن خلال استقرائه، حريصة على دور وحضور وتمايز خاص بها وبأوربا من خلفها، في هذه المنطقة من العالم. أما سورية فتقف أمام وقائع ومعطيات: محلية وعربية ودولية، وأمام حقائق التاريخ والجغرافية، وأمام مستلزمات الصراع والتحرير والنهضة ومواجهة متطلبات عصر العلم والتكنولوجيا والعولمة والقوى العملاقة: عسكرياً واقتصادياً.
سورية تقف أمام اتفاقية التجارة الدولية واستحقاقاتها عام 2005، وأمام القوة النووية الإسرائيلية ورفض "إسرائيل" التوقيع على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية وعدم إجراء التجارب النووية، وكذلك أمام تحالفات إسرائيلية -أميركية- تركية وحتى عربية "أردنية مثلاً" في المنطقة، تهدف إلى فرض هيمنة وإلى إعادة رسم "الجغرافية- السياسية" للمنطقة بالقوة، إن اقتضى الأمر؛ كما تقف أمام استحقاقات واقع عربي أصبحت فيه الشراكة "العربية -الإسرائيلية" بالنسبة لبعض الأقطار والقوى العربية واقعاً قائماً يهدد الكتلة العربية وآمالَها وتطلعاتها القومية- المستقبلية وتضامنها ومشاريعها المشتركة.
وتقف أمام واقع وطموح داخليين لا بد لهما من: تطوير القدرة الإنتاجية وتحسين نوعيتها، وامتلاك طاقة إنتاجية جديدة في مجالات صناعية، وكذلك التدريب والتعليم في المراحل العلمية العالية لامتلاك علم وتقانة لا يمكن البقاء خارج حدودهما والتغاضي عن ضروراتهما.
وتتطلع إلى اختراق أشكال الحصار غير المباشر المفروض عليها /أميركيا بتأثير صهيوني، وأوربياً بتأثير أميركي/ لا سيما فيما يتعلق باحتياجات الدفاع عن النفس، والحصول على تجهيزات وتقنيات متطورة تحتاج إليها في ميادين كثيرة.
سورية تحتاج إلى كسر الطوق المفروض عليها "تقنياً" والطوق المفروض عليها "علمياً واقتصادياً"، وهي بحاجة إلى استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وقد حاولت سابقاً الحصول على مفاعل نووي للأغراض السلمية ولم تفلح.
ولا يمكن الحكم على مقدرة روسيا في الخروج من الدائرتين الأميركية- الإسرائيلية، أو الدائرة الصهيونية الموسَّعة، تلك المفروضة على قراراتها والتزاماتها، لا سيما فيما يتعلق بسورية؛ فهل تستطيع فرنسا كسر ذلك الطوق عن سورية، وهل تنجح هذه الزيارة الهامة في إقناع الفرنسيين بذلك؟! إن الآمال كبيرة في هذا المجال، لا سيما فيما يتعلق بالتدريب والتحصيل العلميين على الأقل.
وسورية تحتاج، في هذه الظروف، إلى تنويع مصادر أسلحتها وإلى تنويع الأسواق والجهات التي تتعامل معها. والسوق الأوربية هامة جداً في المجالات المؤهلة لشراكة اقتصادية ناجحة ومفيدة لسورية، ولتأهيل علمي وعملي ملائمين للتعامل مع تقنيات عصر العولمة ومواجهة زحفها في الحدود الدنيا المطلوبة للتماسك والتفاعل مع الحفاظ على الهوية والمصلحة والذات والأهداف الرئيسة.
وتبدو سورية في هذا الموقع قادرة على التأثير والإقناع من خلال موقعها في المنطقة، ودورها في الصراع العربي الصهيوني، ومكانتها العربية، وتماسك جبهتها الداخلية، ووضوح أهدافها وسياساتها. وكذلك من خلال امتلاكها لمواد أولية استراتيجية واعدة على رأسها البترول والغاز؛ وهي تحقق اكتفاء ذاتياً في محاصيل زراعية استراتيجية، وتبشر مشاريعها المستقبلية بعطاء أفضل. من هذا يتبين لنا أن مصالح مشتركة تدفع الطرفين إلى الحوار والتواصل والتعامل، ووقائع على الأرض -لا سيما في المجالين السياسي والاقتصادي ـ تشير إلى إمكانية نشوء تعاون وطيد، وربما تفكير بما هو أبعد من التعاون، بين سورية وفرنسا.
فهل يتحقق هذا أو شيء هام منه في هذه الزيارة التاريخية الهامة؟! وهل نحن أمام وضع غير متوازن يؤدي إلى حوار غير متوازن ومن ثمة إلى اتفاقيات غير متوازنة؟! لا أقول بذلك انطلاقاً من أمور تحكم الوضع ومعطياته، أذكر منها :
-مكانة سورية، ومكانة الرئيس الأسد، عربياً ودولياً، والمعرفة المؤكدة عن تلك المكانة، التي تحصلت من تجربة عميقة.
-حاجة فرنسا إلى استعادة مواقع ومصالح ومنافذ في الشرق، وفي هذه المنطقة من الشرق. ولن يقوم ذلك إلا على أساس من الثقة والاحترام المتبادلين على كل مستوى وصعيد.
-وضع المتغيرات والتحديات والعلاقات المتحركة في عالم اليوم، التي تفرض قيام تواصل على أساس المصالح بين فرقاء يريدون المحافظة على مصالحهم، في الوقت الذي تهدد فيه الشركات المتعدية الجنسية، والدول المالكة لسيطرة عليها ونفوذٍ فيها ولقوةٍ متغطرسة تخدم مصالح جشعة، في الوقت الذي تتهدد فيه تلك القوى شعوباً ودولاً ومصالح كثيرة للآخرين في العالم ويحتاج أمر مواجهتها إلى قوى موازية قادرة على العمل بثقة واقتدار.
الأسبوع الأدبي/ع619//18/7/1998.
|