صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية/لإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثاني)/د.علي عقلة عرسان/منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الإرهاب الأميركي

ماذا تريد الولايات المتحدة الأميركية من عدوانها على مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بحري، الذي يزوِّد السودان بـ 50 % من حاجته للأدوية، في ظل اجتياح الجوع والمرض والأوبئة للسودان، جراء فرض الحرب الأهلية والتدخل الخارجي والحصار الأميركي الظالم عليه؟! هل تريد تأديب " أسامة بن لادن " ومنعه من الحركة بتدمير البنية التحتية لممتلكاته التي تسند ما تسميه " إرهابه " حسب تصريحات مسؤوليها، فأخطأت الهدف والتقدير؟! أم أنها تستهدف السودان وسيادته ونظام الحكم فيه واختياراته القومية والإسلامية وقوته الذاتية ، التي تعمل على حماية وحدته أرضاً وشعباً وتتصدى للحركات الانفصالية والتبشيرية المعادية لهوية السودان وانتمائه القومي ونظامه الإسلامي ؛ وهي تكذب في ادعائها استهداف بن لادن في السودان، وهو لا يملك مصنع الشفاء للأدوية وليس شريكاً فيه؟! أم أنها تدافع عن نفسها وعن أمنها القومي " ؟!؟ " ضد السودان الذي ينتج ـ كما تدعي ـ عنصراً من العناصر التي تستخدم في إنتاج غاز الأعصاب v.x ـ وهو ادعاء ثبت كذبه ـ وهي التي تملك أكبر ترسانة في العالم من أسلحة الدمار الشامل بأنواعها، مما يكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، وتحمي " إسرائيل التي تملك هذا النوع من الأسلحة وتهدد بها العرب والمسلمين؟! أم أنها تستهدف السودان وابن لادن ، والدعوة القومية، والصحوة الإسلامية في العالم ؛ وتستهدف السلاح الذي رفعه البشير ـ وهو لا يملك سلاحاً يرفعه بوجه الولايات المتحدة الأميركية بعد الغارة على مواطنيه وعقيدته وبلاده، فرفع سلاح : لا إله إلا الله، سارت به الجماهير السودانية بقلوب عامرة بالإيمان، فاستحق هو والأفغان وكل من يقول أمة عربية ولا إله إلا الله، في طول الأرض وعرضها، عقاباً ذا مفعول مستقبلي وملاحقة أميركية ـ صهيونية دائمة، وإبادة بلا رحمة ؟!؟‏

إن أسامة بن لادن، والقائمة التي تضم مجموعة كبيرة من الشخصيات والتنظيمات والمؤسسات، تلك التي تعلنها وتجدد إعلانها وزارة الخارجية الأميركية، وكذلك السودان وسورية وليبيا والعراق وإيران وكوبا وكوريا الشمالية، كل أولئك تضمهم " القائمة المقدسة " قائمة اللوبي الصهيوني، فهم على لائحة الإرهاب الأميركية، لائحة : مادلين أولبرايت ووليم كوهين وساندي برغر ومارتن إندك ودنيس روس ... إلخ، أو لائحة نتنياهو وشارون وأفيغدور كهلاني وشامير ... إلخ ـ ليس هنالك فرق، فالكل يهود ـ صهاينة، يعملون على أرضية العنصرية التلمودية لخدمة يهود عنصرية ومشاريع ـ توسعية ومصالح مشتركة ؛ فالذي يملك قرار الإدارة الأميركية ومجلسي الكونغرس فعلياً هم يهود صهاينة : من " ايباك " إلى مونيكا لوينسكي، التي تلهم للرئيس الأميركي كلنتون المتعة والكذب والأوامر العدوانية وممارسة إرهاب الدولة، برقصها عارية في مكتبه في البيت الأبيض، على ذمة شهود من أهله، شهود التحقيق الذي يشرف عليه ستارت !! ومن يصنع القرارَ أو من يُصنَع لمصلحته القرارُ : هم يهود صهاينة أيضاً يقيمون مشروعاً استعمارياً بقوة الإرهاب في فلسطين المحتلة، ويستمد ذلك المشروع دعمه الشامل والمطلق من قوة الولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الأولى، التي غدت، بسبب التسخير اليهودي البشع لشعبها ووضعه في خدمة قضية ظالمة، غدت : قرصاناً شريراً ينشر الرعب والظلم عبر العالم، والراعي الأول للإرهاب فيه، والمكروه الأكبر من قبل شعوبه .‏

