|
توظيف الجماهير استثمار منقذ أو خطير
يبدو أن تفاعلات العدوان الأمريكي - البريطاني على العراق /17-19/12/1998 تشتد وتنعكس بشكل سلبي على العلاقات الرسمية العربية - العربية، ولا سيما بعد تأجيل موعد انعقاد الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية الدول العربية، حول عقد القمة الذي أصبح موعده في 24/1/1999 فالهجوم الذي شنه العراق على مصر بسبب ذلك وقابلته مصر بهجوم أشد، أعقبه هجوم آخر على دول عربية وأسر حاكمة في إطار توظيف واستثمار للغضب الشعبي العربي الذي أثاره العدوان، والتحريض على استخدامه كقوة ضغط على الأنظمة لإجبارها على اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً وأشد قوة إلى جانب العراق. وقد ظهر ذلك جلياً في خطاب الرئيس العراقي بمناسبة يوم الجيش 6/1/1999.
وإذا كان نوع الخطاب الرسمي والإعلامي العربي المتبادل هذه الأيام يذكرنا بما كان من خطاب في بداية هذا العقد إبّان حرب الخليج الثانية وما تلاها، أو يعيدنا إلى شيء من ذلك المناخ، فإنه يفتح صفحات كنا نودّ أن تُطوى، ويدخلنا في دوائر من الفعل ورد الفعل قد تكون مؤذية للمسيرة العربية التي نتطلع إليها.
ولكن مضمرات هذا الخطاب وخلفياته أو رسيسه القديم ليس مما يمكن مجاوزته والقفز فوقه، إذا كنا نريد للعلاقات العربية - العربية أن تتحسن على أساس سليم ودائم، وإذا كنا نريد استعادة الحدّ الأدنى من التضامن العربي. ولا أريد أن يفهم من هذا مباركة لهذا النوع من الخطاب الاستفزازي، ولكنها دعوة لمصارحة في إطار من الاحترام، وممارسة للمسؤولية بروح من الشجاعة والالتزام، وجراحة عاجلة لاستئصال ورم خبيث، إن بقي في جسم الأمة أضعفه أو قتله.
القمة التي تداعى العرب إلى عقدها جاءت بسبب العدوان على العراق ومن أجل مناصرته، وقمة عربية تبحث هذا الموضوع لا بد لها من أن تعالج موضوع العراق ككل لتتخذ موقفاً من العدوان والحصار والمعاناة المستمرة لشعب العراق، ولا يمكن لقمةٍ هذا موضوعها وهدفها، وتحضرها أطراف عربية في حرب الخليج الثانية التي شقت الشارع العربي في العمق، رسمياً وجماهيرياً، إلا أن تتعرض للموضوع الأساس في النزاع لتعالج جذر المشكلة، وجذر المشكلة الظاهر هو موقف العراق من الكويت ونظرته إليها ونواياه نحوها، ومن ثم العلاقة مع دول الخليج العربي التي ستحضر المؤتمر هي والعراق معاً، وتخرج منه بنتيجة لمصلحة العراق لا تنفي مصالحها.
- العراق مطالب، خليجياً ومن بعض العرب، بتوضيح موقفه وتحديده من الكويت، وهو تحصيل حاصل لما قبله حين وافق على قرارات مجلس الأمن المتصلة بالموضوع، ونفذ نسبة تزيد على 90% منها كما أشارت تصريحات عدة.
ولقد لخصه رسميون عرب بالنقاط الثلاث الآتية:
1- الاعتذار عن غزو الكويت وما سبّبه للشعب العربي فيها.
2- الإقرار بحدودها وسيادتها على أرضها في إطار الشرعيتين العربية والدولية، والتعبير عن حسن النوايا تجاهها.
3- إطلاق سراح الأسرى الكويتيين الموجودين في العراق منذ الغزو.
4- احترام المرجعية العربية والالتزام بمواثيقها.
- والكويت والدول الخليجية الأخرى مطالبة عربياً، وفي ضوء المطالب المشار إليها سابقاً، بوضع حدّ لحالة العداء، والعمل الصادق على وضع حدّ لفاعلية العدوان الأميركي- البريطاني على العراق، ومن خلال ما يستخدمه من قواعد وتسهيلات ومواقع انطلاق في عملياته، وبالعمل على وضع حدٍّ للحصار المفروض على العراق منذ سنوات. والالتزام باحترام المرجعية العربية ومواثيق العمل العربي المشترك ومن ثم انتقال الطرفين إلى علاقات مستقرة تنعكس إيجابياً على المنطقة وعلى التضامن والعمل العربي المشترك.
