|
اللقاء السوري- الأردني وقــائع وآمـــال
الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن في دمشق، بعد جولة شملت أقطاراً عربية عديدة، وهيأت للأردن مناخ علاقات عربية أفضل من ذاك الذي كان سائداً في الفترة السابقة، لا سيما تلك التي تلت حرب الخليج الثانية واتفاقية وادي عربة التي أصبحت المعاهدة الأردنية مع الكيان الصهيوني.
وزيارة الملك الشاب لدمشق تبدو من أهم المحطات، إن لم تكن المحطة الأهم في جولاته السابقة؛ وقد لا تكون المحطة الأهم فيما يلي من محطات يتوقف فيها أو يقصدها، بينها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وبلدان أوربية.
وأرى أن أهميتها تنبع من:
- فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية- الأردنية التي تعرضت لما هو أكثر من الفتور في السنوات السابقة، وكان الأردن فيها يعزز علاقات سياسية واقتصادية، وحتى عسكرية مع الكيان الصهيوني والتحالف التركي- الإسرائيلي الذي مازال يشكل خطراً على المنطقة بشكل عام، وعلى سورية والعراق ولبنان بشكل خاص.
- مردود التعاون السوري- الأردني على أوضاع الاستقرار، ومواجهة أزمة المياه المستفحلة في الأردن على الخصوص، وحالة الركود الاقتصادي، وعلى أوضاع شرائح اجتماعية في الأردن تقاوم المعاهدة الأردنية- الإسرائيلية، وتيار التطبيع المستشري على أرضية تلك الاتفاقية.
وهو مردود إيجابي على الشعب في البلدين، وعلى المصالح التي تربطهما، والمشاريع التي تقتضي تعاوناً بينهما، ومنها مشروع سد الوحدة الذي يغذي الأردن ببعض احتياجاته من الماء، ويدعم موقفه، وموقف سورية أيضاً حيال العدو الصهيوني.
- مردود هذا الوفاق والاستعداد للتعاون على التضامن العربي بوجه عام، وعلى ما يتصل بشأن العراق المحاصر، والمشاريع التي كانت تحاك ضده، ويعزى للأردن دور فيها، لا سيما تلك التي وراءها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.
- مردود على مستقبل التحالف التركي- الإسرائيلي الذي لف تحت جناحه الأردن بأشكال مختلفة، وهو تحالف كان ومازال يشكل خطراً على المنطقة كلها وعلى أمنها واستقرارها وازدهارها.
- ومردود إيجابي على مواقف الطرفين من الكيان الصهيوني ومصير القدس، وما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية- إذا أبقى لها المنتهكون لحرماتها يومياً أي مستقبل.
ونجاح الزيارة والمباحثات التي جرت فيها والتوصل إلى طي ملفات شائكة، ومجاوزة قضايا كان يلعب على أوتارها العدو الصهيوني يمكّن من"استعادة الثقة"، أو بناء جسور معززة لها بين البلدين.
وفي تقديري أن ذلك يحتاج إلى جهد متواصل، وسد الذرائع أمام المتعاملين مع العدو الصهيوني والذين يهمهم خراب البيت العربي عامة والشآمي خاصة، لأنه البيت المنتقص أرضاً وكرامة بانتزاع الكيان الصهيوني جزءه الجنوبي الغربي: فلسطين.
وسد الذرائع لن يكون سهلاً، لأن الذي يقدم مثل تلك الذرائع لإفساد الصلات والأحوال والعلاقات هو العدو، ومن يربط مصيره ومصالحه ومستقبل وجوده بالعدو؛ وما أكثر أولئك للأسف في أوساط اعترفت بالعدو طبّعَت العلاقات معه، وأخذت ترتبط بصلات ومصالح تبدو مصيرية بالنسبة إليها.
ويحق لنا أن نلامس بعض النقاط الساخنة مما كان من أسس الخلاف بين سورية والأردن سابقاً، ومما لا يمكن لهذه الزيارة الملكية، ولا للنوايا الحسنة والتوجهات العربية التضامنية أن تستأصله، أو أن تضع لمخاطره على العلاقات حداً نهائياً ومن ذلك:
أولاً: اتفاق وادي عربة، الذي أصبح المعاهدة الأردنية- الإسرائيلية.
وهي معاهدة لا تنطوي على الاعتراف والتطبيع فقط، وإنما تذهب في نصوصها إلى مدى إعلاء شأن نصوصها على نصوص أي اتفاق أردني- مع دولة ثالثة حتى على الاتفاقيات المتعلقة بميثاق الجامعة العربية، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك: "على الورق".؟!
والأردن لا يريد، وغير قادر الآن إذا أراد، أن يتخلص مما في هذه الاتفاقية من سموم تتواصل، يمتد تأثيرهما من مياه الشرب إلى المادة الثقافية والتربوية، ويدخل في التجارة وقوانينها-قانون منع الاحتكار مثلاً- ويمتد إلى الصناعة والمستقبل الاقتصادي لمنطقة صناعية مشتركة مع الكيان الصهيوني تتخذ من منطقة إربد موقعاً لها.
