صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

كلنتون ونتنياهو قــدم تؤول إلـى السقوط

هل نرجم بالغيب عندما نتوقع أن يجر كل من كلنتون ونتنياهو قدم الآخر نحو السقوط خلال الفترة القصيرة القادمة، أم ترانا نحسن قراءة الأحداث الجارية الآن بشيء من الدقة؟!‏

لقد بدا العراك واضحاً بين كلنتون ونتنياهو منذ انتخابات الكيان الصهيوني عام 1996 إذ وقف كلنتون صراحة إلى جانب شمعون بيريس ودعا العرب الذين يستمعون إلى الرأي الأمريكي أو ينصاعون له، إلى مناصرة سفاح "قانا" القرمزي اللون؛ ولكن المجتمع الصهيوني اختار اليمين والذين حرّضوا على قتل اسحق رابين، ولم يكن اختيارهم مجرداً من المعنى، ومن الأهداف التي جسّدها نتنياهو واليمين الديني والسياسي المتطرف في فلسطين المحتلة خير تجسيد. ومنذ مجيء نتنياهو إلى الحكومة منتصراً على اختيار كلنتون وإدارته قرر "أن يشعل النار في البيت الأبيض"، وأكد أنه يعرف متى يفعل ذلك وكيف؟! ويبدو أن كلنتون "الطيب" ابتلع الطعم الصهيوني بشكل جيد، وسار وراء ولائه الطبيعي لليهودية، فهو أكثر رئيس أميركي دعم "إسرائيل" وأخلص لها وخدمها، وأكثر رئيس أميركي "غرق في حبها" ملبياً استعداداً طبيعياً لأن يكون موالياً لمشروعها ومن ثم غير قادر على التنكر لهذا الاستعداد حتى حين اكتشف المستنقع الذي أغرقه فيه يهود نتنياهو وجمهوريوه.‏

الإدارة الأميركية، لا سيما تلك التي تشرف على صناعة القرار المتعلق بالشرق الأوسط وتحمل ملف التسوية أو التصفية من مدريد إلى واي بلانتيشن، هي صهيونية التوجه والإرادة والقرار، ولكن اليهود الذين يتولون زمام الأمور فيها ينتمون إلى التيارات الفكرية والسياسية في فلسطين المحتلة وبعضهم ينخرط في التنظيمات الحزبية أو ينطلق في عمله من ولاء لها، وحين ينخرط بعضهم في العمل ضد حزب العمل أو ضد الليكود فإنه لا ينسى مطلقاً أن الهدف الأعلى هو خدمة "إسرائيل" وأمنها وتفوقها ومشروعها الكبير. لقد دخل كلنتون في المعادلة الصهيونية وتفاصيلها الدقيقة حينما انحاز إلى العمل، ولم ينس الليكود ونتنياهو ذلك الانحياز. وكان تنسيق (العمل- الديمقراطي) يقابل تنسيق (الليكود- الجمهوري)، فكلها أحزاب وتنظيمات تعمل تحت تأثير "ايباك" وبقية المنظمات الصهيونية المنتشرة انتشاراً سرطانياً في دوائر القرار الأميركي؛ ودخول كلنتون ذاك جعل التداخل معقداً ومفتوحاً بين التنافس الحزبي والمصالح المشتركة وتصفية الحسابات الشخصية.‏

ووقع كلنتون ذو الاستعداد الطبيعي للمغامرة المنافية للقيم الأخلاقية السليمة والمركز الاجتماعي- السياسي الرصين، وقع في الفخ الذي لا يمكن المرور على مكوناته وأدواته اليهودية، من مونيكا لوينسكي إلى آخر سناتور محكوم باللوبي الصهيوني، مروراً عابراً؛ وكلنتون في النتيجة ليس شخص "بيل" المقطوع النسب فقط، وإنما هو رئيس الجمهورية من الحزب الذي وصل إلى السلطة ويريد أن ينافس عليها ويضمن بقاءه فيها، ويكسب الجولة القادمة التي يركز على خوضها نائب الرئيس آل غور منذ فوز كلنتون بالرئاسة الثانية.‏

لقد وقّت نتنياهو موعد إشعال الحريق في البيت الأبيض، ولم يستطع كلنتون أن يحسم أمراً بالنسبة لاتفاق أوسلو لمدة قاربت ثمانية عشر شهراً، وهذا جعل الرئيس مشلولاً وغارقاً في الفضيحة، وعندما تم استثمار ذلك على أوسع نطاق، لا سيما على الصعيد الحزبي والسياسي والاجتماعي، أخذ كلنتون يتحرك ليتماسك أكثر وليكسب أكثر، ولما كانت الجبهة الداخلية لا تعود ببريق كبير فإنه حشد جهداً على الجبهتين السياسية والداخلية، ليخرج من عنق الفضيحة ويتابع التنفس.‏

