|
كوسوفا بعد البوسنة ونحن في...
ـ 1 ـ
الوقت: الرابع والعشرون من شهر آذار 1999 م الموافق السابع من ذي الحجة 1419 هـ عيد الأضحى عند المسلمين، كل عام وأنتم بخير
الحجيج على عرفات، والقصف على العراق، ودم الأضاحي يختلط بدم ألبان كوسوفا، وتفوح منه رائحة الكارثة وهو يتخثَّر عند أعتاب البيوت رافعاً رسالة الإنسان للإنسان، فهل يذكّر العرب والمسلمين يا ترى بنكبة العرب والمسلمين في هذا الزمن الهجين؟!
في الأعياد الماضية كان على المذبح أهل البوسنة والهرسك، والشيشان والأفغان، وأبرياء من الجزائر، وآخرون من كشمير، أما المقاومة وأهلنا في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة والجولان فمعاناتهم تتدفق إلى بعض العيون وتحاصرها حتى يصبح الحصار أمراً عادياً، وتبقى من بعد نسياً منسياً عند من يكتفون في الحياة بدور"العيون"، وما أكثرهم بين خلق الله في بلاد العرب هذه الأيام، ولله في خلقه شؤون!!
منذ أسابيع والقتل والتهجير يكتسحان ألبان كوسوفا، وعندما تقرأ على الثلج آثار خطاهم وتعرف أنهم يلوذون بالموت من الموت تشعر أن القهر بلا ضفاف، وأن عالم اليوم تجرَّد من معظم ما يربطه بالقيم والمشاعر الإنسانية، وقد تهزك حتى العظم دموع الأطفال المعلقين بين الثلج والرصاص، يرتعشون من الخوف ولا يستطيعون الطيران، أعشاشهم منتهكة وأوطانهم كذلك، وأمهاتهم لا يملكن حليباً ولا دموعاً ولا أملاً ، فقد تجمد كل شيء في جبال بولج POLJE على ارتفاع قد يصل إلى 2640 م حيث يمتد بين السلسلتين السهل الذي تتكون منه منطقة كوسوفا ذات الأكثرية المسلمة90% من السكان الذين يربو عددهم على المليوني نسمة )؛ والميتوهيجا METOHIJA وتلفظ : ميتوهيا/ ميدان الكنائس هناك / لم يعد يملك شيئاً من براءة السيد المسيح فضلاً عن فقدانه لقيمه. وبين الجبل الأسود ومكدونيا وألبانيا تتوزع قوافل الهاربين اليوم، الذين يصطادهم قناصة الصرب الذين ينتشرون في بعض أرجاء الغابة وعند مفارق الطرق.
كثير من المقابر الجماعية اكتشفت تذكِّرك بتلك التي كانت لأبناء البوسنة والهرسك قبل ثلاث سنوات في سربرنيتسا وغوراجدة وبقية مدن وقرى ذلك الإقليم الحزين، الذي ابتلي بالعنصرية الصربية المقيتة، وبالتعصب الديني الأشد مقتاً وفتكاً بالناس هناك.
منطقة كوسوفاأو كوسوفو بالصربية) منطقة تقع في الجنوب الشرقي من البلقان، وهي منطقة سهول وهضاب تكونها انفراجات في جبال البولج، ويتراءى للناظر منها الجبلُ الأسود مغلفاً بتكاثف لا ينقطع من الضباب، ويتدرج سكن الناس إلى ارتفاع 500 م بشكل عام، وتجتاز المنطقة أربعة أنهار هي: لابل LABELL - ليبار L'iBAR - الدرين الأبيض والدرين الأسود، وهي غنية بالمناجم التي يُستخرج منها الرصاص والزنك والمنغنيز ومع ذلك فهي أكثر مناطق أوربا فقراً، لأن الصرب الذين أُبتليت بحكمهم وعنصريتهم تلك المنطقة يمتصون كل شيء ولا يبقون لها إلا بقايا محاصيل القمح والبطاطا، التي يتقوَّت منها الناس، ولا يبقى لهم إلا خشب الغابات يلجؤون إليه لتحقيق تحسن جزئي في أوضاعهم المعيشية.
برشتينا، عاصمة الإقليم/ 120 مئة وعشرون ألف نسمة تقريباً/ مدينة متواضعة، أهلها طيبون، ويتعلقون بساعة هدوء، وتجد القهر معششاً في عيونهم حين تنظر إلى قلة منهم في المقاهي والطرقات، طيبتهم تقطر أسى مراً تراكم عبر السنين حتى صار جزءاً من طبيعتهم. وأهم مدن الإقليم بريزرن وبيش PEC` المدينة التي كان فيها مقر الكنيسة الأرثوذكسية بين عامي 1557- 1766 . وسكان كوسوفا من الألبان بنسبة 90% وهم جميعاً مسلمون أما نسبة الـ 10% المتبقية من سكان المنطقة فهم من الصرب وأهل الجبل الأسود أو "المونتينغريين".
الألبان تاريخياً ورثة منطقة البلقان يتحدَّر أجدادهم من الأليريين الذين كانوا يسكنون المنطقة منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وأصبحوا جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، وفي القرن الثامن تداخلوا مع الصرب حتى أصبحوا كتلة سكانية اجتماعية واحدة في مملكة أسسها"ايتيان دوشان" وكانت تضم ألبانيا واليونان ومكدونيا. وقد انهارت تلك المملكة بعد معارك مع العثمانيين منها معركة جرمين 1371 ومعركة قوصوَّة " كوسوفا" عام 1389 حين سحقت عساكرُ السلطان مراد الأول العثماني/ 1362ـ 1389 م / قوى التحالف وخيالة الصرب في معركة كوسوفا بولج KOSOVO POLJE وأصبحت الطريق مفتوحة أمام الجيوش المنتصرة بقيادة بيازيد ابن السلطان مراد الأول الذي تولى الحكم بعد أن استشهد والده في معركة كوسوفا؛ وقد تابع بايزيد القتال إلى أن اكتسحت تلك الجيوش المملكة وجعلتها في عام 1459 جزءاً من الإمبراطورية العثمانية.
و قد " استطاع الأرناؤوط / الألبان/ الواقعون تحت الضغوط الدينية والعرقية والثقافية الكثيفة من جانب الروم والسلاف أن يحافظوا على تركيبهم العرقي بعد أن اعتنق الكثيرون منهم الإسلام وانتهت بذلك أدوار تحويلهم إلى الجنس السلافي والبيزنطي ... " (1) مع ظهور بوادر انحلال الإمبراطورية العثمانية، وفي نهاية القرن التاسع عشر جدد الصرب نهضتهم القومية، ودفع أهل كوسوفا ثمناً كبيراً جراء هجوم الصرب والبلغار عليهم؛ وعلى الرغم من ذلك وجدت المنظمات القومية الصربية والمكدونية ORIM بوصفها منظمات تدعو للنهضة والتحرر القومي مساعدة كبيرة من الألبان ومسلمي البوسنة عندما أخذت السلطة وحلت محل العثمانيين، لأن الألبان، مثلهم مثل بقية القوميات الأخرى عانوا من عسف الطورانية وحملات التتريك وقسوة اليهود الدونما الذين تسللوا إلى مراكز السلطة العثمانية وعملوا على تخريبها من الداخل.
لم يستطع ألبان كوسوفا الالتحاق بالمملكة الألبانية التي تأسست عام 1912، وأجبروا بتأثير القوة الروسية وقهرها على الخضوع للسلطة التي قسمت بلادهم بين الصرب والجبل الأسود؛ وتعرض نضالهم من أجل الوحدة والاستقلال، لعنف شديد سحقهم من دون رحمة لا سيما في عامي 1918- 1919 ، وحكمت القوة اليوغسلافية تلك المنطقة بطغيان جرّد الألبان من خصوصياتهم القومية والثقافية، الأمر الذي جعلهم يشعرون دائماً بوطأة الاستعمار والاستلاب والظلم، ويتطلعون إلى الخلاص، ويعملون على استعادة بعض حقوقهم المستلبة.
ولم تنجح جهودهم في عام 1942 في تشكيل مقاومة قادرة على مواجهة الطغيان بدعم نسبي من إيطاليا، فقد سحق جيش الأنصار بقيادة جوزيف بروز تيتو المقاومة الألبانية، وجعل المنطقة جزءاً من الإدارة الصربية إلى أن حصلت كوسوفا عام 1968 على شيء من الحكم الذاتي، الذي بقي شكلياً ومهدداً ومنقوصاً، على الرغم من صدور دستور عام 1974 الذي حفظ لهم ذلك الحق .
وقد تعرض ألبان كوسوفا إلى حملات اضطهاد غاشمة، وصُفّيت مظاهراتهم بقسوة، وتعرضوا في عامي 1981 و 1986 لإبادة جسدية وسياسية وثقافية من قبل الصرب، وألقي الطلبة من أبنائهم من الطبقات العليا في مدارسهم. التي اعتصموا بها مطالبين بحقوق ثقافية كانت مقرةً نظرياً.
وتدرج الظلم إلى أن كوَّن سلوبودان ميلوسوفيتش في عام 1989 نظاماً إجرامياً دموياً، وضع كوسوفا تحت الحكم المباشر، ملغياً الحكم الذاتي؛ وانصب حقده على المسلمين في يوغسلافيا السابقة ولم ينج منه الكاثوليك الكروات في البوسنة والهرسك الذين يشكلون 29% من سكان الاتحاد السابق مع السلوفينيين.
