صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الكرَم اليهودي بعد خمس سنوات

"عملية السلام وصلت إلى طريق مسدودة، وهناك جهود حثيثة تبذل لاستنقاذها من المأزق الذي وصلت إليه ." هذه هي خلاصة ما يقوله المعنيون بعملية السلام ومساراتها بشكل عام، سواء منهم أولئك الذين غرقوا في تيار الاستسلام ولا ينقذهم إلا المزيد منه، إذا كان ذلك بنظرهم إنقاذاً، أم أولئك الذين قالوا بخيار السلام ورفضوا شروطه ومواصفاته " الإسرائيلو- أميركية " وما زالوا في مواقع الصمود والنضال من أجل الحق والأرض؛ هذا على الضفة العربية، أما على الضفة الأخرى فهناك منطق من شقين متتامين :‏

- كلام مستمر عن السلام، وتحميل مسؤولية توقفه لمن لا يخضعون لشروط الأقوياء التي تُملى عليهم.‏

- وعمل مستمر لخلْق واقع على الأرض يقلل من فرص حصول "المسالمين" أو "المسَلمين" أو " المستسلمين "، على شيء جدير بالاهتمام، ويتجلى هذا الواقع في الاستيطان والتهويد وتطوير القوة العسكرية " الإسرائيلية"، وتمتين تحالفات الصهيونية وتوسيعها في المنطقة لفرض الهيمنة عليها.‏

أمَّا عالم : " رعاة السلام " والتابعين له، فهو عالم يستهلك الكلام عن السلام ويصدر الكلام عن السلام أيضاً، ويشوه صورة السلام وشروطه ومناخه عند اللزوم؛ وأهلُه مشغولون عن الفعل الجاد من أجل السلام أو متشاغلون عنه لأنهم يأخذون بالاعتبار مصالحهم والمخطط الصهيوني ومتطلبات تنفيذه وترسيخه والأمر الواقع الذي يخلقه على الأرض أولاً وآخراً؛ كما يضعون في حسابهم أن الكثيرين من الرسميين العرب لا يتفقون على موقف ولا يركزون عليه، وأنهم لم يطالبوهم في يوم من الأيام، بشكل جدي وشامل، بتنفيذ شيء محدد باتفاق وصرامة وثبات.‏

منطق نتنياهو القائم على الغطرسة والكذب معروف، وصوته في الولايات المتحدة الأمريكية مسموع ويردده "ايباك" ويضخه إلى الغرب وبقية أنحاء العالم مضخماً بخلاصة تقول : " لقد حصل الفلسطينيون على الحكم الذاتي وهذا آخر ما يحق لهم من مطالب حسب " أوسلو "، وهم لا يلتزمون بما تعهدوا به من "محاربة الإرهاب"، وعليهم أن يفوا بالتزاماتهم أولاً ـ كما تحددها "إسرائيل" طبعاً ـ لكي تتم عملية إعادة انتشار جديدة ونهائية مقدارها 13.1% تقسم إلى قسمين 10% تقدم الآن و 3,1 % تبقى تحت السيطرة الصهيونية بوصفها محمية طبيعية وتقدم لاحقاً عند التوقيع على المعاهدة النهائية !؟ وهذا هو منتهى الكرم " اليهودي "، ولكن هذا الكرم مشروط بشروط كثيرة يقدمها نتنياهو مع ما يسميه مبادرته التي تتضمن الموافقة على المبادرة الأميركية ؟!؟.‏

