صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

النصر لنا والمستقبل لنا

كنت أود أن أكرس ما أكتبه اليوم للذكرى الحادية والأربعين لقيام أول وحدة عربية في التاريخ الحديث بين قطرين عربيين مستقلين هي وحدة سورية ومصر التي شكلت أول دولة برئاسة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وضعها ساستها تحت ضغط الجماهير والأحزاب العربية المؤمنة بالوحدة طريقاً للنهضة والتحرير وهي المناسبة التي يحتفل بها شعبنا اليوم، وكان يحتفل بها سنوياً منذ قيام الوحدة.‏

ولكن التحديات المستمرة لكل عمل عربي تحرري وتحريري سليم، والمقاومة المشرّفة التي تتصدى بشرف لهذه التحديات، واستمرار الغي والتمادي فيه ضد المصلحة العربية العليا والقضية المركزية قضية فلسطين وارتفاع أصوات تنعق بوجه كل من يذكر الله والمقاومة والعروبة والوطن ذي الهوية والشخصية في بعض المواقع حوّلني إلى تكريسها لتحية المقاومة التي هي طريق وحدة حقيقية يبلورها الكفاح والموقف المبدئي المتجسد على الأرض فعلاً وقولاً وتوجهاً ثابتاً.‏

فتحية للمقاومة، تحية للصامدين في مواجهة العدو، تحية للثابتين على المبدأ، المتمسكين بالحق، الناذرين أنفسهم وراحتهم ومستقبل أبنائهم لحماية الوطن، بصرف النظر عن ممارسات من تاجروا عقوداً ويتاجرون الآن بالوطنية والوطن، تحية لمجاهدي حزب الله في جنوب لبنان، ولأولئك الذين يخوضون على أرض فلسطين ومن أجلها نضالاً مرّاً سواء أكان ذلك في المواجهات الساخنة مع العدو الصهيوني أم بالتعرض لممارساته العنصرية من ملاحقة، واعتقال، وهدم منازل، ومصادرة أراض، وتضييق في وسائل العيش، وممارسة الحقوق.‏

تحية للصامدين في وجه عسكريْن وأكثر، عسكر الصهاينة وعسكر عرفات، وعسكر المنافقين الذين يندسون بين الصفين: الصف الوطني والصف المعادي للوطن ليفوزوا بفوزِ أي من الفائزين، ويعوّموا أنفسهم عملة نضالية بقيت في السوق لفساد في السوق منذ ما قبل 1948 وحتى اليوم تضع كفاً بكف الصهيونية والإمبريالية وأخرى بكف من يقاومهما، وتبقى ذات صوت ووجه وألف قناع، ومنطق، ولسان.‏

تحية للمجاهدين الثلاثة من أفراد حزب الله الذين نفذوا عملية "بركة الجبور" فتصدوا في ليل الاثنين 22/ شباط 1999 لدورية صهيونية كانت تدنس أرض الجنوب بخطوها القذر فقتلوا ثلاثة ضباط وجرحوا خمسة جنود وعادوا إلى قواعدهم سالمين.‏

لقد دفن الكيان الصهيوني يوم الثلاثاء 23/ شباط الضباط الثلاثة المقتولين بعدوانهم: دافيد غرانيت، وراز تيتو، وإيتان بلحسن، ودفن معهم جزءاً من الغطرسة، ليستنبت في تلك القبور المزيد من الحقد والعدوان. وغرس حزب الله على ضفاف "أرنون" المنتزعة من جَسَدِ لبنان عزماً أشد وإيماناً أعمق بالله، والحق، والوطن، والنصر القادم؛ وفي الوقت الذي ابتلع فيه الصمت الألسنة حين ضم العدو الصهيوني "أرنون" إلى ما يحتله من أرض لبنان وفلسطين، ورفضت لجنة مراقبة نيسان شكوى لبنان حول ذلك الضم أو لم تتخذ قراراً بشأنه، قالت المقاومة رأيها ورفعت صوتها، وأكدت للمرة المئة بعد الألف، أن الطريق إلى الحق هي طريق القتال والتضحية وامتلاك القوة الروحية والمادية التي تجعل العدو يفهم ويرتدع ويتراجع.‏

وهذا الموقف الذي يشكل قطرة إضافية في بحيرة الفداء التي تصنعها المقاومة الشريفة في لبنان وفلسطين ضد الاحتلال، هو الذي يزيد حجم الاختلاف والانشقاق داخل الكيان الصهيوني حول ما يجب عمله في جنوب لبنان.‏

