|
القمة العربية من جديد
وقفت سورية بحزم ضد انعقاد قمة خماسية لما كان يسمى"دول الطوق" هدفها التنسيق في المفاوضات القادمة مع حكومة ايهود باراك، وكانت موفقة في أمرين:
- عدم إعطاء عرفات فرصة لتقديم المزيد من التنازلات للعدو الصهيوني بغطاء عربي، تكون سورية على الخصوص جزءاً منه.
- كشف حقيقة المناورات التي تلجأ إليها سلطة الحكم الذاتي ودول عربية أخرى لتحقيق مصالح خاصة على حساب القضايا العامة، والمصلحة العربية العليا، حيث تخترق كل تنسيق للعرب عندما تشاء /حالة ما بعد مؤتمر مدريد مثلاً/ وتلجأ إلى طلب التنسيق عندما تشاء / حالة ما بعد توقف تنفيذ تفاهم واي بلانتيشن / غير آبهة بأية أبعاد قومية أو استراتيجية، أو حتى خلقية في بعض الحالات.
لقد غابت كل دعاوى التنسيق والعمل العربي المشترك والمصلحة العربية العليا، وما يتصل بالبعد القومي للقضية الفلسطينية، على الرغم من وضوح ذلك، وتواصله لعقود من الزمن. غابت جميعاً عندما كانت مسارات: (كامب ديفيد/ 1978 - 1979/ وأوسلو 1993، ووادي عربة 1994 تأخذ مجراها إلى التنفيذ؛ وتم في ظل ذلك تفعيل مبدأ السيادة القطرية وما يتصل به من عقد اتفاقيات، وإقامة تحالفات، والقيام بتطبيع واسع للعلاقات، وتعاون أوسع مع العدو الصهيوني؛ واختراق ميثاق جامعة الدول العربية، وما بني عليه أو تفرّع منه من مواثيق واتفاقيات عربية، تحت ذرائع: السيادة القطرية ومصالحها العليا، ورؤية الأنظمة المعنية والحكام لما فيه مصلحتهم.
وقد أوصلنا ذلك إلى حالة من التمزّق والضعف والتردي وفقدان القدرة والمكانة أمام العدو الصهيوني وحلفائه، وأمام الوسطاء والعالم كله، أوصلنا إلى حالة يرثى لها بالفعل.
وأتى على العرب حين من الدهر لم يذكروا، أو لم يتذكروا فيه أن الجولان السوري أرض عربية محتلة، وأن احتلال"إسرائيل" لمناطق من جنوب لبنان والبقاع الغربي ولإقليم العرقوب يشكل منطلقاً للعدوان المستمر على لبنان منذ أكثر من عشرين عاماً؟!
وحده عرفات الذي تنازل عن أهم حقوق الشعب العربي الفلسطيني وأقدسها، وطعن نضاله ونضال الأمة العربية في الصميم، يرتفع صوته عندما يفرِّط أكثر، ويرتفع الصوت معه عندما يقرر أن يتنازل للعدو أكثر مما فعل في مراحل سابقة؛ ويتشكل بسرعة غطاء عربي لفعله ذاك عند الضرورة؛ وعندما لا يكون بحاجة إلى هذا الغطاء يركض في الأرض طولاً وعرضاً ليرتفع إصبعاً فوق ما يقدمه من تنازلات بوصفها توجهاً حضارياً ورثه عن المقتول أنور السادات!؟.
في القمة الدولية المشهورة، قمة شرم الشيخ 1996 التي أعطت لشمعون بيريس تفويضاً بارتكاب مذبحة "قانا" انصب غضب بعض العرب الذين حضروها على سورية، وقال رئيس وزراء دولة عربية آنذاك ما معناه: "إن الإرهابي هو الذي رفض حضور قمة شرم الشيخ" وكان المقصود سورية؛ وارتفعت الدعوة لمعاقبتها من " الصهيونية و" المجتمع الدولي " وعرب التفريط!؟. لقد عُزلت وعُزل مسارها، وانصب غضب عرب، و"المجتمع الدولي" على المقاومة ومن يدعمها ويؤيد نضالها، لا سيما سورية وإيران.
لم يتذكر أحد أبداً"التنسيق" و"دول الطوق"، وإخوة السلاح، وأبناء الأمة الواحدة شركاء السراء والضراء آنذاك، كانت الهرولة سمة المرحلة، ومن يهرول أكثر إلى أعتاب العدو الصهيوني يحق له أن يحلُم أكثر بأمن وازدهار واستقرار، وعلى الخصوص باستمرار حكمه.
