|
العراق يقصف فهل ؟!!
أن تصب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حقدهما الأسود على العراق وشعبه، أطفاله وشيوخه ونسائه، أمر يفهم لدينا على أنه استمرار للأداء العنصري- الصهيوني الاستعماري الذي يتحكم بقرارات تلك الدول ويستخدم قوتها لتأثيل المشروع الصهيوني واجتثاث كل قوة في المنطقة يمكن أن تقول لا، أو يمكن أن تشكل قوة رادعة ومحررة من العدوان على أهلها ولو بعد مئة عام ؛ وهو فعل أعمى يمليه موقف تاريخي للغرب والصهيونية من العرب والمسلمين ، يسفر عن وجهه من حين لآخر .
ولكن أن تقف الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، الذي يشكل غطاء لهذه الممارسات الهمجية في نهاية القرن العشرين ، أن تقف على بعد مناسب لها من الحدث ويكتفي بعضها بإظهار الانزعاج ، فهو أمر غير مفهوم ولا مقبول ولا يمكن تسويغه.
ويحق للمرء أن يتساءل، والقنابل من كل نوع تنهمر على بغداد ومدن ومواقع عراقية أخرى ، وتستهدف البنية التحتية له ومشافيه وبقايا قدراته بعد حرب الخليج الثانية وشدائد الحصار ؛ يحق للمرء أن يتساءل :
ـ كيف يمكن تجاوز مجلس الأمن والدول الدائمة العضوية فيه وسائر دول العالم وهيئاته بهذه الطريقة المزرية التي تنم عن الاحتقار !؟ وكيف تسحب فرق الأونيسكوم تمهيداً للعدوان من قبل ريتشارد بتلر ، المكلف من الأمين العام للأمم المتحدة من دون علمه أو موافقته ، وكيف يبدو المجلس مفاجأً إلى هذا الحد بالعدوان ، والإعداد له لم يتوقف منذ الأزمة الماضية في شهر تشرين الثاني ـ نوفمبر 1998 !؟!.
إن إنذار الإدارة الأميركية لسفاراتها في المنطقة "بخطر قادم" يهددها مما سمّته " الإرهاب " المحتمل ، وحشد القوات في منطقة الخليج ، وإجراء الاستعداد اللازم لتوجيه الضربات وإنجاز العمليات المطلوبة خلال وقت قصير ، وزيارات وزير الدفاع الأميركي لتنسيق المواقف ؛ كل ذلك كان مستمراً بتواتر متصاعد منذ بداية الأزمة السابقة ولم يتوقف أبداً ؟!
وخطاب كلنتون في 17/12/1998 ،الذي سوَّغ فيه إعطاء الأمر بتوجيه الضربة الحالية للعراق، أشار إلى عدم التزام العراق بشروط مجلس الأمن الدولي وبما قطعه للأمين العام من التزامات ، استناداً إلى تقرير بتلر بعدم تعاون العراق مع فرق التفتيش ، ولكنَّ الأمين العام ومجلس الأمن الدولي المعنيين مباشرة بالموضوع لم يتخذا قراراً بعدُ حول تقرير بتلر المشار إليه ، ومن ثمة لم يتخذا قراراً بتوجيه ضربة للعراق، فكيف يمكن أن يقوم عضو في المجلس، يتذرع بقراراته وبضرورة حسن تطبيقها ، بعدوان صارخ بهذه الهمجية وهذا الاتساع، ويقرر القيام بحملة عسكرية هدفها المعلن:
* تقليص قدرة العراق على إنتاج أية أسلحة في المستقبل .
* منعه من امتلاك قوة من شأنها " أن تهدد جيرانه " وتشكل " خطراً على الأمن والسلام الدوليين " .
* منعه من تشكيل أي خطر مستقبلاً على " مصالح الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة "؟!.
وهي حملة تستهدف عملياً كل ما تبقى من مقومات التقدم والإرادة والحياة والصلة بالعصر الصناعي في العراق ، لتعيده مئات السنين إلى الوراء.
