صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

هل هو العصر الصهيوني

يقول نتنياهو صباح الأربعاء 4/11/1998: "المعادلة واضحة وبسيطة بالنسبة لتنفيذ الاتفاق في واي بلانتيشن: يقدم الفلسطينيون يأخذون، لا يقدمون لا يأخذون.". وهو ينتظر قائمة وتعهداً مكتوباً بتسليم ثلاثين فلسطينياً مطلوبين من قبل "إسرائيل" لأن "أيديهم ملطخة بدم اليهود"، ومن هؤلاء أكثر من اثني عشر شخصاً يعملون في السلطة الفلسطينية، لاسيما في جهاز الشرطة، وأعلن أن اجتماع مجلس وزرائه للتصديق على الاتفاق أو مذكرة التفاهم كما تسمى رسمياً" متوقف فعلياً على تسليم التعهد الخطي المطلوب. وكان ذلك التعهد قد أعطي شفهياً واتفق على أن يكتفى بصيغة شفهية.‏

فلماذا ينقض نتنياهو ياترى ما تم الاتفاق عليه بينه وبين عرفات!!‏

من الأسباب التي تقدم لتفسير ذلك أنه يخاف من المستوطنين ومن اليمنيين المتطرفين، وأنه لم يقنع بعدُ أطراف حكومته بالاتفاق، وقد يتعرض هو وحكومته للسقوط، ولهذا استمهل عرفات يوم أمس أياماً يُوجَّلُ فيها موعد التنفيذ الفعلي للاتفاق، ووافق عرفات على طلبه.‏

وإذا كان هذا السبب من الأسباب الواردة، أو من المسوغات الظاهرة، فإن القراءة ينبغي أن تشمل أسباباً أخرى لتبيّن أهدافاً أخرى؛ ويساعد على الأخذ بهذا التوجه كلام شارون عند وصوله مع نتنياهو إلى مطار "بن غوريون". حول الاتفاق الذي لا يعجبه إذ قال: "حكي مكتوب ومثَلُ العرب يقول "ليس على الحكي جمرك." - وهو ما أشرت إليه في نص سابق -وهذا يشير إلى ما أضمره اليهود المفاوضون، وعلى رأسهم نتنياهو، على الرغم من أنهم كسبوا كل شيء في واي بلانتيشن، فما الذي يختفي فعلاً من نوايا؟! وما الأغراض التي يريد أن يحققها من وراء هذا الاستمرار في الابتزاز؟!‏

بداية فُتحت شهية نتنياهو على مداها، بعد أن نجح في إلزام عرفات بتصفية روح المقاومة وعناصرها في شعبه الفلسطيني، وبإعلان يحققه اجتماع شرعي فلسطيني يؤدي إلى إلغاء مشهود للميثاق الوطني الفلسطيني في الرابع عشر من شهر كانون الأول 1998 بحضور الرئيس كلينتون.‏

وتنامى جشع اليهودي التاريخي فيه حين ألزم كلينتون (الذي يغوص في مستنقع فضائحه الجنسية ويشرف مع حزبه على انتخابات نيابية) حين ألزمه بتحقيق أمور منها:‏

1- تقديم مساعدات مالية قد تتجاوز مليار دولار أميركي لتغطية إعادة الانتشار "الإسرائيلي" وشق طرق التفافية في الضفة الغربية، تنفيذاً لاستحقاقات هذه المرحلة من مراحل إعادة الانتشار.‏

2- الوعد بمتابعة الضغط لمنع أي إعلان مستقبلاً عن دولة فلسطينية. وسيعقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مع عرفات ونتنياهو بعد عدة أشهر للقضاء على ما تبقى من هذه الشحنة في نفوس الفلسطينيين والعرب.‏

3- إعادة النظر بموضوع الجاسوس اليهودي- الأميركي جوناثان بولارد الذي قدّم أكثر من عشرة آلاف وثيقة أميركية هامة في مجالات استراتيجية "لإسرائيل،". وإعادة النظر ستؤول إلى تنفيذ إرادة الصهاينة بحماية رجلهم في ظل سيطرتهم المطلقة على مفاصل الحكم والقرار في الولايات المتحدة الأميركية.‏