وحرضت حكومة بلغراد الصرب ووقفت معهم في مذابح البوسنة والهرسك؛ وبعد أن أنجزت أبشع برامج إبادة الجنس في أوربا خلال النصف الثاني من هذا القرن، في البوسنة والهرسك، على أرضيةٍ عرقية- ودينية مذهبية مقيتة، في ظل سكوت أوربي مشبوه وعجز إسلامي مفضوح؛ بدأت حملة تصفية عرقية جديدة ضد ألبان كوسوفا.
وتحت وطأة التهديد بالإبادة، والممارسة البطيئة والمستمرة لها كون الألبان مقاومتهم للدفاع عن أنفسهم وحقوقهم، وأخذ جيش تحرير كوسوفا
U. C. K) يرد على ممارسات الصرب والشرطة السرية والجيش الذي انتشر في كل مكان من الإقليم وسيطر سيطرة مباشرة على كل شوارع برشتينا العاصمة، وأخذ، بالتعاون مع السكان الصرب، ينظم المذابح والتهجير، ويصادر الحريات ويلاحق المقاومة التي انتشرت، أو تمركزت، في القسم الغربي من الإقليم، المحاذي لألبانيا: الدولة التي تربط سكان كوسوفا مع أهلها روابط الدم والدين والوحدة الجغرافية والتاريخية.
كوسوفا، والألبان المسلمون فيها، يتعرضون الآن للإبادة؛ وبعد شهور عامرة بالخوف والقلق والموت، قضاها الأوربيون بالوساطة، وقضاها موفد الأميركيين ريتشارد هوليبروك بنقل الرسائل بين الأطراف المعنية، وصلت الأمور مع ميلوسوفيتش إلى طريق مسدود، لاسيما بعد رفضه التوقيع على الاتفاق الذي أنضج في"رامبوييه" /فرنسا/. ووقعه جيش تحرير كوسوفا وأقره سياسيوها بزعامة إبراهيم روغوفا. بعد تلك الشهور القاسية قرر حلف الأطلسي اتخاذ خطوات عملية لوضع حد لسياسة ميلوسوفيتش، وهو يعلن استعداده التام، أو إنهاء استعداداته، لتوجيه ضربات عسكرية جوية لبلغراد حتى تضعف وتكف عن إبادة الألبان وتوافق على اتفاق رامبوييه.
ولكن هذا الذي يخوض مخاضه حلف الناتو أو الـ OTAN يتأخر عن الفعل ويتكلم كثيراً، ويقدم الفرص الزمنية الكافية ليقوم الصرب بإنهاء التصفية المستمرة لمسلمي كوسوفا تلك في عملية مستمرة من دون رحمة ليلاً ونهاراً، لا سيما منذ رفضت بلغراد التوقيع على اتفاق رامبوييه.
الدبابات الصربية تزحف على المدن والقرى، والألبان يقتلون أو يهاجرون بعشرات الآلاف/ بلغ عدد المهجرين الألبان قبل أن يبدأ الناتو قصفه لبلغراد 525 ألف نسمة/ والغرب يجري حساباته، وموسكو تدعم ميلوسوفيتش، والدم يسيل بلا توقف، والعالم الآخر يتفرج.
ومنذ الثلاثاء 23/3/1999 حزم كلنتون أمره وأعلن بخطاب موجه للشعب بعد اجتماعه برجال الكونغرس وتصويت مجلس الشيوخ بالموافقة على توجيه ضربة لبلغراد59 مع / 41 ضد) وفي اليوم ذاته عادت طائرة رئيس الوزراء الروسي بريما كوف من سماء الأطلسي إلى روسيا، ليستعد لكل الاحتمالات، منذراً بالتدخل المباشر إلى جانب الصرب إذا ما تم اتخاذ عمل عسكري من قبل حلف الأطلسي ضدهم؛ وقد تم اتخاذ العمل العسكري واستمرت موسكو ببذل جهود أخرى. وهي لم تكف أصلاً عن تقديم الدعم العسكري لميلوسوفيتش طوال المدة الماضية، ولم تكف أيضاً عن الإعلان بأنها سوف تواصل دعمها الشامل له، على الرغم من أنها تظاهرت بالمفاجأة حين احتجزت طائرة روسية في أذربيجان 21- 22/ آذار 1999 تحمل طائرات حربية روسية متطوِّرة لبلغراد.
نحن حيال وضع متصاعد الخطورة، وأمام حسابات ومصالح سياسية يدفع ثمنها الألبان، وأمام كارثة إنسانية بدأت ويمكن لها أن تكبر وتكبر إلى الحد المنذر بما هو أخطر وأشد قسوة من كل ما جرى؛ وعلينا أن نتذكر أن شرارة حرب عالمية قد انطلقت من البلقان.
- حلف الناتو/19/ دولة بقيادة الولايات المتحدة، يريد أن يثبت وجوده، ويحافظ على مصداقيته، وينفذ التزاماته للألبان الذين وقعوا من طرف واحد على اتفاق رامبوييه، آخذين الوعود الأوربية والأميركية بالاعتبار. وللحلف أيضاً مآرب أخرى يحققها انطلاقاً من البلقان، وهو يمارس سياسة أميركية عملياً تؤكد للجميع ، وعلى رأسهم الأوربيين، أنها قادرة على العمل، وأنهم يحتاجون إليها في أمنهم وفي مستقبل أوربا: ديموقراطية موحدة الذي يتطلعون إليه.
- ميلوسوفيتش والفريق الصربي- العنصري الذي يمارس تصفية عرقية متوحشة يتابعون تنفيذ برنامج الإبادة، ويزحفون بدباباتهم وعساكرهم على كل قرية ومساحة من الإقليم، ويعملون على تقديم صورة مغايرة للواقع المر الذي يستهدف الألبان الذين هم الضحايا بالدرجة الأولى. وروسيا تقف وراء هذا الفعل بدوافع دينية"أرثوذكس" والتزامات تاريخية، ومعطيات استراتيجية، ومصالح موجودة منذ زمن ، وحسابات مستقبلية. فحلف الناتو يقف على حدودهم كما يقولون؟! وكأنه لا يقف على حدودهم بعد انضمام ثلاث دول من حلف وارسو السابق هذا العام للحلف وهي على حدود روسيا الاتحادية؛ وكأن تركيا : العضو الناشط في الناتو منذ بداية الحرب الباردة ، بعيدة عن الحدود الروسية، وكذلك الدول الثلاثة التي انضمت إلى الحلف هذا العام: بولندا وتشيكيا والمجر؟!
- الألبان في كوسوفا يقتلون أو يهاجرون، وهجرتهم ستخلق وضعاً كارثياً لهم وللبلدان التي يلجؤون إليها، وإذا عرفنا أن دولة ألبانيا تعيش منذ سنوات ظروفاً مأساوية أدركنا ألا سند لأولئك الهلعين ولا سند لمن يؤويهم، وأن الموت الكارثي ينتظر الجميع، ويزحف من دون رحمة أو توقف.
- العرب والمسلمون خارج تاريخ هذه الأحداث، إن لم نقل خارج تاريخ العصر. وهم مكبلون الآن أكثر من أي وقت مضى. لم يرتفع لهم صوت لا باحتجاج ولا بمساعدة. بعضهم يوالي الغرب ويطلب رضاه ويعتمد عليه، ويرضى بما يقوم به ، ولا يقوم إلا بما يرضيه. وبعضهم الآخر ينتظر من موسكو ما طال انتظاره له: السلاح والمساعدة التقنية والسياسية والدبلوماسية في ظل سيطرة الولايات المتحدة على قرار العالم، واندفاع الصهيونية في مشروعها الاستيطاني- الاستعماري- العنصري إلى مداه في فلسطين. والغرب أعطى فرصاً لا نهاية لها لإنجاز الإبادة، وهو سيتحرك أخيراً تحركاً شكلياً لتبرئة الذمة، واستعادة بعض هيبة الأطلسي أو للحفاظ عليها، ولتحقيق مصالح خاصة وقودها المسلمون.
ومن ساحة عربية إلى ساحة إسلامية نجد موسكو تستفيد من حاجة الناس إليها وتشتد في مناصرة الصرب الذين يصفّون المسلمين في كوسوفا بعد البوسنة والهرسك.
إنها القضية التي تدمي القلب والروح معاً، قضية أن يدفع العرب والمسلمون باستمرار ثمناً غالياً لكونهم عرباً ومسلمين، ولكونهم يريدون حياة فيها معنى للوجود والكرامة في ظل الإيمان والوعي والنهضة العلمية والعملية.
وهم حيال الأوضاع في العقدين الماضيين على الأقل يتعرضون لأشكال من الاستعمار والقهر والإبادة والإلحاق. ولا تكاد تنطفئ نار في مساحة أو طرف من بلدانهم حتى تشتعل ساحة أو طرف بنار أشد. ومن كشمير إلى الصومال إلى السودان إلى الجزائر إلى مصر وفلسطين وجنوب لبنان والجولان السوري المحتل إلى غروزني وأفغانستان إلى العراق المنهك بالحرب والقهر، إلى البوسنة والهرسك وكوسوفا الآن، إلى بقية الساحات التي يوجد فيها أناس منهم تحت نير المعاناة وظلم الاتهام وملاحقة العنصريين والمتعصبين والاستعماريين والصهاينة.... هم في أرجاء وطنهم في شدة، يقدمون الأضاحي البشرية ويذرفون الدموع ويرفعون الصوت بالشكوى والصلاة!؟
ألا إن هذا سلاح لا يدرأ السلاح، وقوة لا تغني عن القوة.
ألا وإن السكاكين على الأعناق، والإبادة تهدد الجسد والروح والثقافة والعقيدة، ولا يكفي أن نتفرج ونتضرع.
ألا إننا بحاجة إلى وقفة شجاعة مع الذات والحقيقة والواقع، وإلى أن نرفع صوتنا بأداء العقل والضمير والجسد على أرضية العلم والإيمان ووحده الموقف والكلمة والصف.