أما على المسارين : السوري واللبناني، فهناك وضع مختلف تماماً : تقديم صيغة انسحاب " إسرائيلي " مشروط تنفيذاً للقرار 425 الذي لا ينص أصلاً على أية شروط، واستئناف للمفاوضات على المسار السوري من نقطة الصفر وليس من النقطة التي وصلت إليها في " واي بلانتيشن" أيام حكومة حزب العمل، مع تغيير " ليكودي " يقول ـ حسب إسحق مردخاي وزير الحرب المتوافق مع رأي نتنياهو ـ : " أن يكون حجم الانسحاب من الجولان مرهون بحجم الضمانات الأمنية التي يمنحها السوريون لإسرائيل "؛ وليس هذا مجرد تغيير لمقولة رابين/ حزب العمل/ السابقة : عمق الانسحاب بعمق السلام، كما أنه ليس موقفاً أو قراراً " إسرائيلياً " للتنفيذ بل هو نوع من المناورة، التي ترمي إلى إيهام الرأي العام بجدية " إسرائيل " في متابعة عملية " السلام "؛ والواقع أنها لا تستهدف إلا التضليل ومحاولات ابتزاز مزيد من الأسلحة والمساعدات أيضاً، لأن تصحيحاً أو تأكيداً تم لتصريح إسحق مردخاي بيَّن أن عبارته التي قالها في لقائه مع مجلة " فوكس " الألمانية هي كما يلي : " إن إسرائيل سيكون بوسعها التنازل عن مزيد من الأراضي بعد تعزيز أمنها ". وهذا يفتح موضوع تعزيز الأمن على احتمالات ومتطلبات وطلبات عديدة.‏

وإذا كان منطق نتنياهو -الليكود- يجمع بين الكذب والخداع من جهة وقوة الوقائع الجديدة التي يخلقها على الأرض -الاستيطان والتهويد والتسلح- من جهة أخرى، فإن منطق الراعي الأميركي يلتقي معه في عدة أمور منها :‏

- الكذب والخداع اللذان وصلا حداً يجعل الموقف العام لذلك الراعي يترجح بين :" التقصير والعجز أو التسليم لإسرائيل و"ايباك" ومجلس المنظمات اليهودية بكل ما يريده من رأي وقرار ".‏

- التلويح بالانسحاب من العملية للإبقاء على صورة غير مشوهة نسبياً للأميركي بنظر بعض العرب، وعلى المد "الإسرائيلي" في قوته واندفاعه الاستيطانيين العدوانيين؛ وعلى حالة اللهاث عند جماعة أوسلو ووادي عربة خلف سراب العدل الأميركي والقناعة "الإسرائيلية "؟!‏

وهذا الوضع المستمر في التردي يطرح على العرب من جهة، وعلى المعنيين بعملية السلام من غير العرب، من جهة أخرى، موضوع البحث عن بدائل ملائمة أو وسائل ناجعة لوضع الأمور في نصاب مقبول يفتح باباً من أبواب الأمل؛ ومن هذه البدائل :‏

1- البديل الأوربي.‏

وحتى لا نغرق في الوهم من جديد نحب أن نؤكد أن أوربا حسب تصور "ديغول" التي يمكن أن تمارس دوراً مستقلاً عن الولايات المتحدة الأميركية، ولا نقول "معارضاً لها "، غير موجودة؛ وأن أي دور لأوربا في عملية السلام هو دور مكمل للدور الأميركي، يتم بالتنسيق مع الإدارة الأميركية أو يمارَس بتكليف منها عندما تعجز عن الحركة أو عندما تريد إخفاء اتفاق سري مع " إسرائيل " أو أن تدخل مدخل مناورات جديدة للوصول إلى أهداف صهيونية معينة. وعلى هذا فإن الدعوة إلى مؤتمر دولي جديد يأخذ بالاعتبار مرجعية مدريد، هي احتمال مشوب بكثير من الغصص والمخاوف والشبهات؛ لأنه ما الذي يضمن أن تتم المحافظة على مرجعية مدريد فعلاً؟! ومن الذي يضمن أن المؤتمر البديل سيعطي دفعاً أو يحافظ على دفع جديد من أي نوع لعملية السلام، في ظل مشروع استعماري- استيطاني صهيوني مستمر يعمل حسب مرحلية يُختار لها التكتيك الملائم تنفيذاً لاستراتيجية ثابتة؛ بعد الذي شهدناه وعرفناه وتابعناه منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم؟‍!‏

ومن الذي يرى في المؤتمر البديل، أو المؤتمر السند لمؤتمر مدريد، قوة، بعد أن تأخذ الولايات المتحدة حريتها التامة في الوقوف بعيداً عنه أو في حالة تنصل تام منه، وهو ما يسعى إليه "ايباك" وحزب الليكود والمتصهينون الأميركيون الذين اكتشفوا جميعاً بعض جوانب عري الصف العربي عامة والفلسطيني خاصة، لا سيما خلال السنوات الماضية من هذا العقد!؟!‏

