|
رأي فـي (دولـة) الحكــم الذاتي
"الدولة الفلسطينية" حلم للفلسطينيين والعرب، كان قائماً منذ أكثر من خمسين سنة ومازال؛ ولكن ما هي الدولة الفلسطينية التي نقبل بها، بسبب الفارق بين ما نريد، وما يمكن أن يتحقق لنا مما نريد، حسب الإمكانيات والمعطيات والمتغيرات العربية والدولية!؟
وما الأهداف التي تنشدها دولة نقبل بها، ونُقبل عليها في وضع انتقالي وصولاً إلى وضع نهائي مقبول وإنجاز أهداف استراتيجية!؟
أريد أن أوضح بداية أنني كنت ومازلت من القائلين بإقامة دولة فلسطينية ولو على شبر واحد من الأرض الفلسطينية المحررة، لنتابع في ظلها موضوع التحرير، دولة ذات مرجعية نضالية وأهداف وطنية وقومية.
في المرجعيات: هناك عدة مرجعيات يمكن الإشارة إليها، ونحن نتحدث عن دولة فلسطينية اليوم، ومن تلك المرجعيات: قرار الهيئة الدولية رقم 181 لعام 1947 المعروف بقرار التقسيم، الذي كان مرجعية شكلية للصهيونية لإقامة"إسرائيل" إلى جانب دولة فلسطينية، قرار رفضه العرب في ظروف تاريخية، وكان رفضهم له آنذاك منطقياً لأنه رفض بني على الحق التاريخي للعرب بوطنهم فلسطين، وعلى عدم أحقية الدولة التي تتمتع بالوصاية"بريطانيا" بالتصرف بحقوق الشعب والدولة الموضوعة تحت الوصاية ولا بأرضها، ولأنه بني أيضاً على البعد القومي للقضية الفلسطينية مرجعية ومسؤولية عن القرار والتحرير والتصرف، ولم يُقم الفلسطينيون بموجبه دولتهم. وهو اليوم قرار يرفضه الكيان الصهيوني ويؤكد نتنياهو ووزير خارجيته شارون رفضهما له، تشاطرهما في ذلك أطراف اليمين واليسار؛ ولا يريد أحد منهم أن يُذكر بوصفه مرجعية من أي نوع لأنهم يرون أن ذلك القرار الذي رفضه العرب، نقضته حروب وأسقطته مرجعيات أخرى، ويؤكد نتنياهو، ووزير خارجيته شارون هذا القول كل يوم في الفترة الأخيرة.
ولكن القرار المشار إليه لم يسقط من مرجعية الأمم المتحدة بوصفها مرجعية دولية-بلا أنياب ولا أظفار- بل أخذت تضعفه اليوم مزاحمات مرجعيات أخرى تطغى على المرجعية الدولية في هذا المجال، منها: مرجعية مدريد، ومرجعية الولايات المتحدة الأمريكية التي يضع كثير من العرب بيدها 90% من معطيات حل القضية الفلسطينية، و"مرجعية أوسلو ونسلها الشرير" التي ينفذها عرفات باحترام، ويعمل اليوم بموجبها لإقامة"دولة فلسطينية" على أرضيتها، بوصفها المرجعية التي تباركها الولايات المتحدة الأميركية؛ وهي عنده تجبُّ المرجعيات الأخرى.
أما المرجعية النضالية فلا يذكرها أحد من أهل أوسلو، ولم يتأسس موضوع إقامة الدولة المطروح حالياً على مرجعية نضالية: يكون هدف الدولة فيها تحرير الوطن، وانتزاع السيادة عليه، وإنما يقوم على مرجعية تعتمد القبول بما يمكن أن"يُنتزَع" من العدو المحتل لأرض الوطن من مساحات تشغلها تجمعات بشرية من الشعب الفلسطيني لممارسة السلطة عليها انطلاقاً من اتفاقية أوسلو التي لم تمنح سيادة على الأرض وإنما تركت الأمور لما يتم الاتفاق عليه بين العدو المحتل وسلطة الحكم الذاتي، التي لا تملك أصلاً أية قدرة تجعل مفاوضاتها تستند إلى أي نوع من التوازن؛ ومن ثم فإن كل ما تفعله هو تقديم التنازل تلو التنازل بما يرضي العدو الذي لا نهاية لأطماعه.