ولم تستطع البارقة الطيبة التي ظهرت في القمة العربية التي انعقدت عام 1996 أن تحقق قراراتها، فضلاً عن أهدافها؛ فالدعوة إلى وقف التطبيع مع العدو الصهيوني نفّذت جزئياً من بعض الأطراف العربية، في حين تصاعدت وتائر التطبيع واتسعت آفاق تطبيقه، وتجذّر أكثر في بعض الساحات والأوساط العربية.
ولم تستطع مؤسسة القمة، ولا مؤسسة الجامعة العربية، ولا أطراف المسارات التفاوضية السالكة مع العدو الصهيوني أن توقف الاستيطان وتهويد القدس، ومشاريع إعادة النظر في اتفاق أوسلو البائس، والاتفاقيات الفرعية المؤدية إلى تنفيذه، والرامية إلى تخفيض سقف مطالب سلطة الحكم الذاتي باستمرار، وإزالة كل ما تكتشف"إسرائيل" أنه ليس في مصلحتها مما وافقت عليه.
وحين قدِّم اتفاق، أو مذكرة/واي بلانتيشن/ نتنياهو - عرفات/ إلى العرب والعالم على أنه"نصرٌ فلسطيني" انتزع من بين أنياب التنين، كان واقع الاتفاق، وواقع الأمر يشيران إلى مزيد من البؤس والتفريط من جانب السلطة، وإلى مزيد من الاستيطان والتهويد من جانب الصهاينة المحتلين.
وها هم العرب اليوم يدعون إلى"تنسيق" لمواجهة استحقاق المفاوضات في عهد"إسرائيلي جديد" هو عهد باراك.
وقد عُمِّد هذا العهد عملياً، وبموافقة باراك اللاحقة، باستئناف البناء في جبل أبو غنيم وباب العمود وباستمرار الاستيطان، وبتوسيع القدس إدارياً لتضم الخان الأحمر"معاليه أدوميم" خطوة أولى ثم أبو ديس وبقية القرى خطوة تالية بهدف:
1- تشكيل حزام استيطاني صهيوني حول القدس يمكّن من حمايتها وتوسيعها، وفتح أبوابها أمام مزيد من اليهود، لإبقائها كما تصرِّح الأحزاب والهيئات والتنظيمات"الإسرائيلية" والصهيونية جميعاً: "عاصمة أبدية موحدة" لإسرائيل".
2- إضفاء الشرعية والسيادة الصهيونيتين على مستوطنات قائمة حول القدس تقع حسب اتفاق"أوسلو" تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.
3- إيجاد مخرج إداري- قانوني- سياسي- نفسي يمكّن سلطة الحكم الذاتي من الادعاء بأنها حققت شعارها"القدس عاصمة للدولة الفلسطينية"، من خلال ضم قرية "أبو ديس" إدارياً للقدس، وجعلها مقراً أو عاصمة للدولة الفلسطينية المنزوعة السيادة، والمحرومة من السيطرة على أرض، ومن امتلاك قوة، ومن التواصل مع الجوار العربي من خلال حدود معترف بها ومسيطر عليها ومفتوحة عملياً في هذا الاتجاه.
4- جعل مناطق نفوذ السلطة، مقسمة على هيئة جزر في غزة، والضفة الغربية لا تتواصل ولا تتكامل.
إن الدعوة إلى عقد قمة تنسيق عربي خماسية، التي انطلقت فعلياً بسبب تخوّف عرفات من استئناف المفاوضات على المسار السوري وتعرض"مساره" هو إلى جمود، هذه أخفقت عملياً بسبب عدم اقتناع سورية بجدواها.
وعلى الرغم من أنه لا يوجد مسوِّغ لمخاوف سلطة عرفات من جمود مسار مفاوضاتها بسبب تقدم محتمل على مسار المفاوضات السوري اللبناني مع العدو الصهيوني؛ إلا أن اللهاث يتصاعد بسبب العَدْو في هذا الاتجاه. وعرفات عملياً لا يحتاج مطلقاً إلى تنسيق من أي نوع لأنه لم يحترم، ولا يحترم تنسيقاً من أي نوع، إنه يحتاج إلى حشد التأييد له في مسار تنازلاته، ويحتاج إلى غطاء عربي رسمي يواجه به على الصعيدين الشعبي والإعلامي.
فهل هذه الحقيقة وحدها، أو الرغبة الجامحة وحدها، هي التي تدفع باتجاه عقد قمة عربية: خماسية أو شاملة؟! وهل قمة عربية شاملة مما يمكن أن يُرفض لأنه سوف يسخَّر لهذا الشأن من الشؤون أو ذاك؟!
