|
دمشق بغداد
بين دمشق وبغداد مسافة يحار المرء في كيفية وصفها وتقديرها وتقويمها والنظر إليها والتعامل معها ومجاوزة مفاوزها.
فهي من وجهة نظر من يقارب الأسطورة والجذر الأقدم للعرب" العموريين: الغربيين والشرقيين الذين منهم الكنعانيون والآشوريون والبابليون تمتد إلى أبعد من سبعة آلاف سنة من الحضارة والعمران وترابط المصالح والمصائر، وتربط غلغامش بقمم الأرز الشامخة في جبال لبنان وتشد أواصر الخط المسماري، وأبجدية أوغاريت، ومكتبة إيبلا، إلى رابطة أعطت الإنسان الكتابة والتاريخ.
وهي من وجهة نظر من يقارب التاريخ العربي -الإسلامي تمتد ما يزيد على أربعة عشر قرناً من زمن يغص بالسواد والبياض وبالفتوحات والنكبات، وبالأمجاد الحضارية والتراجعات المؤلمة على أكثر من صعيد.
وهي من وجهة نظر الرائي إلى الجغرافية حمادٌ يمتد ما بين سواد العراق، وبهجة الغوطة الدمشقية، مسافة ثمانمئة وأربعين كيلو متراً تقطعها اليوم بسيارة متينة في ثماني ساعات تقريباً، وإذا كنت مُصْحِر الروح في زمن سقيم فإنك توغل في ذلك القفر مسافات يزيد من بؤسها وشدتها غياب الماء والخضرة والعشب في ممحلات سنيها، فترى الحياة من حولك تتلوّى على سفّود الموت، ولا تكاد تلمح إلا نسراً حديد البصر والجناح، يعصف بالجو من حولك، ويمدّك بقوة وعزيمة تحتاج إليهما في الملمات، أو نبتة صحراوية عنيدة قرْعَاء تمد جذورها بعيداً في عمق الأرض، ولا يكاد يحميها من سفي الرمل وشدة القرّ والحرّ إلاّ شعيرات من بقايا أوراق تذكرك بالحياة والأحياء وانتماء لبيئة لا تعيش في سواها.. والحياة انتماء..
وهي من وجهة نظر الراني إلى الناس، والعلاقات والحكومات والسياسات: تاريخ يشكل خلاصة التاريخ، وإمكانيات للنهوض، ولاستعادة المكانة وحماية الذات، والمصالح والهوية والصلات، لا يقيمها إلا وعي معرفي مسؤول، يكثّف تاريخ صراع الأمة مع أعدائها، واحتكام إلى معيار سليم دقيق يستند إلى العقل والقيم والضمير، وتقيمه مراعاة حق الإنسان في الحياة والكرامة، وحق الأمة في الوجود.
وهي مسافة يقطعها القلب المحب في لحظة، والطرف المشتاق في ومضة، ويتعذر قطعها بكل الوسائل والصفات الممكنة على من حشي قلبه خوفاً وشكّاً، وعلى من تتقطع به جسور الثقة، وتتخطَّفُه الظنون، ويترصَّده الرعب مما كان ومما يكون، لا سيما إذا استقرأ التاريخ، واستخلص العبر من زاوية ما، استقر من أمر وخطر، ولم يعدم الفطنة وسلامة النظر. ولكن على الرغم مما في تلك المسافة من جذب ونبذ، ومصائد ومكائد، وسلبيات وإيجابيات؛ وعلى الرغم مما في الطريق الممتد عبر الأرض والزمن والحوادث والتاريخ العامر الغامر بين دمشق وبغداد، من القديم إلى المعاصر، فإن تلك المسافة لا بد أن تُقطع، لأن في كل من دمشق وبغداد أصل العرب، ونهضتهم، وماضي الأمة ومستقبلها.
كان طريقي إليها سفراً في العبر والذكريات والآمال والتطلعات، أتنقل بين محطات اللقاء العفيفة الطفيفة ومحطات الافتراق والاحتراق والاختراق، التي دفع ثمنها الناس دماً وأضاحٍ. وكان صحبي في ذلك السفر من نجوم الاختصاص في مهن يقوم عليها الكثير من شأن الناس، في نهضة واستمرار حياة، وقد سهل وجودهم عليّ درب الجلجلة في زمن القهر، والموت، والمعاناة.
