صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

التضامن العربي والاجتمـــاع التشاوري

بعد أن أسفر أطول اجتماع تشاوري لوزراء الخارجية العرب / القاهرة 24/1/1999/ عن أزمة جديدة أو بالأحرى لم يفلح بمجاوزة الأزمة القائمة في الحياة السياسية العربية منذ حرب الخليج الثانية، يجوز لنا أن نسأل: التضامن العربي إلى أين يا ترى؟! ويعترض سؤال طريق ذلك السؤال ليرفع نبرة عالية: وهل كان هناك تضامن عربي فعلاً منذ كامب ديفيد حتى اليوم؟! لقد دخل التضامن العربي الهش في امتحان، وتبدو الرغبة في استعادته عند بعضهم هي بدرجة الرغبة في تحطيمه أو مجاوزة ضرورته عند البعض الآخر من المسؤولين العرب.‏

وفي حين يفصّل كل قطر سياسته على مقاسه، ويتخذ من الاحتياطات والتحالفات والقرارات ما يحمي "مصالحه" من دون أدنى التفات للأقطار الأخرى أو للمصلحة العربية العليا، فإن الرهان أصبح لدى البعض مجرد ضمان البقاء، أي شكل من أشكال البقاء. وفي الوقت الذي تستند فيه أقطار وكتل عربية إلى اتفاقيات ومعاهدات وحمايات دول أجنبية، تجد دول عربية أخرى نفسها مكشوفة أو شبه مكشوفة أمام أحلاف وقوى ومعتدين وطامعين فيها يتصيدونها بأشكال مختلفة.‏

وهذا الوضع القائم بمعطياته القائمة على الشك وانعدام الثقة والبحث عن "خلاص خاص" يجعل كلاً من التضامن والجامعة والاجتماع عبئاً على الجميع، فهل ترانا نقف فعلاً عند عتبة الدخول في جحيم عربي جديد، بعد أن كان المؤمل تخطي عتبة الجحيم القائم منذ حرب الخليج الثانية؟!‏

لا أريد أن أسوغ الصورة القائمة أو أن أروج لها، فاجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير وحتى البيان الذي صدر عنه -بعد انسحاب وزير خارجية العراق محمد سعيد الصحّاف- لم يكن شراً كله ولا منذراً بشرٍّ. صحيح أنه لم يحقق التطلع والطموح، ولم يقرر شيئاً بشأن القمة العربية التي دُعيَ للتشاور في أمر انعقادها، ولكنه حقق على الأقل الاجتماع العربي الأول لستة عشر وزيراً وأربعة مندوبين دائمين يمثلون جميعاً عشرين دولة عربية بينها العراق والكويت والسعودية وبقية دول مجلس التعاون للمرة الأولى بعد حرب الخليج الثانية. وهذه الخطوة بعد الحرب والدم والدمار والقطيعة التي دامت ثمانية أعوام ليست بلا معنى، لا سيما وأنها تمت أصلاً بهدف واضح هو الوقوف إلى جانب العراق ضد العدوان والعمل على مجاوزة الوضع العربي المتردي القائم منذ بداية آب 1992.‏

وعند القراءة المتأنية لمشروع البيان الذي احتج عليه وزير الخارجية العراقي ووصفه "بالحقير" وانسحب بسببه من الاجتماع مخلفاً مناخاً سلبياً كان يمكن ألا يكون، وكان يمكن أيضاً أن يتحول إلى شيء من الإيجابية لمصلحة العراق والتضامن العربي ببعض الحنكة والدبلوماسية؛ عند القراءة المتأنية له، والتدقيق فيما كان استعداداً وأصبح نصاً رسمياً في البيان الصادر عن اجتماع الوزراء العرب نجد أن مجاوزة حقيقية لجدار العداء كانت قاب قوسين أو أدنى، وأن شيئاً من ذلك تم فعلاً، ونجد أن تحركاً نسبياً تم باتجاه علاقة أفضل، وكان يمكن أن يكون أوسع وأسرع لولا الاتهامات ومناخ التحريض الذي بدأ قبل الاجتماع وفي إثر العدوان الأمريكي- البريطاني على العراق مباشرة.‏

إن عدم إدانة الاجتماع للعدوان بعبارات صريحة لم يكن أمراً مقبولاً لدى الجماهير، ولكن البيان رفض صراحة الخيار العسكري واستعمال القوة ضد العراق، وعندما توافق السعودية والكويت خاصة وبقية دول مجلس التعاون على ذلك وتتبناه فهو أمر ليس بلا معنى، وتقدّم على طريق حلحلة الأمور لا يمكن نكرانه.‏

وإن عدم الوقوف /عربياً/ من الحصار موقف الرافض له المخترق لجدرانه المدرك لعمق المأساة التي يلحقها بالعراق وشعبه، من الأمور التي لا تعبر عن رغبة الجماهير العربية، أو عن رغبة في الرد على المعتدين بفعل ما، ومجاوزة أخدود الخلاف إلى رحابة طرق الاتفاق.‏

أما النظر إلى تشكيل لجنة من عدد من الدول العربية بينها السعودية تتولى هذا الموضوع مع مجلس الأمن الدولي فلا يجب أن يقرأ من دون دلالاته الإيجابية ومن دون الوقوف عند ما يحمله من تغير حقيقي في الموقف السياسي لدول الخليج وعلى رأسها الكويت والسعودية، من موضوع الحصار على العراق.‏

إن المناخ الذي خلقه وزير خارجية العراق في تصريحاته واتهاماته وأوصافه للآخرين ومن ثم في انسحابه، وكذلك المناخ الذي تهيأ /نفسياً واجتماعياً وسياسياً/ قبل الاجتماع، ومنذ الأيام الأولى التي تلت الدعوة له لم يكن من الأمور الملائمة أو المساعدة على تحقيق نقلة نوعية في العمل والتضامن العربيين بشكل عام.‏

وبتقديري أن العراق فوت فرصة عليه وعلى دول عربية أخرى حين لجأ إلى أسلوب أقرب إلى الاستفزاز بدلاً من استثمار الوضع الجماهيري والاستعداد السياسي العربيين لمصلحته في مواجهة أوضاع داخلية وعدوان خارجي وتآمر أمريكي -بريطاني- صهيوني مكشوف.‏

إن ذلك كله يدعو إلى الأسف، ويستنبت شوكاً في الحلق ولكنه لا يدعو إلى اليأس من التضامن العربي، ومما حققه هذا الاجتماع -على الرغم من كل ما يقال عن البيان الذي صدر عنه -من تحريك للجو العربي باتجاه أفضل، ومن وقوف على عتبة المصارحة والمصالحة.‏

إن "بوس الذقون" مع بقاء شحن القلوب مليئة بالحقد والشك ليس مما يساعد على خلق وضع عربي أفضل وتضامن عربي أمتن، بل هو ورم يضاف إلى الورم الذي يصيب القلوب. وإننا بحاجة إلى أن يسع بعضنا بعضاً وإلى أن يراجع كل منا نفسه ومواقفه وأداءه، ويكون على استعداد لتقديم شيء للأخ وللحق وللشعب! فذلك أفضل بكثير من الانحناء أمام العدو أو القبول بأوضاع تدمر الإنسان والبنيان.‏

فهل إلى ذلك من سبيل؟!‏

دمشق في 27/1/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 645‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244