لم تقل الدول العربية بعد رأيها النهائي بشأن الدعوة، التي انطلقت من المغرب، إثر زيارة الرئيس حسني مبارك لها خلال الأسبوع الماضي، لعقد قمة عربية شاملة بعد إخفاق مشروع عقد قمة خماسية لما يسمى "دول الطوق".
وقد كان هذا التوجه لعقد هذه القمة قائماً قبل أشهر، لا سيما بعد العدوان الأمريكي- البريطاني على العراق، ولكنه اصطدم بعقبات وأرجئ؛ وها هي الدعوة تعود اليوم ليكون التنسيق، أو الموقف من المفاوضات القادمة مع حكومة باراك أحد بنود جدول أعمالها.
فهل المناخ العربي لعقدها اليوم هو أكثر ملائمة مما كان عليه قبل أشهر؟! وهل الدافع لها هو مطلب سلطة الحكم الذاتي؟! وهل تنعقد وتحقق أهدافاً إيجابية؟!
لا أزعم أن الإجابة عن الأسئلة السابقة مما يمكن الجزم به، ولكن مقاربة الجواب هي ما نقوم به.
لا شك في أن عقد أي قمة عربية تسفر عن تعميق للتفاهم والتضامن ووحدة الموقف أو الصف، هي مطلب ومكسب، وكل قمة لا تؤدي إلى تحسّن الأوضاع القائمة أو إلى مجاوزة ما يستجد من مشكلات وأزمات وصعوبات في الساحة العربية؛ تصبح عبئاً على الأمة وليس لها مصلحة في انعقادها.
وقد أحبطت الجهود التي بذلت لعقد قمة موسعة في الأشهر الماضية لأن المناخ، واستقراء النتائج المحتملة لعقدها لم يكونا إيجابيين بنظر المعنيين؛ وقد قيل في ذلك الوقت إن قرارات قمة القاهرة 1996 وتوجهاتها مازالت صالحة للمرحلة، ولم يتم تطبيقها، وعلى رأس ذلك كان موضوع وقف التطبيع مع العدو الصهيوني بسبب الاستيطان والتهويد على الخصوص وعدم احترام الاتفاقيات المعقودة.
إن الوضع العربي الراهن أمام مستجدات واحتمالات وقراءات جديدة للأحداث والأوضاع، عربياً، ودولياً، لا سيما بعد الذي حدث في كوسوفا، ونتائج تدخل الأطلسي، وخروجه من ذلك التدخل أكثر تماسكاً وقوة بل أكثر شغفاً واستعداداً لفرض رؤاه على العالم، وتنفيذ استراتيجياته في المناطق التي تعنيه. وكل هذا إضافة إلى ما يلوح في الأفق من استئناف للمفاوضات ورغبة في فرض الحسم على العرب؛ مما لا يمكن التغاضي عن تأثيره وحضوره والبحث عن موقع وموقف واضحين حياله.
وإذا كانت القمة ستواجه الوضع الراهن من جوانبه جميعاً، لا سيما ما يتعلق بمسارات التفاوض و"التصفية النهائية" للقضية الفلسطينية، وستتحمل مسؤولية قومية بروح من الجدية التامة والتضامن؛ فإن ذلك يستدعي أن تعقد وأن تنجح. ولكن هل هذا هو التوجه الفعلي. ما ملامح المناخ العربي اليوم؟!
- نحن نعرف أن الحصار على الجماهيرية العربية الليبية قد علِّق، ويحتاج إلى قرار نهائي لرفعه كلياً؛ وأن الحصار على العراق ما زال مستمراً، والطلعات الجوية الأمريكية- البريطانية فوق الأراضي العراقية ما زالت مستمرة هي الأخرى، وأن هناك قصفاً لمواقع من آن لآخر، فالخطر والتهديد في هذا المجال مستمران.
- ونعرف أيضاً أن روحاً إيجابية نمت جراء التفاهم والتعاون اللذين تما بين إيران وبعض دول مجلس التعاون الخليجي لا سيما السعودية؛ ولكن هذين: التفاهم والتعاون بالذات خلقا خللاً في علاقات مجلس التعاون ذاتها/ السعودية والإمارات العربية المتحدة/ لأن التقارب مع إيران لم يؤد إلى حل لمشكلة الجزر، بل أدى إلى تعقيدها من وجهة نظر الإمارات، وإلى أن تشدد إيران من قبضتها على الجزر التي تحتلها : " أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى" كما تقول الإمارات، وقد أضاف هذا الوضع سلبيات إلى سلبيات عربية سابقة، ولكنه وضع علامات على طريق تعاون استراتيجي عربي- إسلامي من جهة ؛ وفتح صفحة مستقبل ما بعد رفع الحصار عن العراق الذي لا بد أن يتم ولابد من الاستعداد له عملياً من جهة أخرى!؟ وأرى أن التوجه الجديد للتعاون في منطقة الخليج يأتى في إطار الإعداد والاستعداد لذلك الاستحقاق القادم، الذي يحتاج إلى إقامة توازن قوى جديد في منطقة الخليج حسب تقدير المسؤولين الكبار عن التخطيط العام. لأنه من غير الممكن أن يتم لإخراج القوى الغربية / الأميركية على الخصوص/ الموجودة في الخليج؛ وإنما يتم لإعداد وضع بديل تطمئن إليه وإلى حاجته المستمرة لها ، وإلى أنه لا يهدد مصالحها.
