|
دور سورية الحضاري
مدخل : نحو معيار حضاري:
إلى أي مدى يمكن لمجتمع ما، في دورة زمنية، أن يحقق تقدماً "حضارياً" متميزاً على أي صعيد، في ظل غياب أو فساد المعايير والقيم وأصول الأحكام ومبادئ الأخلاق والإفلاس الروحي العام ؟!
وهل التقدم التقني - أي تقدم تقني- هو حضارة أم معطى حضارياً من معطياتها بشكل عام ومجرد، أم أنه يكون كذلك بمقدار ما يخدم الرؤية الشاملة لأهداف الحياة ولأهداف الإنسان في الحياة ويحققهما؛ في إطار مفهوم متكامل لهذه الأهداف وغايات الوجود وما وراءه؟!.. سؤال يواجه المرء كلما فكر وتأمل في عالم اليوم، وتواصل مع ما قدمه وما يقدمه للبشرية من معلومات وتقدم تقني وثورة صناعية ومعلوماتية غيرت شكل العلاقات الإنسانية ومحتواها، وجعلت الإنسان أكثر معرفة واطلاعاً على ما يجري في الأرض، وأعمق إدراكاً لبعض قوانين الطبيعة والكون، ولكنه في الوقت ذاته أكثر بؤساً وربما مهدداً أكثر من أي وقت مضى!! وما يرافق ثورة العلم وفورة المعرفة وتطبيقاتهما من مخاطر تحيق بالإنسان وبالحياة على الأرض، تجعل من التقدم التقني المذهل سلاحاً ذا حدين، فهو من جهة امتلاك لقوة هائلة يتحكم بها الإنسان، ويحقق من خلالها اكتشافات مذهلة وانتصارات مدهشة، وهو من جهة أخرى مصدر خطر وقلق، بل مصدر تهديد بدمار وفناء للحياة وللأحياء على الأرض!!؟ فإذا نظرنا إلى ما حققته أبحاث الذرة والهندسة الوراثية وصناعاتهما، أو ما أنجزه الليزر من تقدم، وما وضعه ذلك كله من طاقة تدمير واحتمالات إفناء بحوزة الإنسان، لعشنا الذهول والأرق والرهق، إلى جانب نشوة المعرفة والاعتزاز بالإنسان.
ولا يخفى في عالم اليوم، أن الاستخدام الأكثر للذرة وللطاقة النووية مثلاً هو ليس للأغراض غير السلمية، وأن الطاقة المصنعة لأغراض عسكرية أو شبه عسكرية من ذلك السلاح تكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، الأمر الذي أصبح يؤرق البشرية، ويجعلها تعيش تحت تِأثير كابوس مستمر هو كابوس الخطر النووي، والأسلحة الكيمياوية والبيولوجية ذات القوة التدميرية الشاملة .
ويكفي أن نتذكر آخر الحوادث التي أثارت الذعر حادثة تشرنوبل أو الأسلحة الجرثومية المعتمدة على تطوير الجينات مثلاً لندرك مقدار التهديد والخطر، ومقدار الحرمان من الأمن والسعادة الذي يجره ذلك على البشرية، الأمر الذي يطرح قضية ارتباط العلم بالأخلاق، والتقدم التقني بالمفهوم الإنساني وبالمعنى الحضاري، وبمنعكسات التقدم أو الحضارة : / إيجابياً: أمناً وحرية ورفاهةً وإحساساً بالأمن والسعادة/ على الإنسان خلال فترة مد حضاري ما ، وما يتركه ذلك من إيجابيات على التفاعل البناء للإنسان مع الماضي والحاضر، بكل غنى الماضي والحاضر، لتحديد آفاق المستقبل والإقبال على الدخول فيه بطموح وأمان واستمتاع.
وإثارة السؤال تهدف إلى محاولة إثارة موضوع " مكانة الخُلُقي والإنساني في تحديد معيار" الحضاري" من منجزات البشرية: المدنية والتقنية، ومن مقومات السلوك الفردي والجمعي للناس أنى كانوا، وتمثل ذلك السلوك وتمثيله لقيم الحضارة.
لا شك في أن العلم يحمل قيمة خالدة لا يتطرق إليها الشك، ولا جدال في رقي المكانة التي احتلها في عالم اليوم ولدى إنسان العصر؛ ولكن توظيف العلم والأبحاث والمخترعات/ والإنجازات العلمية: نظرياً وعملياً، لخدمة الإنسان والحياة والمعرفة والحضارة، وجعل ذلك كله ينعكس إيجابياً على حياة الإنسان وكيفية العيش ومستواه، ونوع الأعلى والأمثل فيه، وعلى بقاء النوع وسلامة البيئة و الطبيعة والعلاقات الناظمة للكون، بما لا يؤثر على ديمومة البحث والاكتشاف والتطور من جهة، والحياة والأمان والسعادة من جهة أخرى، هو ما ينبغي أن يدخل معيار قيمة،/ أو قيمة معيارية/ لتحديد ما هو " حضاري" أو ما هو فعل حضاري يرتبط بالوعي المعرفي وبوعي الإنسان لوجوده وأهداف الوجود ومكانته مما يوجد ومسؤوليته حيال ما يوجد، وينتج عنهما؛ وما هو غير حضاري حتى لو كان إنجازاً علمياً كبيراً، إذا ما وضع في خدمة أهداف ضارة بالإنسان والحياة والحضارة!؟؟
ومما يؤسف له أشد الأسف في عالمنا، أن التقدم العلمي والتفوق التقني والتطور المؤهل لعصر ثورة المعلومات والعلوم والهندسة الوراثية، لم يوضع في إطار يحقق ما يمكن أن نسميه " تقدماً حضارياً" حقيقياً بالمعنى الإنساني والخُلُقي.
