صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

عشرون سنة على الثورة

المشروع الحضاري، الذي دعا إليه الإمام الخميني وتعمل الجمهورية الإسلامية في إيران على ترسيخه منذ عشرين سنة انقضت على انتصار الثورة، هو مشروع يقوم على إحياء قيم الإسلام وتعاليمه وشريعته؛ ويرمي إلى تطبيق ذلك والعمل انطلاقاً منه، وإلى إنقاذ المسلمين بفضله، وهو يتوجه إلى البشر كافة، لأن الإسلام دين جاء للناس كافة. وهو مشروع مضاد لكل أشكال الاستغلال والاستعمار والتبعية والانحلال والفساد. إنه مشروع منقذ من حيث الهدف والتوجّه نحو الإنسان فرداً، ونحو المجتمع مؤسسة، والشرائع الاجتماعية كتلة متكاملة ومتماسكة، ونحو سكان الكرة الأرضية بشكل عام تبليغاً وشراكة في المسؤولية؛ معتمداً على المسلمين ومنطلقاً منهم ليكونوا في خدمة الحق الذي تقوم عليه عقيدتهم التي تحمل الحق وتحث على اتباعه والعمل به.‏

قبل الإمام الخميني، وقبل الثورة الإسلامية في إيران، كانت إيران الشاه أداة طيّعة بيد الاستعمار، وكانت الحارس الأول في الخليج بالنسبة للنفط وللمصالح الغربية في المنطقة، وصديقاً لـ "إسرائيل" وسيفاً مصلتاً على عنق كل من يرفع رأسه بوجه المصالح الأمريكية ويقف ضد النفوذ الأمريكي -الصهيوني. بعد ذلك ومنذ الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني انقلبت إيران إلى "هولة" بنظر الغرب ينبغي القضاء عليها، لاسيما عندما بدأت الثورة تنفّذ تعليمات الإمام بنجاح وثقة وثبات، وتحقق انتصارات وتغير من واقع الناس داخل إيران، وتدفع المسلمين إلى الصحوة خارجها!؟ فما الذي تغيَّر ومن الذي تغير؟؟‏

تغيّر هدف جوهري أساس تجلى في أن إيران تشق طريقاً مغايرة لنظرة قطرية وثورة تنحصر في إيران، أي أنها لا تعتني فقط باستقلال إيران وبإخراجها من التبعية والقيام بحركة إصلاح وإحياء وبناء فيها والعمل لخدمة مصالحها ورعاية تلك المصالح الخاصة؛ وإنما تريد العمل لصالح الآخرين أيضاً، تريد إعادة الصحوة إلى تيار إسلامي منقذ، ينقذ إيران كما ينقذ سواها؛ ويشكل كتلة مغايرة للسائد: فكرياً وسياسياً واجتماعياً في المنطقة والعالم الإسلامي، وتحمل تيار تحرير وتثوير ومنفعة يشمل العالم!؟‏

فإيران إذا ما تمسكت بالمشروع النهضوي على أساس إسلامي سوف لن تقبل أبداً باستقرار الأوضاع الحالية على ما هي عليه لأنها أوضاع غير عادلة تخلقها الشراكة بين الاستعمار والمستغلين، أو أنها أوضاع يسببها الظلم والجور وقهر المستضعفين، ومن ثم فهي أوضاع لا تقرُّها الشريعة الإسلامية وتؤاخذ من يسكت عليها؛ وهي ناتجة عن سياسات وتوجهات لا تعمل حسب تلك الشريعة وقد تعاديها وترمي إلى تدميرها في بعض الساحات والمواقع.‏