المرجعية النضالية إذن مفقودة، وقد غابت أو غُيّبت بحكم غلبة مرجعية أوسلو عليها، وأوسلو هي التي أسفرت عن إعلان الاعتراف بالكيان الصهيوني ودولته، وبحقوق السيادة له على الأرض، والرضا بما يسفر عنه الاتفاق الذي تقود إليه مفاوضات معه تقوم على أسس لا يوجد فيها أدنى درجة من درجات التكافؤ والتوازن: سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وعليه فإن كل ما يتعلق بإعلان الدولة الفلسطينية، الذي تم في إطار منظمة التحرير/الجزائر 1988/ استناداً إلى مرجعية نضالية يحكمها ميثاق المنظمة وأهدافه، التي يأتي على رأسها تحرير فلسطين، قد تم تغييبه والقفز فوقه، وكأنه لم يكن أصلاً. ولم تعد العلاقات التي أقامتها منظمة التحرير مع اثنتين وثمانين دولة في العالم، وربما أكثر، لتساوي شيئاً على الصعيد الرسمي.
فالدولة التي يعلن عرفات عزمه على الإعلان عنها لا تستند، ولو شكلياً، إلى القرار 181 ولا إلى مرجعية مدريد، ولا إلى المرجعية النضالية، لأن"أوسلو" تجاوزت كلاً منها بإقراره علناً بذلك وانطلاقه عملياً وواقعياً منه. وعلى هذا الأساس فإن النظر إلى"دولة سلطة الحكم الذاتي" يحتاج إلى وقفة متروية عند بعض المعطيات والتساؤلات.
فلنتوقف إذن عند"دولة الحكم الذاتي" المستندة إلى مرجعية"أوسلو"، ما جغرافيتها وحدودها وأطرها ومقوماتها؟!
أولاً: إن هذه"الدولة" بلا حدود مع الجوار العربي، ويحيط بها الكيان الصهيوني من كل جانب، ولا يسمح بالخروج منها أو بالدخول إليها إلاّ عبر رقابته وموافقته، ومن المنافذ التي يحددها وينشئ له سلطة فيها. وهو يعلن ويؤكد أنه يملك السيادة على الأرض، ويمنح سلطة الحكم الذاتي سلطة على السكان، ويخولها بتقديم الخدمات لهم.كما يعلن أنه يتولى أمن الحدود التي يحددها بنهر الأردن شرقاً والحدود الدولية مع مصر ولبنان وسورية، ولا يسمح بمجاوزة ذلك.
وجغرافية "الدولة" من الداخل ممزقة ومخترقة: إما بمستوطنات ومعسكرات"إسرائيلية" أو بطرق التفافية تسيطر عليها قوات الاحتلال، وتستعملها جموع المستعمرين المستوطنين. وتوجد في كل منطقة استراتيجية، وهضبة مواقع للعدو، تجعل كل ما هو قريب منها بحكم الساقط في قبضتها عسكرياً.
أما الموارد الطبيعية والمقومات الرئيسة للعيش والتنمية، وعلى رأس ذلك المياه والثروات الطبيعية فهي تحت سيطرة الكيان الصهيوني وبتصرفه التام، وقوة العمل الفلسطيني رهن بقبوله لاستخدامها. نحن إذن أمام"فاتيكان" بلا سلطة روحية من أي نوع، وبلا سلطة سياسية وسيادية أيضاً، وبلا قداسة حتماً، فسلطة عرفات لا تتمتع بأية مرجعية دينية، ولا تزعم أنها تملك ذلك أو تتطلع إليه، وقد فقدت الشرعية النضالية، وتخلت عنها يوم وقَّعت اتفاق أوسلو واتخذته مرجعيتها النهائية. والدخول إلى هذا "الفاتيكان السياسي" فمن أبواب
روما ـ "إسرائيل "ـ حصراً.
أما الكلام عن مؤسسات الدولة، فهو كلام منفوخ، أو يقصد منه الانتفاخ، لأنها مؤسسات حكم ذاتي محدود لها أن تعيش وهم الدولة. والدولة أساساً سيادة وقوة تحمي تلك السيادة. ولما كان الجيش هو مصدر كل قوة، ولما كان أفراد شرطة الحكم الذاتي لا يملكون الحق في حمل سلاحهم الفردي إلاّ بموافقة العدو الصهيوني، الذي يرافقهم في دوريات، تهدف إلى حماية أمنه من الشعب الفلسطيني أكثر مما تهدف إلى حماية الشعب الفلسطيني ذاته.