ففي هذا العصر حيث يموت الملايين جوعاً وتُهدَّد البشرية بكاملها، وتفترس أمراض كثيرة جماعات من البشر، ولا يتحقق للأطفال أمن من جوع وخوف ؛ في هذا العصر تصرف ملايين الدولارات في كل دقيقة لأغراض الحرب والدمار وعسكرة الفضاء، وتخرب البيئة؛ ويتم اغتيال حقوق الإنسان وحريته وتستخدم سلعة وتوظف لخدمة المصالح؛ ويسحق الضعفاء والفقراء ، ويفترس القوي الضعيف، وتموت الروح بموت القيمة والأخلاق والنزوع الإنساني، لترتفع معطيات أخرى هجينة وسقيمة، رغم الضجيج الضخم الذي يحيط بها فكرياً وإعلامياً، تلك التي لم تعطِ الإنسان أدنى درجة من درجات الكرامة في عالمه، وخربت روحه وتاجرت بكل شيء فيه وحولته هو وحقوقه وحرياته وثقافته وعقائده إلى سلعة في السوق الرَّبوي المتضخم ، ولا حقته بالرعب والأرق فلا هو آمن من جوع وخوف، ولا هو قادر على أن يأكل ليعيش وليحقق في العيش أهدافاً وغايات تنقذ الروح والحياة دنيا وآخرة؛ بل حولته إلى ما يشبه بهيمة الأرض ، إلى كائن يعيش ليأكل ، إلى مجرد معدة، تغذي نوعاً من الرّبوت الذي يزرع الرعب أينما حل، ليحمي نفسه من الرعب الذي يلاحقه؛ ذلك أن معيار الحضارة الإنساني وانعكاسها الذي ينبغي أن يكون كذلك قد غابا أو غيبا في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا حضارة، ومنظومات القيم والعقائد سلعاً ووسائل تكتيكية لخدمة التضخم المالي والهيمنة الاستعمارية، التي تتقن استخدام السلاح لإخضاع الإنسان وتهديده وتجريده من هويته وتميزه وفرادته.
وكل تقدم في المعيار الُخُلقي والحضاري السليم الذي يخدم الإنسان والحياة يكثفه النبي محمد بن عبد الله عليه السلام حين لخص رسالته بقوله " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، فجعل لكل شيء يعيش له وعليه من علم وعمل في خدمة هذا الهدف النبيل؛ وقد بدأ رسالته السماوية بـ " إقرأ " مفتاح المعرفة، وهو يوظفها للمحافظة على سلامة الحياة وتوازنها، لأن الإنقاذ والبقاء والصلاح يكون بذلك؛ ولا يقبل فصلاً بين القول والفعل، الشعار والممارسة فـ " الدين المعاملة " .
ـ 2 ـ
دور سورية الحضاري :
لسورية دور ملحوظ في تكوين الهوية الثقافية العربية وفي المحافظة عليها، وجذر الثقافة العربية في سورية أقدم بكثير مما يُقدَّم إلينا ونحفظه ونحافظ عليه باعتزاز، وأبعد من المعطيات الثقافية التي تبدأ التأريخ للثقافة العربية من المرحلة الجاهلية صاعدة إلى ما طرأ وتطور وتركَّز ونما بعد ذلك في ظل الإسلام، عبر عصوره المختلفة. فسورية ليست هي فقط تلك التي قدمت للعالم أولى خطوات حضارة المجتمعات الزراعية ـ في سهل نطوف قرب أريحا في الألف العاشر قبل الميلاد ، والكتابة المسمارية مع شقيقها العراق، في مرحلة الحضارتين السومرية والأكادية، اللتين نشأتا من عناق العرب الآموريين ـ الغربيين ـ مع الفرات والعرب الشرقيين، ومن جمعِهم ساحل المتوسط إلى عمق النهرين؛ وتواصلِهم مع الثقافة النامية هناك منذ الألف الخامس قبل الميلاد؛ بل هي أيضاً تلك التي تفخر بأنها قدمت للبشرية حضارة ماري وإيبلا 2300 ق. م وقدمت أول مكتبة منظمة في التاريخ / مكتبة إيبلا التي كان لنصوصها الموروثة تأثير وحضور في التوراة، التي أثَّرت بدرجات متفاوتة على ثقافة الغرب.
وقدمت أول أبجدية في التاريخ من خلال حضارة أوغاريت ـ
1400 / 1200 قبل الميلاد، وهي حضارة الفينيقيين الذين هم فرع من العرب الكنعانيين، وقدمت المساهمة الآرامية في المعرفة والعمران ؛ وتعتز بأنها ليست ملتقى حضارات الشرق والغرب ، بل هي مهد تلك الحضارات، والموقع الذي شهد نموَّها المعتدَّ به والموثَّق علمياً.
ولم تكن سورية، في تاريخها الممتد عبر الزمن، تستعير هويتها من الثقافات التي تتواصل وتتفاعل معها، بل كانت تُغني تلك الحضارات وتغتني بها، وتخوض معها مثاقفة واعية لأهدافها وأغراضها، بثقة واقتدار، في بوتقتها الحضارية الخاصة القادرة على الصهر والتأثير.
فالشخصية الثقافية العربية لم توجد أو تتكوَّن في هذا البلد العريق مع مجيء الغساسنة إليه من اليمن، بعد انهيار سد مأرب وتوطّنهم في حوران، وإقامتهم لمملكتهم العريقة المتحالفة مع الرومان والمتصارعة مع مملكة إخوتهم المناذرة في الحيرة الذين كانوا يحالفون الفرس؛ وإنما كانت تلك الشخصية وتكونت هنا في هذه الأرض مع ما كوَّن سورية ومن كوَّنها، قبل مرور الفراعنة والفرس واليونانيين والرومان بهذه الربوع، وقبل اليهودية والمسيحية بآلاف السنين.
في دمشق توجد معطيات الحضارة والثقافة العربيتين قبل المرحلة الكنعانية ـ التي عمَّت السواحل الشامية ـ بقرون؛ وفي القدس توجد قلعة اليبوسيين العرب ـ نسل الكنعانيين الأوائل ـ الذين بنوا قلعة صهيون وأسسوا المدينة حوالي عام 3400 من مجيء موسى واليهودية بنحو ألفين من السنين، وفي دمشق توجد حضارة الآراميين ؛ وأينما توجه الإنسان وبحث يجد ما يشير إلى حضور متطوِّر للإنسان والحضارة في هذا البلد الذي عُرف بسورية الطبيعية ثم بلاد الشام، قبل أن يقسمه الاستعمار الأوربي الحديث ـ الفرنسي والإنكليزي ـ إلى أربع دول بموجب معاهدة سايكس ـ بيكو / 1916/ وقبل أن يدخل ذلك التقسيم حيِّز التنفيذ مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وسقوط السلطنة العثمانية، وخضوع البلاد للاستعمار المباشر، استعمار فرنسا وبريطانيا، الذي كرَّس التقسيم والجغرافية السياسية القائمة على أنقاض جغرافية سورية الطبيعية، تلك التي نشهدها اليوم، وتدافع الأنظمة القطرية عنها بحماسة كبيرة كما تدافع كل الأنظمة العربية عن الجغرافية السياسية التي صنعها الاستعمار!!؟ ومن سورية ينطلق نداء البعث العربي الاشتراكي بقيادة الرئيس المناضل حافظ الأسد القائل برفض سايكس بيكو وما نتج عنها ، وبرفض وعد بلفور وما أسس عليه، وبإقامة دولة الوحدة العربية منطلق التحرير أو مساره الحتمي؛ وسورية التي تقول ذلك، هي سورية التي خاضت حرب تشرين المجيدة وحرب الاستنزاف التي تلتها / عامي 1973 و 1974 / وصمدت للمؤامرات وأشكال الحصار ، وأسقطت اتفاق 17 أيار وحقنت الدم في لبنان ؛ وخاضت وما زالت تخوض معارك شرسة من أجل الحق والتقدم وحرية الإرادة والقرار في أرض العرب .