4- التوصل إلى توقيع اتفاق أميركي- إسرائيلي جديد، كان يُبحث منذ سنوات، لتصنيع صواريخ بعيدة المدى في "إسرائيل" وجعل هذه الصناعة المتطورة تتوطّن وتستقر فيها، بجهود وأموال وخبرات أميركية، وقد تم توقيع هذا الاتفاق رسمياً خلال الأسبوع الماضي.‏

5-دخول الـ C.I.A بشكل علني ومباشر لتنفيذ خطة "إسرائيل" بملاحقة المقاومة وروح الرفض الفلسطينية، والقضاء على أشكال المقاومة للاحتلال وللمشروع الصهيوني التوسعي في المنطقة، من خلال إسباغ صفة الإرهاب على المقاومة، وصفة معاداة السلام والتحريض على الإرهاب على كل من يمارس الرفض؛. وسيشمل ذلك فلسطينيين داخل فلسطين المحتلة وخارجها، وعرباً ومسلمين في مناطق كثيرة وبلدان أكثر.‏

ودخول هذا الجهاز الأخطبوط على الخط بالتزام معلن، وإعطاء تدخله شرعية.. سيمكن الصهاينة والأميركيين والتحالف الذي كونوه في المنطقة من العمل بكل الصيغ والأساليب الممكنة لتحقيق أهدافهم الشريرة.‏

وحين وصل نتنياهو إلى فلسطين المحتلة كانت الأداة اليهودية قد تحركت لتقرّع العرب المتوانين عن التطبيع وعن تمجيد الاتفاق العظيم "اتفاق واي بلانتيشن"، والذين يتفرجون على "نتنياهو" وهو يغامر ويضحي من أجل "السلام" ويعرض نفسه وحكومته للمخاطر بسبب الموافقة على تنفيذ إعادة انتشار لا يوافق عليه اليمين في "إسرائيل"!؟!. حين وصل نتنياهو إلى فلسطين المحتلة وجد على عتبته وزير خارجية موريتانيا، وتأييداً للاتفاق من عدد كبير نسبياً من الدول العربية، وتصريحات أميركية بضرورة المبادرة السريعة الواسعة إلى التطبيع... ووجد صيحة اليأس في وجه الشعب الفلسطيني، وأن سلطة الحكم الذاتي تتلهف لتنفيذ المهام الأمنية التي كُلّفت بها، لاسيما ضد حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة وخارجها؛ فقرر أن يتابع لعبة الابتزاز ليكسب الأرض والأمن والسلام والتطبيع، وليقدم لكل من سورية ولبنان، في هذه الظروف الصعبة، إنذاراً على شكل وقائع ونماذج اتفاقيات مثل اتفاق "واي بلانتيشن" وصوراً من الأداء المرغوب فيه.. فدخل في الأمر إلى مداه على أرضية المزيد من الابتزاز والمزيد من إخضاع العرب والفلسطينيين، في ظل فراغ عربي نسبي ودولي إلاّ ممن يجدهم معه وله وفي خدمته.‏

أجّلَّ موافقة مجلس وزرائه عدة أيام ليكسب داخلياً أكثر، وليصل إلى نتائج الانتخابات الأميركية ليحسب ما يمكن أن يبتزه مع ظهور تلك النتائج.‏

إن وعد كلينتون بشأن الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد لم يكفِ نتنياهو، وشعر كأنما طعن عندما لم يصطحب جاسوسه معه، ويريد أن يحصل على ما يريد، والالتزام الذي حدده الاتفاق بعدم اتخاذ إجراءات من طرف واحد تهدد الاتفاق يفهمه نتنياهو على أنه: " إعلان الدولة الفلسطينية فقط"، وأراد أن يكرس هذا الفهم ويفرضه بإعطائه السماح أو الأمر ببناء حي في رأس العمود في القدس، وبتوسيع مستوطنات، وبالإعلان عن أن مستعمرة "جبل أبو غنيم" في القدس لابد أن تبنى هي الأخرى.‏