هل تريد الولايات المتحدة الأميركية بشنها عدواناً سافراً على السودان وأفغانستان البلدين العضوين في الأمم المتحدة إعلان حرب على الإرهاب فعلاً؟! أم أنها تريد إعلان حرب حقيقية على الإرهاب فأعلنت حرباً على العرب والمسلمين؟! أم أن العرب والمسلمين تماهوا عندها مع العدو " الإرهاب"، فلم تعد ترى بينهما فرقاً وأضافت إليهم : العروبة والإسلام، القومية والدين ؛ ورأت في كل يقظة أو نهضة من أي نوع في هذا الكيان خطراً على " إسرائيل" وتهديداً لها ؛ ولما كان هدفها الأول في هذه المنطقة من العالم هو حماية " إسرائيل " فقد أعلنت عن حملتها الحربية الطويلة الأمد، لتضع حداً لذلك النوع من التهديد ـ التحرير ـ اليقظة، أي نهضة العروبة والإسلام ؟!‏

قد يكون الهدف من العدوان على السودان وأفغانستان هو تعديل الميزان النفسي للشعب الأميركي الذي تأذى من الاعتداء على سفارتيه في نيروبي ودار السلام، ومن جرح كرامته بالكذب عليه من قبل رئيسه في فضيحة لوينسكي؟! ومن حق الشعب الأميركي أن يتأذى وأن يستعيد توازنه النفسي المختل من جراء ذينك الحدثين الفظيعين ؛ ومن حق الولايات المتحدة الأميركية أن تدافع عن رعاياها وسفاراتها وسيادتها وعن مزاج مواطنيها ؛ ولكن كيف يكون ذلك الدفاع من جهة، ولماذا يكون ذلك العدوان من جهة أخرى؟! ولماذا يتوجب على العرب أن يدفعوا دائماً ثمناً باهظاً في كل مناسبة يتعرض فيها المزاج الأميركي والصهيوني للخلل بانحراف رئيس أو اكتشاف فضيحة أو قرب انتخابات برلمانية أو رئاسية؟!!‏

لا يمكن أن يكون " الدفاع " بالعدوان، واختلاق الذرائع لسد فجوة في الاحتمالات، لا سيما في حالة عدم التكافؤ وغياب الدليل القاطع وعدم وجود حالة حرب وقيام الاعتراف بالسيادة ؛ ولا يمكن أن يكون العدوان الإرهابي المكشوف من دون خلفيات بعيدة الأثر تتصل برسيس صليبي ـ عنصري ـ صهيوني مقيت، وبنزوع استعماري وتعال بغيض .‏

إن الجرأة الأدبية التي تحتاج إليها سياسة الولايات المتحدة الأميركية، لكي تطرح على نفسها أسئلة جدية وجذرية وتلتمس لها أجوبة موضوعية مقنعة، لا يمكن أن تتحقق ـ بتقديري ـ مع استمرار قيام ذلك الخلل الخطير في مجالين رئيسين من مجالات الحياة والعمل هناك :‏

ـ الإفلاس الروحي والخلقي الذي غدا سمة الحياة والممارسات الأميركية، وهو يتجلى في : ازدواجية المكاييل المفضوحة، والكذب المخزي على مستوى الرآسة والمستويات الأخرى، واستخدام الديموقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن الحرية سلعاً سياسية وذرائع للوصول إلى مصالح اقتصادية ومالية، ولتحقيق غايات استعمارية، ونشر هيمنة، والوصول إلى ابتزاز ونهب وترهيب.‏