فهل هذا التعاون مقبول عربياً ودولياً أم هو مرفوض، ومما لا يمكن الاطمئنان إليه، أو السماح بقيامه أصلاً؟!
وما هو موقف الغرب وبعض العرب في العمق منه؟! وهل سيعود أمن الخليج لأهل الخليج فقط ( من عرب وإيرانيين) يا ترى؟ أم أنهم جميعاً سيدخلون في إطار آخر. إطار استراتيجية أوسع قد يؤدي إلى صراعات جديدة، وكوارث جديدة يدفع ثمنها العرب والمسلمون؟!
وهذا التقارب السعودي ـ الإيراني بالذات خلق بتقديري أوضاعاً جديدة، وجعل بعض الدول العربية تشعر أنه يتم على حساب دورها ومركزيتها/مصر مثلاً/ وبدأ في ضوء ذلك سعي نحو تفعيل دور إفريقيا العربية من جانب مصر العربية، لمواجهة فاعليات عربية باتجاه آخر. فهل هذا سيؤول إلى محاور عربية- عربية تتناحر وتخرّب ما هو قائم من أوضاع؟ أم أنه سيؤدي إلى مجاوزة سوء التفاهم، والمخاوف والشكوك القائمة لدى بعض الأطراف العربية؟!
وما هو يا ترى الدور المغاربي الأشمل الآن بعد توجه الجماهيرية الإفريقي ومحاولتها إدارة الظهر للعمل العربي/وحدوياً ونضالياً/!؟ وحتى إذا كان هذا التوجه مفروضاً عليها أو مطلوباً منها كجزء من صفقة حل مشكلة لوكربي ورفع الحصار، أي أن تعطي ظهرها للقضايا العربية والعمل العربي؛ فإنه في النتيجة يؤدي إلى نتائج يسفر عنها توجه قائم وعمل يتم في إطاره، وله مرتسماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وربما الثقافية أيضاً!!
وما الموقف العربي من استحقاقات تتعلق بالعراق وبما يرتَّب له؟! وبالسودان وما يجري فيه؟!
إن الأسئلة الفرعية كثيرة، ولكن أهم القضايا تتعلق، حسب تقديري، بمفاوضات"السلام"، وبالعلاقات المستقبلية مع إيران في ضوء ما يستجد على ساحة العراق، وفي ضوء التحالف التركي " الإسرائيلي" الذي لم يغب عن الفعالية والحضور، ولن يغيب في المؤتمر العتيد ولو في حدود.
وفي الأحوال جميعاً يبقى موضوع عقد قمة عربية تؤدي إلى مزيد من التضامن والتعاون والتنسيق بين الأقطار العربية أمر مفيد. ولكن أي قمة تشكل غطاء للتفريط والتنازل عن الحقوق، أو تقود إلى مزيد من المشكلات والأزمات، وتسفر عن تعميق الصراعات الثنائية، ولا تأخذ المصلحة العربية العليا بالاعتبار، ولا تقدم القطري على القومي، ومصلحة نظام على مصلحة الأمة، وتراعي الثوابت والروابط العربية، تبقى مفيدة وضرورية.
فهل هذا هو يا ترى ما يتوجه إليه دعاة القمة الآن؟! وهل الحرص هو الذي يدفع باتجاهها أم الخوف والطمع في موقع وغطاء،؟! وهل تكون بمنأى عن تدخل ما من أي نوع من قبل القوى المؤثرة سياسياً وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية؟!
وهل تكون عربية الوجه والقلب واليد واللسان، أم أنها ستكتفي بأن تتقنَّع بشيء من ذلك؟!
إن الزمن والنتائج خير من يقدم الجواب، ونحن ننتظر الأفضل ونتمناه.
والله من وراء القصد.
دمشق في 16/ 6/ 1999
الأسبوع الأدبي العدد 664
|