|
تأملوا واتعظوا يا.. .
لندن، وقد انقشع الضباب وأشرقت الشمس وصحّت الرؤية، تبدو مدينة عريقة مثقلة بذاكرة التاريخ.. تاريخ أهلها وتاريخ الأمم. إذا نظرت إلى عمرانها وآثارها وحدائقها وظاهر النظام فيها وحركتها التجارية قلت : تلك عاصمة مدهشة فيما تملك؛ وإذا حدثوك عن فقدان أنواع من الأمن فيها، وعن فساد علاقات الناس الأسرية والاجتماعية، وعن حضور القانون المتمثل في الشرطي وغياب الشرطي الداخلي المتمثل في الضمير، قلت : هذه مدينة مدهشة فيما تفتقر إليه مع ما هي عليه من غنى وما كانت عليه من قبل.
في الذاكرة، التي لشرقي -عربي مثلي، يستقر من لندن الاستعمار والحروب ونهب العالم وسايكس ـ بيكو، ووعد بلفور، وتمزيق سورية ومحاولات تفتيت الشخصية العربية ابتداء من مقاومة العربية خلال احتلالها لمصر، والسيطرة على منابر في الأزهر الشريف ثقافياً 1882، كما يتنامى أثر سرقة النفط واحتلال منابعه في العراق ودول الخليج؛ وفي الذاكرة تاتشر وحقدها اللامع كسيف نووي، وتأثيرها على جورج بوش لبدء حرب تدمير العراق، والمثابرة الخفية على استمرار الحصار ضد أقطار عربية؛ وفي الذاكرة الأبعد قليلاً يمتد تواصل النزوعين العنصري والصليبي من: ريتشارد قلب الأسد إلى الجنرال (اللينبي )، الذي قال هو وغورو الفرنسي بتوقيت متقارب : "ها قد عدنا يا صلاح الدين" يقصد عودة الحملة الصليبية المنتشية بانتصارها" إلى القدس في ثوب استعماريي القرن العشرين، وحروبهم العالمية التي " أقامت صرح المدنية في العالم " !؟ واستعمارهم لسورية الطبيعية بعد تمزقها، والإشراف على إقامة الكيان الصهيوني في الجزء الجنوبي الغربي منها، وتعزيز ذلك الكيان باستمرار بعد رعايته وتقديم الدعم الموصول له، ذلك الدعم الذي لا يعرف حدوداً ولا ضفافاً.
هل في لندن نفوذ يهودي؟! يقول التاريخ : إن روتشيلد ليس رئيساً للدولة ولا ملكاً متوجاً، ولا هو رئيس وزراء بريطانيا، إن روتشيلد رئيس دولة المال والأعمال فقط !! وهل في بريطانيا وجود لغير دولة المال والأعمال بعد أن غابت الشمس عن اتساع إمبراطوريتها وبدأت تظهر معالم مدنها في الضوء بعد انحسار الضباب؟! وهل روتشيلد أكثر من جلد جديد لشايلوك التاريخي؟!
الصهيونية لا تحتاج إلى نفوذ في بريطانيا فهي الحكومة الفعلية المغلَّفة بورق "السوليفان" حسب الأسلوب الإنكليزي؛ فأولئك الذين يرسمون الحركة من وراء جدران سميكة مبصرة، يصنعون ساسة وسياسة ويرفعون رموزاً بأشكال مختلفة لتقول بعد أن تعمل ما يريدون من: تشرشل إلى تاتشر، ولكن حضورهم في الحكومة لا يقل عن أربعة وزراء نافذي الكلمة؛ وعن الرئيس الذي يصنع قرارات السوق، لا سيما سوق الذهب، حيث يضع سعره يومياً ويقود حركة مشتقاته من العملة في كل ساعات اليوم.. روتشيلد اليهودي ونسله الممتد بعيداً من بروكلين الأميركية إلى تل أبيب وبعض ضواحي الاقتصاد العالمي في آسيا.
في لندن لا يظهر لك الشرطي إلا عندما يشاء، ينبعث من بين الشجر والحجر، وهو لا يراقبك بعينيه الزرقاوين، ولكنك دائماً تحت النظر من خلال عيون التقنيات الحديثة العالية الأداء : من رادارات الشوارع إلى رادرات المراتع والمرابع، التي يكثر فيها عرب لا سيما في موسم الصيف.
وإذا ما ذكر العرب في هذا المجال فعليك أن تتذكر سيول دراهمهم التي تذهب للتبرعات "العالية الوهج" لحدائق الحيوان أو لمستشفيات الأعيان في عاصمة الزمان، وعليك أن تتذكر موائد القمار في "فندق ريتز" وما يسيل عليها من نقود بين الزنود والنهود، وعليك أن تتذكر شوارع ومواقع أخرى ليس أهمها شارع أوكسفورد بالضرورة.
إن المال العربي يصب هناك بهدوء، وهو مثل التايمز ينساب ناعماً أحياناً ولا تشعر بصخب تدفقه، ولكن عندما يلازمك سوء حظ ما وتزلّ قدمك أو تسقط في منحدر أو منحى من منحدراته ومنحنياته، فإنك تذوق الأمرّين وتعاني الأهوال من أمواجٍ ما للمحيطات عهد بها.