فهل نصل إلى شيء من ذلك ونحن نرافق الملبين على عرفات؟!
إن الغرب غرب والشرق شرق!!
والموت يُشْرَع ضدنا بكل الوسائل، تحت ذرائع شتى، والواقف من الغربيين إلى جانبنا كالواقف معهم ضدنا، الآن يتبادلون الأدوار والمصالح والمنافع، ونحن ندفع الثمن دائماً، ونلتمس للصرب الأعذار نظراً لما كوانا به الغرب من نار !؟. أفما آن أن نقرأ التاريخ جيداً لنستوعب الواقع جيداً، ونستعد انطلاقاً من ذلك لمواجهة استحقاقات المستقبل؟!.
إنني أؤكد أهمية أن نفعل ذلك، وأن نفعله بسرعة ومسؤولية وإيمان وانتماء ووعي، قبل فوات الأوان.
ـ 2 ـ
الناتو وميلوسوفيتش:
أعلن سلوبودان ميلوسوفيتش منذ أكثر من أسبوع وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد مع جيش تحرير كوسوفا، "بمناسبة عيد الفصح" ، واستعداداً لتسليم الجنود الأميركيين الثلاثة الأسرى، في "مبادرة" منه لإظهار حسن النية تجاه حلف الأطلسي؛ وفي الوقت ذاته أغلق حدود كوسوفا مع البلدان والأقاليم المجاورة ومنع الألبان المتدفقين هرباً منها من المغادرة، بل عمل على إعادة بعضهم إلى داخل يوغسلافيا، كما جاء في الأخبار، وضيَّق الخناق عليهم قتلاً وتدمير إرادة وممتلكات.
فما الذي أدى إلى مثل هذا التغيّر في التوجه بعد أن تم تشريد أكثر من مليون ألباني كوسوفاري وأحرقت بيوت وقرى، وذُبح أبناء أمام آبائهم وآباء أمام أبنائهم وأساتذة أمام تلاميذهم، ومفكرون ومثقفون وسياسيون من ذلك الشعب الحزين، بأيدي أعتى عنصريي أوربا وأشدهم وحشية؟!
هل هي ضربات حلف شمال الأطلسي يا ترى وما تنذر به من تصعيد لحدة المواجهة وتوسيع لدائرة القصف والدمار، ومن تغيرات جيوـ سياسية محتملة في منطقة البلقان إذا ما استمر تدهور الأوضاع فيها، وتم التدخل البري ؟! أم هو انكشاف عجز روسيا الاتحادية الذي يجسد وضعَها وضعٌ يلتمَس في اعتلال يلتسن، وتخلخل تحالف دولها والدول الداخلة في تحالف معها حيال الأوضاع الجديدة، ورغبة دول مثل أوزبكستان في الخروج من الاتحاد وميل دول أخرى إلى التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية مثل أذربيجان؟!
الظاهر أن ميلوسوفيتش يستمر في لعبة التذاكي واستثمار المرونة السياسية عندما يصل إلى تحقيق غاية من غاياته ويظهر له عزم الجهة التي يواجهها على الاستمرار في المواجهة؛ هكذا كان شأنه وشأن قومه الصرب في أثناء مأساة البوسنة والهرسك التي كان هو طرفاً فيها ومن المحرضين عليها والوالغين في دماء ضحاياها والعاملين على استمرارها، على الرغم من تظاهره بالميل إلى السلام منذ انتخابه عام 1992 إلى أن تم توقيع اتفاق دايتون Dyaton 1995 حيث أظهر جنوحاً مؤقتاً للوفاق، بعد أن أخذ الصرب ثلثي أرض البوسنيين وأدخلوهم في إطار "دولة" ذات ثلاث قوميات /صرب- كروات- بوشناق/ ونظموا ضدهم حملات التطهير العرقي البشعة والمذابح الفظيعة، ومثلوا بقتلاهم تمثيلاً.
وها هو اليوم يعود إلى الأداء ذاته، فبعد أن أخلى كوسوفا من معظم سكانها الأصليين وقضى على جيش تحريرها الذي شكل حديثاً، منذ سنتين، تحت وطأة الخوف من بطش الصرب على غرار ما جرى في البوسنة، وبعد أن دمر القرى وأحرق المنازل وقام بحملة جديدة من التطهير العرقي طالت المثقفين والقادة الألبان في كوسوفا أولاً، وكل ما تبقى للسكان من قوى مادية ومعنوية ثانياً ولم يبق لألبان كوسوفا سوى أرض محروقة وآمال معطوبة؛ أخذ يعمل على احتجازهم كدروع بشرية، وإعادتهم ليكونوا رهائن بيده يساوم حلف الناتو على أرواحهم. وعندما وجد أن الإدارة الأميركية في ورطة بعد أسر ثلاثة من جنودها، لوَّح بإطلاق سراحهم لجعل الشعب الأميركي يضغط باتجاه وقف حملة القصف على بلغراد، لا سيما بعد أن أدرك جيداً أن روسيا لن تقدم له من الدعم والمساندة ما يمكّنه من مواجهة حملة حلف الأطلسي ذات الأطوار المتعددة، أو التخفيف من حدتها.
فهل ينجح ميلوسوفيتش في الخروج من الوضع الذي هو فيه بعد أن حقق أهدافه الأساس وهي القضاء على جيش تحرير كوسوفا وإرادة ألبانها وإخراجهم من ديارهم وتشريدهم في العالم، وتعريضهم لحملة إذابة يساهم فيها حلف الأطلسي نفسه؟!؟
إن الإجابة لا تتوقف عند حدود ما يريده ميلوسوفيتش وما يختاره في اللحظة التي تناسبه، ولا تتوقف أيضاً عند معرفة ما يريده مناصروه ومؤيدوه في أنحاء من العالم، وإنما تقتضي ملامسة ما يريده الخصوم، وما يتطلبه الوضع على أرض الواقع، وفي مواقع الأزمة ذاتها، وما ترتبه استراتيجية دولية لحلف أصبح مطلق العنان واليد في العالم.
لقد نجح ميلوسوفيتش- حتى لو خسر الكثير في الحرب- في تحقيق حلم: صربي سلافي عرقي وديني أرثوذكسي) قديم ومستمر وهو تصفية ألبان كوسوفا على أرضية دينية- عرقية) والاستيلاء على أرضهم بعد حرمانهم من الحكم الذاتي، الذي كانوا يتمتعون به ويرضون به أيضاً والذي أقره دستور يوغوسلافيا عام 1974 ، وحرمانهم أيضاً من حلمهم القومي في الاستقلال وتقرير المصير أو في العودة إلى دولة ألبانيا /بلاد النسور/ التي سُلخ إقليم كوسوفا عنها قسراً عام 1913 وأُلحق بصربيا ثم دخل في تكوين يوغسلافيا الاتحادية عام 1945، وهذا ما يطيب لروسيا أن تباركه متغاضية عن الدماء التي سفكها الصرب وعن المآسي التي سببوها للمسلمين في البلقان، سواء أكان ذلك في مأساة البوسنة والهرسك التي ناصر فيها الروس الصرب على بشاعة أحداثها وفصولها، أو في مأساة كوسوفا الرهيبة اليوم. ولكن روسيا لم تعد تملك قدرة على التأثير في سير الأحداث في عالم اليوم، إنها تستطيع أن تقدم السلاح والمتطوعين في أحسن الأحوال، وأن تقدم إعلانات ومناصرات سياسية وإعلامية، وأن تقدم مشاريع قرارات لمجلس الأمن لا تضمن عدم سقوطها، ولكنها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتدخل عسكرياً لتغيّر من سير المعارك إذا ما نشبت على الأرض، لأنها معتلَّة من الداخل بألف داء، ولا تستطيع أن تلوح بالسلاح النووي لأنها لا تملك أن تستخدمه، فهو سلاح إبادة شاملة، ولا تملك نجاة منه إذا ما استخدمته فلدى غيرها الكثير، أو أكثر، مما تملك منه؛ وهي فوق ذلك مرتبطة بمعاهدة مع حلف الأطلسي وقِّعت قبل سنتين، ذكَّر بها روبن كوك يلتسين وطالبه بالالتزام بها. ولا تستطيع روسيا الاتحادية أن تحافظ على تماسكها الحالي، فضلاً عن أن تعود بفعالية تامة إلى مناطق كانت فيها ومنها الشرق الأوسط، وأن تقيم تحالفات جديدة، مثلما لُوّح ويلوح بتحالف بين روسيا وروسيا البيضاء ويوغسلافيا، وبتحالف: روسي- صيني- هندي يقف بوجه التحالف الغربي، فتلك، والأخيرة منها، على أهميتها، وربما ضرورتها، لتحقيق توازن ما في عالم اليوم، ما زالت أضغاث أحلام وربما بعض أوهام القرن العشرين الذي يلفظ أنفاسه. على أنه لا ينبغي الاستهانة كلياً بما يمكن أن تقوم به روسيا في ظل رغبة واسعة لدى شعوب ودول في وضع حد للغطرسة الأميركية المهلكة.
ميلوسوفيتش وما يمثله إذن في الإطار القومي -السلافي لن ينجح في تحقيق توازن، بَلْهَ نصر على حلف الأطلسي، فهل يتحقق له شيء من أمل في نشوء خلافات داخل الأطلسي تضعفه أو تضع حداً لحملته الحالية على صربيا؟!
إن الإجابة تحتاج إلى تدقيق في معطيات كثيرة، ليس هنا مجال التوسع فيها، ولكن ملامسة سريعة لبعض نتوءات السطح الأطلسي ممكنة، وتمكِّن من بعض الاستنتاج المحفوف بمخاطر اللعب السياسي على كل ما يمكن أن يقرره الرأي أو يقول به.