في سورية يمكن تلمُّس مقومات الهوية الثقافية العربية الإسلامية منذ انتشار الإسلام في هذه الربوع، ولكن معطيات تلك الهوية ومقوماتها جاءت تثبيتاً وتعزيزاً وتطويراً كبيراً لجذر الثقافة العربية وجوهرها القديمين، ذينك اللذين بُنيا على وثنية أولى سبقت إبراهيم الخليل / عاش في حوالي 1850 ـ 1900 ق. م / ووجدت في ظلها أولى أساطير الخلق والتكوين والميثولوجيا، والآلهة المتعددة الصفات والوظائف ـ إينوما ايلش Enuma Elish أسطورة التكوين البابلي ـ في أرض العراق ثم الأساطير الكنعانية والفينيقية في امتداد الشام؛ وأولى الشرائع البشرية الوضعية : شريعة حمورابي ؛ ثم مرَّ تدرُّج ملامح الهوية ومقوماتها برحلة ذلك الموحِّد الأول في التاريخ من "أور" إلى فلسطين ومكة ، أعني إبراهيم الخليل ، الذي جاء قبل الموحد الفرعوني إخناتون بأربعمئة سنة تقريباً ، وبقاء تجربته الفذة في عمق الوجدان ومعنى رحلته في أرض الرسالات منبعاً للروح.
وتلت ذلك العصورُ الوثنية الأحدث عهداً، تلك التي بنيت عند العرب على خلفية عميقة لعقيدة التوحيد، عقيدة إبراهيم الخليل ؛ كانت تغلفها وتقنِّعها وتظهَر على حسابها، وثنيةٌ مستوردةٌ على طريقة عمرو بن لحيّ أول من أدخل عبادة الأصنام إلى شبه الجزيرة العربية في فترة متأخرة من الجاهلية الأولى؛ وكانت تلك عقيدة تتخذ من الآلهة المنقولة إلى أرض إبراهيم وإسماعيل من بلاد الشام، وسائل و زلفى: "ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار " / الزمر 39 ـ تتقرب بها من الله الواحد الأحد، الذي كان يستقر الإيمان به في الأعماق. ولم تكن القبائل العربية تتهيب، بسبب الإيمان العفوي بوجود الله، من أن تأكل أوثانها ـ آلهتها المصنوعة من التمر ـ عندما تجوع، ففي ضميرها وأعماق لا وعيها الجماعي، كانت تعيش، على نحو ما، ملَّةُ إبراهيم حنيفاً مسلماً، وهي الملَّة التي أعادها إليها الإسلام على يدي رسول الله محمَّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء ذلك بوضوح في القرآن الكريم إذ يقول تعالى : " وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملَّة إبراهيم هو الذي سمَّاكم المسلمين من قبل ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير. " الحج / الآية : 78
فالإسلام الذي جاء بلسان عربي مبين، بوحي نزل على نبي عربي، ردَّنا إلى ملَّة أبينا العربي إبراهيم الذي بنى وابنُه إسماعيل أول بيت للناس في ـ مكَّة أو بكَّة ـ وأقام من ذريته بواد غير ذي زرع، ودعا الله أن يجعل أفئدة من الناس تهفو إليهم.
*والإسلام الذي تجدد وتوسع واستكمل رسالته باستكمال الوحي والسنة المطهرة وبوصية النبي العربي في حَجَّة الوداع، أعاد صوغ الشخصية الثقافية العربية وعزَّز مرتكزاتها ـ التي أبرزها : اللغة بما حملت ، والدين بمنظومات قيمه وأبعاده الروحية ، والعادات والتقاليد والسمات والملامح القومية العامة للأمة ـ وما يقيم قيم الناس وحياتهم وأهدافهم في ظلها؛ ودعا المسلمين إلى أن ينشروا عقيدتهم في الناس كافة، فهي رسالة للعالمين. وحين تشرَّف العرب والعربية بحمل هذه الرسالة التي أقرت بعض ما كان عليه العرب من عادات وعلاقات، ومعطى ثقافي وإنساني وحقاني وروحاني لا يتعارض مع الإسلام، حملوا ثقافة تتسامى بالرسالة، ورسالة تعزز الثقافة، وتدعوا إلى اجتثاث ما ساء أو خبُث أو ضرّ من سلوك واعتقاد وعمل وعلم ـ فلا بارك الله في علم لا ينفع الناس ـ ومضى أولئك العرب بمقومات تاريخهم وقوميتهم والعقيدة التي تشرفوا بحملها وبالدعوة إليها في مشارق الأرض ومغاربها، مضوا وهم على بينة من أمر هو في غاية الأهمية بالنسبة لمفهوم الانتماء والانتساب والمكانة، وما يرفع شأن فرد أو أمة أو يخفض من شأنهما. و هاهي بعض المعايير والأسس والأحكام تؤكد لمن اتبعها أنه لن يضل أبداً من اتبعها، ولن يقع في التعصب والغلو والمحظور والمحذور، إن هو أجاد الفهم والتفسير والربط والتنفيذ والاقتداء :
ـ قال الله تعالى : "إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" / الزخرف ـ الآية : 3
ـ وقال أيضاً : "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" / الحجرات الآية : 13
ـ وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح : [ أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد، ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، العربية لسان، فمن تكلم العربية فهو عربي. ] ومن الواضح هنا أنه يخص المسلمين في تحقق هذه الصفة والمكانة.
