|
قمة ما بعد قصف العراق
ترى ما الذي يحمله وزراء الخارجية العرب معهم إلى اجتماع القاهرة في 24/1/1999 : هل هو مخاوف واتهامات متبادلة وحصيلة شهر من الخطاب السياسي ـ الإعلامي العربي، الذي ينطوي على الاستفزاز ويؤدي إلى دفن ما يتراءى من أمل، وإجهاض الفكرة النبيلة التي كانت وراء الدعوة لعقد الاجتماع الممهِّد لقمة عربية تبحث شؤون العراق والموقف منه ومن الحصار المقيت الذي يفترسه، لا سيما بعد العدوان الأميركي البريطاني الغاشم عليه وتصاعد حدّة المعاناة الشعبية فيه وموقف الجماهير العربية المتعاطف معه ؛ أم تراهم يحملون رغبة صادقة في مجاوزة البؤس السياسي الذي ران على الأيام الماضية من شهر رمضان، وشيئاً من تسامح وتراحم تمليهما سماحة الإسلام والأيام الفضيلة وروح الأخوة وأيام عيد الفطر، التي تدق أبواب العالم الإسلامي مجرحة دامية دامعة، ورؤية قومية مسؤولة عن الأمة وأمام الأجيال والتاريخ؟!؟.
هل يحملون حصيلة ما هيَّجه ذلك الخطاب من خواطر ومشاعر، وما أحياه من رسيس حقدٍ وتباغض وتحارُب بين دول عربية هي أطراف في كل ما يُتوقع أن تصل إليه القمة المنشودة، أم تراهم يتغلبون على روح الثأر والشر ويحكِّمّون العقل والمنطق والمصلحة العربية العليا في كل شأن، لينمو مناخ من الثقة يولِّد بدوره حساً شاملاً بالمسؤولية وينهي عوامل القلق والخوف والشك المتبادلة؟!.
شيئان أو عاملان لا أطمئن إليهما، ويشكِّلان عندي هاجس الخوف الأعظم في هذه الظروف العربية الدقيقة:
1 ـ روح الثأر والشر اللذان يحركهما الحقد والخوف والطمع والرغبة في أن " يتغدَّى طرفٌ بالآخر قبل أن يتعشى الآخر به ". وهو روح يستمد من الماضي القريب بواعث ودروساً ومشاعر ومعطيات وأسباباً وموثِّبات، ويتواصل مع القبيلي والمصلحي الضيق على نحو ما ؛ ويشكِّله ويعززه بقوة حس الدفاع عن النفس، بالنسبة للأنظمة والحكام الذين أخذوا يبنون على أرضية التحريض المتبادل استراتيجية الاجتثاث المتبادل، بكل الصيغ والأساليب الممكنة!؟ . وهذا لا يؤسس لنسف القمة المنتظرة فقط وإنما لنسف كل جهد يرمي إلى تعزيز التضامن العربي واستنقاذ الذات والوطن والثروة والحق من براثن الأعداء الذين يتصيَّدون الفرص، بل يعملون على خلقها بكل الوسائل الممكنة ،ويغذون روح الشر والشك المتبادل في بعض النفوس العربية .
2 ـ العدو الصهيوني ـ الأميركي، أو الأمريكي ـ الصهيوني لا فرق، فقد تداخلا لدرجة التماهي، هذا العدو بقوَّته العسكرية والسياسية والاقتصادية الرهيبة، وبحضوره المباشر في المنطقة : على الأرض وفي ساحة القرار وبقدرته على توجيه الخطاب الذي يريد إلى الهدف الذي يريد !! هذا العدو أصبح " ضامناً وحامياً لبعض العرب من بعض العرب "، وهو عملياً عدو بالغ الشراسة والكره لكل العرب وما يمثلونه دينياً وحضارياً وتاريخياً ؛ وتلك المعادلة المتناقضة هي داهية الدواهي وأم المصائب والكوارث. وأكثر العرب يتعاملون معه على أساس إنه حام ونصير وصديق وشريك ، وأنه على الرغم من التكاليف الباهظة التي لـ " لمناصرته وصداقته وشراكته، لا غنى عنه ولا بديل له عندهم"؛ فهم يؤمِّنون على أنفسهم معه، ويستطيبون ظلمه، ويقْبِلون على الموت بيده : " فالغريب ولا القريب، غدا على لسان صائحهم يوم النائبات" ؟!! ولا أستثني من هذا الوضع أحداً من أطراف صراع