ـ ازدواجية الولاء من قبل معظم العناصر النافذة الرأي والقرار في السياسة الأميركية، وأعني ازدواجية ولاء اليهود الأميركيين لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية ـ والأولى مقدمة عندهم على الثانية ـ ذلك الازدواج الذي يسفر عن وضع قوة الدولة الكبرى وثقلها السياسي والعسكري العالميين في خدمة مشروع الكيان السرطاني الصهيوني في فلسطين ؛ ويحوِّل الولايات المتحدة الأميركية، التي تربطها بالوطن العربي والعالم الإسلامي مصالح ضخمة وكثيرة، من دولة يُتوَخَّى منها الصدق والإخلاص والنزاهة خدمة لمصالحها ولمن يبادلونها تلك المصالح وإشاعة للعدل والسلام اللذين لا يستتبان إلا على أساس متين منه، إلى دولة منحازة كلياً مخادعة بقذارة، كاذبة حتى النخاع، متحالفة مع أعداء العرب والمسلمين، تدفعها شرورها وشعورها بظلمها لهم إلى الخوف من يقظتهم وقوتهم، ومن ثم الخوف من كل ما قد يساهم في ولادة تلك اليقظة وتكوين تلك القوة التي لهم على أساس مكين من الوعي والعلم والإيمان ؛ وهذا يجعلها تتآمر عليهم وتشك فيهم وتعتدي عليهم وتؤيد من يعتدي عليهم، وتعمل على تشويه صورتهم وثقافتهم، وتذهب إلى البحث عمن يساعدها في حماية مصالحها عند اللزوم !!‏

ولكن عندما تصبح تلك المصالح بحجم الاحتلال وسرقة الوطن والتهديد المستمر للوجود والمقدسات والهوية والعقيدة الدينية، فهل يمكن أن يتوقع الأميركي من العربي والمسلم أن يبقى مستسلماً خائفاً خانعاً وذليلاً؟!‏

الصهيونية تقول للأميركي ـ للشعب المبعد عن الحقيقة وعن شؤونه السياسية، الذي تصور له العربي عدواً وغولاً همجياً ـ إن العرب والمسلمين لا يمكن أن يفهموا إلا بلغة القوة، وهي المدخل الوحيد لجعلهم يقبلون ما يملى عليهم ويسكتون !؟ وأنه يجب أن يحرموا من امتلاك أية قوة لأن امتلاكهم لها يجعلهم يسيؤون استخدامها ؟!؟‏

ولكن من وما الذي يمكن أن يقنع الأميركي خاصة والغربي عامة بأن ما يقدِّمه له الصهيوني كذب وخداع وتضليل، ومن الذي يدخل هذه المراهنة حين يعززها تصرف بعض الحكام العرب، وتورط بعض الأنظمة العربية، التي تبيع نفسها للشيطان في سبيل البقاء على كرسي من ذل وعار؟!‏

لا يوجد حالة إنقاذ لمن يرفض أن يتجرع الذل وأن يتنازل عن الأرض والدين والحرية والكرامة إلا أن يقاوم دفاعاً عن نفسه وعن حقه في الحياة، عن وطنه ودينه وثقافته ونوع الاختيار الذي يختاره في الحياة؟! ولكن ذلك الدفاع عن النفس والحق يصبح إرهاباً بعرف من يملكون القوة وينصِّبون أنفسَهم مشرعين ومفسرين للتشريع وقضاة وهم أشد الخصوم !! هنا تنشأ المشكلة ويبدأ التعقيد، ومن هنا يبدأ الاكتشاف الحق لمن يريدون عدلاً واطمئناناً وأماناً لهم وللآخرين ؛ ويكون ذلك بمواجهة الحقائق والأسئلة الصعبة بشجاعة وموضوعية ونزاهة وقدرة على التخلص من داء الانحياز وعمى العلاقات الحميمية، ومن عمى الحب : والحب أعمى كما يقول المثل العربي؟!‏