وفي هذه المراجع ـ المعايير نقرأ ونستقرئ ما يلي :
* أن الإسلام لم يلغ الانتماء لقبيلة أو لأمة ـ شعب ـ وبالتالي لم ينكر الانتماء القومي أو يتنكَّر له، ولكنه جعله مرجعاً للتعارف والتمايز فقط وليس للتميّز والتعالي والاستكبار؛ وجعل التقوى هي معيار القيمة وميزان الفضل، وهي التي يكرِّم الله بها عبداً على عبد، ويرفع شخصاً فوق شخص درجة أو درجات. / انظر الآية 13 السابقة من سورة : الحجرات /
* وأن الإسلام، الذي أعلن فضل العربية : اللغة التي نزل بها القرآن، لغة أهل الجنة كما جاء في الحديث الشريف، التي تشكل المقومِّ الثقافي الرئيس لشخصية الرسول العربي ولشخصية أمَّة العرب؛ أعطى شرف الانتماء إلى العروبة من خلال الثقافة وليس من خلال صفاء الدم والعرق والعصبيات القبلية والقومية؛ / الحديث / فمن يتكلم العربية من المسلمين يحمل حملها ويتشرب مضمونها، وهو مضمون في مجمله : عقائدي ـ ثقافي ـ معرفي ـ خُلُقي ـ حضاري وإنساني عام؛ وكل من يود أن يَحْسُنَ إسلامه من المسلمين يرغب في أن يعرف لغة القرآن، لغة الحديث والفقه والسُّنَّة، وحين يصل المسلم إلى ذلك المستوى من المعرفة يصل إلى درجة التماهي التام مع العربي في المكونات الثقافية والوجدانية العامة، التي تحملها اللغة وتغرسها وتكوِّنها وتنميها، ويصبح هو العربي ثقافة وعقيدة ومعرفة بما تحمل اللغة وما يكوِّن الوجدان والقيم وعناصر الحكمة والحكم والاحتكام في العقيدة ـ الأمة، أو في الثقافة الأمة.
وما هو الانتماء خارج حدود العقيدة واللغة وسلَّم القيم ومبدئيات العدل والحق والإيمان ؟! ومن هم العرب خارج هذا الانتماء، لا سيما وهم أمة كُرِّمَت بالإسلام، أي بعقيدة البشر العالمية: الكلية التسامح، كلية التسامي، كلية الشمول لما جاءت به العقائد السماوية من صحيح الهدي وسليم المبادئ، وهي العقيدة التي تشكل قوام دين المستقبل للناس كافة!؟.
وهذا الربط المحكم بين العروبة والإسلام، بين العربي والمسلم، وبين الثقافة العربية ـ الإسلامية، ومشروعية الانتماء الإنساني العام لقيمها ومقوماتها، الذي تجسده العربية ومفهوم الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قدمه لـ من هو العربي ـ ملغياً بذلك كل صيغة من صيغ التعصب والعنصرية والاستعلاء ـ هذا الربط جعل من مفهوم سورية العربية ـ المسلمة، للعروبة والإسلام مفهوماً حضارياً متقدماً شاملاً ومتكاملاً مبنياً على ذلك الترابط ونابعاً منه؛ فـ " العروبة جسد والإسلام روح "؛ وهل يمكن أن يحيا الجسد بلا روح؟! وإذا قدر له جدلاً أن عاش من دونها، فمن عساه يكون وماذا يكون ذلك الجسد؟! هل يكون أكثر من كتلة من اللحم المتراكم يتحرك بلا غايات أو أهداف ؟! وهل بلا روح وهوية وشخصية وأهداف يُعْرَف المرء ويشعر بمعنى للعيش وبقيمة للحرية والسعادة، أو بأدنى فهم للكون والخلق والخالق ؟! هل يكون أكثر من معدة تُملأ وتُفرغ من دون أن تعرف كيف ولماذا ؟! وويل لابن آدم عندما يتحول إلى مجرد معدة.
" العروبة جسد والإسلام روح " عبارة مكثفة قالها الرئيس حافظ الأسد، تلخص فهماً وموقفاً وفلسفة وتاريخاً وتقدم معطى حضارياً ونضالياً، في سورية الحديثة، كما تشكل منطلق رؤية للثقافة العربية الإسلامية في المشروع القومي والحضاري للأمة العربية، وتقدِّم توجهاً عصرياً لها في نهجها الاستراتيجي القومي: التحرري والتحريري.
وكل عودة واعية للتاريخ القديم، تقدم لنا عمقاً وأبعاداً واستخلاصات تزيد هذه العبارة قوة ومدلولاً واستمراراً، وتُمِدُّها بدفق حيوي بلا حدود. فمذ كانت الشام في ظل الإسلام، كانت موقعاً ممتازاً ومتميِّزاً في الحضارة العربية ـ الإسلامية، وحصناً ثقافياً ونضالياً تحتمي الأمة به وتتحصَّن بقوته وبمبدئيته لتستعين بذلك على الشدة وتكشف الغمَّة، ولتمتلك من بعد ناصية أمرها،وقوة تدفع بها عن نفسها غائلة الأيام وعدوان المعتدين.
ففي العصر الراشدي تمت السيطرة على غطرسة بيزنطة بمعركة اليرموك، التي قادت بدورها إلى فتح دمشق وتحرير الشام من حكم الرومان؛ وفي العصر الأموي بُنِيَت الدولة العربية الإسلامية بالمعنى العميق والدقيق للكلمة، بهوية وشخصية واضحتين، وبوعي حضاري، وبتوق للتقدم بأصالة،وانتشر الإسلام في الأرض بما لا نظير لسرعته في التاريخ العربي الإسلامي، ودفعَ العربُ المسلمون البيزنطيين بعيداً، وأزالوا تهديدهم، بل وهددوا حصونهم وتجمعاتهم ووجودهم؛ وكان ذلك انطلاقاً من الشام ومن وعي ثقافي ـ عقائدي واضح وقوي تلتزم به الشام ويؤسس وجودها وانتماءها.
وفي الحروب الصليبية أطلق نور الدين زنكي مشروع المواجهة والتحرير من أرض الشام، ووحَّد صلاح الدين الأيوبي جند مصر والشام وانطلق لتحرير القدس وسائر الأراضي المحتلة، ودَحَرَ الصليبيين وأعاد تحرير المحتل من سورية: الشام .
وفي العهد العثماني كانت الشام منبر الفصحى، وأرض الدفاع عن اللغة العربية والهوية القومية، وحمت شخصيةَ الأمة العربية وانتماء هذه البلاد ووجهها الثقافي وماضيها الحضاري ، وقاومت التتريك، وقدَّمت شهداء على هذه الطريق، وتمكَّنت من تحقيق صحوة قومية تنقذ العروبة والإسلام معاً مما خططله اليهود الدونما ـ أي : المهتدون ـ بالتعاون مع الاستشراق الاستعماري الغربي،وقوى الغرب المستعمِر المتقدم صناعياً، التي كانت تسيطر عملياً على قرار الباب العالي.
وبعد الحرب العالمية الأولى، وسيطرة الفرنسيين والبريطانيين على بلاد الشام وتقسيمهم لها إلى دول الجغرافية السياسية التي نعيش في ظلها اليوم، دول معاهدة سايكس ـ بيكو؛ قاومت سورية كلُّها الاستعمار والمشروعَ الصهيوني الذي كان يحتضنه الاستعمار ويبشر به ويعمل له؛ وهو المشروع الذي يهدد النبض القومي كله والوعي العربي ـ الإسلامي كله بَلْهَ القضية المركزية وأبعادها.