فمن قائل بالانسحاب من دون أية شروط من الجنوب، والتحصن فيما يسمى الحدود الدولية (يوسي بيلين وسواه من حزب العمل) إلى قائل بمفاوضات للوصول إلى ضمانات أمنية قبل الانسحاب، ومنهم أمنون شاحاك، إلى قائل بدخول المفاوضات مع سورية ولبنان، والاتفاق مع سورية أولاً التي تشكل السند الحقيقي للمقاومة، إلى قائل بفرض الوجود بالقوة، وتدمير البنية التحتية للاقتصاد اللبناني وضرب المقاومة في العمق، ليتشكل مناخ تحت ضغط الإرهاب والقوة، يجبر حزب الله ولبنان وسورية على القبول بشروط أمنية تقوم "إسرائيل" بناء عليها بتطبيق القرار /425/ القاضي بالانسحاب من جنوب لبنان، وهذا الفريق يريد الانسحاب لكن بشروط.‏

ومن استعراض مواقف الشرائح السياسية المختلفة في الكيان الصهيوني، إلى الشرائح الاجتماعية التي تقف على رأسها منظمة أو جمعية "أربع أمهات" التي تنادي بالانسحاب الفوري، وتقول: إن "الجنود يقاتلون، والسياسيون يقومون بقتال من نوع آخر على شاشات التلفزيون من أجل أغراض انتخابية" نجد أن التجمعات الصهيونية في فلسطين المحتلة تجمع على ضرورة الانسحاب وتتدرج المواقف حول ظروفه، وشروطه، ومواصفاته.‏

فهل تمَّ هذا الاقتناع الواسع الامتداد لأن الكيان الصهيوني يحترم القرارات الدولية والمنظمة الدولية التي أصدرت القرارين 425 و426 منذ نيف وعشرين عاماً، ولم ترد كلمة حول القبول بهما إلاّ تحت ضغط المقاومة ووقع الخسائر البشرية تحديداً في صفوف العدو التي أخذت تتنامى في مقابل تناقص خسائر حزب الله من المقاتلين ولا أقول المدنيين الجنوبيين الذين تستهدفهم"إسرائيل" بشكل مستمر، وتتخطاهم إلى قرى بعلبك؟‍!.‏

فقد كانت خسائر العدو الصهيوني عام 1995 /23/ قتيلاً وعام 1996 /26/ قتيلا وعام 1997 /40/ قتيلاً وتصاعد الرقم ليس من دون دلالات، أما حزب الله فإنه يخسر، وقد بلغت خسائره عام 1997 حوالي /60/ شهيداً ولكنها في تناقص عن السنوات السابقة وفي حالة تنام نحو التعادل مع خسائر العدو البشرية من الجنود، وهذا مؤشر بالغ الأهمية والدلالة لأنه يسجل تصاعد القدرة ومحو الثقة بالنفس وبالسلاح، وارتفاع وتيرة الأداء من حيث عدد العمليات، ونوعية المواجهة، ودقتها، والتصميم على الاستمرار فيها.‏

وفي هذا كله دروس، علينا أن نستخلصها، ونحسن قراءتها، ومن تلك الدروس:‏

1-أن المقاومة المشروعة للاحتلال تجاوزت التشكيك بها وبقدرتها على الثبات، كما تجاوزت الوهم الذي كان يحاط به جيش الاحتلال من حيث قدراته وعدم إمكانية النيل منه، وأصبحت تمارس أداء متطوراً على أرضية من الثقة المتنامية يوماً بعد يوم ومعركة بعد معركة.‏

2-أن المقاومة وأنصارها تجاوزوا مرحلة الاتهام الصهيوني- الغربي وحتى العربي أحياناً -من بعض الأنظمة والجهات والشخصيات العميلة- بالإرهاب والتخريب وتعطيل "عملية السلام"، وانتقلت إلى ممارسة الحق المشروع في مقاومة الاحتلال على أرضية من الاعتراف السياسي والدبلوماسي- لجنة مراقبة نيسان- بحقها في الدفاع عن نفسها، وفي تحرير أرضها من المحتلين.‏

3-أن المقاومة كسبت محيطها الاجتماعي والسياسي والثقافي من خلال:‏

أ-قدرتها على حماية المدنيين والدفاع عنهم، وردع المعتدي حين يتعرض لهم، ومقابلة التهديد بالتهديد (قصف المستوطنات الصهيونية المسماة:"كريات شمونة" قرية "الخالصة" الفلسطينية على الخصوص عندما تقصف"إسرائيل" القرى اللبنانية).‏