هذه الأرضية من المطالب المتبادلة التي تبدو موضوعية وضرورية تحتاج إلى تمهيد لها واقتناع بها والتزام بإقرارها، والانطلاق منها نحو وضع عربي جديد؛ فهل هذا ممكن، وهل هذا مقبول؟! وهل العرب وحدهم هم اللاعبون في هذه الساحة وأصحاب القرار فيها؟! هذا نسق من الأسئلة، يردفه نسق آخر منها فتحت أبوابه الحملة الأمريكية- البريطانية التي بدأت بعدوان 17-19/12/1998 على العراق ولم تنته مراحلها، وهي تهدف، من جملة ما تهدف إليه، إلى تغيير نظام الحكم في العراق والمجيء بنظام حكم موال للولايات المتحدة الأمريكية- كما هو معلن بصراحة- ومقبول من الجوار العربي والإسلامي الذي يحيط بالعراق، المجيء بنظام يأخذ أولاً وآخراً بما يسمى العملية السلمية ويكون على استعداد للاعتراف بـ "إسرائيل" وبالتعاون التام فيما يتعلق بمستقبل المنطقة من وجهة نظر الذين يخططون لمستقبلهم حسب مصالحهم وحساباتهم الخاصة.
وهذا النسق الثاني من الأسئلة نسوق منه سؤالين أو ثلاثة في محاولة لتوضيح منحاه العام:
- هل يجوز للأميركيين تغيير نظام الحكم في العراق بالقوة أو بالتدخل المباشر أو غير المباشر في شؤونه الداخلية؟! -وهل إذا هم فعلوا ذلك في العراق يتوقفون عند تلك الحدود من التدخل الذي يبدو مستشرياً بأشكال مختلفة في الوطن العربي؟!
-وهل ما يفعلونه على الأرض، بالنسبة لموضوع العراق منذ بداية الثمانينيات حتى اليوم، يعبر عن رغبة حقيقية في تثبيت حكم وإرادة شعب وأوضاع في المنطقة تؤدي إلى الاستقرار والازدهار، أم أنهم يلعبون على الحبال المتاحة، وأن استراتيجيتهم الحقيقية تقوم على إبقاء المنطقة في حالة توتر وخوف، لأن في ذلك تلبية لمصالحهم التي لا تتحقق إلا باستمرار التوتر والخوف، ليستمر الابتزاز والنهب وتستمر الحاجة لحضورهم العسكري والسياسي في بلداننا بأشكال مختلفة؟!
وهل الولايات المتحدة، ومن خلفها الصهيونية، تستهدف رجلاً أو رجالاً في العراق أم أنها تستهدف توجهاً عاماً؟!
إن التوقف عند كل سؤال من أسئلة النسقين يقودنا إلى أوضاع علينا أن نواجهها، واحتمالات قائمة لابد من أن نعدّ أنفسنا لها، لأن ما يجري عملياً في قطر عربي يؤثر في أقطار أخرى، وما يجري في منطقة عربية يؤثر في الوطن العربي كله.
الثابت أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتخلى عن دور كبير في المنطقة، والواضح أن العرب ليسوا وحدهم اللاعبين الرئيسين في المنطقة، وبعضهم لا يريد أن يكون لاعباً رئيساً أو مستقلاً فيها، وهناك من يريد أن يلعب تحت قناع أو من وراء ستار، وهناك من استقال أصلاً من دور اللاعب، أما الذين يتشبثون بالحضور وسلامة الموقف ومبدئيته، وبالتضامن العربي وفعاليته، فهم قلة تدفع الثمن وتصبر وتتابع حمل الهمّ والألم.
ولما كان الوضع كذلك فإن حجم التأثير العربي على قرار المنطقة ومستقبلها مرتبط بإرادة عربية قوية تنفذ قراراً عربياً واضحاً تعززه الثقة المتبادلة وتقيمة رؤية مستقبلية متكاملة.