2- التضامن العربي لتحقيق دفع إيجابي في منحيين :‏

أ - منحى تشكيل موقف عربي موحد وقوي نسبياً لدخول معترك " السلام "؛ ويبدو هذا حلماً ملائماً وليس واقعاً منتظراً، بعد أن وقَّع من وقَّع على اتفاقيات ومعاهدات تجعله ملتزماً بالتنسيق مع العدو الصهيوني أكثر من استعداده للالتزام بأي تنسيق مع قطر عربي أو أمة عربية " أفلح " في التملص من الانتماء إلى معركتها والالتزام بقضاياها ؟!.‏

ب- وإذا كانت مصر "كامب ديفيد" وأردنّ "وادي عربة والمعاهدة التي تلتها " وفلسطين " أوسلو " قد تم تحييدها كلها على الأقل، بالنسبة لجوهر الصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود مع وجود، كما تم إلزامها باختيارات لا تفضي إلى تأكيد الحق العربي في فلسطين أو تأييده بَلْه الدفاع عنه والقتال من أجل استرداده؛ فما معنى تضامن عربي مفرَّغ من مضمونه عملياً، وما جدوى اجتماعات تزرع الشك ولا تقيم جسور الثقة بين الأخوة، بعد الذي آل إليه وضع التضامن العربي من ضعف وتهرؤ منذ بداية عقد الثمانينات حتى اليوم؟!‏

جـ - منحى تشكيل قوة، بالمعنى الشامل للقوة، قادرة على خلق واقع جديد على الأرض. وهذا النوع من الاختيارات محكوم بالوضع العربي العام، وبالحالة القطرية المتورِّمة، وبالوضع الدولي ومعطياته ومتغيراته.‏

وحين ندقق في الوضع الآن ونتأمل في معطياته بشيء من الابتعاد الافتراضي عن لججه وتفاصيله، ونمارس ما يشبه الاستشراف المستقبلي، نجد أمامنا الوقائع والمعطيات والإمكانيات الاحتمالية الآتية :‏

1- تكثيف الاستيطان في الجولان ـ بناء 2300 وحدة سكنية و 2500 وحدة سياحية جديدة ـ وفي الضفة الغربية والقدس وبعض مستوطنات غزة، ويتواكب ذلك مع ازدياد الغطرسة الصهيونية وتعزيز ميزانية الأمن والقوة العسكرية والاقتصادية للعدو. ويبدو أن مواجهة الوقائع الجديدة، التي يخلقها العدو ليضع الجميع تحت الأمر الواقع، مواجهتها بوقائع جديدة عربية هو من الأمور المطلوبة والمستبعدة في آنٍ معاً؛ لأن تصعيد المقاومة وإقامة قرى الثغور المطلوبة وتركيز الحضور المضاد في كل مجال من مجالات المواجهة، كل ذلك يحتاج إلى قرار سياسي وإرادة سياسية وقوة، بشمول معنى القوة، وسند دولي يعتد به.‏

2- قيام محور عربي رسمي يضغط باتجاه تعديل جذري في موقف العرب الذين وقعوا معاهدات مع العدو، لتحقيق تحوّل في موقفهم لجهة تعزيز التزامات قومية تعلو على التزاماتهم حيال " إسرائيل "، ومن أجل رؤية مستقبلية تجعلهم يرون إمكانية أن تقوم في العالم قوة محتمَلة غير القوة الأميركية، التي تُدْرِجهم في حساباتها وأرصدتها وتستدرجهم إلى مواقف مؤيدة في المحصلة النهائية للباطل الصهيوني- الأميركي الذي يجسده الاحتلال والمشروع التوسعي ـ الاستيطاني المستمر.‏

وهذا أمر له ماله وعليه ما عليه، ويُخشى أن يؤدي ـ إذا ما فرضته قوة ـ إلى مواجهات عربية جديدة وإلى تعميق الشرخ القائم بين أقطار عربية وأخرى !! ولكن يبقى السؤال قائماً ومشروعاً : هل يمكن أن ينشأ وضع عربي جديد يأخذ استراتيجية التحرير بالاعتبار من دون تحقق ذلك التحوّل ؟!؟‏