"بيغ بن" تقرع ناقوسها كل ساعة من ساعات اليوم، على مدى الأيام، عند ضفة ذلك العريق في القدم، الذي شهد ولادة حضارة تلك البلاد، وسعى على ضفافه عظماء إلى الشهرة، ليس أعظمهم شكسبير بمسرحه الذي كان متواضعاً هناك في القرون الماضية، مسرح البجعة؛ "بيغ بن" تقرع ناقوسها بعد أن تعطَّل عملياً ناقوس الكنيسة، وهي المشرفة على مجلس العموم تعلن موت "ويست منستر أبي"، التي غدت للحفلات والمراسم الرسمية؛ فعالم الكنيسة يستسلم لعالم آخر، ولا تجد الثورة العميقة للبروتستانتية إلا عندما تستثار بتحديات. إنها الشاهد الذي يشرف على مملكة روحية تنهار أو تموت فيها الروح لتستشري حاجة الجسد؛ وتراها في : فقدان الأمان، والاعتداء على القصّر، في الشذوذ الذي يحكم طبقات عليا ويتحكم بها، وفي تحلل الأسرة وفقدان الروابط الاجتماعية الحميمة، وفي الشيوخ: نساء ورجالاً، الذين قد يجدون الطعام ولا يجدون الاحترام، فتراهم من عري إلى عري يسيرون، في رغبة جامحة للحديث مع إنسان واللقاء بإنسان يستشعرون معه المودة وما يجمعهم من جديد ببعض مظاهر الحياة والتحنان .
إن أسرة الإنسان مفقودة وأسرة الحيتان موجودة بقوة وقسوة، وعليك أن ترى في ظل ركام "التحرر" حرية المرأة الحقيقية والاحترام الذي لها والحقوق التي تتمتع بها؟! لا سيما عندما تصبح مجرد "عبدة" بالمعنى الأقرب للدقة "لرجل حياة" لا يقدم لها أية واجبات ولا يكاد يلتزم إلا بقيد صك الزواج عندما يضع يديه فيه بعد تردد طويل، ويتحول الزواج من بعد إلى عمليات "تجارية" في سوق الحقوق القانونية.
لندن تلبس القصير أولا تلبس.. هذا شأن الذين يعرضون جسدهم بضاعة/ أو اللائي يعرضن/ وبضاعتهم جسداً مفرغاً من معنى الروح وامتدادها المتسامي ودفئها الإنساني، ولكن لندن ليست جسداً.. وليست مجرد سوق بضائع لأوربا والشرق، وليست أولئك الذين يسرقون الكحل من عينيك بأساليب مشروعة تقر السرقة بطرق قانونية وتتباهى بأنها " لطشتك " !! لندن مدينة تطحنك على مهل، فهي مطحنة الماء القديمة التي لا تكف عن الدوران واستهلاك موادها. وهي عامرة بالمتاحف التي تشكل المسروقات معظم موجوداتها : من الفرعوني إلى الآشوري إلى الكنعاني.. إلى.. ما شاء الله للسارقين أن يسرقوا..
وهي مدينة علم وأدب وفن.. ومدينة تكثر فيها الجامعات والكليات ومراكز البحث، ويكثر فيها أيضاً نوع من العرب الذين يحبون بلادهم ويحبون بعضهم بعضاً أيضاً لدرجة الإبادة؛ وأرجو أن تقرأ جيداً "الحب لدرجة الإبادة"!!
لندن مدينة تستيقظ فيها على خوف من الغد وعلى هرب من الأمس وتبقى لاحقاً وملاحقاً في حالتي نصَب وظمأ؛ وتخشى أن يستيقظ في زاوية من زواياها فجأة نلسون أو كرومويل أو حتى الملك المؤسس ليقتلك أو لينهب بلادك، وليمنّ عليك من بعد بشعر مرسل من "رديارد كبلنغ" بأنه يقدم لك خدمة "الاستعمار" النبيل، الذي ينقلك إلى عصر المدنية والحضارية الأنغلو-سكسونية، تلك التي تنطلق وتنطلق معها أوربا كلها والولايات المتحدة الأميركية نحو المعالم بمقولة عنصرية، قديمة حديثة تقول : "إن كل أرض خارج أوربا ليست ملك أحد NO MAN,S LAND لأن الذين يسكنونها نوع منحط من البشر، أرقى من الحيوان قليلاً لكنه أدنى من الإنسان الأوربي"، وهو ما يبرر الاستعمار والاستغلال والإبادة وسرقة الأوطان ونهب العالم الآخر.. الثالث الرابع ..إلخ؟! أليست هذه هي نظرة الصهيونية إلى الغوييم؟! والصهيونية يهودية عصرية أكثر عنصرية؟! تأملوا واتعظوا يا أولي الأموال والألباب.
الأسبوع الأدبي/ع620//25/7/1998.
|