ب-تتبنى السياسية اللبنانية -على الرغم من تنوع الاتجاهات وتعدد الولاءات -المقاومة وعلى رأسها حزب الله، وإعلانها المتكرر بأنها تدعم هذه المقاومة، ولا تتخلى عنها، ولا تدينها، ولا تستنكر شيئاً مما تقوم به ضد الاحتلال لأنها تمثل إرادة الشعب في لبنان دفاعاً عن أرضه وحقوقه.‏

جـ - ارتفاع أصوات -ولو قليلة- في المجال الثقافي والإعلامي العربي والإسلامي تدافع عن المقاومة وعلى رأسها حزب الله، وتنفي عنها صفة الإرهاب وتعتز بأدائها وبنضالها المشروع وتربطه بالحق العربي في التحرير والحرية، وتنظر إليه على أنه أداء مشرّفٌ على طريق حسم الصراع العربي- الصهيوني حول فلسطين لمصلحة الأمة العربية.‏

د-مجاوزة حزب الله، على الخصوص، للدسائس وأشكال الوقيعة التي أريد له أن يبتلعها ليقوم شقاق أو اتهام، أو "طلاق" بينه وبين سورية، وبين الجنوب والجولان، وهي الدسائس وأشكال الوقيعة التي عمل عليها كثير من الساسة الغربيين بدفع من الصهاينة، وبعض اللبنانيين المرتبطين بالعدو الصهيوني أو المعادين لعروبة لبنان وتلاحمه مع سورية في وحدة موقف وصف وأداء، ومن بعض من يسمون مثقفين عرباً يتبنون "السلام الإسرائيلي" ويدافعون عنه، ويروّجون للتطبيع مع العدو ولاتفاقيات الإذعان:‏

"كامب ديفيد- أوسلو- وادي عربة" لا سيما بعد أن تحول كثير من أولئك إلى أبواق صهيونية وأمريكية، وأخذوا يتهمون المقاومة وسورية بوقاحة ويطالبون بفتح جبهة الجولان للمقاومة بدلاً من، أو إضافة إلى، جبهة الجنوب، في ما يبدو "حقاً" وهو الباطل بعينه لأنه يريد أن يجر سورية إلى معركة يفرض موقعها وشروطها، وظروفها، وتوقيتها العدو، بينما سورية تعرف كيف تقاوم ومن أين وكيف، ولم تتوقف أبداً عن دعم المقاومة، ولا عن الوقوف في وجه العدو الصهيوني والاتفاقيات المذلة التي فرضها على عرب من العرب، ولا عن مواجهة هذا العدو، وكل ما طرحه ويطرحه من مشاريع لتصفية القضية، ولإجبار سورية على القبول بما يمليه من شروط للسلام، وما يدفعها إليه من استسلام، وكان آخر ذلك فعل التحالف التركي -الإسرائيلي القريب العهد.‏

لقد تجاوز حزب الله، وتجاوزت السياسة اللبنانية، بحكمة من سورية، مشهود بها، وبدعم منها لا يُحَدُّ للبنان، والمقاومة، تجاوز هذه الدسائس وقال بلسان قادته، وأكد القول أكثر من مرة: إنه لا فرق بيننا وبين سورية فنحن جبهة واحدة، ومقاومتنا في جنوب لبنان هي من أجل تحرير الجولان، كما هي من أجل فلسطين وتحرير الجنوب، ومقاومتهم وصمودهم هو من أجل الأهداف ذاتها، ولولا سورية وصمودها لما كانت مقاومة، ولما كان صمود واستمرار في المواجهة والصمود. تجاوز حزب الله ذلك بوعي واقتدار وثقة، ونجح في الرد على ذلك كله.‏

هـ-مجاوزة حزب الله، والمقاومة الفلسطينية للاتهامات الرخيصة بأنها مقاومة تابعة لإيران أو "عميلة" لها وقد أتى ذلك الاتهام للأسف من قبل بعض العرب الذين يرددون ببغاوية مقيتة أقوال الصهاينة والإدارة الأميركية اليهودية.‏

وقد ردت المقاومة على ذلك باعتزاز وتعاون مستمر مع الثورة الإسلامية في إيران، التي تدعم الحق العربي في فلسطين، وتدافع عن عروبة القدس، وتتمسك بقدسيتها أكثر من السيد عرفات ورهطه، وتقف إلى جانب المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، انطلاقاً من إيمانها بعدالة القضية الفلسطينية، وبحق العرب في الدفاع عن أنفسهم، وعن مقدساتهم ضد الغرب المستعمر، والصهيونية العنصرية.‏