حلف الناتو، الذي أسس في 4 نيسان 1949 بموجب معاهدة واشنطن من قبل اثنتي عشرة دولة في ذلك الوقت هي: الولايات المتحدة الأميركية -كندا- بريطانيا -فرنسا- بلجيكا- أيسلندا- الدانمارك- النرويج- اللكسمبورغ- إيطاليا- هولندا- والبرتغال واتخذ من لندن مقراً له وانضمت إليه: تركيا واليونان في شباط 1952، وألمانيا الفيدرالية في أيار 1955 وإسبانيا في أيار 1982، والمجر وبولندا وتشيكيا في 12/ آذار 1999 وبذلك بلغ عدد أعضائه تسعة عشر عضواً وانتقل مقره من لندن إلى باريس ثم إلى بلجيكا منذ 1966.
وقد انتقلت اهتمامات الحلف من مواجهة حلف وارسو وما كان يشكله من خطر على الغرب والرأسمالية إلى تحقيق مصالح وأهداف أخرى، لا سيما بعد تفكك حلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفييتي.
وقد أشارت مادلين أولبرايت إلى ما يمكن النظر إليه بوصفه أهدافاً استراتيجية جديدة وخطيرة في الوقت ذاته للحلف، حين قالت في الثاني عشر من آذار 1999 "يتعين على الحلف من الآن فصاعداً الرد على أي نوع من التهديدات التي تستهدف المصالح والقيم التي تؤمن بها الدول الأعضاء"(2) . وإذا دققنا في هذا الكلام وجدنا أن "المصالح والقيم" قد تصبح ذرائع للتدخل، وقد تترك أبواب العالم كله مفتوحة أمام مصالح متنامية ومتطورة، لا سيما في ظل العولمة الزاحفة على العالم، وأمام المفهوم الأميركي للقيم؛ ذلك المفهوم الذي قد يرى في قيم الآخرين/ قوميات أو عقائد/ تهديداً لما يؤمن به من قيم لمجرد مغايَرَتها لما يؤمن به، والمغايَرَة هنا قد تؤسس لتنافس أو تصادم ما، ومعنى هذا لجوء الحلف إلى أسلحته المتنوعة /اقتصادية وسياسية وعسكرية/ للرد على التهديد الذي قد تشكله المغايَرَة !! وبذلك يكون الغزو لمصالح الآخرين وقيمهم هدفاً مكرساً في ظل ذرائع تهديد قيم مغايرة أو مصالح مناقضة لقيم التحالف ومصالحه. فهل أطراف حلف شمال الأطلسي متفقة تماماً حول موضوعي: المصالح والقيم حتى يتم ضمان تماسك الحلف في هذا الصراع أو في سواه مما قد يخوضه الحلف من صراع مستقبلاً؟!
في الأفق تنافس بين أوربا والولايات المتحدة حول مصالح، ولكن أوربا المتحدة، تبدو أعجز من أن تحمي مصالح تنازعها عليها الولايات المتحدة الأميركية؛ وهي قد تتململ ولكنها لا تستطيع الآن اتخاذ قرارات خطيرة من هذا النوع.
والولايات المتحدة التي تجد بريطانيا الأوربية دائماً في حضنها، أثبتت، وتريد أن تثبت لأوربا، أنها أعجز من أن تحمي أمنها وحدها داخل القارة من دون عون أميركي، فضلاً عن حماية مصالحها في العالم كله من دون هذا العون. وقد كان اتفاق دايتون الذي تم بعد تدخل الولايات المتحدة الأميركية في أحداث البوسنة عام 1995 أحد أهم المؤشرات على ذلك.
فهل تريد الولايات المتحدة أن تثّبت هذه الحقيقة يا ترى مجرد تثبيت في الذهن الأوربي، أم أنها تريد أن تكون لاعباً أصلياً في أوربا وحيالها لكي تمنع الاتحاد الأوربي من تكوين قوة قادرة على حماية مصالحه حيال المنافسة الأميركية؟! وفي الأفق أيضاً تباين بين قيم يأخذ بها الأميركي: من قيم السوق إلى قيم الدين والوسط الثقافي والاجتماعي الحديث التكوين وربما البالغ الهُجْنَة؛ وقيم أخرى يأخذ بها الأوربي الغربي بشكل عام. ولا يمكن القول بتطابق في القيم والمصالح بين أطراف التحالف الذي يضم دولاً متنازعة أحياناً /تركيا واليونان/ وقوميات متنافرة /فرنسا -بريطانيا- ألمانيا/ وديانات ومذاهب مختلفة: الإسلام العلماني التركي- الكاثوليك- البروتستانت والأرثوذكس؛ وكذلك ثقافات وفلسفات متفاوتة النظرات والمفاهيم. والسؤال هو: هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية ضمان بقاء كل هذا الخليط المتنوع في قالب وإطار مضبوطين؟!
وهل الديمقراطية "المشتركة" وحقوق الإنسان والحريات العامة.. هي مفاهيم متطابقة لدى الأطراف كلها، ومرعية التطبيق من جهة وتبدي كل دولة استعداداً لخوض حرب من أجلها في مجتمعات ودول أخرى من جهة أخرى؟!
وبصورة أكثر حصراً ومباشرة: هل يخوض الحلف اليوم صراعاً متماسكاً من أجل حماية المسلمين والإنسانية المنتهَكة من قبل الصرب العنصريين المتوحشين في أدائهم البشع لجرائم ضد الإنسانية، أم أن وراء ذلك أهدافاً أخرى ومصالح؛ وهل هي " خدمات أميركية مدفوعة القيمة " أم أنها لوجه الإنسانية؟!
وهل الغرب بمذاهبه وقومياته مستعد لخوض حرب من أجل المسلمين والإنسانية، أم أنه يعادي المسلمين عملياً ويتاجر بالإنسانية، ولم تبتعد عنا بعد عهود الاستعمار المقيت ولا صور الحروب الصليبية المستمرة بأشكال مختلفة وفي أطر مشاريع متعددة منها المشروع الصهيوني العنصري المستمر؟!
قبل الدخول إلى تلمس الإجابة نشير أولاً إلى النقاط الآتية:
-لا يمكن الدفاع- أي شكل من أشكال الدفاع- عن الصرب وميلوسوفيتش، ولا عن الوحشية المنقطعة النظير التي مورست من قبل تلك الفئة ضد مسلمي البلقان، لا سيما البوشناق والألبان.
-لا يمكن التعميم بالقول: إن الأرثوذكسية تعادي الإسلام وتشن حرباً ضده، بتعميم أنموذج ميلوسوفيتش وأضرابه.
-لا يمكن، بأي حال من الأحوال، النظر إلى الإمبريالية الأميركية على أنها راعية للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحامية للمسلمين، فما شهدناه ونشهده طوال عقود في فلسطين المحتلة من خلال التواطؤ الأميركي مع الإرهاب الصهيوني دليل، وما نشهده من عدوان مستمر على العراق دليل، وما شهدناه في الصومال وأماكن أخرى من العالم دليل.
ـ لا يمكن التغاضي عن المناصرة والتغذية والدعم الذي قدمه المعسكر الشرقي الأوربي ـ الاتحاد السوفييتي ومجموعة دول حلف وارسوـ عندما كان قادراً وقائداً من دعم للصهيونية وتعزيز لمشروعها بالمهاجرين والسلاح.
إن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية يستشعر القوة المتعاظمة لديه، ويريد أن يستثمر قوته ويبسط هيمنته ويعززها، وأن يمنع الآخرين من امتلاك قوة وقدرة تمكنانهم من الاستقلال وحماية الذات والقيم والمصالح الخاصة بهم، أو من أو التحرك المضاد.
وهو يريد أن تكون كلمته نافذة المفعول في كل موقع، وأن يعمل في كل وقت تحت أقنعة باسِمَة ذات ملامح خيِّرة، وأن يجد الذرائع التي تمكِّنه من تحقيق أهدافه تحت شعارات براقة ومعطيات تريح جماهيره "وضميره" بحب المادة.
وقد قدَّم ميلوسوفيتش فرصة نادرة للولايات المتحدة الأميركية على الخصوص لتخوض حرباً ذات أغراض متعددة بعضها ما زال خافياً، تحت شعار نظيف وقضية عادلة ومشروعة، ولتعمل بذلك على تصحيح صورة قبيحة لها في أوساط عالمية، عربية، إسلامية على الخصوص.
فجرائمه، وجرائم فريقه من المتعصبين الصرب ضد ألبان كوسوفا جعلت كل منصف في العالم يرى الجانب الإيجابي من حرب مكلفة تُشن لوضع حد لجريمة فظيعة تنطوي على إبادة شعب، واحتلال بلد وطرد سكانه الأصليين لا لسبب إلا لأنهم من قومية أخرى ومن أتباع دين آخر غير دين ميلوسوفيتش والصرب المتحجري القلوب.
وحلف الأطلسي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، يستغل هذا الموضوع إلى أبعد الحدود، وقد ساعد على توفيقه ونجاحه في ذلك الاستغلال موقفُ روسيا المناصر لممارسات الصرب العنصرية على أرضية عرقية -مذهبية، وموقفُ تنظيمات وأحزاب وأيديولوجيات كشفت عن أنها أشد عمهاً وعمى في تعصبها من الصرب أو هي وهم من طينة واحدة؛ حيث لا يرون في الآخر الذي لا ينتمي إلى مذهبهم أو حزبهم أو نظريتهم وأيديولوجيتهم إلا عدواً ينبغي أن تسحق إرادتُه وتشوَّه صورتُه ويُباد وجوده!؟؟.