وهؤلاء الشرطة لا تتوافر للموجودين منهم في الخليل إلاّ بندقية لكل شرطيين، توضع في المراكز فقط؛ فإنهم بهذه الصفة والإمكانيات والقيود لا يشكلون قوة تحمي سيادة، فضلاً عن أن مرجعية أوسلو المعتمدة مرجعية"للدولة" لا تسمح أصلاً بإنشاء جيش، وتكوين قوة من أي نوع.
ودولة بلا سيطرة فعلية على الأرض، وبلا سيادة، وبلا قوة تحمي السيادة أو تؤسس لها، وتسيطر على أمن مطارها ومينائها المنتظر قوة الاحتلال، هي عهن منفوش قد تزهو ألوانه في ضوء الشمس إذا نُشر، ولكنه لا يشكل أكثر من رغوة ضوئية قد تعجب الناظرين!؟.
ثانياً: إن من حق الشعب الفلسطيني أن يقيم دولة، وأن يسعى إلى تكوين مؤسساتها، ويعمل من أجل تقويتها، ويؤسس من خلالها لوجود ذي أهداف ورؤية.
- فهل هذه "الدولة" الأوسلوية هي للفلسطينيين أم لجزء منهم؟!
بمعنى آخر: هل تستطيع أن تمنح حق المواطنة لكل فلسطيني وتتيح له ممارسة ذلك الحق بحرية واحترام؟ وتمكّنه من دخول أرض الوطن والإقامة فيها؟! أم أنها لا تستطيع أن تمنح هذا الحق أصلاً إلاّ لمن توافق"إسرائيل" على منحه إياه، حسب مرجعية أوسلو؟!
إن"دولة الحكم الذاتي" ليست دولة الفلسطينيين جميعاً، وإنما هي دولة من شملتهم اتفاقية أوسلو بالنص، وعليه فإن أربعة ملايين فلسطيني يشكلون أكثرية الشعب الفلسطيني، محرومون من حقوق المواطنة، ومن حق العودة، ومن وطنهم. ولا يمكن لمثل هذه الدولة إلاّ أن تحقق بعض الأمور التي نذكر منها:
1- حماية أمن"إسرائيل" من فلسطينيي الداخل، وقيامها بمهام أمنية لمصلحة العدو، وبمهام خدمية نيابة عن العدو.
2- تكريس الاعتراف بحق الحركة الصهيونية فيما اغتصبته من فلسطين، وبحق"إسرائيل" في السيطرة الفعلية أو السيادة الفعلية على أرض فلسطين كلها؛ ومقاومة كل فلسطيني، وكل عربي يقول بتحرير فلسطين؛ لأنه إنما يمارس "إرهاباً" حسب المفهوم "الإسرائيلي " للإرهاب ، ويهدد"سلاماً" قامت بموجبه"دولة الحكم الذاتي"، ويعمل على سحب البساط الأحمر ا لعزيز على نفس رئيسها في جولاته الكثيرة التي تشكل له وهماً رئاسياً على حساب آمال شعبه بالعودة والدولة، وإحساس ذلك الشعب بالسيادة والكرامة والاستقلال الحقيقي للدولة والقرار.
3- تسويق العدو الصهيوني عربياً ودولياً، بوصفه صانع سلام وصاحب جوار، وإقامة جسور له توصله مع الوطن العربي، وتحقق مصالحه وتحميها؛ بنوع من المباركة والضغط الفلسطيني أحياناً. ونحن نذكر أن وراء علاقات بعض دول الخليج العربي بالكيان الصهيوني تشجيعاً ودعماً وضغطاً "فلسطينياً"، أي من سلطة الحكم الذاتي تحديداًُ.
ثالثاً: إن هذه"الدولة" لا تستطيع أن تزعم أنها تشكل تواصلاً من أي نوع، مع ما يتطلع إليه الشعب الفلسطيني من آمال، ولا مع تاريخه النضالي وتضحيات شهدائه؛ ومن ثم فإنها لا تستطيع أن تزعم بأنها ستواصل خطاً نضالياً من أجل تحرير فلسطين وعودة شعبها إليها، وتخليص مقدساتها من شرور الاحتلال ومشاريعه، وحمايتها من التهديد والتهويد والتوسع الاستيطاني المستمر. وتأسيساً على هذا، واستناداً إلى مرجعيتها، والرضا الأمريكي الذي يحكمها وتنشده وتنشدّ إليه، وتعلى شأنه فوق كل مصلحة وشأن- وهو رضا صهيوني بحكم السيطرة الفعلية للصهيونية على قرار الإدارة الأمريكية، لا سيما فيما يتعلق بملف ما يسمى الشرق الأوسط- فإن كل ادعاء من قبلها بأنها ـ أي الدولة ـ تشكل خطوة على طريق القوة والتأسيس للتحرير فيما يُقْبِل من قرون، هو تسويغ لا يملك مصداقية، ولا يقوم على أسس ولا يستند إلى معطيات واقعية وحقيقية يمكن أن تصمد للامتحان، فضلاً عن أن مرجعيتها"أوسلو" تضاد ذلك التوجه تماماً وتناقضه.
