صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

العراق والعدوان والموقف العربي

انتهت المرحلة الأولى من الحملة العدوانية الأميركية -البريطانية على العراق إلى تدمير منشآت مدنية: "مشافٍ ومؤسسات ومصفاة نفط ومرفأ في أم قصر وبيوت على سكانها وملاجئ "، ومنشآت ومواقع عسكرية في أماكن عديدة من العراق.‏

وما من شك في أنها ألحقت ضرراً بالغاً بالشعب والجيش في العراق؛ ولكنها في الوقت ذاته انتهت إلى فتح الباب على مصراعيه أمام معطيات واحتمالات جديدة منها:‏

- توقف لجان التفتيش "أونسكوم" عن العمل وطرح هذا الموضوع في مجلس الأمن للبحث عن صيغة جديدة للخروج من المأزق الذي وُضعت فيه المنظمة الدولية بسبب الولايات المتحدة وبريطانيا.‏

- طرح موضوع الحصار المفروض على العراق /عربياً ودولياً/ باتجاه إنهائه أو اختراقه.‏

- تصرّف العراق على أسس جديدة بالنسبة للمناطق الواقعة خارج خطي العرض /33-35/ انطلاقاً من التصدي للطيران الأميركي -البريطاني الذي كان يقوم بطلعات استكشافية في المنطقتين ويمنع تحليق الطيران العراقي فوق هذه المناطق من أراضي العراق.‏

- وضع المنظمة الدولية والدول العربية أمام حالة جديدة لا بد من مناقشتها والتوصل إلى اتفاق بشأنها، ولن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل العدوان في هذه الشؤون، بعد المستجدات التي أحدثها.‏

وإذا كان هذا الجانب من الموضوع قيد مخاض تتداخل فيه أمشاج السياسة وأمشاج القتال مع ما يحدثه ذلك من تفاعلات وتطورات، فإن الجوانب الأخرى تمتد تفاعلاتها عربياً بالدرجة الأولى، ودولياً بالدرجة الثانية إلى صعيدين على الأقل في كل من الأفقين: العربي والدولي.‏

على الصعيد الدولي:‏

1-هناك استمرار متوقَّع للحملة العدوانية التي يريد أطرافها استكمال حلقاتها أو مراحلها. ويتم الحديث عن تنسيق بين أطراف العدوان وأطراف من المعارضة العراقية لإشعال نار /انتفاضة- أو فتنة/ تؤدي إلى قلب نظام الحكم بتدخل أميركي -بريطاني- صهيوني مباشر والمجيء بنظام يكون مقبولاً من الولايات المتحدة. إن لم يكن موالياً لها.‏

أما "السيناريو" الموضوع لذلك فتشير بعض الملامح المتسربة منه إلى إشعال النار من الجنوب والشمال، ثم الزحف على الوسط /المركزـ بغداد. وهذا المخطط الأميركي الذي وُضِع منذ أشهر وبدأ تنفيذه في 17/12/1998 وتوقفت مرحلته الأولى بتوقف القصف صباح 20/12/1998 مستمر، ومستمرة الجهود المبذولة مع أطراف عربية وأخرى في المنطقة لتنفيذه. ولكن هل يتمّ ذلك يا ترى وفق مشيئة الأمريكيين والبريطانيين، أو بالأحرى حسب ما تريد المنظمات الصهيونية صاحبة القرار والرأي النافذين في الدولتين؟!‏

2-هناك محاولات من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ودول أخرى أقل تأثيراً في صنع القرار، تتّجه نحو فرض هيبة المنظمة الدولية، أو تحقيق شراكة لها في القرار انطلاقاً من مصالحها بالدرجة الأولى: مثل روسيا والصين وفرنسا، ولا نقدِّر أن روسيا التي اتخذت في أثناء العدوان الأخير على العراق مواقف مضادة للموقف الأميركي، يصل بها الأمر إلى حدود المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا حتى إلى حدود الاستمرار الحاد في الرفض الجاد، لأنها لا تملك من أمورها، السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، ما يمكنها من الإبحار في مركب خاص جداً. إنها تصرخ معترضة، ويبدو لي أن صراخها هو من وجع الاكتشاف المتجدد المستمر والمبهر لمدى تراجع مكانتها الدولية وهامشية تأثيرها.‏