وقد لمسنا، للأسف في أوساط عربية وإسلامية، مواقف لتنظيمات وأحزاب وسياسات، من قضية ألبان كوسوفا، يرشح منها التعصب والمقت والانغلاق، لا ترى إنسانية الآخر وحقه ولا تحترم مشاعره، وتتشدَّق، على الرغم من ذلك، بالإنسانية والحق والديمقراطية والحرية وتقرير المصير، وهي تناصر وحشاً صربياً يبيد الآخرين بفظاعة عنصرية لمجرد أنهم مسلمون وألبان؛ ويناصره فريق من المتحزبين الأيديولوجيين المتعصبين حتى لو قتل العالم ؛ فما يفعله المنتمي إليهم مبرر ومباح في عرفهم "الإنساني "!؟!
ويبدو تماسك حلف الناتو حتى الآن جلياً، على الرغم من هوامش رؤية لم تصل بعد إلى هوامش الاختلاف التي رافقت العدوان الأميركي الأخير على العراق. كما يبدو أن الحلف لن يتوقف قبل تحقيق ما يعلنه، على الرغم من "مبادرات ميلوسوفيتش" الذئبية التي تأتي بعد تنفيذ جرائمه لترتدي جلود الحملان التي أكلها. ويلخص توني بلير هذا التوجه بقوله: "لا يمكن مكافأة ميلوسوفيتش على برنامجه الوحشي الشرس في التطهير العرقي"، ويؤكده رد الرئيس كلنتون الذي أعلن في 9 نيسان 1999 " يأمل السيد ميلوسوفيتش أن نقبل بصفة دائمة بنتائج تطهيره العرقي ، لن يحدث هذا .. " ورفض كلنتون مبادرة ميلوسوفيتش لوقف إطلاق النار والقصف إلا إذا جاءت مقرونة بقبول شروط رئيسة وردت في قوله: "على الرئيس ميلوسوفيتش أن يسحب شرطته العسكرية وقوته شبه العسكرية من كوسوفو ، إنها مسؤولة عن العنف؛ وعليه أن يأذن بنشر قوة أمن دولية إذ شهدنا في الماضي أن هذا هو السبيل الوحيد لضمان قيامه بالوفاء بتعهداته ؛ وعليه أن يأذن بعودة اللاجئين بلا شروط لأنه لا يمكن التسامح مع طردهم من ديارهم وأراضيهم . علينا أن نتخذ هذه الخطوات الأساسية بينما نتجه نحو تحقيق حكم ذاتي وكفالة أمن شعب كوسوفو." ـ وافق ميلوسوفيتش على عودتهم بعدما لم يبق لهم ديار ولا شباب ولا أمل، ومن أجل أن يستخدمهم دروعاً بشرية ويساوم على أرواحهم ـ وكلنتون يطالب عملياً بتطبيق اتفاق رامبوييه الذي رفضه ميلوسوفيتش، والذي ترفضه أيضاً المبادرات الروسية المقدمة لإيجاد حل سياسي ـ دبلوماسي ؛ حيث صرح إيغورإيفانوف وزير خارجية روسيا: "أن اتفاق رامبوييه تجاوزه الزمن".
لم يعلن أحد من أطراف الحلف موقفاً معارضاً لما أعلنه توني بلير وبيل كلنتون ، وقد أقر الاجتماع الأخير الذي عقده ممثلو الحلف في بروكسل هذا التوجه، وواصلت قواته القصف ، مؤكدة صلابة موقفها وتماسك ذلك الموقف أيضاً، وقررت إرسال المزيد من القوات إلى ساحة القتال؛ كما توجهت نحو دراسة إمكانية التدخل العسكري البري.
ولم يختلف كثيراً ما أعلنه كوفي عنان في التاسع من نيسان 1999 من جنيف،عما قاله كلنتون ومسؤولو حلف الناتو إلا في أمرين أراهما هامين، الأول: عدم الإشارة إلى شرط وجود قوات دولية في كوسوفا، وهو موضوع الخلاف في رامبوييه، والثاني: عدم الإشارة إلى الحكم الذاتي؛ فقد أكد عنان على ضرورة أن يلتزم ميلوسوفيتش حرفياً بشروط ثلاثة هي:
1 ـ الإنهاء الفوري لحملة التخويف وطرد المدنيين الألبان.
2 ـ وقف جميع العمليات العسكرية وشبه العسكرية، وسحب القوات من كوسوفا.
3 ـ القبول ، من دون قيد أو شرط، بعودة اللاجئين إلى بيوتهم.
وفي تقديري أن مجاوزة عنان لشرط وجود قوات أطلسية أو دولية في كوسوفا وعدم إشارة إلى الحكم الذاتي؛ يهدف إلى مراعاة الموقف الروسي، الذي يقول: إن اتفاق رامبوييه تجاوزته الأحداث ولا بد من مفاوضات للتوصل لاتفاق جديد. وهو يهمل قضية حيوية جداً من دون مسوِّغ هي قضية الحكم الذاتي. والسؤال: من الذي سيضمن سلامة ألبان كوسوفا عند عودتهم إلى المنطقة، وما هو الموقف من حقهم في الحكم الذاتي الذي كان السبب الرئيس وراء المشكلة برمتها!؟ قد تكون مقبولة مرابطة قوات دولية بإشراف الأمم المتحدة لحماية السكان، وهذا أفضل من انتشار قوات أطلسية، إلا إذا تكررت الفضائح التي جرت في الصومال ورواندا بين القوات الدولية، أمَّا الحكم الذاتي فيبدو بعد كل الذي جرى مطلباً لا يرضى الألبان ولا الناتو بأقل منه.
ويتأكد منحى الخلاف بين الناتو وروسيا في النتائج التي وصلت إليها محادثات مادلين أولبرايت ونظيرها الروسي إيغور إيفانوف في النرويج 14 نيسان حيث لم يتوصلا إلى اتفاق .
القضية مستمرة، والكارثة تتفاقم، والاحتمالات مفتوحة في اتجاهات متعددة، والعرب غائبون أو مغيَّبون، والمسلمون كذلك.
ولكن ماذا عن الألبان إنسانياً وقومياً!؟
أصبحت ألبانيا دولة مستقلة عام 1912 بعد مواجهات ضد الدولة العثمانية في فترة التمزق والتآكل قادها إسماعيل كمال، وبعد أن أُقتطعَت منها كوسوفا وميتوهيا عام 1913 بقرار من لجنة من الدول العظمى وتحت تأثير روسيا القيصرية أصبح 40% من سكانها الألبان تحت السيادة الصربية. ودخلت كوسوفا وميتوهيا في تشكيل دولة يوغسلافيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية.
في ظل الاستقلال والاقتطاع أصبحت ألبانيا دولة مساحتها 28748 كم2 بطول 345 كم وعرض 145 كم وأكثرية سكانها من الألبان وفيها أقليات يونانية وصربية وبلغارية، وبلغ عدد سكانها حسب إحصاء 1995 ثلاثة ملايين وأربعمئة ألف نسمة تقريباً؛ أما الألبان خارج ألبانيا المستقلة فأصبحوا أقليات في صربيا ومونتينغرو ومكدونيا والبوسنة والهرسك واليونان. بعد الحكم الملكي أصبحت ألبانيا دولة شيوعية، والتحقت بالمعسكر الاشتراكي ، بل كانت من أشد دوله تطرفاً، لا سيما في عهد أنور خوجا ؛ وبعد انهيار النظام الشيوعي فيها إبَّان ولاية رامز عليا دخلت ، شأنها في ذلك شأن الدول الشيوعية الأخرى في مخاض التغيير ومشكلاته؛ وكانت أقسى أزماتها قبل سنوات قليلة حين تعرضت لصراعات داخلية فاقمت فقرها واضطر عدد من سكانها للهرب وكانت إيطاليا على سبيل المثال ترد الداخلين منهم إلى أراضيها، وقد تعرض قسم منهم للغرق في عرض البحر.
أحببت أن أشير إلى هذا لأبيِّن أن دولة ألبانيا في أوضاعها التي أشرت إلى شيء ضئيل منها لم تكن مهيأة ولا بأي شكل من الأشكال لتعمل على تشجيع ألبان كوسوفا على أي نوع من التمرد على سلطة ميلوسوفيتش ، بَلْهَ أن تعمل على ضم كوسوفا إليها فيما يسمى من قِبَل الصرب " عملية الانفصال" ؛ وقد تابعت بعض حالات الضغط والقهر التي كان يتعرَّض لها ألبان كوسوفا ليستدرجوا إلى ما يسوِّغ الإبادة على يدي الصرب في ظروف تبدو ملائمة لهم؛ وكان موضوع كوسوفا مرشحاً للانفجار قبل موضوع البوسنة والهرسك ولكن الألبان تحملوا الكثير وصبروا على الأذى والقهر، ولكن ميلوسوفيتش الذي ألغى الحكم الذاتي الممنوح لهم منذ عقود والمثبت في دستور 1974 فرض عليهم الموت والتهجير والإبادة وكل هذا الدمار الذي لحق بهم وبيوغسلافيا كلها جراء التعصب المقيت والنزوع العنصري البغيض والدكتاتورية المقنَّعة والتطهير العرقي الذي يعتمده هذا النوع من الساسة المهيئين عرقياً وأيديولوجياً لممارسة ذلك تحت شعارات ومسوِّغات متعددة ، يكمن جذرها في التعالي المريض والعصموية العقائدية المفلسة روحياً وأخلاقياً وعملياً.