ذهبنا في إطار مؤتمر للنقابات المهنية العربية المتنادية للقاء في بغداد /27-28 شباط 1999 لإدانة العدوان الأمريكي -البريطاني- الصهيوني على العراق، الذي ما يزال مستمراً على نحو ما بعد أربعة أيام من الشدة خسر فيهن العراق الكثير، وتحمل فوق ما تحمل طوال السنوات الثماني الماضيات منذ حرب الخليج الثانية، بداية ونهاية.
كان دخولنا إليها مع غياب الشمس وامتداد السواد، يرافقنا صديق من أهل الحرف يشعّ كأضواء مصابيحها، أنتظر ليلة بطولها في مركز الوليد يرتجف برداً، ويتولّد في قلبه الدفء الذي يبعثه اللقاء، وما يحمله من زهو العودة إلى بغداد بصحبة الأشقاء القادمين من دمشق.
يقولون إن ليل بغداد جميل في الربيع، وفي ناعمات الصفو من ليالي الصيف على ضفاف دجلة، ولكن شيئاً من ذلك لم يتح لي الاستمتاع به، فبغداد ما زالت في ذاكرتي حلماً وسيفاً، ومعاناة وخوفاً، ورمزها الأخير في الحصار ملجأ العامرية.
لا أذكر أنني مشيت في شوارعها لأعرف أكثر عنها الآن، ولكنني قرأت شيئاً عميقاً ومؤثراً وحزيناً في عيون من رأيت من الناس؛ وحزن الأبي الكريم ينم عن الكثير، ويقول ما لا يمكن أن تقرأه في مبدَعات السطور .
يومان لإدانة العدوان الأمريكي- البريطاني- الصهيوني المستمر و"للتضامن" مع الأشقاء في العراق حفاظاً على وحدة الشعب والأرض، وإفصاحاً بملء الصوت عن صرخة الضمير بضرورة رفع الحصار عن شعب ضاق بأنواع الحصار وأشكاله، ودفع أفدح الأثمان من دم شبابه وأطفاله ونسائه وشيوخه، ومما سوف تتحمله الأجيال القادمة التي تولد في مناخ الفقر والقهر، وسوء التغذية وتدهور شروط العيش السليم، في بيئة نفسية واجتماعية وطبيعية تحل بها أنواع التلوث وأشكاله.
كانت اللقاءات "التضامنية" والخطابات والعبارات تنم عن شيئين رئيسين وجدتهما في اللقاء:
- ضرورة إدانة العدوان وإيقافه، ورفع الحصار عن الشعب، والوقوف معه ومع وحدة العراق أرضاً وشعباً.
- وضرورة تغيير لغة الخطاب العربي، لا سيما السياسي منه، ليخلو من الغمز اللمز وما ينكأ الجراح، وليمهد بالعقل والحكمة والحنكة لما يجمع الأمة ويصحح مسارات اللقاء والحوار والمصارحة والمصافحة، ليحقق المواجهة بكل مقوماتها للعدو الرئيس من أعدائها: الصهيونية، والإمبريالية الأمريكية، والغرب الاستعماري.
وليس ذلك عزيزاً ولا عسيراً على من يرغبون رغبة مؤكدة في الرؤية والتصحيح، وعلى من يريدون قراءة الواقع والوقائع قراءة تمهد للاستفادة من دروس الماضي، وصعاب الحاضر، وصولاً إلى وضع عربي أفضل، ظاهراً وباطناً.
إن الأمة قادرة على اختراق الحصار المفروض على العراق والجماهيرية والسودان، ولكنها تحتاج إلى جسور الثقة بين حكامها وإلى سلامة المناخ الذي يحكم لقاءاتهم وقراراتهم وتوجهات كل منهم نحو الآخر، وهي قادرة على مجاوزة خلافاتها، والعودة إلى حضن البيت العربي الواحد بعد ترتيبه، ولكن لا بد من إقامة جسور الثقة، والقضاء على مناخ الشك وبذوره ونتوءاته التي تبرز من آن لآخر في الخطاب السياسي، أو تلك التي لا تفارق ذلك الخطاب في بعض الحالات إلاّ لماماً؛ وهي بذلك تشف عن الخنجر الذي يتلطَّى في الجرح، ونحن بحاجة إلى نبذ الخنجر والتئام الجرح فيما بيننا.