ورأت المقاومة العربية، وأنظمة عربية تعي جيداً أهمية التعاون مع كل من يدعم الحق العربي، وينصره، ويقوي الصف ضد الصهيونية والإمبريالية الأمريكية والعدوانية الغربية المستترة التي تخفي حقداً صليبياً مستمراً، رأى أولئك أهمية التعاون مع من يدعم حقهم ومشروعية ذلك لا سيما إيران الثورة، وعزت هذا التعاون الذي تؤكد جمهورية إيران الإسلامية تمسكها به، وثباتها عليه في كل يوم.‏

ومما يدعو للأسف والأسى بؤس التفكير، والموقف، والفعل لدى بعض من يسمون أنفسهم مناضلين وتقدميين، كانوا يضعون أيديهم ويجبرون الوطن العربي كله تقريباً على أن يضع يده بيد حركات يسارية جارت حتى على الحق العربي في فلسطين ونهشته طويلاً، وكان يناصرها أكثر مما يناصر قضيته ومناضليه، ويرفع رموزها فوق رموزه التاريخيين، إدعاء بنصره التقدم، والعدل ونضال الشعوب، وهي اليوم تضع يدها بيد الصهيونية العنصرية المحتلة لفلسطين، وترى في رموز الإرهاب والإجرام الصهيونيين رموز سلام، وتنتقل شخصياتها، وينتقل مثقفوها ببساطة متناهية من الـ K.G.B إلى الـ C.I.A ومن قبضة اليسار الصهيوني إلى قبضة اليمين اليهودي الديني المتطرف، ولا تشعر بأي حرج أو غضاضة.. وعندما تحشر في زاوية السؤال تشير باستكبار إلى أنها كانت كذلك منذ زمن، وهي لم تغير مواقفها‍؟‍‏

وللأمانة، في هذا القول كثير من الحق لأن الحركة الصهيونية استخدمت بعض اليسار لمصالحها، ولخدمة مشروعها وكان من المدافعين عن "إسرائيل" وبقائها منذ عام 1948، ولكننا نحن الذين لم نشأ أن نرى جيداً، وأن نفهم جيداً، ودخلنا في دهليز التضليل، وربما الضلال سعياً وراء هوية "تقدمية" يمنحها موال للصهيونية، أو خوفاً من تهمة بالشوفينية، والرجعية، والتديّن يوجهها لنا ذلك الموالي أو من هو ملحد، ومعاد للعروبة، ومتشبع حتى العظم بقومية وشعوبية مقنعتين بقناع اليسار، أو يخوض حرباً دينية مضادة تحت ستار الإلحاد.‏

نحن الذين تهنا كثيراً، وتسامحنا إلى درجة محو الذات والحق، والعقيدة، والشخصية، فطمع بنا العدو، وطمع بنا المستعمر، وطمع بنا أكثر وأكثر عملاء أولئك، وأذنابهم.‏

ولا أدري إذا كان قد آن الأوان لنصحو، ونقوم بمراجعة جريئة، وموضوعية، وواقعية، على أرضية معطى التاريخ، ومعطى الجغرافية، ومعطى الهوية الثقافية والشخصية العربية التي تمتد جذورها في هذه الأرض لآلاف السنين قبل الإسلام والمسيحية واليهودية.‍‏

إن المقاومة، والدم الزكي العربي الساخن الذي يتسرب إلى أعماق الأرض، مستعيداً حضوره، وانتماءه وتأثيره في النبات والشجر، والزهر، والبشر.. هو الذي يوقظنا ويدفعنا لنرى أفضل ونفكر أفضل، ونعبر أوضح، كما يدفعنا إلى أن يكون لنا موقف على أرضية الإيمان والانتماء.‏

فتحية مرة أخرى للمقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حزب الله التي أرهقت جيش الاحتلال الصهيوني وعرّته، وشكراً للمقاومة الوطنية الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، وللجنة المتابعة المنبثقة عن مؤتمر دمشق لمناصرة الميثاق الوطني الفلسطيني التي بدأت عملية الفرز بشجاعة وثقة، وشكراً لسورية وللبنان الرسميين اللذين يحتضنان مقاومة شريفة ضد الاحتلال، ويقاومان بشرف مشاريع الصهيونية والإمبريالية في المنطقة بعد أن خلت الساحة العربية أو كادت من صوت عربي واضح، وموقف عربي مقاوم شجاع. والنصر لنا لأن المستقبل لنا، نصنعه بالتضحية. والدم على أرضية الإيمان والانتماء والصدق.‏

دمشق في 24/2/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 649‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244