لقد طوّف عرفات في حوالي خمس وخمسين دولة، ليطرح موضوع الإعلان عن"الدولة" من جانب واحد في الرابع من أيار 1999 وهو الموعد الذي تنتهي فيه المرحلة الانتقالية التي حددتها اتفاقية"أوسلو"، وكان في تطوافه حريصاً على الانتقال التدرجي الليِّن من: الموعد المقدس في الرابع من أيار، إلى"لا يوجد مواعيد مقدسة" عبارة شريكه في صنع سلام أوسلو إسحاق رابين، ولكنه عملياً أحدث نقلة سياسية- إعلامية أو إعلانية- سياسية في خلفية الرأي العام أو هيأ لها، وهي نقلة من السؤال حول مبدأ إقامة"دولة الحكم الذاتي" إلى السؤال: متى تقوم"الدولة" التي ستعترف بها تلك الدول إذا ما أرجئ موعد الإعلان عنها إلى موعد آخر غير الرابع من أيار 1999؟! وقد أرجئ فعلاً إلى شهر تموز، وهو بتقديري موعد مطاط.
وقد خلق هذا الأمر وهماً أو جسَّده لدى بعض الأطراف التي رفضت أوسلو وكل ما بني عليها ونتج عنها وقدمت دماً على طريق إسقاطها، فحضرت الاجتماع الأخير للمجلس المركزي والمجلس التشريعي ولو بصفة مراقب، ذلك الاجتماع الذي فتح الباب أمام تأجيل الإعلان وأشار ببدء التحضير القانوني لها.
ويشكل حضور حماس بشخص الشيخ المناضل أحمد ياسين لغزاً عند بعضهم وصدمة عند آخرين، وموضوع تساؤل واستفسار وتخرّص بتحول عند فريق ثالث.
ومن حق محبي حماس والمتعلقين بنضالها النوعي وموقعها النضالي وحضورها الكبير، لا سيما في الأرض المحتلة، أن يمروا بكل ذلك، وأن ينتظروا أجوبة مقنعة عن الأسئلة وجيهة.
من جهتي لا يداخلني شك في مبدئية حماس، وسلامة توجهها النضالي، وإخلاصها في الجهاد من أجل تحرير فلسطين، كل فلسطين؛ ولا تغيب عن ذاكرتي وصفحة وجداني عملياتُها النوعية في فلسطين، ولا مواقف قادتها ومناضليها في غزة والخليل والقدس، ولا صمود عناصرها، وعناصر الجهاد الإسلامي وبقية المعتقلين الفلسطينيين، والعرب في المعتقلات والسجون الصهيونية؛ وسيبقى مشهد مرج الزهور، والخيام المكللة بالثلج العامرة بالمؤمنين، وبحرارة الإيمان ماثلة في مخيلتي وبصيرتي مدى الزمن.
وحين أتساءل: هل حضرت حماس اجتماع أواخر نيسان 1999 من باب المناورة؟! أم من باب المعرفة للأوضاع والأفكار والتوجهات من الداخل؟ أم من باب التفكير والتدبّر فيما يمكن أن يحدث من تحوّل في الساحة الفلسطينية بعد قيام"الدولة" الفلسطينية؟!
حين أتساءل عن ذلك لا يخامرني شك في أن حماس ستواصل التمسك بمبدئيتها، ولكنها تنصف نفسها، والمتعلقين بها حين تقدم تفسيراً لموقف قد يتخذه أهل أوسلو ذريعة للقول: إن قلب المعارضة الفلسطينية وقوتها الأكبر في الأرض المحتلة هي مع هذه"الدولة" وليست"ضدها".
ربما تود حماس ومن قد يشاركها من المعارضين لأوسلو الدخول في"الدولة" لممارسة التغيير من الداخل، وربما تريد مسايرتها لتكسب " الدولة" ما تستطيع أن تكسبه بمهادنة العدو فترة الانتخابات وتضييع الفرص على متطرفيه في أثناء الحملة الانتخابية.. وربما.. وربما... فأهل مكة أدرى بشعابها، وأهل مكة يتباينون في درجة الدراية بشعابها، وفي كيفية سلوك تلك الشعاب.