وأهم أسباب الخلاف السوري- الأردني السابق تركز على الموقف من وادي عربة ليس بسبب الخروج على ما اتفق عليه من تنسيق المسارات التفاوضية العربية بعد مؤتمر مدريد فقط؛ وإنما بسبب انتهاج سياسة لا تأخذ أي شأن عربي عام بالاعتبار، وتتذّرع بتفعيل السيادة القطرية وممارستها على حساب المصلحة العربية العليا، وعلى حساب قضايا مصيرية تهم الأمة كلها، ولا يمكن لقطر أو فئة أو حاكم أن يتصرف بها وحده.
ونظراً لما فتحه ذلك من ملفات قديمة تنعكس على الحاضر والمستقبل، وما أقامه من توجهات تجعل العدو صديقاً والأخ الشقيق عدواً!؟!
ويضاف إلى ما يتصل بالنهج السياسي وممارساته نصوص المعاهدة ذاتها التي تجعل القرار الأردني مرتهناً لدى العدو وحليفه الأمريكي، ولا سيما في حال إدارة الظهر للعلاقات العربية- العربية، وللجوار العربي الذي يشكل جدار الحماية الأمتن حاضراً ومستقبلاً، حتى بالنسبة لسياسات قطرية مخلصة لقطريتها ولبقائها الحر، ولا نقول لانتمائها القومي؛ فقد يغص ذلك ببعض حلوق الساسة المعاصرين في بعض أقطار الوطن العربي. ومن ثم التطبيق"الإلزامي" لنصوص المعاهدة، لا سيما في مجال التطبيع؛ حيث تفرض القوانين من أجل ترسيخ ذلك، وإجبار الناس على العمل به. وضلوع العدو الصهيوني في المراقبة وتفعيل الأداء، من خلال وجوده شريكاً في بعض مواقع الإنتاج والأداء والتسويق.
والسؤال الصريح المتعلق بهذا الوضع هو:
هل ننظر إلى هذا الموضوع على أنه أمر من أمور السيادة المطلقة في إطار نفي القومي كلياً من العلاقات العربية- العربية؛ واعتبار ما تم من معاهدات وعلاقات وصلات، بعيداً عن كل ما يتصل بتاريخ القضية ومضمون الصراع وأهدافه وغاياته النهائية، وبعيداً عن كل ما يجعل من شعب في سورية والأردن شعباً واحداً يواجه قضية مشتركة؟!
وهل يمكن أن"يتطور" منظور العلاقات بين البلدين إلى درجة التعامل بصفة بلدين يشكل الجوار الجغرافي مجرد رابطة متقدمة بينهما، ولكن سائر الصلات والعلاقات والالتزامات هي مما يحكم علاقة سورية بزمبابوي أو الأردن بنيبال مثلاً؟! وسقفها اللقاء في الأمم المتحدة وتبادل المجاملات بالإنكليزية أو بالعربية في المناسبات الدينية والأعياد العالمية؟!
والسؤال الطرفي لهذا السؤال يقول:
كيف سيكون التأثير المتبادل حول هذه النقطة الجوهرية من نقاط الاختلاف التي سببت بروداً في السابق؟!
هل سيجر الأردنُ سوريةَ إلى موقعه، بمعنى أن يكون عاملاً مؤثراً في التوصل إلى تحريك مسار المفاوضات السورية- الإسرائيلية وإنجاحه؟!
أم أن سورية سوف تجر الأردن إلى موقفها المبدئي من القضية ومن نهج التطبيع مع العدو الصهيوني؟!
أمام هذا السؤال لابد من تذكّر ما يلي:
1- أن الأردن مرتبط بمعاهدة لا يستطيع الآن أن يغيرها حتى لو أراد، في ظل الأوضاع العربية والدولية. فكيف وهو يؤكد أنه ملتزم بها وبالسياسة والتوجهات التي كانت لمن وقعها.
2- أن الأردن يُفتأت على حقوقه التي نصت عليها تلك المعاهدة، لا سيما موضوع المياه، والأرض الموضوعة بتصرف الكيان الصهيوني للاستثمار، وتطبيق النصوص الأخرى.
فهل سيجد في علاقاته مع سورية سنداً يقوي ظهره في موضوعات تطبيق ما اتفق عليه، وفي موضوعات أخرى منها الزحف البطيء من خلال الاستملاك عن طريق طرف ثالث، والاستثمارات التي تنتهي بالتدخل في تكوين الإنسان مستقبلاً؟!.
3- أن سورية "اختارت المفاوضات" وأن الأردن ليس اللاعب الرئيس في مجالها، وتأثيره على الكيان الصهيوني محدود جداً.