أما فرنسا فنصفٌ غربي، ونصفٌ يفكر في النفط والتجارة والمصالح المستقبلية مع العراق!!‏

نصفٌ يعيش حلم ديغول بأوربا مستقلة عن القرار الأميركي أو منفردة بقرارها، ونصفٌ آخر يستشعر مدى الوهم في هذا النزوع؛ لأن أوربا ليست فرنسا، وألمانيا لا تتخذ بالضرورة موقفاً يحقق ضغطاً على بريطانيا- الأمريكية، أو لا تريد أن تتخذ مثل هذا الموقف.‏

ومن ثم فإن كل الدول الأوربية لها موقف من النظام في العراق، ومن المشكلة كلها، وهي لا تستطيع ولا تريد أن تكون في الجهة الأخرى حرصاً على مصالح مع جهات عربية وأمريكية، وانسجاماً مع مشروع استعماري صليبي قديم ينطلق من العداء لكل ما هو عربي -مسلم، وإن كان الرماد يغطي جمر الحملات الصليبية القديمة. وهناك ما يضاف إلى كل هذا ويتقدم عليه، وهو تأثير الصهيونية في هذا الموضوع والالتزام بمشروعها وحمايته، وعلينا ألا ننسى أن الغرب هو الذي صنعها وأن "السلام" في المنطقة يقدّم على أساسٍ من منطقٍ يقول بضرورة تدمير كل القوى التي تعارضه وإنهائها، أو يمكن أن تعارضه، وتلك التي قد تملك قدرة تهدد إسرائيل" في يوم من الأيام، لأن الهيمنة الصهيونية على المنطقة قرار متخذ أميركياً ومفهوم أوربياً ومبارك من دول أوربية بقوى التأثير الصهيوني.‏

على الصعيد العربي:‏

1-الوضع الرسمي العربي يعيش حالة ارتباك فبعد الموافقة على عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب تمهيداً لعقد قمة عربية تخصص لمناقشة موضوع العراق، وقد تخلص إلى رؤية وقرارات ومواقف تمنع ما يلحق به من كوارث، وتؤسس لثقة عربية متبادلة يقوم على أساسها الوفاق والاتفاق، ثقة يعززها أو يصنعها معطى الجغرافية والمصلحة المشتركة والاستهداف العدواني الأميركي- الصهيوني المستمر؛ بعد تلك الموافقة وتحديد موعد انعقاد الاجتماع، تم إرجاؤه إلى موعد آخر. الأمر الذي جعل العراق يفتح "نار التصريحات" على مصر، ومعنى هذا دخول فكرة القمة في أزمة جديدة لا نعرف هل تخرج منها حية أم تموت عند أعتابها، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار موقف مصر المؤثر، حين يتوافق مع السعودية التي تملك قرار مجلس التعاون الخليجي إلى حد كبير!!‏

الوضع الرسمي العربي إذن إلى تراجع بتقديري، والضغط الأميركي- الصهيوني في هذا الاتجاه لن يكون بلا نتائج، وعلى الصعيد الرسمي العربي لا يمكن مجاوزة حقيقة لا بد من مواجهتها وهي:‏

"أنه ما لم يقم هناك تقارب بين دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الكويت والسعودية، والعراق، تقارب يقوم على أساس من المصارحة وإقامة جسور الثقة؛ فإن المنطقة لن تستقر والمشكلة لن تحل، والأميركي -البريطاني لن يتوقف عن العدوان والابتزاز وفرض الإرادة والقرار والتهديد على الأطراف كلها بأشكال مختلفة.‏

- أن الكويت يحتاج إلى أن يطمئن مستقبلاً على وجوده ومصيره، وما لم يحدث هذا فإن خوفه سيدفعه دوماً إلى طلب الحماية ودفع تكاليفها، ومقدمة هذا موقف من العراق تجاه الكويت يتعلق بالماضي والحاضر ويؤسس للمستقبل. وعندما يتم مدّ جسور الثقة على أساس من الاطمئنان، وتعلن مواقف صريحة ثابتة وراسخة تتعلق بمستقبل العلاقة بين الشقيقين، فإننا نضع أرجلنا على بداية طريق الحل.‏