3- اعتماد بعض الأقطار العربية المعنية بالقضية الفلسطينية سياسة خاصة للمواجهة تنطلق من قواها الذاتية، على أرضية ما أراه حقيقة قائمة ومستمرة وهي أن المشروع الصهيوني مشروع مستمر في عدوانيته ولا يوقفه أي " سلام " عند أي حد، ولن تردعه إلا قوة، وأنه في وجوده أصلاً واستمراره مناقض ومضاد بشكل تام لأي مشروع نهضوي عربي ومهدد له؛ ولذلك فلا بد من الاستمرار في التأسيس والاستعداد لحسم الصراع العربي الصهيوني بالقوة، طال الزمن أم قصر. وهذا يستدعي العمل بثقة وإبداع وجهد خلاق، وصبر طويل، وأمل مفتوح، وباعتماد تام على العلم والإيمان والعمل بهما؛ والانطلاق من ثوابت مبدئية شاملة يتم العمل من أجل تأكيدها واستقطاب الناس من حولها بكل الوسائل والأساليب، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً، ومواجهة حقيقة الاختيار المضني القائم على اعتماد مبدأ : احترام الحق وتحمل تبعات تحصيله، أياً كانت الصعوبات والتكاليف والتضحيات.‏

ولا أخفي ميلي التام لهذا النوع من الاختيارات المبدئية، على أن ينال القدر الكافي من العمل والتخطيط والإعداد والاستعداد، في ظل رؤية مستقبلية شاملة، ومرونة سياسية في تحديد المرحليَّات ومتابعتها، لا تغفل الثوابت الاستراتيجية ولا تحيد عنها؛ رؤية توظِّف كل شيء وكل جهد وطاقة من أجل تحقيق مشروعها، تبدأ من التربية والتعليم وتتوسع في أدائها لتشمل كل مناحي التكوين والتثقيف العمل والإنتاج والعيش والسلوك والمواجهة.‏

إن هذا النوع من الاختيارات صعب وقد يبدو، من جهة نظر بعض الذين جرفتهم الرؤية الأميركو- صهيونية لمستقبل المنطقة، قد يبدو نوعاً من العيش خارج التاريخ وخارج العصر وخارج الممكن !؟ ولكن من قال إن كل ما أنجز في التاريخ أنجز على أساس من المنطق؟! ومن قال إن المشاعر الوطنية والقوى الروحية والكرامة القومية ينبغي أن تُغفَل ويُغفَل تأثيرها في الحياة وفي تغيير مجرى الأحداث والتاريخ ذاته !؟ ومن قال إن حب الوطن والدفاع عن النفس والحق والمبدأ لا يقدمان دفعاً روحياً للإنسان لا حدود لتأثيره في مجرى التاريخ ؟!‏

إن التاريخ والممكن تصنعهما دائماً إرادة مصممة على أن تفرض وجودها وتدافع عن مشروعها وتؤسس لحماية ذينك الوجود والمشروع بعمل دؤوب لا يُغْفِل معطى الواقع والمنطق من جهة ومعطى الروح والأمل والتضحية والطموح من جهة أخرى.‏

إن " إسرائيل " في ظل أي "سلام" محتمل ومقبول من بعض العرب أو من العرب رسمياً، ستبقى عامل عدم استقرار في المنطقة، ومصدر احتمالات لا نهاية لها لحالات من العدوان والابتزاز والإرهاق؛ وهي قبل ذلك كله وبعد ذلك كله -في وجودها واستمرارها ونموها- تجسيد للعدوان والقهر ولعوامل الإذلال التي تلحق بالأمة العربية، واستمرار لعوامل إضعافها وتمزيقها وتخلفها والاستهانة بحقوق أبنائها وبمقدساتها وتاريخها؛ فهل يمكن أن نقبل وجود التهويد والتهديد والتحدي البغيض صباح مساء، أم أن هناك مدى للاحتمال وحداً للصبر وفجراً وانفجاراً معاً لقوة، مادية وروحية، تؤكد الحق والكرامة وتستنقذهما؟!‏

إنني مع الحياة الكريمة بتكاليف ضخمة ولست مع الذل الممزوج بسعادة زائفة.‏

الأسبوع الأدبي/ع624//29/8/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244