وهذا الأمر لا يصنعه إلا وفاق واتفاق عربيان مؤثّلان، والطريق إليه لقاءات ثنائية وثلاثية في إطار السعي لعقد قمة إيجابية، تضع حداً للانهيار في الأوضاع العربية.
إن تأجيل اجتماع وزراء الخارجية، بهدف الإعداد الأفضل لقمة ناجحة ليس ضرراً بالغاً، إلاّ إذا كان بداية تسويف بتدخل خارجي مكشوف، وما دام القرار قد اتُخذ بالتأجيل إلى موعد محدد فلا أظن أن ما قد ينطوي عليه من "ضرر" يمكن أن يؤثر في فكرة انعقاد القمة وأهدافها الكبيرة.
واجتماع وزراء خارجية مصر وسورية والسعودية واليمن في "الغردقة"، إذا صح حدوثه، على الرغم من النفي المستمر لوقوعه، لا يشكل خطأ ولا خطراً إلاّ إذا كان يمهد لإلغاء القمة أو يشكل بديلاً لها.
يبقى من حق الرسميين العرب أن يبذلوا كل جهدٍ ممكن، بإخلاص وحماسة، من أجل قمة تعزز التضامن، وتضع حداً لمأساة الشعب العراقي ومعاناته، ولما يتعرض له العراق من عدوان ومحاولات تقسيم. أما ما يُبنى على النسق الثاني من الأسئلة أو التساؤلات، ما نستشم أنه نابع من مناخها العام، فإنه سيؤدي إلى فجيعة أخرى ويفتح الباب أمام صراع عربي جديد يفسح المجال أمام مأساة عربية جديدة تصيب العراق أو سواه، وتصيبنا في العراق أو سواه.
وهذا الذي أشير إليه في هذا النسق هو استشعار العراق للخطر القادم أو المستمر والمتمثل في التدخل لتغيير نظام الحكم، أو التأثير في هذا الاتجاه. وقد قابله بمحاولة توظيف للغضب الجماهيري العربي من أجل العراق وضد العدوان ليشكل أداة ضغط باتجاهين:
- قرار رسمي مناصر للعراق يقف ضد الحصار والعدوان.
- توظيف ذاك الغضب لتغيير أنظمة عربية في أقطارها.
وإذا كان الاتجاه الأول مشروعاً، ويأتي في إطار الاحتماء بجماهير الأمة من العدوان وظلم ذوي القربى من الرسميين، فإن الاتجاه الثاني يشكل حالة استعداء تسوّغ الاستعداء وتستنفر أنظمة عربية في اتجاهين:
- الدفاع عن نفسها وتقييد حركة الجماهير أو تحويلها لتثبيت مواقفها.
- الثأر من الاستعداء بممارسة الاستعداء المضاد، أو بالسكوت عما هو قائم من استعداء ومباركته.
وفي كل من الاتجاهين، وفي هذا المناخ الجديد يخسر العراق أولاً وتخسر الأمة كلها ثانياً، ونقع جميعاً فيما يريده الأميركيون والصهاينة تماماً. ويرتد الجهد، الذي أريد له أن يكون إيجابياً، يرتد سلبياً على القمة والتضامن العربي والمناخ العربي العام.
لأن الصراع سينتقل إلى صراع يبن الأنظمة التي نريد أن تلتقي لتأتلف ولتوظف جهدها في قمة تخدم الأمة وتنقذها من مهاوي الردى، ونحن نتطلع إلى غير ما تنذر به الأمور، مما أخذ يشيع في الخطابين السياسي والإعلامي العربيين في الوقت الراهن، كما نتطلع إلى جهد جماهيري محكوم بالوعي والفعل والمسؤولية القومية يضعنا على طريق العمل المنقذ وليس على طريق الهلاك.
فهل نتوقع جهداً عربياً، رسمياً وشعبياً، مسؤولاً يساهم في وضع حد لهذا الشر الذي أخذ يذر قرنه في ساحة العرب السياسية مضيفاً إلى شرورها شراً مستطيراً؟!
إن الأمل بذلك كبير، والوضع من دون قيامه واستمراره وتعاظمه خطير.
والله ولي التوفيق
دمشق في 7/1/1999
الأسبوع الأدبي العدد 643
|