الشعب العربي في الكويت لا يكنّ حقداً على الشعب العربي في العراق، ولا مناص من توافق الأنظمة على أرضية المشترك والمصالح والمصير والجغرافية التي تؤثر في صنع التاريخ، والتاريخ الذي يعزز وحدة الجغرافية.‏

فهل يستطيع الموقف الرسمي العربي أن يخرج، ولو لفترة تنفس قصيرة، من القفص الأمريكي -الغربي وتأثيراته الصهيونية ليرى المنطقة ومستقبلها خارج وضعية الاحتلال والابتزاز والتهديد والقهر وكل أشكال الذل التي تمارس عليها.. فيما لو اتفقت الأنظمة على إعلاء مصالح الأمة على مصالح الأقطار، ومصالح الشعب على مصالح الأنظمة الحاكمة والأنانيات المتورمة؟‍‏

إن الموقف الرسمي العربي في تراجع، وقد تتعمق الأزمة -كما أشرت- ما لم تكن هناك مبادرات شجاعة ورؤية جديدة مطلوبة من الأطراف كلها.. من العراق والكويت والسعودية ومصر.. الخ.‏

2-الموقف الشعبي العربي، وهو في تقدم قياساً إلى ما كان عليه في السابق. ومعنى وجود هذا الموقف في حالة انتعاش وصمود واستدراك لما فات من خمول، معناه قيام تأثير لا يستهان به على الأنظمة العربية لتتخذ مواقف أكثر إيجابية من الحصار المفروض على العراق وعلى أقطار عربية أخرى، أو لتتخذ مواقف أكثر صلابة من العدوان والتآمر، ولتقف في صف تضامني على الأقل ضد من يسحقها قطراً بعد قطر ونظاماً بعد نظام.‏

لا أقدّر أن هذه الصحوة الجماهيرية ستكون بلا مردود إيجابي على القضايا التي تمسك ملفاتها الأنظمة العربية؛ ولا أظنها كانت بلا تأثير على وقف العدوان الأميركي -البريطاني الصهيوني على العراق. فحين تخاطب الأنظمة الصديقة الولايات المتحدة الأمريكية أو تلك الملتحقة بها، حين تخاطب مسؤولي البيت الأبيض معلنة لهم أنهم قد يخسرون أصدقاءهم من العرب لأن الجماهير ستضعفهم أو تزيلهم.. فإن البيت الأبيض سيعيد حساباته في ضوء مصالحه، التي تستدعي بقاء أصدقائه. أما السؤال عن دور الجماهير في إبقاء هؤلاء الأصدقاء بالتخويف والاستجابة له، فهو دور مقبول مرحلياً إلى أن تملك قدرة المواجهة الشاملة للصهيونية والإمبريالية الأمريكية ذات النزوع العدواني.‏

يبقى من بعدُ سؤال الحملة الأمريكية -البريطانية ومراحلها المستمرة، ودور كل من الدول الكبرى ومجلس الأمن والأنظمة العربية والجماهير.. يبقى هذا السؤال قائماً ومستمراً على أرضية التفاعلات المستمرة هي الأخرى للموضوع برمّته.‏

ويبدو أن المرحلة التالية من الحملة يُعدّ لها أمريكياً وبريطانياً وصهيونياً بأسلوب مغاير قليلاً، أو ربما يكون مغايراً، للمخطط المرسوم.‏

وهناك إشارة تفيد أن ذلك الأمر موضوع على نار ساخنة في الدوائر الأمريكية والبريطانية.‏

قبل العدوان طلبت الولايات المتحدة من إيران عن طريق طرف ثالث أن توافقها في موضوع تغيير النظام في العراق فاعتذرت لأن بلداً مسلماً لا يجوز أن يساعد المعتدي على بلد مسلم. وحين أعلن /أمريكياً/ في اليوم الثالث من العدوان على العراق عن تقدّم دبابات في الأراضي العراقية مسافة خمسة كيلو مترات قادمة من أراضي السعودية سارعت السعودية إلى نفي الموضوع تماماً، فالأمريكي يريد أن يزج العرب في حرب برية مع العراق لأن الطائرات لا تغيِّر بالقصف نظاماً . بعد ذلك بدأ بتحريك أطراف من معارضة عراقية متعاملة مع الولايات المتحدة وبريطانيا في اتجاهات استطلاع وتحريض من نوع آخر.‏