في النتائج الختامية للعام المالي 1997 حقق كلنتون، من خلال جهد إدارته، وفراً في الموازنة يتجاوز سبعين مليار دولار، وقد تم هذا للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود من الزمن، وأنهى العجز الذي هددها بالإفلاس في فترة من الفترات. صحيح أن ذلك تمّ على حساب نهب الشعوب والتلاعب بالأسواق وبمصير بلدان، كما تم ببيع كميات من السلاح وعلى حساب أسواق النفط والعملة وأزمات دول جنوب شرق آسيا واليابان أحياناً، ولكنه تمّ في النهاية، وجنت الإدارة الأمريكية الأرباح وتجاوزت أزمات خانقة.‏

وعلى الجبهة السياسية توجّه كلنتون لبذل جهد غير عادي في موضوع تنفيذ اتفاق أوسلو وركّز على تحقيق نجاح سياسي في واي بلانتيشن لينتزع من الفلسطينيين ما يشفع له عند الصهاينة أولاً وعند الأمركيين ثانياً، وليعزز موقعه السياسي العام وموقع حزبه، في الوقت الذي كان فيه كنيث ستار يتابع هجومه وتعريته القاسية للرئيس، ومجلسا الكونغرس يتابعان الأمور بشيء من الذهول وتصيّد الفرص من جهة ومحاولات سد الذرائع من جهة أخرى.‏

قدم كلنتون الكثير ليكسب "لإسرائيل" وليكسب تعاطف نتنياهو وموافقته، ولكن الأخير كان يعرف موقف الأول وموقعه داخل البيت الأميركي وداخل بيت الأسرة الضيق، فحاول أن يكسب أكثر ويبتزّ في العمق وينال من الرئيس، وقد قسا عليه في واي بلانتيشن قسوةً اضطرت الصهيوني الذي يمسك زمام الأمور والمبادرات جيداً منذ افتضاح كذب الرئيس كلنتون، أعني/ صاموئيل برغر مستشاره لشؤون الأمن القومي/ إلى الصراخ بوجه نتنياهو مذكراً إياه بأنه إنما يكلم رئيس الولايات المتحدة الأميركية.!! كان الصراع الصهيوني داخل البيت الأمريكي ذاته، وتحت سقف المصلحة "الإسرائيلية" دائماً وأبداً.‏

وأخذ كلنتون من عرفات كل شيء في واي بلانتشن، حتى موضوع توظيف عرفات، ومن يتحرك في فلكه في سلطة الحكم الذاتي وخارجها أدوات لتفتيت البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية؛ وإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني وتدمير آمال أكثر من أربعة ملايين فلسطيني وأحلامهم وبقايا صمودهم؛ كما قدم "لإسرائيل" نتنياهو (1.2) مليار دولار، وضمانات إضافية وإعانات وتعهداً بإلغاء الميثاق الفلسطيني وضغطاً على العرب ليستأنفوا تطبيع العلاقات، وزجاً لملوك ورؤساء في تحالفات واتصالات وضغط يؤدي كله إلى إرضاء الصهاينة، وإبطال مفعول تشدد نتنياهو الذي يريد أن يثبت أنه الأحرص على أمن "إسرائيل" ومستوطناتها ومشروعها التوسعي من كل اليهود والمتعاطفين معهم والمؤمنين بمشروعهم.‏

لقد دخل كلنتون حلبة المنافسة مع الصهاينة لخدمة المشروع الصهيوني انطلاقاً من خدمة "إسرائيل" وتركيع العرب، وكان أن وضع توقيعه شاهداً على مذكرة واي بلانتيشن، التي أسندت أمر تصفية القضية والإرادة الفلسطينيتين والميثاق لوكالة المخابرات الأمريكية بتكليفها بالإشراف على تنفيذ الاتفاق؛ وبالغ كلنتون فأسند باقتراح من رئيس ذلك الجهاز /تنيت/ مسؤولية الإشراف على تنفيذ كل ما يتعلق بالاتفاق بيهودي صهيوني يدعى /ستانلي موسكوفيتش/ هو مسؤول مركز الـ C.I.A الموجود في تل أبيب الذي يشرف على تنسيق جهود المكاتب الموجودة في غزة ورام الله وأريحا مع الموساد، أي أنه أسند ليهودي أميركي وصهيوني قح مسؤولية الإشراف، فغدا الموساد عملياً هو المسؤول عن تنفيذ سلطة الحكم الذاتي لالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاق واي بلانتيشن!؟‏