اليوم من العرب . ففي بداية الثمانينيات من هذا القرن اعتمد العراق ودول الخليج على الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية ـ وهم يعلمون تمام العلم أن المشروع الصهيوني في النسيج العضوي لسياسته، وأن "إسرائيل" هي مصلحته العليا الأولى مع النفط أو بعد النفط، وأنها حصانه الأوحد الذي يراهن عليه في المنطقة ـ في أثناء حرب الخليج الثانية ؛ ويوم ذاك كان العدو " مسلماً يريد الغرب أن يطوعه بيد عربي مسلم ليشعل نار العداء بين العروبة والإسلام ، ويريد أن " يحتوي شره وتهديده وخطره كما قال !؟ "، واليوم تتغير المعادلة قليلاً : فالعدو هو عربي مسلم يشكو من خطره عربي مسلم !؟ والجميع بنظر المدرسة الصهيونية الغربية الصليبية " غوييم أو عرابوشيم على حد تعبير اسحق شامير "، من الواجب إبادتهم تحت ستار احتوائهم وحمايتهم من شرور بعضهم؟! وهما احتواء وإبادة مدفوعا القيمة مالياً بشكل لا نظير له من الغلاء الفاحش، مع الامتنان والاعتراف بالفضل الذي لا يُنسى !؟. ولك أن تعجب كما شئت وأن تعبَّ من ذلك حتى تقبَّ ضلوعُك، من دون أن تلتفت إلى حقيقة أن عرباً ومسلمين يفنون عرباً ومسلمين لمصلحة عدوهم المشترك، ويدفعون له ثمن السكين التي يذبحهم بها، مع الامتنان الكامل على الأريحية في الذبح الحلال ؟!!.
ولما كانت مبادرة الدعوة إلى عقد القمة قد فرضتها فورة الدم، وقبلتها أو بالأحرى لم تستطع أن ترفضها صحوة الدم، فإن العلاج الأمريكي لذلك الأمر المعتاد هو: الإجهاض من الداخل . وهذا ما يبدو أنه نجح تماماً ، وأدى خدمة أكبر بكثير من العدوان الأمريكي ـ البريطاني على العراق !؟ بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك والقول : إن العدوان أخفق في معظم المقاييس وأدى إلى عكس الغرض المنشود منه ، لا سيما من حيث مردوده الجماهيري في داخل العراق وفي الشارع العربي ولم تنج بعض الأنظمة العربية من تأثيره عليها؛ فجاء الفعل السياسي الغربي ليعيد توظيف الأحداث ويوجه تطورها ويستثمرها لتنقلب المعادلة تماماً من : " أنظمة عربية تجاوزت القيد الأمريكي استجابة لجماهيرها أو خوفاً من تلك الجماهير وتداعت لنصرة العراق وإلى إعادة النظر في الموقف منه ومن الحصار المفروض عليه بعد حرب الخليج الثانية ، وقوفاً منها بوجه العدوان الغاشم " على " أنظمة عربية تقرع ناقوس الخطر وتلمّ أرديتها المطروحة على أرض النخوة ؛ تأثراً بما سمعت من تحريض العراق الرسمي عليها ، وخوفاً من نظام لا يريد أن يغير شيئاً من توجهاته وسياساته ونواياه، التي جرت عليه وعليها وعلى المنطقة صنوف التدمير والمعاناة والانكسار والنهب والهيمنة الاستعمارية ـ الصهيونية !؟
هل هناك " إبريل غلاسبي" جديدة أو " جديد " رمت/ أو رمى / قشرة الموز فتزحلق فوقها من تزحلق ، وصاح بثارات " قريش " قبل أن تصل إليه طلائع المنتخين ويتعرَّف على نوع نجدتها وقدرتها على النجدة وصد الهجمة ؟! أم تأتَّى ذلك من ضغط أميركي مباشر وتدخُّل سافر " لردع عرب تسرعوا فاستجابوا ـ أو خافوا فاستجابوا ـ لنداء الدم ونخوته "، وأنه آن لهم أن يكتفوا بمجرد التعبير عن النخوة وأن يعودوا من ذلك الموقع إلى مواقعهم التي تجاوزوها من دون وعي أو من دون إذن ، وتجاوزُها خط أحمر يجرُّ على من يتخطاه الويل والثبور وعظائم الأمور ؟!.