لقد تم تهجير مئات الألوف من ألبان كوسوفا* تحت وطأة الإبادة العرقية المنظمة، وقصف طائرات الناتو، وغياب المؤسسات الدولية الفاعلة، والقوة التي تحمي الإنسان من غدر الإنسان وعدوانه؛ وشاهد العالم صباح مساء، قبل قصف الأطلسي ليوغسلافيا وأثناءه، عمليات ذبح القرويين وحرق القرى والأحياء، وسيول البشر الهائمين على وجوههم في الجبال والغابات والطرقات، الذين يلتحفون الثلج في الشتاء الأوربي القارس ويموتون بين ضفاف دمعهم وقهرهم والبؤس المنداح من تاريخ معاناتهم الطويل.
ـ 3 ـ
حلــف الـنـاتـو:
في إطار احتفاله بالذكرى الخمسين لتأسيسه /4 نيسان 1949/ أكد حلف شمال الأطلسي على أهدافه المعلنة ووسع هوامش تفسيره لبعض الأهداف وتطبيقاتها، لا سيما ما يتصل من ذلك بحماية الأمن والمصالح، وإشاعة الاستقرار والسلام.
وحين يتوقف المرء عند حماية المصالح والأبعاد التي يمتد إليها مفهوم الأمن، لا سيما عند الإشارة إلى دول أو منظمات تمارس الإرهاب أو ترعاه، ودول تسعى إلى امتلاك أسلحة من شأنها أن تهدد أمن دول صديقة أو حليفة أو مصالح لأطراف الحلف في مناطق أو دول..
فإن المرء يتوقف عند احتمالات مخيفة وممارسات مرعبة قد يقوم بها الحلف، بعد أن ينجز مهمته في يوغسلافيا التي انطوت على شيء من المصداقية في الدفاع عن مضطهدين يتعرضون لإبادة عنصرية بشعة بصورة وحشية، وعلى شيء من تأكيد الحضور وتحقيق المصالح في البلقان، المعبر الاستراتيجي الهام جغرافياً وعسكرياً واقتصادياً إلى آسيا، والموقع الذي تتلاقى فيه ثقافات وعقائد وسياسات ومذاهب وتتصارع أو تستمر في صراعها الشديد منذ قرون.
لقد كان لافتاً للنظر تأكيد الحلف على أمرين، إضافة إلى موضوع توسيع دائرة تدخّله لحماية المصالح ومقاومة الإرهاب، والأمران اللذان أكد عليهما هما:
-أمن أوروبا
-وهويتها مع تكرار التأكيد في أكثر من موقع على موضوع الهوية.
وإذا كان موضوع حماية المصالح يتسع ليشمل المدى الجيو-سياسي لبلدان ومناطق وربما قارات تقوم فيها لأطراف الحلف مصالح وهي في توسع مستمر، ومن أبرزها مناطق النفط لا سيما في بحر قزوين، وأسواق آسيا الوسطى وهويتها، والمشروع الصهيوني ذو الأولية الاستراتيجية، فإن موضوع الإرهاب والقضاء على كل من يمارسه أو يرعاه أو يحرّض عليه -حسب المفهوم والتفسير الغربي الصهيوني أو الصهيوني المتحكم في الغرب للإرهاب -سوف يكون ذريعة مفتوحة لتدخل الأطلسي الذي يرى في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي إرهاباً، ويرى في معارضة المشروع الصهيوني في مداه الاستراتيجي القائم على الاستيطان والتهويد والتوسع وفرض الهيمنة بكل أشكالها تهديداً والأمن والاستقرار ومعارضة للسلام، حسب المفهوم الأميركي- الصهيوني للسلام.
وعلى هذا فإن الاحتمالات قائمة لتدخل حلف شمال الأطلسي ضد دول مثل إيران وسورية على أرضية مقاومة رفضها للمشروع الصهيوني، أو سعيها لامتلاك أسلحة، أو على أرضية تهمة رعاية المقاومة التي يراها قائد الحلف الأميركي إرهاباً.
أما موضوع الأمن الأوربي، والهوية الأوربية فيقودنا إلى تدقيق في بعض الأمور التي تطفو على السطح من آن لآخر، وتستدعي التدخل من حلف شمال الأطلسي، ومن ذلك على سبيل المثال.
-حماية الديمقراطية بإزالة الديكتاتوريات من أوربا. وقد ذُكر هذا في تصريحات أعضاء الحلف في أثناء التدخل العسكري المستمر من أجل ألبان كوسوفا ضد ممارسات الصرب.
وإذا كانت عنصرية ميلوسوفيتش المتوحشة قد قدمت فرصة ذهبية للأطلسي لضرب معاقل أيديولوجية وممارسات طغيانيَّة حقيقية تحت مظلة إنسانية مقبولة: فإن حلف شمال الأطلسي، الذي تأسس أصلاً لمقاومة المد الشيوعي في أوربا والخطر السوفييتي الذي كان يزحف عليها، سوف يستمر في العمل تحت ذرائع شتى لتصفية البؤر المعارضة لنظامه الرأسمالي العام ولأيديولوجيته ومصالحه وحتى لمذهبيته الطاغية في بعض الحالات.
والأمن الأوربي في هذه الحالة سيأخذ منحيين:
-منحى التخلص من الأنظمة والأحزاب والسياسات المتصلة ببقايا الحرب الباردة أو بؤرها وأسبابها.
-منحى فرض مناخ الحوض الأوربي الواحد على أوربا كلها، بما في ذلك روسيا الاتحادية إن أمكن، تلك التي ما زالت تقلق بعض دول أوربا أو تشكل بعض عوامل عدم الاطمئنان في المستقبل.
ويتداخل موضوع الأمن مع موضوع الهوية عندما يتصل الأمر بالإسلام وبأقليات سكانية أو بدويلات ومناطق حكم ذاتي ذات أكثرية إسلامية في أوربا، "فأوربا آمنة" أخذ يعني، فيما يعني، بعد مدِّ العداء للإسلام فيها بتحريض من الصهيونية، خلو القارة من دول إسلامية مستقلة ومن وجود فاعل أو ناهض، وقد ظهر هذا التوجه من خلال:
-تخريب هوية ألبانيا الثقافية وإضعافها والقضاء على كل أمل لها في استعادة هوية أو قوة أو مكانة في محيطها أو جعلها مؤثرة، في ذلك المحيط على نحو ما وقد وقفت الآن تحت الاحتلال المباشر أو شبه المباشر جرّاء أحداث كوسوفا وما خلفته من مضاعفات.
-تصفية المسلمين في البوسنة والهرسك، واقتطاع ثلثي أراضي تلك الجمهورية، وجعلها الآن "جمهورية" ثلاثية الأطراف من حيث الحكم: صرب -كروات- مسلمون.
ومن ثمة فلا أمل لها في أن تكون جمهورية إسلامية في المحيط الأوربي.
-تصفية المسلمين وإطار الحكم الذاتي الذي كان لهم في كوسوفا. وتشريدهم في بقاع الأرض، وجعلهم يعودون -إن عادوا لإطار الحكم الذاتي -جزءاً ضعيفاً تابعاً للصرب، أو محمية محتلة من قبل قوات حلف شمال الأطلسي. إنه من غير المنطقي القول في أن الحلف تسبب في كل ذلك، ولكنه استغل ذلك استغلالاً متميزاً ليوظفه في إطار أهدافه وخدمة استراتيجياته.
إن من أبرز مقومات الهوية الأوربية، كما أشير إليها في أكثر من مناسبة وتصريح وبيان وتجمع للحوار، هي:
-الدين المسيحي بمذاهبه
-الديمقراطية في الإطار العام مع تفاوت يراعي خصوصيات البلدان
-الثقافة الأوربية
-العلمانية
-التقاليد الأوربية في العمل والتعامل والسلوك ونمط العيش
وقد تم تأكيد التمسك بتلك المعطيات أو المقومات ومراعاتها عند وضع معايير الشراكة والتعامل مع الآخرين.
فلطالما ذكِّرت تركيا -وهي تطلب الدخول في المجموعة الأوربية- بأنها إسلامية وشرقية على الرغم من علمانيتها وتوجهها نحو أوربا واختيارها للحرف اللاتيني في الكتابة واعتمادها ديمقراطية يرضى عنها الغرب. وقد أعطيت -بعد إلحاح- وهي العضو في حلف الناتو بعض التسهيلات الجمركية من خلال دخولها في الاتفاقية الجمركية التي تحكم دول الشراكة الأوربية.
وكان رد قريب من هذا على محاولات دخول السوق الأوربية المشتركة لمن ترامى عليه من دول المغرب العربي، أما موضوع الشراكة الأوربية المتوسطية فهو مشروع آخر يضع دول المتوسط غير الأوربية في هوامش أو مدارات توابع أوربية في إطار مصالح متبادلة من غير أن يؤثر على مقومات الهوية. ويُحْكِم القبضة الاقتصادية ليتحكم بمفهوم الأمن والسلام، جاعلاً من "إسرائيل" جزءاً من هذه الشراكة ومركزاً فيها، حتى لَيَذْهَب المرء في القول إلى أن هذه الدعوة التي انطلقت في إطار المتوسطية من برشلونة، تشكل رديفاً للشرق أوسطية والهم الأول للمشروعين فرض وجود "إسرائيل" والاعتراف بها والتعامل معها وتطبيع العلاقات بينها وبين العرب لتكون قطباً مقابلاً لكل العرب المتوسطين في شراكتهم مع الأوروبيين وقد ظهر دليل بارز على هذا قبل أيام في شتوتغارت من برشلونه 3) حيث اعترض شارون على مشاركة وزير خارجيتنا فاروق الشرع باسم العرب وشرق المتوسط في المؤتمر الصحفي وأصر على أن يحضر طرفاً ثالثاً: أوربا -إسرائيل- والعرب الأمر الذي عطل المؤتمر الصحفي أو أدى إلى إلغائه.