ولم يتوقف كلنتون عند هذا الحد، بل تابع تنفيذ التزاماته التي ترفع من شأنه بنظر الأميركيين عامة والصهاينة خاصة، فتابع موضوع إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، وأعلن في غزة يوم 14/2/1998 أنه مرتاح جداً وشاكر لعرفات ومجلسه ما تمّ التوصل إليه. وفي تلك اللحظة أعلن أن ذلك الذي تمّ هو بتصرف "الشعب الإسرائيلي" الذي ينبغي أن يقرر في ضوء إلغاء الميثاق ما ينبغي أن يعمله؛ وهي عبارة مزدوجة الدلالة.‏

لم يضع ذلك حداً لعناد نتنياهو الذي يعرف جيداً موقع الرئيس وهدفه، فرفض أي تنازل من شأنه أن يجعل كلنتون قادراً على القول: أنه أنقذ اتفاق واي بلانتيشن المتعثر من حيث التنفيذ في مجالي الأسرى وإعادة الانتشار بنسبة 5% يوم 18/12/1998، ولكن كلنتون خفف من سقف تطلعه قليلاً محافظاً على حالة إعلامية جيدة، حين أعلن وهو يغادر فلسطين المحتلة بعد فشل الاجتماع الثلاثي (كلنتون- عرفات- نتنياهو) في (إريتز) 15/12/1998 أعلن أنه حقق الهدف الذي جاء من أجله إلى المنطقة، وهو إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني.‏

كان كلنتون يتهيأ لمواجهة في واشنطن قد تكون نتيجتها سلبية بنسبة تزيد على 75% حيث أحيل موضوع التصويت على إعفائه من الرئاسة في قضية لوينسكي إلى مجلس الشيوخ، وكل ما حمله من غزة وتل أبيب قد لا يشفع له هناك بالقدر الكافي، ولكنه بتحركه منذ واي بلانتيشن حتى مؤتمر إلغاء الميثاق واجتماع "إريتز" قد ترك نتنياهو ومجموعته في مأزق أيضاً، فالتشدد في عدم التنفيذ وتقديم إثني عشر شرطاً إضافياً في مقابل تنازل عرفات عن الميثاق لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق (واي بلانتيشن) يساعد على إضعافه وتحقيق انتصار لمن يطالبون بتقديم الانتخابات في "إسرائيل" وإسقاط الحكومة -سواء لجهة التشدد أو التمسك بتنفيذ الاتفاقيات -ويبدو أن نتنياهو سيواجه استحقاق تقديم الانتخابات حيث تجري في الربيع المقبل، ويضاعف من ضعفه خلافه مع وزير المالية نئيمان ووزير الدفاع مردخاي في حكومته فضلاً عن خلافات في طريقها إلى الظهور ربما تساعد حزب العمل على الوصول إلى ما يريد. وكلنتون سيواجه استحقاق طرده من البيت الأبيض جراء الفخ الذي نصبه له صهاينة نتنياهو من أنصار الليكود واليمين المتعاون مع الجمهوريين الآن.‏

يبدو لي أن كلاً من كلنتون ونتنياهو يجرّ قدم الآخر نحو السقوط، ولكن هذا السقوط من سدة المسؤولية جعل كلاً منهما يتبارى مع الآخر لتقديم خدمات جوهرية للمشروع الصهيوني و"إسرائيل" قد تشفع له وتبقيه، على حساب تنازلات كارثية قدمها عرفات من رصيد الشعب الفلسطيني وحقوقه. ودائماً كان العرب وقضيتهم المركزية يدفعون ثمن تنافس الغرب وتنافس الصهاينة على خدمة المشروع الصهيوني و"إسرائيل".‏

لقد أقر عرفات إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، وقدم ما لا يملك لمن لا يستحق، وقبل كلنتون الهدية وقدمها لمن ينتظرها، وربما يضيف إليها قصفاً للعراق، وابتلعها نتنياهو مطالباً بالمزيد ليرضى أو لينتصر..‏

ولكن هل يمكن أن يلغى الميثاق الفلسطيني وهو في نسيج الوجدان والذاكرة والروح العام للفلسطينيين والأمة العربية؟! وهل يمكن أن نبقى ، نحن العرب، حالة رهانية لقوى تتنافس على الفوز في خدمة مشاريعها أمام جماهيرها؟!‏

إنه السؤال الملقى علينا قبل سوانا، والذي نعلق أهمية كبيرة على ما يمكن أن يقدمه مؤتمر دمشق والمؤتمرات الأخرى المناهضة لمؤتمر "إلغاء الميثاق" التي أقيمت في مواقع كثيرة من بلاد الشام والوطن العربي، من أجوبة شافية عليه، وأملنا بذلك كبير جداً.‏

دمشق26/12/1998‏

الأسبوع الأدبي العدد 641‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244