فهل يستطيع العقل الأميركي أن يرى حقيقة المعضلة في : أن العدوان وممارسة إرهاب الدولة، والاعتداد بالقوة، واستخدامها بغطرسة وعمه لن يولد عند المظلومين، عند العرب والمسلمين، حالة الاستكانة والذل والاستسلام، ولن يجعلهم يلقون سلاحهم ويقتلون الأمل في قلوبهم وطاقة الإيمان في أرواحهم ويتخلون عن كل ما يكون وجودهم !؟ بل إن ذلك سيدفعهم إلى المواجهة، وإلى تمجيد من يرفع راية المقاومة ؛ وأنه عند ذلك لن يصبح الحاكم الموالي لأميركا والمتحالف مع " إسرائيل " هو الأقوى وهو سيد الساحة وهو المحمي بشكل مطلق، حتى لو أمدته الولايات المتحدة الأميركية والغرب و" إسرائيل " بالدعم والسلاح ؛ إنه ستحول إلى عدو أو إلى أداة بيد العدو ينبغي تحييدها بكل الوسائل لكي تنطلق المقاومة وتستمر وتنتصر ؛ وهذا يقدح شرارة في كل نفس وفي كل مكان، ليس ضد أميركا وإسرائيل والغرب فقط وإنما ضد كل من يناصرهم ويكرس الظلم والطغيان والقهر. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية وأعوانها، أو الذين يستخدمون الولايات المتحدة وأعوانها، لن يجدوا عملاء ولن ينتصروا في معارك، ولكنه يعني أيضاً فتح باب الصراع على مصراعيه بين الشعب العربي وشعوب العالم الإسلامي من جهة وبين العدوان والإرهاب الأميركيين ومن يمثلهما ويتعاون معهما ؛ ويعني انتقال هذه المواجهة إلى آفاق أعمق من المصالح والمنافع والسيطرة الآنية.‏

وإذا ما بلغت الأمور هذا الحد فمن الذي يستطيع أن يقدر ما يمكن أن تصل إليه؟! ربما ترتفع في فضاء الذهن الصهيوني ـ الأميركي مقولة مادلين أولبرايت عندما سألت زميلها وزير الدفاع : ما فائدة أكبر جيش في العالم إذا لم يُستخدم؟! ومعنى استخدام أكبر جيش في العالم هو تحقيق أهدافه؟! ولكن لكل شيء ثمن، ولكل قوة حدود، ولكل ظلم نهاية ؛ ولا أظن أن النهار الأميركي بلا ظلام يلاحقه، هذا إذا تراءت القوة الإرهابية بعين صاحبها وصانعها نهاراً !؟‏

إن العدوان الأميركي على السودان وأفغانستان إرهاب بشع بكل معاني إرهاب الدولة وبشاعته، وهو ما تمارسه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يومياً، ولا يمكن أن يؤدي ذلك بنا إلى أن نكفر بالمقاومة أو أن نتوهم أنها إرهاباً نأخذ به، ونحن الذين نكتوي يومياً بنار الإرهاب وندينه ونشجبه ونعلن عن معاداتنا لمن يمارسه ؛ كما لا يمكن أن يولد العدوان وإرهاب الدولة ذاك لدينا خنوعاً واستسلاماً، ولن يهيئ لإسرائيل الفرصة الذهبية لتأخذ من العرب : القدس والأرض والسلام، وتنجح في تشويه صورة العروبة والإسلام!؟!‏

وعلى أصحاب الحسابات الدقيقة أن يراجعوا حساباتهم قبل فوات الأوان، قبل أن يلغوا في الدم أكثر، ويدفعوا المنطقة في أتون حريق مهول لن يتوقف عند حدودها .‏

الأسبوع الأدبي/ع625//5/9/1998‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244