|
حـــوار الحضـــارات
في العام الماضي 1998 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على دعوة الرئيس الإيراني محمد خاتمي لجعل عام 2001 عاماً للحوار بين الحضارات، وحين قدم الرئيس خاتمي مقترحه بصفته: الرئيس الإيراني، ورئيس مؤتمر دول العالم الإسلامي فإنما أكد على رغبة أكثر من خُمس سكان العالم، في أن تكون لغة الحوار هي طابع القرن القادم، وليس منطق الصدام والصراع هو طابعه، كما أعلن مفكرون وسياسيون غربيون ذلك وعلى رأسهم الأمريكي صاموييل هنتنغتون. فهل يتقدم منطق الحوار القائم على رغبة في التعاون والتفاهم والسلام على منطق الصراع القائم على نزوع إلى التفوق والهيمنة والقهر بالحرب يا ترى؟ وهل الدعوة إلى الحوار من قبل العالم الإسلامي تأتي تعبيراً عن عجز في الأدوات والوسائل والإمكانيات، أم أنها تنبع من إيمان، وتأتي ترجمة لنزوع حضاري يعبر عن نفسه في دعوة تكرس الأمن والسلام أو تقود إليهما؟!
الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، يدرك جيداً أنه يملك قوة لا يملكها الآخرون، ويتفوق بما لا يترك مجالاً للمقارنة، بَلْهَ التوازن بينه وبين دول العالم، وكتله البشرية الأخرى، ويتحرك انطلاقاً من توافر ظروف ومعطيات تمكنه من فرض هيمنته التامة في العالم، وحماية مصالحه إلى مدى بعيد من جهة ومنع الآخرين من امتلاك مقومات علمية وتقنية وإمكانيات تجعلهم قادرين على تحرير قرارهم السياسي والاقتصادي وسيادتهم ومصالحهم من جهة أخرى، ولأنه يعرف جيداً ما لديه وما لدى الآخرين، ويدرك أن دولاً في العالم الإسلامي، وفي آسيا وغيرها من القارات تحاول أن تملك قوة تفتح أمامها أفقاً وأملاً بالحرب والتحرير والنديّة، فإنه يسرع إلى تفعيل أشكال الحصار والتهديد والهيمنة، ويعمل على حشد قواه في مواقع استراتيجية شديدة الحساسية والتأثير، ليضمن تفوقاً وتحركاً مجديين عندما تحين ساعة المواجهة التي يقدّر أنها قادمة، بل يخطط ليتم توقيتها كما يريد هو.
في تقديري أن في الغرب اتجاهين رئيسين:
- اتجاه قائد لنزوع القوة والسيطرة تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، ويتركز معه جهد الصهيونية العالمية، وهو اتجاه يملك القوة بأنواعها، والقاعدة الاقتصادية القوية، والنفوذ، وسلسلة من التحالفات الدولية تجعله يستشعر القدرة على تحقيق الهيمنة الشاملة.
- واتجاه يتفق مع الاتجاه الأول في النظرة إلى الآخرين في العالم، ولكنه يخشى على مصالحه النهائية من الاتجاه الأول، ولذلك يحبذ تحركاً يضمن له تمايزاً وحضوراً مغايراً يحقق مصالحه. ولكن في حال وقوع صراع ساخن فإنه سيجد نفسه مع الغرب حكماً، يلتقي في المشترك الثقافي والاستعماري والمصلحي. وعلى هذا يمكن القول إن حواراً للحضارات، لا سيما بين العالم الإسلامي والغرب، يمكن أن يكون ضرورياً من جهة أخرى، ومجدياً مع طرف ( منه الأوربي) من جهة أخرى، ولكن الحذر فيه ينبغي أن يكون قائماً، وهذا بحد ذاته معوق للحوار، الأمر الذي يكوّن إشكالية لا بدَّ من مواجهتها.
فالحوار يحتاج إلى مناخ إيجابي يتخلّق فيه التفاهم والتعاون ويجعلانه يسفر عن تعزيز للأمن والسلام القائمين على العدل والانصاف، ولكن محصلة توجه الغرب النهائية تقود -حتى من خلال استقراء التاريخ الماضي، وليس الحاضر المعيش فقط- إلى الشك، والشك يفسد مناخ الحوار لأنه يؤسس لانعدام الثقة المبني على انعدام المصداقية، والغرب يملك رصيداً ضخماً من انعدام المصداقية لديه، والتصرف القائم على أساس من الغدر والعدوان والنهب والاستلاب، لا سيما في عصر الاستعمار القريب.
وإضافة إلى هذا النسق من الصعوبات يوجد نسق آخر من المشكلات، وهو نسق يتصل بما أقامه الغرب، أو ساعد على إقامته من أوضاع في الوطن العربي، ودول العالم الإسلامي، وفي مناطق أخرى من العالم، ما زالت تشكل بؤر توتر وتهديد للعدل والسلام الذي لا يقوم إلاّ على أسس من العدل في العالم، وهذه الأوضاع قد يهيئ الحوار تفهماً أفضل لنوع المشكلات التي تخلقها، ولكنني لا أظن أنه يمكن أن يحلها جميعاً، لا سيما الصراع العربي- الصهيوني، القائم بسبب إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي في أرضه، والذي هو في الجوهر صراع وجود، كما يعبر عنه عرب ومسلمون، وليس نزاعاً على حدود.