ولأن إيران الخميني اختارت حكم الشريعة الإسلامية والاحتكام إليها، ولأنها اختارت ما ترى أن فيه مصلحة المسلمين والناس كافة: أي الإسلام بصفاء تعاليمه ونقاء شريعته؛ فهي إذاً مشروع ثورة إلى أن تحقق هدفها، وهدف الثورة ليس هدفاً لمواطنين أو لانقلابيين أو لعسكريين يريدون الوصول إلى غايات دنيوية منها: الحكم والسلطة والشهرة والمال... الخ وإنما هو هدف إحقاق الحق وإحقاق كلمة الله والعمل بشرعه وأمره في الأرض؛ فعلى إيران الثورة إذن أن تبقى مشروعاً ثورياً مستمراً إلى أن يتحقق تغيير جذري في العالم يسود على أساسه نظام عادل يحكم الناس والقضايا الكبيرة. وقد قال الإمام الخميني رحمه اللّه بصريح العبارة: "يتعين على شعب إيران خصوصاً، والمسلمين عموماً؛ بذلٍ كامل وسعهم لحفظ هذه الأمانة الإلهية التي أعلنت رسمياً حكمها في إيران، وحقّقت في فترة وجيزة ثماراً عظيمة، وعليهم جميعاً السعي لتثبيت دعائم ديمومتها، وإزالة العقبات عن طريقها. وآمل أن ينتشر نورها، منيراً كافة البلدان الإسلامية، وأن تتفق كلمة جميع الحكومات والشعوب على ضرورة هذا الأمر، فيقطعوا دابر القوى الكبرى ناهبة العالم والمجرمين التاريخيين إلى الأبد، ويرفعوا أياديهم عن رؤوس مظلومي العالم ومضطهديه" والطريق إلى ذلك هو العمل بكل الوسائل الممكنة.‏

هذا المنطلق سوف يجعل من إيران، بنظر الذين استقرت أوضاعهم على حال من الظلم والفساد أو على حال مغايرة لما يعتقد الناس أنه العدل والصواب، مصدر أمل وأنموذج يُحتذى به؛ بينما يجعل ذلك منها- بنظر من لا ترضيهم سياسة إيران وثورتها ودعوتها- بؤرة توتر وقوة تهدد الأمن والاستقرار السائدين.‏

وكان على إيران أن تدفع ثمن هذا الاختيار، وكان على الآخرين أيضاً أن يدفعوا أو أن يحملوا عبء جعل إيران تدفع ثمن اختيارها، فالغرب يحارب بالوكالة مادام غير مضطر لخوض حروبه مباشرة!؟! وهكذا شهدنا حرب الخليج الأولى التي استنزفت طاقة إيران كما استنزفت طاقة العراق ودول الخليج.‏

وعندما دعا الإمام الخميني إلى إعادة نظر، في ضوء مشروع إسلامي ذي رؤية ثورية، تشمل التربية والتعليم والثقافة للعودة إلى الأصالة والأصول، ودعا إلى إحياء الدين على أسس علمية سليمة يقوم عليها فهم الدين وليس اعتماداً على شكليات تكوِّن عند العامة فهماً للدين، أو تكوِّن فهماً سطحياً وعامياً للدين، وعندما دعا إلى امتلاك القوة العسكرية، ليس بالمستورد منها فقط وإنما بالتصنيع وامتلاك التقنية وتحويل العلم إلى تقانة والتقانة إلى قوة؛ فإنما أذَّن عالياً منذراً بعهد جديد من وجهة نظر وبخطر كبير من وجهة نظر أخرى. لأن هذا الرجل -كما رآه الناظرون إلى الثورة الإيرانية ومشروعها -يريد أن يحرر الناس تحريراً كاملاً، وتحرير الناس تحريراً كاملاً يعني تهديد المصالح المستقرة على الظلم وإلغاء تجارة السلاح، وربما مصانع السلاح، التي تتاجر بالدم والموت وإلغاء سطوة القوى المهيمنة على البشر وحرياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم، والدعوة لإيجاد كتلة أخرى على أرضية القوة والإيمان، لها مشروع ورؤية ينبعان من منظومة قيمِ عقيدةٍ لها اختيارات مغايرة للسائد، وهي تستند إلى تاريخ وتشريع وشريعة وعدل إلهي يستمد من القرآن؛ أي قيام دعوة إلى استعادة العلم على أرضية الإيمان، والعمل بشريعة تؤدي إلى العدل والحرية والتحرير وتشمل الناس كافة، دعوة لا تجعل القوة خادماً للمصلحة وإنما تجعل القوة خادماً للحق، وعندما يتحقق ذلك فإن السياسة ترتبط بالأخلاق ولا ترتبط بالمنفعة!‎؟ وربط السياسة بالأخلاق يعني إنصافاً وعدلاً وسعياً مستمراً للإنصاف والعدل. وهذا يخيف من يقوم وجودهم على الاستغلال والظلم والنهب، ولا يستمر وجودهم ولا ينمو إلا في ظل الظلم والاستعمار والاستكبار والتجهيل والجهل.‏

