صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

قراءة في التجمعات

أتابع منذ أسابيع ما يحدث في الكيان الصهيوني على أرضية الانتخابات المقبلة /17 أيار 1999/ ففي الوقت الذي أخذت تتشكل فيه أحزاب من انشطار أحزاب رئيسة أو من تجمعات قليلة جديدة التكوين، بدأت حركة تنافس الأشخاص داخل الحزب الواحد تشكل أحد أهم العوامل لتكوين أحزاب قد يبلغ عددها خمسة وخمسين حزباً. وداخل الأحزاب القائمة سابقاً وأهمها العمل والليكود تتمّ تصفيات سياسية أو مقايضات لتأمين الموقع على القائمة والمستقبل في الانتخابات.‏

الحزب الجديد الذي تكون بزخم منافس للحزبين الكبيرين وهو حزب الوسط بزعامة إسحق مردخاي وزير الحرب الصهيوني السابق، يحاول أن يكسب من الأحزاب كلها، كما يحاول أن يأخذ من التوجهات السياسية كلِّها ليصنع ما يسميه توجهاً وسطاً يجمع حوله كل المستعمرين في الكيان الصهيوني.‏

وإذا كانت هذه الظاهرة الحزبية المتفجرة شديدة الوضوح قبيل الانتخابات الحزبية التي تمهد لتكوين قوائم المرشحين، فإن ما تقدمه من حقائق التمييز العنصري والانحياز العنصري أيضاً جدير بالاهتمام والدراسة. ففي الانتخابات التمهيدية التي أنجزها حزب العمل، استبعد ممثل اليهود الأثيوبيين السود كما استبعدت نادية الحلو ممثلة النساء العربيات التي حصلت على أكثر من واحد وعشرين ألف صوت لتقدم عليهما ممثلة القادمين الجدد من يهود روسيا الاتحادية، ولم تحصل على أكثر من سبعة آلاف صوت.‏

ونجد حالة التمييز الصارخة ضد العرب في حالتي الاضطهاد المستمر منذ قيام الكيان الصهيوني وحالة التهميش السياسي والاجتماعي والتعليمي، وهي حالة يساهم فيها العرب أنفسهم -لا سيما فيما يتعلق بالجانب السياسي -لأنهم لا يجمعون صفوفهم ويمكن أن نستكمل المشهد الذي نحاول أن نجمع ملامحه بالتوقف عند مظاهرة يوم الأحد 14/2/1999 في القدس حيث خرج حوالي ربع مليون يهودي من معسكرين: معسكر اليهود المتدينين المتزمتين "الحَرَديم" ومعسكر العلمانيين "الحلّونيم".‏

المعسكر الأول يتظاهر تأييداً للحاخام عباديا يوسيف وبقية رهطه ضد محكمة العدل العليا والقاضي /أهارون باراك/ لأن الحاخام شتم المحكمة وقضاتها واتهمهم بالفساد وطالب بمحاكم يهودية دينية، ولأن المعسكر الثاني والعلماني خرج إلى الشارع ليقف بوجه الأول ويناصر المحكمة العليا والقضاء المنتهكة "حرمته".‏

وقد كشف ذلك كله مواقع نار مشتعلة يغطيها رماد أو دخان أو مغانم تؤخذ على الخصوص من العرب. وعلى الرغم من أن هذه الحالة معروفة سابقاً إلاّ أن ظهورها إلى العلن وبهذا الحجم الكبير هو الجديد الذي يسترعي الاهتمام.‏

وإذا أضفنا إلى المشهد التمييز القديم القائم بين اليهود الشرقيين "سفارديم" واليهود الغربيين "اشكينازيم"، أو فعَّلْنا تأثير التمييز، ثم أضفنا اللمسات المهمة التي تقدمها مشاركةً الساسة الصهاينة في تشييع الملك حسين، حيث شارك جميع المرشحين لرئاسة الحكومة: نتنياهو، وباراك، وإسحق مردخاي، كما شارك شامير، وشارون وبيريس، ووايزمن وغيرهم كثير؛ وتقدموا لإلقاء نظرة على الجثمان بمجموعات متفرقة على دفعات ثلاث وربما أكثر، إذا فعلنا ذلك فإننا نقف عند إمكانية قراءة المستقبل القريب في ضوء الاستنتاجات الآتية:‏

1- إن التمييز القائم على اللون والعرق والموقع الجغرافي الأصلي والموقع أو المستوى الثقافي سيبقى من العوامل المؤثرة في التجمعات اليهودية التي تحتل فلسطين، وأن هذا التمييز بين اليهود أنفسهم لا يمكن أن يلغيه الدين أو التلمود اللذان يجمعان بينهم، وأنه من العوامل المؤثرة مستقبلياً على الصعد السياسية والاجتماعية.‏

2- إن العرب، على الرغم من ارتفاع نسبتهم العددية في الكيان الصهيوني، يفضلون أن يكونوا خطوطاً تزيينية في لوحة الزجاج المعشّق الصهيونية بدلاً من تكوين معسكر خاص بهم، قد يكون له تأثيره، وأن الجهود التي تبذل من قبل بعض الشخصيات العربية في مجتمع فلسطينيي ما قبل 1948 لإيجاد قائمة عربية انتخابية موحدة بشكل ما، تقيم تحالفات انتخابية مع تجمعات أخرى، قد لا يكتب لها النجاح، ومن ثم فإن التوقعات ألاّ يحصل العرب على عدد من المقاعد النيابية مساو للعدد الذي حصلوا عليه في الدورة الانتخابية السابقة.‏