وأن سورية تتمسك بثوابت مبدئية وبمراحل عمل في مجال القضية الفلسطينية والصراع العربي- الصهيوني، ولا مجال للتنازل أو للتفريط، الأمر الذي يعني استبعاد التأثير الأردني على سورية في مجال المفاوضات، فضلاً عن موقع سورية التاريخي وقيادتها التي صمدت لضغوط كبيرة، وتجاوزت عقبات كأداء لم تغب بعد عن الذاكرة.
وموضوع الولاء للغرب وللتحالفات التي يرعاها في المنطقة والمشاريع التي يخطط لإنجازها. ومن ذلك ما يتصل بالعراق وبالتحالف التركي-الإسرائيلي- والمشروع الشرق أوسطي، وإيجاد نظام أمني جديد في المنطقة.. إلى آخر ما كان معها هو تحت الرماد مؤقتاً من مشاريع ومخططات.
هل سيؤثر مناخ التضامن العربي الذي تدعو إليه سورية في تقليص مدّ ذلك التوجه، ويلجم العاملين من أجله في أوساط سياسية عربية عامة؟!
وهل توجه الملك عبد الله إلى تمتين صلات الأردن بالأقطار العربية، والتقارب الذي تم بين سورية والأردن بفضل مبادرة الرئيس حافظ الأسد، واستجابة العاهل الأردني، هل سيكون ذلك عاملاً مؤثراً في التأسيس لتوجه سياسي- تضامني عربي على حساب المشاريع الغربية أو على حساب النشاط الظاهر لتعزيز تلك المشاريع وما تنطوي عليه من توجهات ليست في صالح المنطقة ولا في صالح الأمة العربية والسياسات القطرية على المدى البعيد؟!
إنني أعتقد بأن إدخال هذه المعطيات الجديدة، وتفعيلها على أرضية من الثقة، وإقامة جسور اتصال تؤكد هذا التوجه، والتأسيس لمصالح متبادلة بين الأشقاء العرب عموماً، وبين سورية والأردن على وجه الخصوص، سوف يضع ورقة مؤثرة في يد اللاعب الأردني يستطيع أن يحركها وأن يلوّح بها.
صحيح أنها ليست مهمة إلى درجة تنسيه قوة ورقة الغرب، وتاريخ العلاقات والصلات الاستراتيجية، ولكنها ورقة توضع في الحسابات.
ولكن هذا لن يدفع باتجاه ظهور تراجع، أو توقف في تعزيز العلاقات مع الكيان الصهيوني أيضاً.
فاختيارات الأردن السابقة، وتوجهاته الاستراتيجية لن تتغير، وفوق ذلك فإن المساعدات المالية والعسكرية وكذلك الارتباط التسليمي إضافةً إلى اتفاقيات ذات طبيعة عسكرية، هي كلها مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بصورة رئيسية، ولن يمس الأردن شيئاً من ذلك بصورة سلبية، بل سيعمل على تقوية ذلك وتعزيزه لأنه يعمل على توطيد دعائم الملك في المرحلة الجديدة، وهو مازال-لأسباب متعددة- يثق بالحلفاء التاريخيين، وبغير العرب إن صح الاستنتاج المبني على معطيات العقود السابقة، والإعلان المؤكد على انتهاج الاستراتيجية السابقة والتاريخية للأردن.
وهذه السياسات والتوجهات تتعارض مع المصلحة القومية ومع الأهداف القومية حين ننظر إلى موضوع الصراع العربي-الصهيوني بوصفه صراع وجود، وحين ننظر إلى الأطماع الصهيونية في المنطقة والمشروع الصهيوني التوسعي القائم على التهويد والهيمنة الأمنية والأحلاف، والمنادي بضم أرض عربية لكيانه العنصري وعلى رأسها القدس الشريف.
ويبقى لقاء الأردن وسورية نقطة أكثر من إيجابية للتأسيس لتضامن عربي، ولعمل عربي مشترك، ولتعاون ثنائي بينهما، وتبقى هذه الزيارة مهمة، ونتطلع إلى أن تشكل نقطة تحول عميقة-حتى لا نقول جذرياً- في العلاقات يكون لها انعكاس إيجابي على العمل العربي وعلى الناس في القطرين، ويبقى الأمل قائماً في تخلّق وعي عربي عام، سياسي وثقافي واجتماعي، يكون أكثر تأصيلاً للانتماء القومي وأكثر استعداداً لتحمل تبعات ذلك.
إن الجيل السياسي الصاعد في الوطن العربي مدعو لهذا، ويبشر بتفهم وارتباط جيدين به، ومن مصلحتنا أن ندفع هذا التوجه قدماً، لأن الأمة لن تتقدم، ولن تتحرر ولن تنهض إلاّ على أساس من التعاون والتكامل بين أقطارها، وطاقات أبنائها، ولن يكون ذلك من دون تحرر من رواسب الماضي والانفتاح بثقة وأمل على المستقبل.
" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون "
صدق الله العظيم
دمشق في 23/4/1999
الأسبوع الأدبي العدد 656
|