ومعنى هذا، من جهة أخرى خاصة بإيران وبالمشروع الذي طرحه عليها الإمام الخميني ووضعها على طريقه في السنوات التي قاد فيها الثورة والدولة والمجتمع وحملها مسؤوليته، وأوصى باتباعه، معناه أن عليها أن تختار بين أحد أمرين:‏

-إما أن تكتفي بدارها وذاتها وتنكفئ على تينك الدار والذات، فلا تُصَدّر وعياً ومشروعاً وصحوة إسلامية وثورة، ولا تدعم أي تيار إسلامي، ولا تناهض من يعتدي على المستضعفين، ولا تفكر بفلسطين ولا بسواها، ولا تقاوم الاحتلال والاستكبار إلاّ إذا مسها مباشرة؛ وتتعامل كوكيل للنفط وكحارس من حراس مصالحها ومنافعها الذاتية فقط.‏

-وإما أن تكون ملتزمة بما جاءت به شريعة الإسلام، وما اختارته في مشروعها الإسلامي الثوري، وبما قال به الإمام الخميني من دعوة إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل ومقاومة الاستعمار وعدم مهادنة الظلم؛ وإعطاء الثورة بعداً عملياً إسلامياً وعالمياً.‏

من هنا بدأ السؤال يطرح أولاً على محيط إيران السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لاسيما من قبل الغرب والصهيونية، حينما قدّما إيران: خطراً على دول الخليج، وخطراً على آسيا الوسطى التي انتهت من الشيوعية والاتحاد السوفييتي وبدأت تفكر، أو بدأت بعض الفئات فيها تفكر تفكيراً استقلالياً أو دينياً، وخطراً أيضاً على تركيا العلمانية، أو بالأحرى تركيا جنرالات الدونما الذين يحكمون ويقررون وينسقون خططهم مع "إسرائيل"، بعد أن فرضوا التحالف معها ضدّ محيطها الإسلامي والحضاري، تلبية لرغبة كل من الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية. وأصبحت إيران أيضاً -كما صور أولئك في الإعلام والسياسة والثقافة ...إلخ- خطراً لا ينحصر مداه في محيطها على هذه الأرضية، وإنما يتعداه إلى آفاق أخرى، لأنها أخذت تفكر بأسلوب مغاير لماهو سائد ومستقر في عالم قائم على أحادية قطب سياسي، وعلى ازدواجية مكاييل، وعلى قرارات مجلس أمن- وهو مجلس أعمى أعرج -محكوم عملياً بسياسات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ومصالحها، أي أنه محكوم بقوة متغطرسة لا تزال تحكم العالم منذ ذلك التاريخ، وقد أصبحت أكثر غطرسة بعد أن قادتها الولايات المتحدة الأميركية المنتصرة في الحرب الباردة وفي حربي الخليج.‏