يعزو مراقبو الأحداث بدايةَ الأزمة إلى تأخير اجتماع وزراء الخارجية العرب حتى الرابع والعشرين من الشهر الحالي ، الأمر الذي نظر إليه العراق على أنه مؤامرة أو استجابة للإرادة الأمريكية المعتدية المتآمرة فثار وأثار ، واستنطق غضبة الجماهير بما يرضيه واستجار بها من حكامها واستعداها عليهم، فاتهم ورفع راية " عصيان الشعب على الحاكم الظالم "!؟! وبدأنا نسمع صوتاً مستعاداً من الخطاب السياسي والإعلامي الذي ساد في عام أم المعارك . وهذا أثار الرسيس المعندَم وجعل الأيدي تمتد بسرعة وذعر إلى ثلاثة مواقع في آن معاً : " الرقاب والخناجر والأمريكي ـ الصهيوني بوصفه حامياً !؟."؟!! وانطلاقاً من هذه الذرى الجديدة أو الحدود التي وصل إليها الحدث وتفاعلاته، بدأ اليهودي الصهيوني وليم كوهين يسوَّق أسلحته ومرتزقته على أرضية واقعية من الخوف والطمع حشدتها تلميحات وإنذارات وتصريحات واستعداء مكشوف؛ وأخذ المفسرون أو المحللون أو المراقبون " الأفذاذ "، وبعضهم مزروع في " عمق الدماغ والقلب من بعض الدوائر والمواقع والمنابر العربية "، أخذوا يجهدون النفس في اجتهادات تقول : " إن العراق يريد إعادة ترسيم الحدود مع الكويت ، وإنه يستعد لغزوها وغزو السعودية ودول الخليج من جديد ، وأنه لا يعترف بوجود الكويت أصلاً.. إلخ "(1)
وهل تريد الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية أكثر من مجرد باعث للشك والقلق وعدم الثقة لتتحرك وتستثمره على الوجه الذي تريد وبالقدر الذي تريد!؟ فكيف بها وهي تعثر على كنز ضخم في وقت الضيق والحاجة !؟.
إن ما حدَث، وما بُني على ذلك الذي حدث، جعل كُبَّة الصوف تتعقد، وجعل الأمريكي سيد الموقف في الحل والعقد من جديد ؛ وأتاح له أن يعتقل المشاعر القومية المندفعة بلا انضباط في مهدها، وأن يبدأ بتوجيه اللَّوم والتأنيب لمن تسرّع ونسي من هو " صدام حسين وما الذي يريده العراق بالفعل وما نواياه !؟ "؛ ولم يكن في ما ذهب إليه يتاجر بالوهم أو يصنعه ، فهو يحيي في الذاكرة ما هو قريب ومؤثر !؟. وهكذا عدنا إلى نقطة أو موقع لا نحسد عليهما، ونحن على أبواب الاجتماع العتيد الذي يمهد للقمة العربية العتيدة !!.
وبعد .. هل من أمل في مخرج ؟؟ هل من عودة إلى وضع يسمح بالتفاهم والمصارحة فالمصالحة عربياً ؟!
في واشنطن أقر الكونغرس القانون / 4655 / خلال شهر تشرين الأول 1998 الذي سماه قانون تحرير العراق ، وتوجه بموجبه من سياسة احتواء النظام في العراق إلى سياسة تغيير النظام فيه ؛ بتخلٍ مكشوف معلن عن الاستراتيجية السابقة؛ وأعلمت الإدارة الأميركية أصدقاءها بذلك ، وتوجهت إلى الاعتماد على جهة أو جهات من معارضة عراقية مختارة حسب شروط وضعها الكونغرس لذلك؛ ورصد لها / 97 / مليون دولار أميركي لتعمل في مجالات مختلفة بإشراف الولايات المتحدة الأمريكية وتخطيطها، الذي يشمل جهات وقوى وأجهزة عديدة في المنطقة وخارجها .
لقد شعر العراق بالنقلة النوعية في العمل الأميركي ، تلك التي كان العدوان الأخير مرحلة من مراحلها ـ بصرف النظر عن تقويم نتائج الأداء العدواني الأخير وآثاره على مجمل الخطة ـ واستشعر وطأة ذلك وأبعاده ومخاطره، كما استشعر " مشاركة أو مباركة " من بعض العرب للمخطط الذي واكبه قول صريح من بعض المسؤولين العرب، حتى في أثناء العدوان
/ 17 ـ 19 / 12 /1998 / من مثل " نحن مع الشعب في العراق وضد النظام الذي لا نأمن جانبه " . وقد نقلتنا المواقف والتصريحات والوقائع التي تمت على الأرض إلى نوع من استنفار الشك والشر معاً لدى بعض الأنظمة والحكام العرب وبشكل معلن أو خفي .
كان من الطبيعي مع وضع كهذا أن تتم مشاورات واتصالات لاحتواء الموقف الذي بدأ يشكل خطورة على الاجتماع والقمة والوضع العربي وينذر بتدهور أشد للأوضاع ، ولكن كل تحرك بهذا الاتجاه صار يفسر على أنه إجهاض للفكرة ـ القمة ولأغراضها!؟ وبدأ يظهر بعض التحرك القائل بمنع انعقاد قمة تؤدي إلى مزيد من التشرذم والخلاف والانشقاق واليأس في الوطن العربي؟!.