كيف يمكن أن يقوم عضو أو أكثر من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بذلك من دون أن يأبه ولو للحظة واحدة بالمؤسسة التي يزعم أنه ينفذ قرارها ويحميه ، وأنها تحافظ على الأمن والسلام الدوليين وتحافظ على القانون الدولي وتعمل باسمه ، وتلتزم بميثاقها الذي يمنع العدوان ؟!
وكيف يمكن أن يتم ذلك الفعل العدواني على دولة ذات سيادة ، عضو في الأمم المتحدة ، وهو فعل يتصل من بعض الوجوه بصراع داخلي بين الأحزاب والقوى في الولايات المتحدة الأميركية ، ويقوم به رئيس فاسد ليستر عورته ويغطي على ممارسات تدل على إفلاس روحي وخلقي ؛ ويريد بعمله ذاك رشوة المنظمات الصهيونية المتحكمة بالقرار السياسي في بلاده وبمصيره ذاته ، رشوتها بذبح قطر عربي وتدميره ، بحجة أنه قد يمتلك يوماً أسلحة تهدد " إسرائيل " العزيزة ، التي ينبغي إزالة كل خطر يمكن أن يهددها في المستقبل البعيد ؟!
لقد أشار الرئيس كلنتون، الذي يجمع أوراقاً تعزز موقفه بمواجهة قرار عزله المحتمل من قبل الكونغرس خلال الأسبوع الحالي ، أشار إلى أن الحملة التي أمر بشنها على العراق تهدف إلى تقويض قوته ومنعه من التفكير بامتلاك أسلحة ذات قوة تدميرية شاملة ، تشكل خطراً على " جيرانه " وعلى أمن الولايات المتحدة الأميركية وعلى الأمن والسلام الدوليين ؟! وإذا كان حرص الولايات المتحدة الأميركية حقيقياً ومؤكداً على منع انتشار الأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة / النووية والكيمياوية والبيولوجية / التي تهدد الحياة والأحياء وتؤثر سلبياً على الأمن والسلام الدوليين ، وتمنع تهديد الجوار في منطقة الشرق الأوسط ؛ فعليه أن يتخذ موقفاً من " إسرائيل " التي تمتلك مخزوناً كبيراً من هذه الأسلحة وتتابع تصنيعها وتطويرها، وتوجهها لمحاربة العرب والمسلمين الذين تحتل أرضهم وتنتهك مقدساتهم وتذبح أبناءهم وتمارس الإرهاب والحقد العنصري ضدهم يومياً وبصورة مستمرة منذ عقود من الزمن ، وتتابع مشروعاً توسعياً استيطانياً يستهدف وطنهم ومستقبلهم ومصالحهم ، وهي تدفع المنطقة كلها بذلك إلى الحرب والدمار وتؤثر سلبياً على الأمن والسلام الدوليين وعلى المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية ذاتها؟!
إن الهدف الأهم للإدارة الأميركية ، التي تتشكل عملياً من يهود صهاينة متعصبين لمشروعهم الصهيوني في المنطقة العربية ، هو تدمير أي شكل من أشكال القوة المحتملة النشوء في أي قطر من أقطار الوطن العربي وبلدان العالم الإسلامي يمكن أن تشكل قوة ردع " لإسرائيل " ؛ وهم عملياً يستخدمون القوة العسكرية للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا استخداماً مدروساً لتعزيز قوة "إسرائيل " في كل مجال وتقويض قوة العرب والمسلمين في كل مجال أيضاً ، ويستغلون الخلل الذي أصاب ميزان القوى الدولي استغلالاً مطلقاً لتحقيق أهدافهم ، كما يستغلون من يوظفونهم من العرب لخدمة هذه الأهداف .