3- إن التقسيم: شرقي -غربي، متزمت "حَرَديم" -علماني "الحلّونيم"، يهودي- عربي، قديم- جديد، أبيض- أسود، والتقسيمات الفرعية الأخرى الناشئة عن ذلك أو المكملة له، كل هذا سيكون له دور مؤثر ومتصاعد في العمل السياسي المستقبلي، وفي المواقع الاجتماعية وربما العسكرية أيضاً. ومن غير المستبعد أن يحكم بعض التوجهات العامة للكيان الصهيوني.‏

4- إن وجود مجتمع "إسرائيلي" بالمعنى العام، ومن ثم شخصية ثقافية لمجتمع و"دولة"، أمر غير قائم. فالحديث عن تجمعات يهودية في مواقع الاحتلال أمر صحيح، وهي تجمعات تتمتع بنوع من التقارب أو التوحّد الاجتماعي فيما بينها، على أرضية المنشأ الثقافي والاجتماعي في البلد المصدر، أمّا الحديث عن مجتمع يهودي "إسرائيلي" متماسك له هوية ثقافية واحدة وفيه انسجام تام ويخلو من أنواع التمييز والقنابل الاجتماعية الموقوتة فهو من الحقائق الغائبة، أو من الأمور المرجأة التحقق، على الرغم مما يبذل لجعل اللغة العبرية لغة التعبير الشاملة والواحدة من المنزل إلى المدرسة إلى الشارع إلى التعبير الإبداعي.‏

وهذا يقودنا إلى طرح التساؤلات الآتية بصوت عالٍ:‏

أ-هل يمكن العمل على برامج تعمق ارتباط اليهودي المحتل المجلوب من وطنه الأصلي والمستنبت في بيئة الاحتلال والاستعمار على حساب اقتلاع الفلسطيني، هل يمكن العمل على تثبيت ذلك وتأكيده وتنميته ليكون في اتجاه مضاد لخطط الصهينة المستمرة واستكمال مراحل استنبات المستوطنين في البيئة الفلسطينية؟!‏

ب-هل يمكن لعرب 1948 أن يساهموا في استقطاب لمصلحتهم أو لمصلحة فلسطين -التي لا أظن أنها تغيب من الذاكرة والوجدان -في هذا المناخ الذي يساعد كثيراً على التأسيس لتفكيك لحمة قطع الزجاج المعشّق التي يتكون منها مجتمع الاستعمار الذي تضبطه الصهيونية وتداخل المصالح الأمريكية -الصهيونية أو الصهيونية الأمريكية؟!‏

حـ -هل يمكن الوقوف على حقائق أدق وأعمق وأشمل عن كل شريحة من الشرائح الاجتماعية والسياسية والدينية -وقد صدر ما لا بأس به من كتب ودراسات حول ذلك -من خلال أبحاث ودراسات موضوعية تعرف أهدافها والغايات منها بشكل جيد، واستثمار ذلك في الخطط والمواجهات الثقافية -الإعلامية من خلال ضبط وربط سياسيين عربيين أو من خلال بعض المراكز المعنية بحقائق الصراع العربي- الصهيوني ومستقبله؟! وهل يمكن رصد الأموال اللازمة لذلك وتسهيل أمر الحصول على المصادر والمراجع؟!‏

إن ذلك كله بتقديري من الأمور الحيوية والمهمة في إطار مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات نخوضها مع العدو الصهيوني، وهي مواجهة شاملة تأخذ بالاعتبار البعد الحضاري بتفرعاته.‏

إن عناصر القوة الثابتة الموجودة في المجتمع العربي، على الرغم من وجود دول وسياسات وأنظمة وحكومات أكثر بما لا يقاس، وأشد بما لا يدع مجالاً للمقارنة مع عناصر القوة والتماسك والثبات في التجمعات اليهودية في فلسطين المحتلة.. فالهوية والقضية والمشاعر والمعاناة والتاريخ.. كل ذلك يجعل من احتشاد المجتمع العربي خلف أهداف واحدة من الثوابت القومية التي تشلُّ أداءها سياسات قطرية بعضها موالٍ للمشروع الصهيوني وبعضها مرتبط بالاستعمار الغربي أو تابع للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا الحاضنتين الرئيستين للمشروع الصهيوني.‏

أما احتشاد اليهود وراء المشروع الصهيوني فهو بفضل منظمة إرهابية ودولة ودعم استعماري شامل يرمي إلى استكمال مخطط معادٍ في مراميه ومساراته التاريخية للعروبة والإسلام ومحقق لمصالح الصهيونية والاستعمار على حساب العرب عامة والفلسطينيين خاصة. ومن ثم فإن مصالح اليهودي إذا لم تتحقق في فلسطين فإنه يبحث عن تحقيقها في مكان آخر، أما مصالح العربي في فلسطين فهو في خدمة قضيته وهويته وعقيدته ومبدئيته، أو هكذا ينبغي أن تكون، والمعوق نظام عربي مكبل أو مهمش أو تابع.‏

ومن هنا ينشأ معطى تفاؤل مستقبلي يراهن على أصالة المجتمع العربي في مناخه الثقافي والاجتماعي والجغرافي وعلى ارتباطه العضوي بمشروع التحرير، الذي يقود إليه صراع مستمر مع العدو على أرضية الثوابت المبدئية والحقوق التاريخية للأمة العربية؛ بمواجهة هجنة يهودية "إسرائيلية" يجمعها المشروع الاستعماري- الاستيطاني -العنصري على أساس من الأسطورة، وممارسة أنواع الإرهاب، والاعتماد على الدعم الغربي الذي لا ينضب؛ وهو مشروع يتناقض فيما يبدو مع المصلحة الفردية لليهودي المرتبط بثقافة وأرض هي ثقافة المجتمع الذي نشأ فيه أصلاً والأرض التي جاء منها.‏

وأرى أن هذا مما يمكن أن نعمل عليه مستفيدين من معطياته.‏

دمشق في 17/2/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 648‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244