|
مبارك عيد الأمة كلها
مبارك عيد الأمة كلها ، وكل عام وأنتم بخير .
مبارك للحجيج وقفته في عرفات وأداؤه لمناسك الحج ، ونسأل الله سبحانه قبول طاعة عباده والعفو والمغفرة لنا جميعاً .
مبارك عيد البشر ، العيد الذي أُفتدي فيه الإنسان وكُرِّمت حياته ، يوم رفع الله قدره بين المخلوقات فكلفه بما يرفع شأنه ويقربه من ربه زلفى بالعمل الصالح والرحمة الإلهية .
مبارك عيدنا نحن المسلمين ولو كان منقوصاً ، متجدد الانتقاص ، تداخله الغصة التي تعشش في الحلوق ؛ ذلك لأنه بينما الناس في عرفات ينفذون أمره تعالى :
" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ" ويقبلون على الفرحة في أيام التشريق ومعهم الأمة كلها مستبشرين ، تخيم على النفوس ظلال ما يعاني منه أخوة لنا في الله يقاسون الأمرَّين من ظلم واضطهاد وقتل وتهديد مقدسات وتهويدها ، ومن وهدم بيوت وترويع نفوس وذريَّة:
ـ ففي فلسطين المحتلة يواصل الصهاينة إرهابهم ضد العرب المسلمين، وهاهم يغتالون المجاهدين ، ويدبرون المكائد للإيقاع بين سلطة فلسطينية محكومة باتفاقيات تملي عليها أن تشن حرباً على شعبها الذي يرفض الاستسلام ، ومقاومة شعبية متمسكة بالحق والأرض والمقدسات والعقيدة ، تدرك جيداً أبعاد المشروع الصهيوني وخطره على العروبة والإسلام ، وترفض الاستسلام له والتسليم بما تقود إليه اتفاقيات المنهزمين والمستسلمين الذين اختاروا " أوسلو " وذلها وتركوا أربعة ملايين فلسطيني في حالة تشرد بلا أمل بالوطن ، كما تركوا من هو داخل جغرافية فلسطين المحتلة أسيراً أو مقهوراً أو مهدداً أو متعاملاً مع العدو يقتات بثدييه ويبع أحرار أمته وحقوقها والمواقف المشرفة لمقاومتها في سوق " الواقعية السياسية الذليلة البائسة " المرتمية على أعتاب العدو ؛ كما ترك العنصريين الصهاينة يهدمون البيوت ويتركون الأطفال والنساء في العراء ، فريسة للبرد والقهر والغربة في أيام وقفات عرفات وأعياد المسلمين وكأنهم لا يمتون لأمة تحميهم أو تهتم بهم بأية صلة ؛ ويسكت على ذلك من يسكت من العرب والمسلمين بحجة أن صاحب البيت موجود فيه ؟!!.
ـ وفي الجزائر يتعرض الأبرياء من أبناء أمتنا للقتل ، ويحمل السلاح هناك : ضد الأمن والإنسان والوطن وحتى الأمة والدين بمفهومه النقي السمح الأصيل الشامل : معارضة مسلحة وسلطة مسلحة ومؤامرة خارجية مسلحة ، وكل منها يطعن الجزائر والأمتين العربية والإسلامية في القلب ، ويبيح الدم البشري أو يستبيحه ؛ وكأنما أضحى يمتد عندها أعواماً بلا نهاية في ظلام بلا نهاية ، وكأنما الخالق سبحانه لم يفتد إسماعيل بذِبح عظيم صوناً للدم البشري البريء وتأكيداً لقداسة الحياة البشرية وأهميتها ، وكأنه سبحانه وتعالى لم يقل في كتابه العزيز : << من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً . >> وكأنه لم يدع إلى الحكمة والموعظة الحسنة ، ولن يحاسب على الإثم والقتل ؟!!
ـ وفي " كوسوفو " يتعرض أخوة لنا في العقيدة والإنسانية للقتل ولفعل الإبادة الجماعية ، الذي اعتاد على ممارسته نوع آخر من العنصريين هم الصرب ، الذين ربطتهم بالصهاينة العنصريين صلات وتحالفات عندما كانوا يرتكبون المذابح الجماعية بحق المسلمين أطفالاً ونساء وشيوخاً في البوسنة والهرسك خلال أعوام سابقة ؛ هناك قتل الصرب ُ البوشناق " : وهم من قوميتهم لا لشيء إلا أن قالوا : ربنا الله ونشهد بأنَّا مسلمون ، وقد تابع العالم كله مآسي المدن والأحياء الإسلامية في تلك البلاد طوال شهور مُرَّة ، حيث كان يُسحق المسلم لأنه مسلم ولأنه يطالب بأبسط الحقوق والحريات ، في عالم يدعي أنه يدافع عن الإنسان ويحمي الحقوق والحريات .
ـ وفي أفغانستان تستمر أعيادنا ملطخة بألداء البشرية ، وفي أنحاء أخرى من آسيا الوسطى والعالم .
في العيد نتذكر أخوتنا ومسؤولياتنا وواجباتنا الدينية والاجتماعية والقومية والإنسانية ، ونذِّر بها ؛ ونتذكر أيضاً أن من حق هذه الأمة أن تفرح ، ومن حق أبنائها وحجاجها أن يستمتعوا بعيدهم ، وأنه لن تصاب أمة العرب والإسلام أبداً بالقنوط ، فلا يقنط من رحمة الله سبحانه إلا المبلسون، ولن يتنازل عن حقوقه المشروعة ومنها الفرح في الحياة إنسان يتعلق بإنسانيته ويدرك حدود الحق والواجب ، ويمارس وجوده التام على أرضية ثابتة من الوعي والحرية والمسؤولية .
مبارك عيد المسلمين جميعاً ، ومباركة ومقبولة طاعة الطائعين المقبلين على الحق والهداية ، ولكن فليذكر كل منا معاناة أخوته في المواطنة والإسلام والإنسانية ، وليدخل الفرح إلى قلوبهم إن استطاع أو يعمل من أجل ذلك ما استطاع ، لكي يدخل الفرح إلى قلبه وروحه وأسرته وعشيرته الأقربين من باب مشروع ؛ ولنذكر دائماً شراكتنا في الشرط الإنساني ومسؤوليتنا عن المصير الإنساني ، فنحن في الحياة مسؤولون عن الحياة .
" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . "
صدق الله العظيم .
الاثنين، 06 نيسان، 1998
|