وأعود من بعد إلى التساؤل عن تفسير حماس لحضورها مراقباً في اجتماع أهل السلطة إلى سؤال"الدولة" ذاته، لكي أؤكد أنه لو كان الأمر يتعلق بالإعلان عن دولة فلسطينية على أرضية المرجعية النضالية والميثاق الوطني الفلسطيني، الذي يشكل دستور الجهاد الفلسطيني بغية تحقيق أهداف التحرير، والعودة وتقرير المصير بحرية وكرامة فوق أرض الآباء والأجداد، لما طرح السؤال الاستنكاري حول الدولة إلا بوجه من يتخلف عن تأييدها، حتى لو قامت على شبر من الأرض المحررة، أو في المنفى... لأنها ستحقق أهدافها المبدئية والنهائية: "تحرير فلسطين" بكل الوسائل الممكنة، وعلى رأس ذلك: الجهاد، والتضحية وحمل العرب جميعاً على تحمل مسؤوليتهم حيال قضية الأمة انطلاقاً من البعد القومي الذي لها تاريخياً؛ ولكن عندما تكون الأهداف النهائية"لدولة الحكم الذاتي" ذي المرجعية الأوسلوية هي: قمع الشعب الفلسطيني في الداخل، وتحقيق ما عجزت"إسرائيل" عن تحقيقه في صفوفه، ومشاركة العدو المحتل أمنياً في ملاحقة مناضليه ، وإقصاء الشعب الفلسطيني خارج فلسطين عن قضيته بمحاولة انتزاع المرجعية منه، وتشويه تلك المرجعية بتزويرها وتقزيمها وإلحاقها بالعدو تابعة ذليلة، راضية بما يمنّ به عليها من فتات حقها. فإنها تغدو"دولة لغماً"، ومطلباً صهيونياً لإفراغ القضية من مضمونها، ولإخراج المناضلين على طريقها من دوائر النضال وداراته، وصولاً إلى تكريس ما اغتصبه العدو من أرض وحق، وما فرضه على الناس بقوة الإرهاب والقهر، وبخلق الوقائع على الأرض لفرض الأمر الواقع، ذلك المسلسل البشع المستمر من الأحداث الذي لا تبدو له نهاية .
ومثل هذا الفخ"الدولة" الذي يؤسس ليكون الوهم بديلاً للنضال والبناء والتحرير، ينبغي ألا يزيّن، ويقدَّم للأمة على أنه الانتصار الذي تم انتزاعه من بين أنياب الوحش بقوة"جبارة" ذات "مهارة وشطارة" وجسارة ؟!
إن كل ما يحقق اعترافاً بالعدو الصهيوني على حساب انتزاع الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني يجب أن يُرفض ويُقاوم، وكل ما تنتجه اتفاقيات الإذعان: "كامب ديفيد- أوسلو- وادي عربة" قياساً على ما أنتجته، وما تضمنته مما سيؤتي ثمره المر لاحقاً يجب أن يقاوم حتى يسقط، لأنه يقوم على أساس التفريط بفلسطين والقدس جزئياً أو كلياً، ويحرم أكثر من نصف الشعب الفلسطيني من حقوقه التاريخية وأرضه وأمنه واستقراره وكرامته، ويبقيه معلقاً في فضاء بين طبقتي القهر واليأس.
إن انعكاسات "دولة حكم ذاتي أوسلو" الذي يزوبعه الإعلام ويزيّنه ويقدمه"نصراً" ينبغي ألاّ يترك إحباطاً من أي نوع في نفوسنا، بل ينبغي أن يدفعنا إلى مزيد من العمل، والإيمان بالحق والنصر، لأنه ما لم يترسَّخ الإيمان بالحق، ويستمر الإعداد والاستعداد، روحياً ومادياً لاستعادته، فإنه إلى زوال؛ يتبعه موت كل كرامة وحق وشعور بالذات والانتماء وبمعنى الوجود.
إن الحياة حركة، والحركة تحمل التغيير، والتغيير يساهم في صنعه القائمون على شؤونهم بوعي ومسؤولية وعلم وإيمان وحسن أداء.. فأولئك يصنعون التاريخ، الذي لا ينتهي أبداً ما دام هناك حياة وأحياء يصنعونه كل يوم.
والله من وراء القصد.
دمشق في 4/5/1999
الأسبوع الأدبي العدد 658
|