لقد كان للقاء طعم العرب اليوم، بكل ما في مناخ العرب اليوم، مع بعض الترياق على أطراف الشفاه. وكم وددت أن يكون الترياق في القلوب أصلاً، وأن يطفر منها على الشفاه.
في زيارة لملجأ العامرية رقم 25/ وهو واحد من أربعة وثلاثين ملجأ أنموذجياً في بغداد بناها الفنلنديون أو الهولنديون لم أعد أذكر، بتكليف من الحكومة العراقية، وقفت على بعض صور المأساة المرعبة التي رافقت حرب الخليج الثانية، وما زالت فصولها تترى سواء أكان ذلك في القصف أم في الحصار المستمرين.
في ملجأ العامرية استعدت ما كنت قد كتبت عن تلك المأساة، ولم يكن الخُبْرُ كالخبَر، ولا إعمال التصور مثل تفعيل الصور التي تتقافز بين مثلث الباصرة والبصيرة: مشهد، ونور، وإحساس عبر الأدوات والحواس!!
على باب العامرية تلقاك أم غيداء، امرأة في العقد الخامس من عمرها ترتدي السواد، استشهد أفراد أسرتها التسعة في أثناء القصف الأميركي للملجأ بصاروخين، أحدهما أحدث فجوة في السطح السميك جداً، والآخر اخترق أرض الملجأ، وسبب الدمار والقتل الهائلين، وجعل جلود بعض الأطفال تلتصق بالجدران، وتبقى معالمها شاهداً على البربرية الأمريكية التي تؤكد تفوقها في هيروشيما وناغازاكي وفييتنام والعراق.
تروي المرأة التي هدَّها الحدث وبقيت أحد شهوده أنها قررت الخروج من الملجأ لتنجز الغسيل المتراكم عندها، هكذا خطر لها؛ وخرجت في الوقت الذي كانت تدرك فيه أنها لا تستطيع أن تنجز شيئاً فلا الماء ولا الكهرباء، ولا المواد الضرورية للغسيل موجودة أصلاً، لكنها مع ذلك خرجت. وبقيت شاهداً حيّاً يروي مأساة أكثر من أربعمئة شهيد بينهم أسرة سورية، وأخرى أردنية وثالثة فلسطينية.. وبينهم المسلم والمسيحي، ومعظمهم من الأطفال والشيوخ والنساء، مزَّقهم القصف الأمريكي لملجأ العامرية في بغداد.
العامرية شاهد، وعبرة، ورسالة:
- شاهد على الوحشية التي تمارس طبيعتها، مدركة تماماً ما تفعل ولماذا تفعل!!
- والعبرة ألاَّ نسلم أسرارنا وعمراننا وإنشاءاتنا إلى الأعداء، لأن نقاط ضعفنا تغدو معروفة من قبلهم فيأخذوننا منها. فقد ركز القصف على نقطة ضعف في الملجأ لا يعرفها إلا الذين صمموا ونفذوا؛ وهم من الغربيين الذين بنوا ويبنون في بقاع الوطن العربي، ويأخذون أضعاف التكاليف ويملكوننا من الأعناق.
- والرسالة هي للحكام وللأحياء من أبناء الأمة، لكي يتعظوا ويحكِموا سيطرتهم على الأمور، ويجدّوا سياستهم حتى لا تقع الأمة كلها فريسة للأعداء. وهي رسالة لنملك القوة على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما، ورسالة لنوحد البيت العربي على أسس من الثقة، والاحترام، والمصير المشترك.
حين تركنا بغداد بقيت في النفس أشياء، منها ملجأ العامرية ومرارة الحصار والرغبة في مجاوزة الوضع المؤلم الذي يتعرض له الشعب في العراق، والذي يهدد وحدة العراق أرضاً وشعباً؛ وبقيت في النفس رغبة ملحاح تتلخص في ضرورة الاستفادة من الدروس والعبر، وإعادة قراءة التاريخ القريب في ضوء التهديد والمخاطر والتحالفات الشريرة المعادية للأمة من جهة، وفي ضوء المعاناة والقهر والتفتت المفقِر، والولاء لغير مصلحة الأمة ومصلحة الإنسان فيها: سواء أكان ذلك الولاء الضار لجهة أجنبية أم لعاطفة أم نزعة أم سلطة مريضة، يدفع ثمنها الناس دماً وذلاً ومعاناة.