إننا أمام حقائق فرض هيمنة العصر الصهيوني على دول وشعوب ومصالح ومؤسسات دولية من خلال استخدام القوى الدولية الأكبر وجعل بعض رموزها الضعيفة الملوثة، التي يساعدونها على الوصول إلى السلطة، تلهث لإرضائهم بعد إيقاعها في الفخ، لتكون رهينة الرضا الصهيوني خوفاً أو طمعاً؛ وما كلنتون مونيكا سوى أحد الرموز والعناوين البائسة لهذه الحالة الصهيونية القذرة التي تغزو السياسة الأميركية اليوم .
إن بغداد تُقصف ، والهدف القريب ليس إسقاط صدام حسين كما قال أكثر من مسؤول أميركي ، ولم يكن الهدف منذ بداية حرب الخليج الأولى وحتى اليوم إلاّ تدمير كل بلد عربي أو إسلامي يمتلك قوة ما، ويتقدم في طريق التصنيع ويحوز ثروة، وقد يفكر بالخروج من القفص الأميركي ويخرمش وجه "إسرائيل "؛ الهدف البعيد الراسخ الباقي هو تأسيس عداوة لا تزول مع الزمن بين العرب والعرب، والمسلمين والمسلمين، لإضعافهم جميعاً أمام الكيان الصهيوني وضمان ولائهم للغرب واعتمادهم عليه، والسيطرة على المواد الأولية ومصادر الطاقة وعلى رأسها النفط ، وعلى الأسواق الاستهلاكية، وسوق السلاح ، وإيجاد أنظمة وحكام دمى أو شبه دمى في مسرح خيال الظل الأميركي ـ الصهيوني . ليس الهدف صدام حسين الآن وإنما العراق : الشعب والطاقة والثروة والمكانة والمستقبل ، وقد كان وما زال تحت هذه الذريعة استهداف ثروات الخليج وجعله يزحف ويدفع خوفاً من الفزّاعات ، وجعل السعودية في الفخ الحريري ، وتهديد سورية ومحاصرة دورها لإجبارها على التسليم بالعصر الصهيوني ، وعزل إيران عن محيطها الإسلامي وملاحقتها حتى التدمير أو القبول بالتبعية والتنازل عن صحوة الإسلام وعقيدته إن أمكن .
الصواريخ والقنابل تتساقط على بغداد قبيل رمضان ، ولأنه قبيل رمضان قد تتوقف قريباً عند عتباته ، وتوقفها لا يعني احتراماً لمشاعر المسلمين ، ولا حرصاً على دم العرب العراقيين ، ومكانة أنظمة من التشقق والتزلزل ، بل يعني تنفيذ ما تقرر تنفيذه من برنامج التدمير والاستنزاف حسب جرعات محتملة ، تشيع الإحباط وتعمقه ، وتمهد لجرعات قادمة أكبر وأشد، يتناولها هذا البلد أو ذاك من بلدان الوطن العربي والعالم الإسلامي .
وهذا يطرح على العرب سؤالاً : إلى متى .. والرؤية واضحة والأهداف التي ينشدها العدو أوضح ؟! ألا يمكن استعادة المبادرة داخل البيت العربي لقطع الطريق على الأعداء وسد الذرائع ؟!
يقول بعض العارفين : إن أحد أهداف الحملة العسكرية الحالية على العراق هو استكمال ما لم يستكمل في حرب الخليج الثانية ؛ ويقصد إنهاء نظام الحكم في العراق و " التخلص " من صدام حسين حاكماً له ؛ ويقدم لذلك واجهات من معارضة عراقية تقول بذلك وتدفع باتجاهه ؟! حسناً ... لنفرض أن هذا هو أحد أهداف الأميركيين والبريطانيين والصهاينة في هذه الحملة ، فهل يتم ذلك بتدمير البنية التحتية للعراق وبقتل أبنائه ومضاعفة معاناتهم الرهيبة التي تمتد لسنوات عديدة ؟! وهل هذا التصرف سيؤدي إلى تلك النتيجة أم إنه سيقود إلى عكس ذلك تماماً ، ومن ثم يزداد النظام قوة والمشكلة تجذّراً؟!