واستطاعت سورية أن تنجز استقلالها بعد ربع قرن من الاحتلال الفرنسي البغيض الذي كانت سنواته ثوراتٍ وكفاحاً مسلحاً ونضالاً مدنياً وشعبياً عاماً، أدت إلى الاستقلال؛ ومنذ عام 1948 وسورية تدافع عن الثوابت والحقوق القومية العربية والإسلامية في فلسطين، ومنها القدس الشريف بما تمثله للثقافتين العربية والإسلامية وللجذر الثقافي والبشري العربيين في هذه المنطقة من معطيات حضارية، وتتصدى للمشروع الصهيوني العنصري ـ التوسعي ـ الاستيطاني، وتخوض صراعاً مراً مكلفاً إلى أبعد الحدود، وتدعو للوحدة سبيلاً للقوة والتحرير، وإلى مقاومة أشكال النهب والسيطرة والغزو الاستعماري والصهيوني، سواء أكان ذلك الغزو: ثقافياً ـ سياسياً، أم اقتصادياً واجتماعياً، أم عسكرياً.
وعندما دعت سورية إلى نهضة قومية وحرية شاملة ووحدة كانت تدرك جيداً أن ذلك أحد أهم مداخل الخلاص القومي، وبداية التأسيس للنهضة العربية الإسلامية؛ وكانت ترى الخطر الكبير الذي يحمله المشروع الصهيوني على العروبة والإسلام معاً، ثقافياً وحضارياً، وتدرك أن المشروعين: العربي والصهيوني، متناقضان متناحران متضادان، ولا يمكن أن يتعايشا أبداً، بل أن تلاقيهما في هذه الأرض معناه استمرار الصراع والتوتر وأشكال الحروب، وغياب كل ملمح من ملامح السلام والأمن والاستقرار؛ لأنه لا مجال للتعايش بين العنصرية الصهيونية وثقافتها التلمودية ـ الاستعمارية، التي تعيش حالة مزمنة من التزييف والكذب والخداع، وتبيح استعباد الآخرين واستباحة أرضهم ودمائهم وأملاكهم وأعراضهم، وتقول بإبادتهم كلياً، إذا ما وقفوا في وجه مشروعها، الذي يرتدي مسوح " الرب التلمودي "، ويمتح من تبعية اليهود لتعاليم " يهوة " : إله العشيرة والدم والحقد والخراب والإرهاب والموت؛ مشروعها الذي يجسِّد خططها العنصرية الاستعمارية، التي تنفذها بتواطؤ مع الغرب الذي يتأكَّله حقد تاريخي قديم على العروبة والإسلام معاً؛ رأت سورية ببصيرة قائدها ألا مجال للتعايش بين ذلك المشروع وبين العروبة القائمة على إرث حضاري ـ إنساني عريق، والمستندة إلى تعاليم الإسلام : دين التسامح المتوجِّه إلى البشرية جمعاء، الإسلام الذي لا يرى لعربي فضلاً على أعجمي إلا بالتقوى، والذي يقول كتابه المجيد: " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ". وهذا التزام رفيع المستوى حيال البشرية كلها يلتزم به المنتمي لحضارة العروبة والإسلام .
وقد أكد الرئيس حافظ الأسد على ذلك ونبه إلى قيمة الالتزام الحضاري الإنساني حين قال :
" إن أمتنا التي أنبتت أرضها أقدم حضارات الإنسان وكان وطنها مهبط الرسالات السماوية والتي ساهمت خلال تاريخها مساهمة كبيرة في إغناء حضارة البشر هي أمة معطاء ، لا تضمر شراً لأحد ولا تبغي سوى أن يعيش أبناؤها أحراراً في أرضهم ، وأن يعيدوا بناء حياتهم في كل المجالات لتستأنف عطاءها السخي للبشرية فيرفرف السلام ." (1)
فمشروع العرب والمسلمين النهضوي ـ الحضاري ـ الإنساني يتعارض كلياً مع المشروع الصهيوني ـ الغربي العنصري ـ الاستعماري؛ من أجل هذا نرى في سورية ـ على أرضية من الوعي الثقافي، والتجربة، والانتماء الكلي لتاريخ الأمة الذي يولد مستقبلُها في أحضانه، وليس بعيداً عن معطياته وعبره ـ نرى أن التطبيع مع العدو الصهيوني أمر مرفوض كلياً، لاسيما في المجال الثقافي، وأن الصراع، حتى الحسم النهائي للقضية الفلسطينية، هو الذي ينبغي أن يستمر؛ لأنه لا تنازل، من منظور الانتماء والوعي الثقافيين والعقائديين، لا تنازل عن الأرض والحق التاريخي والمقدسات، ولا عن الشخصية الثقافية والخصوصية الحضارية للأمتين العربية والإسلامية، وهو ما يهدده وجود الكيان الصهيوني ومشروعه الاستعماري ـ الاستيطاني، وأي شكل من أشكال الاعتراف بذلك الكيان وتطبيع العلاقات معه. ونرى في سورية أن الثقافة هي الحصن الأخير للدفاع عن هذه المبادئ والثوابت والمقومات، ونرفض أن تعترف الثقافة ـ خلاصة الوعي والاعتقاد ـ بالعدو وبحق تاريخي له في أرض العرب والمسلمين؛ وهذا موقف مبدئي ثابت للثقافة العربية ـ الإسلامية في سورية، حتى لو اعترفت الأنظمة العربية جميعاً بالعدو الصهيوني على الصعيد السياسي؛ فما يلزم السياسي لا يلزم الثقافي بالضرورة، وعلينا في المجال الثقافي أن نبقي الباب مفتوحاً أمام الأجيال القادمة لتقرر مصيرها، ومصير القضية المركزية لنضالها في هذا العصر، قضية فلسطين، من دون أن نسمح بتكبيلها باتفاقيات مُذِلَّة لها وللتاريخ وللأمة كلها .