بعضهم أسرّ لي، ويبدو أنه يحمل رسالة بريطانية -أمريكية يريد أن يستطلع مردودها في سورية، قال:‏

"الضربة كانت موجعة للعراق، معسكر أبو غريب ومعسكرات أخرى، والحرس الجمهوري، والأمن، ومواقع النفط.. الخ.. كل ذلك قد تم تدميره، ولحقت بالجيش خسائر ربما أكثر من تلك التي لحقت به في حرب الخليج الثانية، وهناك تصميم على تغيير النظام والمجيء بنظام جديد، وإذا فرضت أمريكا نظاماً في بغداد فسوف يكون موالياً لها، ويقر عملية السلام والصلح مع إسرائيل، وهذا يجعل سورية في حالة حصار إذا بقيت بعيدة عن الموضوع؛ فهناك تركيا والعراق والأردن وإسرائيل.. إلخ.. طوق محكم ؛‏

فلماذا لا تتحرك سورية مع المعارضة لتغيير النظام في العراق؟! وقد أصبح ضعيفاً.. هذا يجعل حظوظها أفضل في المستقبل؟!"‏

استمعت بصمت وذهول: يريدون من سورية أن تحتضن المشروع الأمريكي البريطاني الصهيوني.. وإلا فالإنذار لها قائم بحصار وتركيع وإنهاء لنظامها ودورها ووجودها القومي؟! وهم يريدون استثمار خلافات العراق وسورية القديمة وتوظيفها لخدمتهم. يضربون قطراً عربياً بآخر وبلداً إسلامياً بآخر.. ويقطفون الثمار، ويُبقون الأمة قيد الجهل والضعف والتبعية والابتزاز والاستنزاف!؟. ولا يقرؤون المشروع -الذي يخدمونه بألسنة عربية وعقول ضيقة- قراءة جيدة، ربما أعمتهم ارتباطاتهم عن رؤية الكثير مما لا ينبغي أن يغيب عن أحد ، لا سيما في هذه الظروف!‏

فمن يغوص في هذا المستنقع الأميركي -الصهيوني يحفر قبره في المستنقع الذي يخوض فيه ويغوص هناك إلى الأبد . وستكون أمريكا قادرة على تغيير كل نظام عربي لا يلائمها اعتماداً على تصفية الحسابات بين الأنظمة العربية، ومن ثم تركّع الكل، وتقوم بتصفية القضية الفلسطينية كما تشاء وتؤكد الهيمنة الصهيونية بعد أن هيأت لها الأسباب والمناخ !!.‏

سورية لن تقع في فخ الصهيونية، والعراق فيه شعب يعرف مصالحه، والمعارضة التي تنبت في أرض الوطن وفي حضن الأهداف القومية والوطنية، هي التي تستحق اسمها وتصنع ما تريد أن تصنعه على أرضية من الحرية وسلامة الرؤية.‏

حين تملك أمريكا العراق وامتداداً عربياً وإسلامياً شاسعاً تملك الجميع.. وحين يبقى العراق وسورية ولبنان وإيران وبلدان عربية وإسلامية أخرى خارج خط السيطرة الأميركية -الصهيونية يكون المستقبل أفضل لأمتنا كلها ، لأن مستقبلها الأفضل يتأسس على التحرر من الاستعمار والتبعية، وعلى مقاومة الصهيونية ومشروعها التوسعي ، وعلى مبدأ تحرير فلسطين والاندفاع باتجاه النهضة وتقوية مشروع الوحدة العربية ،التي كانت أملاً وأصبحت ضرورة.‏

فهل نعمل من أجل ذلك بوعي وصدق، ونفوّت على الأعداء وعملائهم فرص اللعب بنا والولوغ في دمائنا ؟!‏

دمشق في 2/1/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 642‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244