إن المسؤولية العربية حيال هذا الوضع ـ بتقديري ـ كبيرة، والتحرك العقلاني سيكون بالغ التأثير ؛ فليعط للعرب دوراً ولتمنح لهم فرصة ، أو فلينتزعوا -هم- بتفاهمهم دوراً وليتيحوا لأنفسهم فرصة وليناقشوا الموضوع من جذوره بصراحة كاملة وكافية وشافية ، ليصل كل طرف من الأطراف المعنية إلى ثقة ويقين وموقف يكبر فيه المشترَك ويصبح أساساً للقرار أو التوجه . سيرتفع صوت سؤال أو صوت بسؤال : وهل يقبل النظام في بغداد أو يقبل الكويت بما يتوصل إليه العرب من رأي، وما ضمانات التنفيذ ؟!
ربما تقوم عقبات كبيرة ، وعلينا أن نأخذ بحقائق الجغرافية والتاريخ بوصفها حقائق مؤثرة . لا بد من الاتفاق لسد الذرائع على الغير، ولوقف حالة استنزاف الثروة والقدرة والثقة والكرامة في الوطن العربي ؛ لن تتغير الجغرافية بين العراق والكويت ، ولا بد من اتفاق ، وإذا كان التاريخ العربي سيظللنا يوماً ببعض حقائقه فلنحسن قراءة تاريخنا واستخلاص حقائقه بوعي وانفتاح، وإقبال وقبول مشتركين ، وليكن للعرب كلمة في موضوع الجرح والسكين الذي هو هم الآن .
وقد تقودنا مصارحة كافية ومسؤولية كاملة وشاملة / عربياً / إلى اكتشاف الحقيقة أو كشف الغطاء عنها ليراها الجميع بالقدر الكافي من الوضوح، وهي أن ذرائع الغرب لن تنتهي وأن العدو الصهيوني يقف وراء الكثير من الخلافات والعداوات التي تريق دماءنا وتهدر ثرواتنا وتضعف تضامننا ؛ وعند ذلك قد تبدأ مرحلة النهوض العربي، أو تتوقف مرحلة التردي والانهيار ، وفي هذا بعض الخير والفائدة .
العراق يُقصف ، والعواصم العربية تتفرّج أو تصرخ أو تبكي أو تحتج ، الحالة متقاربة لأنها لا توقف الموت ولا العدوان ولا تجريح الضمير وتراكم الشعور بالذل. بغداد تقصف ، والأطفال الأبرياء هناك يموتون ، والناس هناك يزدادون معاناة على معاناة وبؤساً على بؤس ؛ وسيد البيت الأبيض ، الذي أمر بشن حملة عسكرية على العراق ، سيكسب حتى إذا خسر الرئاسة الأميركية بقرار من الكونغرس؛ سيكسب لأن الهدف الاستراتيجي الذي يريده وتريده الصهيونية ، التي تضعه في القفص ويخدمها لاهثاً أملاً بالتخلص منه ، لأن ذلك الهدف سيتحقق وسوف تكسب " إسرائيل " من تقويض قوة العراق وتراكم الإحباط العربي وتزايد التشقق في جسم التضامن الضعيف الذي يتطلع العرب إليه .
بغداد تُقصف ، ولا يملك أشدنا حماسة لها وحرصاً عليها ، أمر منع رصاصة من النفاذ إلى قلب طفل من أطفالها ، بَلْهَ ردّ العدوان عنها ؛ فهل ترانا نملك شجاعة مواجهة الذات بالواقع والوقائع والضرورات لكي نتجاوز برزخ الموت القومي هذا الذي يحاصر علاقاتنا وصلاتنا ومستقبل وجودنا القومي ؟! أظن أننا نملك أن نقبل جور القريب على القريب بدل أن نحني الرأس ذلاً أمام عصا الغريب التي تتحول إلى سيف مسموم يفتك بالجسد والروح والتاريخ والجغرافية والثقافة والعقيدة في وطن العرب العزيز .
الجمعة، 18 كانون الأول، 1998 الأسبوع الأدبي العدد 640
|