وعلى هذه الأرضية فإنني أفهم البعث الذي دعا إلى الوحدة والحرية والاشتراكية ـ أو أريد أن أفهمه ـ على أنه بعث لمجد الأمة ومكانتها وقيمها ومفاهيم العدل والكرامة فيها، ذلك المجد وتلك المكانة اللذين لم يكونا متجسدين فعلاً إلا في ظل عصور الإسلام الحق: فهماً واعتناقاً وممارسة وانتماء ، وفي ظل انتشار الثقافة العربية ـ الإسلامية والنهضة القائمة على وعي تام بها. إذ في ظل ذلك فقط تألَّق وعي الأمة وازدهر تقدمها، في ظل الانتماء الصُّرَاح، والوعي العربي الساطع، والشعور بالمسؤولية، وتمثُّل تعاليم الدين الحنيف، الذي أعز العرب ـ " إنما عزَّ العرب بالإسلام " ـ ولا أجد أن سورية العربية بدعوتها القومية، تريد أن تبعث قيم المجتمع الجاهلي وعنجهية أبي جهل ووأد البنات، ومن ثم فهي لا تنفي الإسلام بدعوتها تلك ولا تضعفه ولا تضع العروبة في مقابله ، وتعي جيداً أن من يضع العروبة في مقابل الإسلام يضعف كلاً من العروبة والإسلام؛ وإنما هي ترفع أبطال العروبة الذين لم يكن لها مثلهم إلا في الإسلام، وترمي إلى استعادة مجد العرب الذي لم يصلوا إليه يوماً إلا في ظل حملهم لروح الإسلام ورايته ورسالته، وعملهم بقيمه
ومفاهيمه وتعاليمه. (2)
وعلى هذا فالبعث ـ كما أفهمه أو كما أحب أن أفهمه ـ يدعو إلى رسالة خالدة للأمة العربية لم تكن يوماً ـ من وجهة نظري ـ إلا رسالة الإسلام الخالدة وقيمه وتعاليمه الإنسانية ـ الخُلُقيَّة ـ الروحية ـ التوحيدية السامية، التي أخرجت الناس من الظُّلمات إلى النور، وجعلت من هذه الأمة رائداً للعلم والثقافة والفهم والعدل والتسامح والحضارة ، في عصور كانت فيها شعوب العالم ـ لا سيما الأوربية منها ـ ترزح تحت نير الظلم وتعاني من ظلام الجهل.
ودعوة البعث إلى نهضة ووحدة وقوة لن تكون ولن تتحقق أبداً إذا ما وضع نفسه خارج الإسلام، أو إذا ما وضع العروبة في مقابل الإسلام، أو قادها إلى أي شكل من أشكال التناحر أو التضاد أو التصادم معه، لأنه إن فعل ذلك يضعف كلاً من العروبة والإسلام كما أسلفت ؛ ولأنه، بكل بساطة، لن يصل إلى أهدافه تلك إلاّ بالجماهير، ولأن الحس العام للجماهير والتوجه العام الذي لها هما حس وتوجُّه قائمان على الإيمان، ويستندان بالدرجة الأولى إلى الإسلام، ويَمْتَحَان من مناهله وتعاليمه ومفاهيمه، ويرميان إلى تجسيد قيمه وتمثُّل روحه والاستشهاد على دروب ومذابح يباركها ، ومنها التحرير والحرية والتقدم في الميادين كافة وتحقيق العدالة الاجتماعية بشكل جذري وتام، فإن التماهي أو التواصل العضوي يجب أن يكونا تامين بين العروبة والإسلام اللذين لا تناقض بينهما؛ إذ أين التناقض الذي يمكن أن يكون بين عروبة هذا فهمها، وهذه رسالتها، وإسلام هذا جوهره وتوجهه الحضاري والإنساني والمستقبلي؟!.
ومن هذه الزاوية أريد أن أنظر إلى الدور الذي لعبته وتلعبه سورية المعاصرة في خدمة الثقافة العربية ـ الإسلامية، بالمفهوم العام للثقافة الذي أشرت إليه في مطلع هذا الحديث؛ فسورية التي يقول قائدها حافظ الأسد : " الإسلام هو كفاح لا يعرف التردد ضد الرجعية ضد الاستعمار، وهو وقوف ثابت ومستقر، ونضال دائب وعنيد إلى جانب كل المظلومين، وكل الكادحين، في أمتنا وفي كل مكان على وجه هذه الأرض " / من خطابه في الذكرى
19 لثورة الثامن من آذار 7 ـ 3 ـ 1982 / ويقول أيضاً : " الإسلام دين يدعو إلى المحبة والتسامح وتقدم الشعوب وعدالتها، وكل الذين ينادون بالإسلام أو يفهمون الإسلام على حقيقته سيلتقون معنا وسنلتقي معهم، وسيجدون منا كل دعم، ونحن نلتقي وندعم المسلمين الحقيقيين ضد من يحاول تشويه الإسلام.3
سورية التي تقول هذا بلسان رئيسها، أو يقول رئيسها هذا بلسانها؛ لا يمكن أن تكون أبداً في حالة صحية تامة وهي تجمع ازدواجية نظرة وموقف وفهم بالنسبة لموقفها من العروبة والإسلام، وبالنسبة للحضارة التي أنتجها تجليهما فيها على مدى قرون؛ ولا بعيدة عن التقدم والنمو اللذين لا يمكن أن يقوما إلا بالإنسان ومن أجله على أرضية من الحرية، واحترام الحقوق وامتلاك العلم والعمل به، ولا مالكة للحضارة ومجسدة لقيمها ما لم يمكن الإنسان فيها من القيام بممارسة دوره وواجبه بحرية وإبداع، وبإعمال تام للعلم والإيمان والعمل بهما؛ وما لم تضع طاقة الأفراد والإمكانات كلها في خدمة استراتيجية التحرير والبناء بمسؤولية ووعي وسلامة تامة من كل ما يعيق الأداء والإبداع من عوامل تؤثر على سلامة المناخ العام وصحته، وعلى قدرة الفرد وانطلاقته في دروب العطاء .
وفي هذا الإطار أذكر هنا بإيجاز شديد بعض الإنجازات التي حققتها سورية أو أذكِّر بها، ليكون في ذلك نوع من تقديم الملموس بعد هذا التمادي في الكلام النظري:
لقد اهتمت سورية اهتماماً ملحوظاً بكل ما يتصل بالعملية الثقافية ـ وهي جزء جوهري من الحضاري بالمعنى العام ـ اهتمت بها: تكويناً ونشراً وتأسيساً لمؤسسات وإقامة لمنشآت، ونحن نشهد اليوم عناية ودعماً كبيرين لقطاعات التربية والتعليم العالي والجامعات والإعلام والثقافة، وكل ذلك يتكامل ويصب في مجرى خدمة الثقافة بمفهومها الشامل والحياة بشكل عام.
ـ ففي سورية اليوم أربع جامعات هي : جامعة دمشق ـ جامعة حلب ـ جامعة تشين ـ جامعة البعث، وهي تستوعب عدداً كبيراً من الطلاب تنفيذاً لسياسة الاستيعاب التي قد يكون لها أكثر مما عليها؛ وكل هذه الجامعات تدرس العلوم جميعاً باللغة العربية، وفي هذا ما فيه من خدمة جلَّى للمقوِّم الرئيس للشخصية العربية وللثقافة العربية ـ الإسلامية، أعني اللغة العربية التي تواجه كثيراً من الاتهامات في هذا العصر بأنها ليست لغة العلم ولا لغة العصر!؟ وهاهي سورية تواصل التصدي لهذا الاتهام وترده باقتدار .