والسؤال الذي تواجه به الجمهورية الإسلامية في إيران ويواجهها بعد عشرين سنة هو سؤال الأمن، الذي يتصل بدوره بسؤال الإسلام وبسؤال الحرية وبسؤال العدل وبسؤال التغيير، ومن ثم سؤال القيم الخُلُقية والدينية؛ كما أنه يتصل بأمنٍ ذي شعب منها: الأمن العسكري والأمن الاقتصادي والأمن الغذائي بالنسبة للعالم الإسلامي، والأمن الثقافي على الخصوص الذي تترسخ فيه قيم العقيدة الدينية بالدرجة الأولى، ويتم الانطلاق منها للدفاع عن الشخصية والمجتمع والأمة من أشكال التخريب؛ حيث تُخَرَّب أجيالنا وقيمها ونريد أن ندافع عن أجيالنا وقيمنا، حيث تُخَرَّب عقيدتنا أو فهمنا لها ونريد أن ندافع عن عقيدتنا وعن فهم سليم لها، تُخرَّب شخصيتنا ونريد أن ندافع عن شخصيتنا وعن مقوماتها. ونحن نرى إلى التجرؤ الوقح الذي بلغته الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية حتى على الإسلام ورسوله في منشورات وسخة منها ما وزِّع في الخليل من قبل اليهود، ونرى إلى التجرؤ الوقح على الإسلام والتاريخ والحق من خلال منظمة سرية في "إسرائيل" تسمي نفسها (منظمة الخلاص من الدنس) والدنس عندهم -وحسب أهداف تلك المنظمة الصهيونية السرية- هو المسجد الأقصى، وقبة الصخرة في القدس الشريف، لأنهم، أي اليهود، يريدون القدس من دون هذا الذي يسمونه الدنس، ويعملون على تهويد القدس بالكامل وتدمير المسجد الأقصى؛ فلنتخيل مدى الحقد والعنصرية والتطاول على الإسلام والمسلمين، والتطاول على اللّه وشرعه العادل في الأرض وما هو موقف ثورة إسلامية في إيران من ذلك وقد أعلنت منذ انطلاقتها موقفاً من القدس والصهيونية ورأس العدوان الولايات المتحدة الأميركية؟!! وقد عمل هؤلاء أكثر من مرة على إحراق المسجد، وقاموا بمذابح بشرية دموية فيه وفي الحرم الإبراهيمي في الخليل.‏

إيران عندما تتمسك بمشروع يملك رؤية ويستند إلى عقيدة الإسلام ويحمل روحه، وعندما ترفض سلام الاستسلام، وعندما تعارض اتفاقيات الإذعان تغدو بنظر الاستعمار والصهيونية وراعي الإرهاب الأول في العالم: الولايات المتحدة الأميركية: دولة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، دولة "إرهابية" خطرة، ينبغي حصارها، دولة خارجة على القانون، ودولة ينبغي أن تعاقب وأن تضرب وأن تضعف وأن تحطم إن أمكن، أو أن يتغير نظامها الإسلامي وبرنامجها الثوري ومشروعها الخمينوي!؟!‏

لقد وضع رجل الثورة التي نحتفي بذكرى مرور عشرين سنة على انتصارها منهجاً ونادى بمشروع وقال أقوالاً صحيحة مناسبة، وسار الناس في إيران على هديه النابع من هدي الإسلام ورسوله الكريم ورأى في الإسلام دين المستقبل والمنقذ للبشرية كافة مما هي فيه. والجمهورية الإسلامية اليوم في إيران قوية وثابتة على المبدأ وتسعى لامتلاك العلم والقوة، وتقيم علاقات طيبة مع الجوار العربي والإسلامي، وتتحمل مسؤولية من خلال قيادتها لدول المؤتمر الإسلامي، منذ قمة طهران، وتحقق تقدّماً في مجالات العمل والبناء الداخليين ولم تتخل عن ثوابتها ورسالتها؛ وكل هذا يستحق التقدير.‏

ونحن في سورية تربطنا علاقات قديمة وثيقة ومتينة مع جمهورية إيران الإسلامية منذ قيامها، وهي علاقة استراتيجية كلفت الطرفين الكثير ولكنها كانت في مصلحتهما وفي مصلحة الأمتين العربية والإسلامية؛ وإذ نشاطر الثورة الإسلامية في إيران أفراحها بالذكرى العشرين لانتصارها نؤكد أهمية ما قامت به داخلياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً وأهمية أن يبقى زخم عطائها وانتصارها مستمراً.‏

واللّه ولي التوفيق.‏

دمشق الأحد، 27 ذو القعدة، 1419 الموافق 14 آذار 1999.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244