القمة الخماسية في الغردقة " سورية ومصر والسعودية واليمن وسلطنة عمان " لم تعد موضوع نفي من أحد ، وكانت لمزيد من الإعداد والتمحيص والتفكير ، ولم يصدر تراجع عن عقد الاجتماع المقرر عقده في القاهرة / 24 /1 /1999 / ، ومجلس التعاون الخليجي عقد اجتماعه الأول ثم دعا إلى اجتماع ثانٍ ، وبدا بعض تراجع عن حماسة للقمة كانت عند الدعوة إليها قبل إطلاق الشك والشر من عقالهما .
واليوم نحن إلى أين ؟! اجتماع وزراء خارجية الدول العربية قد ينعقد ، بل سينعقد ؛ ولكن هل يكون البديل عن عقد القمة!؟ وهل يخرج الوضع العربي معافى بعده ؟! وإذا ما أوصى الاجتماع بعقد قمة فعلى أي مستوى تكون ، وهل ستملك قرارها على أساس من نداء الدم والمصير وصحوة العقل والضمير ، ومراجعة شجاعة للنفس والممارسة والسياسة والقرار والخطاب؛ حيث تعلو مصلحة الأمة فوق مصلحة حاكم ونظام وقطر ، أم أن الذي سينتصر هو منطق " الشلايا " والقطعان التي يتوزعها رعيان ضعاف لا يصمدون للذئاب الكواسر التي تعدو عليهم ؟!
هل سينتصر منطق العقل على منطق الثأر ، أم سنعود إلى أيام العرب مع العرب من جديد بجهل وجاهلية ندخل بهما القرن الحادي والعشرين ؟!
إن الأسئلة الدامية أو المدمية وتلك البائسة أو المبئسة كلها واردة ومما ينبغي التفكير فيه وتوقع حدوثه ومواجهته ؛ ولكن حدوث معجزة التسامي فوق الحقد والطمع والثأر والشك والخوف وصولاً إلى التسامح والإخاء والرؤية الأعلى، معجزة تسفر عن رصّ الصف الواحد بوجه العدو الواحد، على أرضية من المسؤولية الجماعية عن الأمة والقضية والعقيدة والثقافة والمكانة والدور الحضاري .. والمسؤولية عن معاناة الناس وبؤسهم وأرواحهم ومستقبلهم، وعمَّا ينبغي أن يتوفر لهم لينقذهم، في مناخ يهدد إنسانيتهم وقدرتهم على الرؤية والمشاركة في فهم الحدث وصنعه.. والمسؤولية أيضاً عن خلق المناخ الصحي البديل وتوفير الإمكانيات والقدرات العلمية والعملية ، النظرية والتطبيقية؛ التي تجعلهم يستجيبون لتحديات العصر بثقة، ويتفاعلون مع الآخر من موقع الند المقتدر ؛ وتمكِّنهم من امتلاك قوة على أساس من العلم والإيمان والعمل بهما، قوة تخلصهم من الاحتلال والاستعمار والنهب والتبعية والدونية . فهو ما يبدو ضعيفاً من جهة ، وما أقدِّر أنه الأجدر بأن يفرض نفسه من جهة أخرى: على الأشقاء الألداء، وعلى الحاكمين والمحكومين، في هذه الظروف العصيبة وهذه الأيام الفضيلة التي تظلنا جميعاً، ويُفترض أن تجعلنا أكثر استعداداً لتلمس رضا الله في رضا خلقه وإنصافه في إنصافهم من أنفسنا أولاً!؟ وتهيئنا لكي نكون أكثر طاعة لله سبحانه بتحقيق مبدأ : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق!؟ ولو أننا دققنا جيداً في كثير من مناحي حياتنا وعملنا وتعاملنا وتواصلنا لاكتشفنا كم نطيع المخلوق ونعصي الخالق، وكم نلتمس رضا ذلك المخلوق على أرضية إغضاب الله ومضرة الذات والبلاد والعباد !؟ .
ولكن مع كل ذلك يبقى الصوت الداوي في أعماق أعماقنا يقول : " لا يأس مع الحياة ، ولا قنوط من رحمة الله" .
الثلاثاء، 12 كانون الثاني، 1999الأسبوع الأدبي العدد 644
(1) ـ راجع الخلاف المصري العراقي وخطاب الرئيس صدام حسين بمناسبة يوم الجيش وتصريحات نائب الرئيس وطارق عزيز ووزير الخارجية محمد سعيد الصحاف ـ ويصبون الزيت على النار .
|