وهناك عدد كبير من المعاهد العليا والمتوسطة في إطار التعليم العالي، تخرِّج أطراً بشرية مساعدة ذات قدرات عملية؛ ويوجد توسع في مجالات التربية والتعليم بمراحله المختلفة، وعناية كبيرة بالتعليم المهني: القاعدة الضرورية للنهضة الصناعية ؛وتحديث لمناهج التعليم ووسائله، ومواكبة لعلوم العصر واهتمام بها، فالمعلوماتية اليوم مادة تدرَّس في مراحل التعليم الثانوي والعالي. وهناك التزام وإلزام بمرحلة تعليمية لكل السوريين والسوريات تطبق اليوم في المرحلة الابتدائية وتطمح إلى أن تصل إلى الشهادة الإعدادية، واستيعاب شامل للطلبة في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية، والأخيرة مقيدة ومشروطة بمستوى الطالب، وهناك إلى جانب ذلك عناية خاصة بالطلبة وبتوفير السكن الجامعي لهم بأجر رمزي وتسهيلات لمتابعة التحصيل؛ واهتمام أيضاً بإعداد المعلمين والمدرسين، وبتقديم ما تحتاج إليه الكليات المتخصصة من تجهيزات ومخابر وإمكانيات أخرى.
ـ ويوجد في سورية اليوم ثمانية وثلاثمئة من المراكز الثقافية تابعة لوزارة الثقافة وللإدارة المحلية في محافظات القطر، وهناك مكتبة وطنية رئيسة هي مكتبة الأسد الوطنية وهي صرح ثقافي نعتز بما يحققه من خدمة للثقافة، ومكتبات أخرى للمخطوطات مثل الظاهرية، ودار الكتب الوطنية في حلب، وبعض المراكز المتخصصة في البحث والمحافظة على الموروث مثل مركز العاديات في حلب.
ـ وفي سورية منظمات شعبية ونقابات مهنية تعنى بالأنشطة الثقافية النوعية إضافة إلى مهامها ، ولكل منها منابره وبرامجه الخاصة الجيدة في هذا المجال، وأذكر من ذلك : اتحاد شبيبة الثورة ـ الاتحاد الوطني لطلبة سورية ـ الاتحاد العام النسائي ـ منظمة طلائع البعث ـ اتحاد العمال ـ واتحاد الفلاحين.. إلخ ولكل من هذه الجهات وعداها أنشطة خاصة في مجال الثقافتين العامة والتخصصية.
وهناك عناية ملموسة بالآثار التي تكثر في سورية، وتعود لكل العصور، وتكاد لا تجد موقعاً في سورية يخلو من أثر هام، وكلها تلقى عناية خاصة واهتماماً من الدولة وتُرصد لها الاعتمادات اللازمة للتنقيب والترميم. وفي سورية مؤسسة عامة للسينما، ومديرية للمسارح تشرف على فرق فنية مسرحية ومهرجانات فنية ومسرحية، وهناك بناء معتبر للمسرح القومي يشاد في دمشق، عدا المسارح العاملة منذ عقود من الزمن، ومعهد للفنون المسرحية وآخر للموسيقا؛ وتصدر وزارة الثقافة سلسلة من المنشورات المترجَمة والمؤلفة والتراثية تصل في بعض السنوات إلى مئة وعشرين عنواناً من أحجام مختلفة/ وقد بلغ ما نشرته الوزارة من مطبوعات : / 2242 / كتاباً ؛ كما تُصدر الوزارة عدداً من المجلات الهامة، فهناك على سبيل المثال لا الحصر مجلات: المعرفة ـ الحياة المسرحية ـ الحياة التشكيلية ـ الحياة الموسيقية ـ الحياة السينمائية، ومجلة خاصة بالأطفال هي مجلة أسامة، وحولية تتابع الآثار تصدر عن المديرية العامة للآثار والمتاحف، وكل هذه المنشورات تصدر عن وزارة الثقافة.
ـ وإلى جانب هذا هناك جهد مجمع اللغة العربية وإصداراته، لا سيما مجلة اللغة العربية، ويُصدر المجمع كتباً قيمة من التراث المحقق تحقيقاً علمياً متميزاً وبعض الكتب الموضوعة، وما يصدر في إطار وزارة التعليم العالي والجامعات من كتب جامعية وأخرى عامة، ومن دوريات علمية مثل مجلة الباسل وأدبية أو تاريخية مثل المجلة التاريخية التي تصدر عن كلية الآداب ـ قسم التاريخ ، وهناك دوريات فصلية من نشاط كليات أخرى.
ـ ويأتي نشاط اتحاد الكتاب العرب ليسجل إضافات خاصة، فهو يصدر ما يقرب من مئة كتاب في العام، في سلسلة مطبوعاته التي بلغت ألفاً ومئة وثمانين كتاباً من الأدب العربي المعاصر، كما يصدر الاتحاد خمس دوريات هي : الموقف الأدبي ـ التراث العربي ـ الآداب الأجنبية ـ الأسبوع الأدبي ـ الفكر السياسي؛ ويقيم في فروعه الأربعة عشرة، وفي المراكز الثقافية المنتشرة في أنحاء القطر العربي السوري ما لا يقل عن اثنين وعشرين نشاطاً ثقافياً في الأسبوع ـ ما بين ندوة ومحاضرة وأمسية أدبية : شعر أو قصة ـ في أثناء موسمه الثقافي السنوي الذي يمتد من أيلول حتى حزيران من كل عام، ويقيم مهرجانات ومسابقات أدبية داخلية ومعارض للكتاب .
ويضاف هذا إلى الخدمات الثقافية التي تقدمها وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، وهو كمٌ لا يستهان به ولا بتأثيره في الحياة الثقافية والاجتماعية في سورية والوطن العربي، على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وقدمت سورية من خلال اتحاد الكتاب العرب، واتحاد الصحفيين، ونقابة الفنانين، خدمات أساسية للكتاب والفنانين، هي في النهاية حماية للثقافة ومناخها، وللإبداع والمبدعين، وللأداء الأدبي والفني بشكل عام؛ ونذكر من ذلك: تقاعد الفنانين ـ بموجب قانون ـ وتقاعد الكتاب ـ بموجب قانون ـ وتقاعد الصحفيين ـ بموجب قانون أيضاً، وصناديق الضمان الصحي والاجتماعي لكل هذه الفئات،وتسهيلات السكن والخدمات الاجتماعية الأخرى. وخصَّت سورية أساتذة الجامعات بخدمات وميزات خاصة بهم، وهناك قوانين قيد الإصدار تتعلق بحماية حقوق المؤلف العربي في سورية، وترعى المؤسسات المعنية حقوق الكتاب والمبدعين وتدافع عن حرياتهم، وتحمي مناخ حرية التعبير وممارسة المهنة، وتحافظ على ما تَحَقَّقَ لهم من مكتسبات.