والغرب كله يؤيد في النتيجة "إسرائيل" ويساندها على حساب الحق والعدل اللذين للعرب والمسلمين في فلسطين. فكيف يمكن أن يقوم الحوار مع وجود هذا النسق في الأوضاع والمشكلات: -هل يقوم، وفي الذهن نزع الألغام التي يشكلها؟ أم يقوم فوق تلك الألغام مع توقع انفجار أي منها في أي لحظة!؟!
والأنموذج الواقعي لهذه الحالة تقدمه هذه الأيام زيارة الرئيس خاتمي نفسه إلى إيطاليا، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس جمهورية بعد الثورة الإسلامية في إيران إلى أوربا، ففي أثناء تلك الزيارة قال الرئيس خاتمي بضرورة الحوار بين الحضارات وإمكانيته، وأبدى الاستعداد لمواصلته مع أوربا ابتداء من إيطاليا، وفي الوقت ذاته قال وزير الخارجية الإيراني: إن إيران لا تؤمن بحق "إسرائيل" في الوجود، وهو ما عارضته وتعارضه المجموعة الأوربية بما فيها إيطاليا، ويعارضه الغرب كله بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
وهبت فوراً بسبب ذلك عاصفة، قد تجتاح بذور الحوار ذاتها، التي يبذرها الرئيس خاتمي في أرض السياسة والثقافة الإيطاليتين.
من جهة أخرى، سودانو.المساعد الأول للبابا قال يوم أمس الأول أن الحَبْرَ الأعظم "يغتنم فرصة زيارات رؤوساء الدول والحكومات ليذكرهم بواجباتهم، وما يتوقعه المسيحيون بشأن الحرية الدينية في بلادهم".
وحين يقول ممثل البابا هذا الكلام تلميحاً أو تلويحاً لخاتمي الذي قد يقابله، وهو ممثل لجمهورية إسلامية، ولمجموعة دول إسلامية، فإنه يفعل ما ينطوي على شيء من الاستعلاء والاستفزاز.
فإذا كانت روح الحوار، ومناخه في مثل هذه المستويات العليا تنم عن هذا، فكيف سيكون في مستويات أخرى يا ترى؟!
ولكن، هل يلغى هذا كله، وكل ما يُبنى عليه من توقعات، هل يلغي إمكانية خوض الحوار على شيء من أرضية الأمل والثقة، وهل يلغي ضرورته أصلاً؟! وهل الحوار المرتجى والمتخذ قرار من هيئة دولية عليا فيه، هو وقف على حوار الإسلام والغرب، أم أنه حوار بين حضارات العالم كله، وعلى رأسها الأقدم والأزهى عصوراً منها: الحضارة العربية القديمة منذ العموريين والأكديين- والحضارة الفرعونية- والحضارة الصينية، والهندية، واليونانية.. الخ.. وما بُني على ذلك وتطور ابتداء منه حتى يوم الناس هذا؟!
إن الحكمة تستدعي التمسك بالأمل مهما ضؤل، كما تستدعي الدعوة إلى توسيع دوائرها، وتعميق تلك الدوائر بالحوار الإيجابي. ومن يأخذ بجوهر الأديان والعقائد ويتعامل معها قراءة، وفهماً، وتفسيراً، وتطبيقاً، لا بد أن يصل إلى أن جوهر الإيمان وجوهر الحياة عدل وحرية يعودان بالأمن والسعادة على أبناء الله في أرض الله.
وحين ينطلق المسلمون في دعوتهم لحوار الحضارات، لا ينطلقون عن عجز تام- وإن بدت مظاهر ضعف القوة المادية- وإنما ينطلقون من قوة الإيمان بالله، والنفس، والحق، ويتحملون مسؤوليتهم التي يفرضها عليهم الإيمان تلك التي تشمل البشر، والحياة والبيئة السليمة التي توفر الأمن والأمان من جوع وخوف، وترتب على المسلم رعاية العدل وحق الحياة، حيث تقول الآية الكريمة: "مَنْ قَتَلَ نَفْساً بغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فسَادٍ في الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ الناسَ جَميعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأنَّما أَحْيَا الناسَ جَميعاً".
وليس لنا إلاّ أن نتفاءل بالخير، وبنتائج الحوار، ونعمل في الوقت ذاته على امتلاك قوة تجعل كلمتنا مسموعة في كل مجال، وحقوقنا مصانة، فامتلاك الحق لا يوفر بالضرورة قوة تحمي وتنقذ.
والله من وراء القصد
دمشق في 11/3/1999
الأسبوع الأدبي العدد 651
|