إن معاناة الناس هناك بلغت حدود البؤس الشامل، فالدخل الذي يراوح بين خمسة دولارات وعشرين دولاراً لا يقيم صلباً، ولا يحمي كرامة، ولا يدخر عيشاً ملائماً في الحدود الدنيا للعيش، مع ارتفاع الأسعار واشتداد المرض.
واستمرار الخطاب المستفز، والتعامل العربي على أرضية ذلك الاستفزاز، في عودة لما يشبه أيام العرب مع العرب القديمة بأسلوب عصري جديد، لن يقود إلاّ إلى مزيد من البؤس والضياع والخسران.
وإن العرب الذين لا يستطيعون تغيير الجغرافية، عليهم أن يفعِّلوا إيجابيات التاريخ، وأن ينظروا إلى التحالفات، لا سيما التحالف التركي -الإسرائيلي- الأمريكي، وإلى ما تنطوي عليه من مخاطر على الأقطار، والحكام، والمصالح القطرية الضيقة، والقومية العامة، ومن ثم على الأمة ومكانتها ومستقبلها؛ على أن ينظروا إلى ذلك بكل الجدية والمسؤولية.
وإن الجماهير العربية الغائبة أو المغيّبة، عليها أن تؤكد حضورها من خلال الفعل الناضج، والأداء المسؤول في ممارسة الحرية والديمقراطية، والتعبير عن الانتماء والإخاء في إطار الأمة والعقيدة معاً؛ وأن تعمل على وضع حدّ لخلافات الحكام، أو للقهر الذي يمارسه بعض الحكام، ليرتفع شأن الإنسان الذي يحترم ذاته ويدافع عن الوطن ويعتز بالعيش الكريم فيه، فيرتفع بذلك شأن الوطن والأمة.
لقد عدت من بغداد إلى القلب الأحب الأعز دمشق، وأنا أمعن النظر في هذا البعد الاستراتيجي /الأرض والشعب والإمكانيات/ الذي نملكه، وفي امتداد استراتيجية تجعلنا نعزز الثقة بالأمة، وبحوار مسؤول على أرضية من الثقة والانتماء والاحترام، يجمع أقطارها وقواها. فالشام ومصر وحدة أداء يغيّر وجه التاريخ، والشام ومصر والعراق مثلث يُبنى عليه الكثير، وكل تقارب ينسى ثقل الخليج أو يؤسس على سوء نية وطوية من أي من العرب ضد أيّ من العرب يجعلنا نغرق في الإحباط أو نستغرق فيه من جديد؛ ونمعن في الاعتماد على الغرب والتبعية له، ونذوق المزيد من كأس الصهيونية الدهاق، وندفع كرامتنا ثمناً لتفرقنا وتباغضنا، وكيد حكام منا لحكام آخرين منا.
لقد بشمنا من البؤس ومن ثماره المرّة أيها العرب، وقد يبست منا القامات والأرواح في ظلال المقت السياسي والكيد والمكابرة، وآن لنا أن تحنو قاماتنا على أكبادنا وأولادنا بدلاً من أن يقطّعها العدو إرباً إرباً، بفعل أحقادنا المتبادلة وولائنا له؛ ذلك القائم على تلك الأحقاد أو الأطماع.
آن لنا أن ننظر بعمق إلى دموع الأطفال، وأوجاع القلوب الطافرة مع دمع العيون، لنراجع على ضوء المسؤولية القومية والدينية والخلقية والإنسانية علاقاتنا وصلاتنا وأساليب تعاملنا ومعاملتنا للناس ليكون الوطن حراً بفعل أناس أحرار يتمتعون بالكرامة، ويمارسون حضورهم بجرأة يصنعها الحق والأمن من جوع وخوف.
وليس ذلك على أمتنا بعزيز.
دمشق في 4/3/1999
الأسبوع الأدبي العدد 650
|