والمرمى البعيد الأهم -وهو في الإطار الأوروبي المتوسطي- سوف يظهر بعد أشهر عند إقرار وثيقة الأمن والسلام في إطار قمة برشلونة 4) حيث تؤكد تلك الاتفاقية على حماية حدود وأمن واستقرار واستقلال كل الدول الأعضاء، وهو ما يجعل العرب جميعاً يوقعون على وثيقة يتعهدون من خلالها بحماية أمن "إسرائيل" بعد الاعتراف بها، وبإلغاء كل حق للشعب العربي الفلسطيني في فلسطين وللأمة العربية في المطالبة بأي جزء من فلسطين المحتلة.
إن موضوع "هوية أوربا" الذي أكد عليه حلف شمال الأطلسي، وهو يتداخل مع موضوع الأمن فيها، يشكل مدخلاً لأنواع من التصفية والتهجير وربما التطهير العرقي، تحت ذرائع مختلفة، على رأسها مقاومة الأصولية الإسلامية، والإرهاب الذي توظَّف عناصر للقيام به في مناطق معينة عند اللازم. وإلحاق ذلك بالمسلمين بل بالإسلام ذاته.
ونحن نتابع من آن لآخر، محاولات تشويه صورة الإسلام، والتهجم على رموزه وكذلك رفع الغرب للأشخاص والإنتاج الذي يمس الإسلام ورموزه في أي موقع ظهروا وبأية وسيلة عبّروا بأدائهم المبرمج والموظف جيداً لتحقيق هدف استراتيجي على المدى البعيد.
على أن توجه الأطلسي لن يتوقف في عمله وتوجهاته وأهدافه عند منطقية معينة، بل سيعمل على خدمة مصالح أعضائه في البلدان والمواقع كلها.
وبتقديري أنه سوف يفعِّل ذرائعه وأداءه على خلفية تلك الذرائع بعد انتهائه من المواجهة في يوغسلافيا أو انطلاقاً منها. بل إن تلك المواجهة تعتبر بداية ولادة جديدة لحلف شمال الأطلسي بعد خمسين سنة ولادة أهداف وتطوير أداء وتوسّع في برامج، وزيادة في تطلعات وطموحات تزداد وضوحاً مع الزمن.
لقد استقر الآن في الذهن، أن الحلف يقوم وسيقوم بما يراه ملائماً، انطلاقاً من رؤيته هو ورؤية الولايات المتحدة الأميركية على الخصوص، المحكومة بأداء صهيوني إلى حد بعيد، لما هو: إنساني وأخلاقي. وديمقراطي وعادل وشرعي، ويتوافق مع المفاهيم الغربية، ويحقق المصالح أو يؤدي إلى تحقيقها. وسوف يبيح "الأخلاقي" تدخلاً بالقوة لحماية: شعوب من حكامها، وحكام من شعوبهم حسب ما يخدم المصلحة الغربية- الصهيونية. والأطلسي الذي يستفيد اليوم بدقة وذكاء من جرائم ميلوسوفيتش ووحشية الصرب العنصريين، ويستغل مأساة ألبان كوسوفا إلى أبعد الحدود، يؤسس اليوم لنقلة نوعية في أدائه وأهدافه، ليصبح ركيزة نظام دولي جديد ينسف المرجعية الدولية الهشة والمريضة المتمثلة في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، بعد أن بقيت متعثرة وباهتة وعاجزة على مدى السنوات الماضية ومسيطراً عليها من قبل الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيات.
ولا أظن أن الأطلسي سوف يلغي المنظمة ومؤسساتها السياسية بل سيجعلها دميته المصْمَودَة في خزانة زاهية يحركها عندما يرى مصلحة له في ذلك.
أما التحرك على الأرض، وتنفيذ ما يراه في خدمة "الأمن والسلام والاستقرار والمصالح.. "الخ حسب مفهومه فسوف يأخذه بيده أو بشكل مباشر.
ولنا أن نسأل: هل في هذا خير من أي نوع لأطراف ليست في الأطلسي، أو لكل أطرافه؟!
وهل سيبقى هذا من دون رد عليه من دول العالم أجمع، أم أنه سوف يؤدي إلى ظهور تكتلات تواجه هذا التكتل؟! هل سيصبح حلف "العالم" باجتزاء جائر للعالم، أم أنه سوف يستفز العالم إلى أبعد الحدود، ويؤدي إلى تعدد أقطاب بالمعنى الدقيق للكلمة؟!
وهل تستطيع أطراف الحلف المتماسكة اليوم أن تحافظ على تماسكها وتطور أدائها ونمو رقعة انتشار الحلف وعدد الأعضاء المنضويين تحت لوائه، أم أنها سوف تستيقظ على خلافات جراء تداخل المصالح واستسلام العالم لقوة وحيدة كاسحة ليست مصلحة كل طرف من أطرافها هي مصلحة الآخر أو غير متعارضة معها؟!
إن المستقبل كفيل بالإجابة عن أسئلة تتراءى لنا فضاءات حياة الدول والشعوب في ظل فضاءاتها الممتدة اليوم على أجنحة القوة والمنتشرة بين نجوم السماء.
لكن بعض الركائز المبدئية والتجارب الماضية تؤدي إلى استنتاج غير مريح، لا سيما ونحن في هذه المنطقة نحصد شرور الولايات المتحدة الأميركية التي تدعم الصهيونية أو شرور الصهيونية التي تقود الولايات المتحدة وتتحكم في قرارها وأدائها في هذه المنطقة من العالم.
ـ 4 ـ
الوسـاطة الفنلـندية:
نجحت الوساطة الروسية الفنلندية بمشاركة منسق أميركي / مارتي أختيساري وفكتور تشرنوميردين وستروب تالبوت الأميركي الذي عمل معهما/ في إقناع مجرم الحرب والمتهم رسمياً بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ، المطلوب للمثول أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي ، سلوبودان ميلوسوفيتش ؛ بقبول النقاط التي أعلنتها الدول الصناعية الكبرى الثمانية لوقف القصف الذي استمر ضد يوغسلافيا مدة / 78 / يوماً وقد أعلن البرلمان الصربي ومجلس
الوزراء المصادقة على الاتفاق الذي حمله الوسيطان بعد موافقة ميلوسوفيتش وذلك مساء الخميس 3/6/1999 وكان اجتماع وزراء الدول الصناعية الثمانية قد أعلن النقاط الآتية الذي تضمنها البيان الصادر في 6/5/1999 :
1ـ اعتمد الوزراء الثمانية المبادئ العامة التالية للحل السياسي لأزمة كوسوفو:
ـ وقف فوري وقابل للتحقق للعنف والاضطهاد في كوسوفو.
ـ انسحاب القوات العسكرية وشبه العسكرية والشرطة من كوسوفو.
ـ نشر وجود دولي مدني وأمني تعتمده وتوافق عليه الأمم المتحدة في كوسوفو ، وقادر على ضمان تحقيق الأهداف المشتركة.
ـ إقامة إدارة انتقالية لكوسوفو يقررها مجلس الأمن من أجل توفير شروط الحياة الآمنة والعادية لكل سكان كوسوفو .
ت العودة الحرة والآمنة لكافة اللاجئين والنازحين والوصول غير المعاق إلى كوسوفو لمنظمات المساعدة الإنسانية.
ـ عملية سياسية باتجاه وضع اتفاق إطاري سياسي انتقالي يوفر حكماً ذاتياً جوهرياً لكوسوفو يأخذ بالاعتبار الكامل اتفاقات رامبوييه ومبادئ السيادة الإقليمية لجمهورية يوغسلافيا الاتحادية والبلدان الأخرى في المنطقة ، وتجريد جيش التحرير الكوسوفي من السلاح.))
وفي العاشر من شهر حزيران 1999 أعلن خافير سولانا وقف عمليات القصف ضد بلغراد بعد أن تأكد الحلف من أن القوات الصربية بدأت فعلاً بالانسحاب من كوسوفا . وقد تبنى مجلس الأمن الدولي قراراً بوضع قوات دولية في كوسوفا بموافقة أعضائه جميعاً وامتناع الصين عن التصويت.
احتفل حلف الناتو بنجاحه ، وأكد الرئيس الأميركي كلنتون بثقة يوم 10حزيران أن النقاط الثلاث التي أعلنها بوصفها مطالب أميركية قبل بداية قصف الناتو ليوغسلافيا قد تحققت تماماً ، وأن الحلف خرج من هذه المواجهة أكثر تماسكاً. أما ميلوسوفيتش فأعلن هو الآخر انتصاره ولكن لا ندري أي انتصار ، لقد دمرت نسبة 80% من قواته الجوية والدفاع الجوي ، ومعظم القاعدة الصناعية التي تملكها يوغسلافيا ، وهادت بلاده الصناعية بلداً زراعياً فقط، كما دمرت معظم مقومات القاعدة التي تنتج الطاقة / كهرباء ـ تكرير البترول وتخزينه ـ الجسور ..إلخ/
إن الصرب خسروا أكثر من خمسة آلاف قتيل وأكثر من عشرة آلاف جريح في هذه الحرب فضلاً عن تدمير القطاع الأكبر من قوة الجيش والبنى التحتية في قطاعات مدنية منها الطاقة والجسور بشكل خاص واعتبروا أنهم لم يخسروا الحرب بل انتصروا لأن كوسوفا لم تستقل ، والنظام الشيوعي لم ينته، وبقيت يوغسلافيا دولة معترف بها بعد تمزق اتحادات دول نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ومنها الاتحاد السوفييتي ، ولكن الفسيفساء التي تتكون منها يوغسلافيا معرضة هي الأخرى للتحطم لا سيما بعد أحداث كوسوفا . أما الألبان في كوسوفا فقد كانت خسارتهم أشد وأقسى، لقد دمرت منطقة كوسوفا وشردوا من بيتهم وخسروا آلاف القتلى والجرحى، وسوف يحل جيش التحرير الوليد الذي بدأ وينزع منه السلاح ، وسيعودون تحت حكم الصرب العنصريين الذين لن ينسوا أحقادهم ، وسوف يحمِّلون اللألبان مسؤولية ما جرى لهم وسينسون غباء زعمائهم وعنصرية أولئك الزعماء. إن الحكم الذاتي الممنوح لهم سيبقى في إطار السيدة اليوغسلافية وتحت النفوذ الصربي ؛ صحيح أن قوات ميلوسوفيتش قد حُدَّ من قدرتها على القتال ، والدرس الذي لقنته كان قاسياً ؛ ولكن من الذي يضمن للألبان عملياً مستقبلاً آمناً !؟ لقد أعطيَت المنطقة مهلة زمنية بين انفجارين داميين على الأرجح ، وتاريخها الطويل يشير إلى ذلك ، والدماء الغزيرة التي سُفكت والبؤس والقهر اللذين نبتا في القلوب والعيون يشيران إليه بوضوح. لقد سقيت المزهرية الألبانية في كوسوفا ببعض الماء وسوف تستعيد خضرتها ولكنها بقيت نباتاً في أصيص ولم تنتقل إلى شجرة في حقل. وهذا يعني بتقديري إمكانية عودة الصراع إلى التجدد بعد عقود من الزمن ، وأن الثقة لن تقوم بين الصرب والألبان .