كان الهدف ومازال "جرجرة" سلطة الحكم الذاتي والعرب المؤيدين لها والعالم الذي لا يسلم للصهاينة بما يريدون، إلى متاهات وتنازلات وابتزاز أكثر.‏

وقد ظهرت ملامح هذا التكتيك ثم خطوطه العامة في مواقف وإعلانات واضحة: قبل أيام أُعلن على لسانه، أو على لسان شارون، مجرم صبرا وشاتيلا، الذي أصبح وزيراً لخارجية دولة الإرهاب والاغتصاب، أُعْلِنَ أن المرحلة النهائية قد تمتد عشرين سنة، أو فلنجعلها تمتد عشرين سنة. وفي هذا كل الوقت الذي يكفي لتهويد القدس والخليل وكل فلسطين، ولإبادة الإرادتين الفلسطينية والعربية، ولتصفية من يجب تصفيتهم ممن يرفضون الخضوع للعصر الإسرائيلي وخططه ومتطلباته وشروطه. وحين تمَّت المبادرة إلى تكذيب هذا الإعلان - بالون الاختيار- بدأت الحقائق تدبُّ على الأرض: الاستيطان والقتل والمطالبة بتسليم المطلوبين ويزحف العرب، الذين ينبغي أن يحضرهم عرفات خدمة للقضية الفلسطينية التي تحقق نجاحات باهرة ينجزها مع شريكه الجديد نتنياهو، ويزحف العرب إلى أعتاب الكيان الصهيوني، خاضعين ويتقدمون برجاء عريض للسيد الجديد بأن يفعل ما يشاء وينهي المماطلة. وسيطلب طلبه الأخير قبل أن يسلم القيادة الصهيونية الأشد غطرسة وجشعاً ورغبة في الدم والقتل والغش، سيطلب أن يحقق ما وعدت "إسرائيل" نفسها به وهو بناء الهيكل الثالث مع بداية القرن الجديد، بداية القرن يَحْسُن أن تكون على أنقاض المسجد الأقصى، الذي سيتولى تدميره "مجنون يهودي" يعشق "أرض الميعاد" ويؤمن بوعد الرب، وينتظر الهيكل الثالث.؟‍!.‏

في الوطن العربي نتابع "بهلوانيات" نتنياهو، التي هي مخططات مدروسة تبدو على شكل شقلبات سياسية" غير متوازنة ولكنها تعطي ثمارها دائماً وتحقق للصهيونية خطوات على طريق مرحليتها المبرمجة في مشروعها الاستعماري- الاستيطاني- العنصري.‏

وفي الوطن العربي أيضاً يصرخ مسكونون بوجع الأمة، ولكن الصوت لا يُسمع والصراخات تذهب في اتجاهين: فضاء المدى الذي لا يُرجع الصدى، والأعماق التي تتشظى جرّاء الفتك بها وتجريحها بشفرات الإحباط.‏

وفي العالم الإسلامي يرتفع صوت يشخّص بعض الوقائع ويدعو إلى بعض العمل الناجع، فتنهال عليه الاتهامات وتغلق أمام آفاق رؤاه كل الآفاق.‏

إن الوضع الذي نحن فيه مأساوي ما لم نملك قوة ونستخدمها، وسيزداد مأساوية إذا فقدنا الرؤية والإرادة وسلّمنا بأن هذا العصر هو فعلاً العصر الصهيوني من دون منازع، وستزداد جراحنا إذا تركنا ساسة عرباً يمرغون جباهنا بالوحل بتنازلاتهم الغبية وتفريطهم بالقضايا المصيرية والحقوق والثوابت المبدئية للأمة‍‍‍!!‏

إننا نحتاج إلى عمل منطلقه المقاومة، وغايته التحرير والكرامة، ووسيلته العلم والوعي والإيمان وامتلاك القوة، ولن نفقد الأمل أبداً، فالمستقبل لنا، مهما طال الزمن وكثرت التضحيات.‏

دمشق في 4/11/1998الأسبوع الأدبي العدد 634‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244