وكل هذا الأداء والإنجاز يصب في النهاية في مجرى خدمة الثقافة والحضارة العربية ـ الإسلامية، وهناك إيمان تام، هو الأهم والأجدر بالاعتبار، وأعني به الإيمان بالعلم والعلماء، وبدور الثقافة والمثقفين في التقدم والنهضة، وتطوير الوعي المعرفي والتنمية، وبأهمية ما يقدَّم في هذا المجال من عطاء شامل وفعال، وبتأثيره على كل وجوه الحياة حاضراً ومستقبلاً؛ وهناك اقتناع لدى القيادات والأحزاب ومستويات المسؤولية المختلفة في سورية، يَحْسُنُ بنا الإشارة إليه، هو اقتناع بدور الثقافة ـ حسب مفهومها الشامل ـ في التنمية الشاملة والتقدم والمواجهة والتعامل مع التحديات المختلفة المطروحة على هذا البلد وعلى الأمة العربية كلها؛ فكل تنمية وكل تقدم وكل تطلّع إلى الدخول في العصر وفي منحيي التقدم العلمي والتقني، وكل إنجاز نتطلع إلى تحقيقه، يتوقف على الإنسان ويبدأ به، ولا يمكن أن يتحقق إلا من خلاله، والعناية بالإنسان تقتضي عناية بالوعي المعرفي، والعلم والثقافة والإبداع وبكل ما يبني المعرفة ويكوِّنها، وما يقيم الحياة والشخصية والعقل والملَكات والإمكانات لدى الإنسان؛ ولذا فإن كل ما قُدِّم، وما يمكن أن يُقَدَّم في هذه المجالات جميعاً يبقى خطوات قليلة على طريق طويلة بالنسبة لأمة تعرف أين هي وماذا تريد، وماذا ينبغي أن تفعل لتصل إلى ما تريد؛ ولكنه يوضع في النهاية في مكانه الملائم، خدمة للحياة والأمة، وللثقافة والحضارة العربية ـ الإسلامية التي نعتز بانتمائنا إليها وبحمل هويتها.
والإنسان الحضاري يأخذ الاهتمام الأول ممن يتطلعون إلى نهضة أو تحرير أو استعادة مكانة حضارية على أي مستوى . وقد ركز الرئيس حافظ الأسد على مكانة الإنسان في الثورة وفي التنمية وفي الحضارة بشكل عام ، فقال للمعلمين والمدرسين:
" المعرفة هي ما تقدمون لأبناء هذا الوطن ، ليست مقياساً للتقدم والحضارة فقط ، بل هي مقياس لمدى أهمية الحياة الحقيقية التي يحتاج إليها الإنسان . " (4)
وقال أيضاً : " رغم كل ما حققناه من إنجازات في مجال الثقافة والتربية والتعليم والتطور الهائل الذي شهدته البلاد في هذه القطاعات فإن لدينا مهمتين يجب التركيز عليهما :
ـ الأولى : هي التركيز العميق على التنفيذ الحازم لخطة التعليم المهني والفني .
ـ الثانية : ضرورة إعطاء الجامعات اهتماماً رئيساً لمسألة البحث العلمي . " (5)
ومن أهم ما قال في هذا المجال :
" الأمة التي تبني الإنسان المسلح بالعلم والمعرفة والمتمتع بالوعي الاجتماعي ، والمتحمل للمسؤولية ، والمدرك لأهمية التواصل الحضاري الإنساني ، تملك السلاح الأمضى ، وتبني المستقبل الأفضل . " (6)
وبعد فإن حماية كل ثورة ومجتمع وحضارة يتطلب حماية للفرد، ومكانته ودوره وللمناخ الاجتماعي وسلامته وللمعايير التي تحكمه، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالحرية والمساواة واحترام القانون بالعدالة الاجتماعية وحماية الحقوق، والحريات العامة، والمحافظة على مناخ أداء سليم من أنواع الفساد والخلل ؛ وهذه مهمة مفتوحة وممتدة لأننا نعاني من سلبيات لا تغفل عنها العين ونحتاج إلى إمكانيات كبيرة لمواجهة ما ترتبه الاختيارات المبدئية الصعبة من تكاليف؛ وهذا ما تعمل سورية وقيادتها التي تسير بحكمة مجرب محنك هو الرئيس حافظ الأسد، على تحقيقه .
والله من وراء القصد .
1998
(1) كلمة الرئيس حافظ الأسد في مأدبة عشاء على شرف الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون 15/6/1974
(2) قال الرئيس حافظ الأسد في حديث له في مأدبة الإفطار التي أقامها للعلماء ورجال الدين في 25/5/1987 :
" عبر إسلامنا ، وبدفع إسلامنا استطعنا أن ننقل للعالم أكبر رسالة وأروع حضارة،نحن نعرف أن من بين المسلمين من أساء إلى الإسلام ، ومن بينهم من شوه الإسلام ، ومن بينهم من زور الإسلام ، ضالاً ، أو عامداً، ولكن الأمر لا يتعلق بالإسلام بل ببعض المسلمين ؛ وهذا لا يغير ولا يشوه ولا يلوث ، لا من قريب ولا من بعيد ، إيماننا بالإسلام ، بل يزيد هذا الإيمان قوة وصلابة" .
وقال في الذكرى السابعة عشرة لثورة الثامن من آذار عام 1980 :
نحن حزب البعث العربي الاشتراكي ، نبغي أن نبعث أمجاد وتاريخ وتراث وتاريخ هذه الأمة ، فكيف لنا أن نعمل على بعث هذا التراث ، وأن لا نعتز بالإسلام ؟! كيف لنا أن نعمل على بعث هذا التراث ولا نعتز بالإسلام !؟ نحن في الحزب وفي هذا البلد لا يمكن لأحد أن يعتز بعروبته من دون أن يعتز بالإسلام . " " " "
(3) من حديث الرئيس الأسد لمجلة تايم الأميركية في 23 ـ 3 ـ 1984 /
(4) المؤتمر الطارىء للمعلمين 15/3/1980
(5) كلمة الرئيس حافظ الأسد عند أداء القسم الدستوري بتاريخ 12/3/1992
(6) كلمة الرئيس حافظ الأسد في افتتاح الدور التشريعي السادس لمجلس الشعب بتاريخ 10/9/1994
|