إن دولة إسلامية في المنطقة أمر معترض عليه سياسياً ومجعية دينية من قبل الغرب ، واستقلال كوسوفا ليس مطروحاً ، والحكم الذاتي يمكن أن يستقر ، وجيش تحرير كوسوفا الذي سيسلم أسلحته يمكن أن يتحول إلى شرطة في إطار الحكم الذاتي ؛ ولكن الجمر سيبقى تحت الرماد.
أما الذي تحقق للولايات المتحدة وللأوربيين بالدرجة الأولى فهو زوال النظام الشيوعي من أوربا كلها عملياً ، وفتح الباب أمام أوربا : " ديمقراطية ـ رأسمالية ـ موحدة " تحت جناح الولايات المتحدة الأميركية .
وتحقق للناتو نفوذ كبير سوف ينعكس في تعامله مع الأزمات والقوى الأخرى في العالم ، وسوف يتوسع توسعاً ملحوظاً في أوربا الشرقية على الخصوص . أما روسيا في وضعت عملياً في القبضة ولأمد طويل، وبعد قصقصة الأجنحة والزعانف الشيوعية والقومية السلافية النامية سوف تتقدم من دون نزق أو وهم أو ادعاء لتدخل أوربا الأميركية في إطار نظام السوق المحكوم بالقوة الأميركية اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً.
لقد انتهى القرن العشرون وأنهى النظام الشيوعي ـ الاشتراكي والقوة المناوئة للرأسمالية الغربية ، وبدأ القرن الجديد مع أوربا موحدة الرؤية نسبياً وخاضعة لعقود قادمة للقوة الأميركية التي تشكل اليوم قيادة عالمية بلا منافس . ونحن بانتظار السنوات العشرين القادمة التي قد تقدم توازناً جديداً في القوى الدولية ببروز الصين قوة عالمية ذات قوة واقتدار . ولكن من يحكم على الزمن سلباً وإيجاباً ؟! ومن يضمن أن أميركا ذاتها ستبقى مالكة لزمام أمرها فضلاً عن إمساكها بزمام الأمور عالمياً!؟
أما السؤال عن حضور ممكن للعرب والمسلمين فهو سؤال مغلف بالمرارة وبقدر كبير وكثيف من الضباب والظلام.
* دمشق في 24/3/1999 ، و 8/4/1999 ـ الأسبوع الأدبي العددان: 653 و 654 مع إضافات في أوقات لاحقة.
دمشق في 14/4/ 1999
دمشق في 28/4/1999
* ملاحظة :
وردت أنباء عن اختفاء خمسين ألفاً من ألبان كوسوفا من مخيمات أقيمت لهم في مكدونيا، وقد عثر على عدد كبير منهم في وقت لاحق في ألبانيا منهم خمسة عشر ألفاً في ملعب لكرة القدم. وجاء في الأخبار أن السلطات المكدونية أبعدتهم بعد توجيه الإهانات لهم لأنها لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من المهجرين. وكان ذلك خشية منها على التوازن السكاني فيها من ازدياد عدد الألبان ـ عدد سكان مكدونيا ثمنمئة ألف نسمة تقريباً ، بينهم نسبة من الألبان ـ وهناك ألبان غادروا المخيمات ولم تعرف وجهتهم بعد كما لا يعرف مصيرهم.
وقد سمعت مقابلات مع بعضهم، وبين أولئك نساء ، مضمونها أنهم يفضلون الموت في كوسوفا على الحياة في أي مكان آخر . وليس مصادفة أن يتم ذلك بعد عملية التسفير التي تمت قسرياً لأفراد منهم إلى أماكن بعيدة وأخرى لا يرغبون في الذهاب إليها ؛ ولم يراع التسفير جمع شمل الأسر ، الأمر الذي زاد الوضع تعقيداً والأزمة حدة من الناحية النفسية والاجتماعية والإنسانية لكن البارز ، على الرغم من تراكم البؤس، في هذا الأمر هو التنبه الألباني إلى إن توزيع الكوسوفاريين على بلدان في أوربا وأميركا يهدف ـ أو قد يؤدي إلى إلى إذابة وجودهم وخلق وقائع عللا الأرض تحول دون عودتهم إلى وطنهم ، أو تحد من تلك العودة، ويقدم هذا مساهمة في تعزيز مشروع ميلوسوفيتش التصفوي، ولو بشكل غير مباشر؛ وهو المشروع الذي يرمي إلى إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين والتخلص من المسلمين الذين قد يشكلون دولة في أوربا، وهو مشروع صربي قديم متجدد. وأمر عدم الرغبة في إقامة دولة إسلامية لا تريده أوربا ولا الولايات المتحدة الأميركية ولا يوافق عليه الفاتيكان، بل يقاومه.
وقد بدأ هرب ألبان كوسوفا إلى ألبانيا تلافياً لهذا المصير المحتمل، وأعلنت ألبانيا من جانبها استعدادها لاستقبال أية أعداد من ألبان كوسوفا إذا قدِّم لها الدعم الكافي لمواجهة هذه العملية التي تفوق قدرتها على الاحتمال . وكان هذا من القرارات الحكيمة لأنه يجعل ألبان كوسوفا على تماس مباشر مع أرضهم وقومهم ويمكِّنهم من العودة أو من النضال من أجل العودة .
في خبر بثته إذاعة العدو الصهيوني صباح الجمعة 9نيسان 1999 أن المجتمع الأوربي لا يريد قيام دولة إسلامية في أوربا ـ يقصدون في كوسوفا ـ تكون مركزاً للتطرف الإسلامي .
هذا الخبر يفسر بعض ما سبق وأشرت إليه، ويتقاطع مع مشروع ميلوسوفيتش القائم على التهجير والإبادة ، ومع برنامج توزيع ألبان كوسوفا على دول أوربية وأميركية وآسيوية : من كوبا ـ حيث تقيم الولايات المتحدة معسكراً للاجئين في قاعدة غوانتانمو وفكرت في نقل لاجئين ألبان إلى هناك ، وهو قرار صرف عنه النظر في وقت لاحق ـ إلى تركيا، الذي يقوم به حلف الأطلسي تحت مظلة مواجهة الوضع الإنساني الذي أوجدته الأحداث، كما يتقاطع مع رغبة روسيا والأرثوذكسية بإنهاء وجود مسلمين في البلقان، لا سيما في المناطق التي يرغب الصرب السلافيّون في السيطرة عليها.
جيش تحرير كوسوفا الذي تعرض لنوع من التصفية في ظل صمت إعلامي أو انشداد إعلامي إلى موضوع التهجير والإبادة التي يتعرض لها المدنيون الهاربون من بطش الصرب، أعلن على لسان قائده هاشم تاجي حرصه على بقاء كوسوفا واستقلالها والاستعداد للنضال من أجل ذلك. وقد رفده الألبان ببعض المتطوعين ؛ ولكن القوات الصربية لاحقته حتى إلى داخل الأراضي الألبانية، وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية على لسان أولبرايت أنها لا تستطيع أن تمده بالسلاح لأن ذلك يتناقض مع مبدأ الحصار المفروض على الصرب والألبان، طرفي النزاع، ومخالفة ذلك قد تزعزع تماسك الحلف الذي تحرص عليه الإدارة الأميركية.
لكن المستقبل والمستقبل وحده سوف يقرر كيفية ذلك وإمكانيته، في ظل التآكل والهوان على الصعيدين العربي والإسلامي..
(1) ـ إحسان أوغلي أكمل الدين / إشراف وتقديم / ـ الدولة الثمانية تاريخ وحضارة ـ ترجمة: صالح سعداوي ـ ص 17 ـ منشورات : مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باستامبول ـ 1999
(2) ـ قال خافير سولانا الأمين العام لحلف الناتو في سياق مقابلة معه يوم الخميس 8 نيسان 1999 " إن الحلف لا يشن حرباً على الشعب اليوغسلافي وإنما ضد ما يمثله ميلوسوفيتش من قيم تهدد قيمنا أنا وأنت. " ويبدو الكلام معقولاً ومقبولاً إذا ما بقي عند هذه الحدود ولكن من يضمن لنا المستقبل، واستقراء الماضي يشير إلى الكثير مما هو خطير؟!
|