صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

شتاء في صيف حارق

ثلاثة مداخل أولى للكلام عن شتاء صيف حارق، أو حرق مريع في أول خريف قادم يعمَّد بمطر كبريتي غضوب إن لم..!!‏

المدخل الأول: حريري الملمس حلو النغمة، يتسلل إلى مواطن الثقة، ويتوسل إليها بما يعتمل في الذاكرة، وبما يريد أن يغرسه أو يحييه فيها ؛ ولكنه يدلف دائماً إلى مزيد من العتمة والشوك في أثناء تقدمه، ليستنبت في النفس وضعاً جديداً على أرضية الرغبة والرهبة كما يوحي باستحضار ما في الذاكرة العربية من وجع مزمن، إذا لم يستجب القلب للطف الإغراء، ونُذُر أفاعي الإغواء!؟‏

جيمس بيكر وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية الأسبق، الذي كوَّن رصيداً نسبياً من الثقة المتبادلة مع بعض المسؤولين يقوم مع دجريجيان الأرمني ـ السوري النشأة والسفير الأميركي السابق، يقومان بزيارة للمنطقة تحمل التفاؤل على راحة دبلوماسية خبيرة، بعدما أشاع الإعلام تلك " الراحة " إثر غياب نتنياهو ومجيء باراك رئيساً لحكومة العدو الصهيوني؛ وكأن " إسرائيل " بلا نتنياهو تتجرد من كل عنصريتها وعدوانها واحتلالها ومشاريعها العدوانية ولا شرعية وجودها!؟. والرسالة المحمولة بسيطة ومفيدة وموجزة: باراك يريد السلام ويملك تفويضاً شعبياً واضحاً بذلك، وسيبدأ المفاوضات مع سورية من النقطة التي توقفت عندها في واي بلانتيشن / شباط 1996 / وهو على استعداد للانسحاب من جنوب لبنان، وللاعتراف بدور سوري رئيس في لبنان لا ينازعها فيه أحد؛ كما أنه على استعداد لانسحاب من الجولان في إطار المفاوضات؛ مع تأكيد أهمية الأمن لـ " إسرائيل"؛ صحيح أن المستوطنات عقبة قد لا ينجح في تذليلها الآن، فهو مكبل بما اتخذته الحكومة السابقة في هذا الصدد، و " إسرائيل" ، " دولة ديمقراطية علينا أن نراعي بعض حساسيات "مجتمعها" ولكن المناخ ملائم لتسوية إن لم تأتِ اليوم فلن تأتي بعد ألف سنة قد تكون سنوات حرب على حد تعبير دجرجيان!؟!. وعلى هذه الأرضية الحريرية، يتقدم مارتن إنديك مساعد وزيرة الخارجية الأميركية/ يهودي صهيوني أسترالي/ ليقود المفاوضات المقبلة على المسار السوري ويلوح مع أوري ساغي ممثل باراك في المفاوضات على المسار السوري، بعصا الماريشالية الأميركية الخارجة للتو من عتمة البلقان؛ وهو يتحرك على وقع عبارات أمريكية تنطوي على التفاؤل، وعلى التهديد المبطن في آن معاً: إمَّا حل على أعتاب الألف الثالثة وإمَّا حرب تمتد ألف سنة!؟ ويفحُّ التهديد من تلك العبارات حين تلقي التساؤل الاستنكاري المفعم بالخبث العنصري، وبنغمة احتجاجية يعج فيها التهديد، حين يرد القول الأميركي على لسان أحد الساسة المشار إليهم:"إسرائيل يدفعها الخوف لطلب المزيد من السلاح ، ولا نعرف لم هذا الخوف وهي تملك من السلاح ما يكفي لتدمير الوطن العربي كله ثلاث مرات على الأقل"!؟وهي نغمة قد تنطلي على السذج، أو هي تُرمى هكذا لتجد من يسوِّغها ويسوِّقها لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية التي "تقاوم الضغوط" الصهيونية لمزيد من التسلح والتشدد!؟!. إنه زحف الحديد القاسي في الحرير الزاهي، وتسريب الرعب مع خرير الساقية المنحدرة إلى الغدير. ويمضي الكلام في حلة التأكيد الأمريكي المتجدد: نحن نلتزم التزاماً مطلقاً وثابتاً بأمن " إسرائيل" ورفاهية شعبها" !؟! ولا يوجد من يعجب أو يستغرب من تناقضات أميركية صارخة إلى حد مذهل، فهذه قضية تم الاعتياد العربي عليها، بل إنها أصبحت تلبي حالة مازوخية مرضية .‏

ومن بيت الأفعى التي فرَّخت في مهد أراد أن يطردها منه السيد المسيح/ يا أولاد الأفاعي.. / ينتشر فحيحٌ عنصري تاريخي يرفد المسارات السابقة ويكمل ما ترمي إلى إحداثه من أثر، فحيح تلخِّص مغزاه عبارةٌ جاءت في آخر لقاء منشور مع ايهود باراك، الذي يُساق التفاؤل بمقدمه صباح مساء، وهو الذي أقر الاستيطان في جبل أبو غنيم، وباب العمود، وموضوع ضم الخان الأحمر " معاليه أدوميم" للقدس، حسب برنامج اليمين الراحل ، والذي يعلن تمسكه بالقدس عاصمة " أبدية لدولته" ويثبت لاءاته الأربع التي يتممها: رفض الدولة الفلسطينية؛ ورفض منح سيطرة على أرض أو حدود للفلسطينيين؛عبارة جاءت تؤكد تاريخاً عنصرياً حيث قال باراك عن العرب في ذلك الحديث: " نحن نعيش في محيط متوحش" ولذلك فالأمن أساسي لنا؟! ترى بماذا يختلف هذا الموقف والسلوك والاعتقاد والنظرة عن الصهيوني المغادر بنيامين نتنياهو؟!... وشفع باراك هذه العبارة بعبارة أخرى عن سورية تقول:" سورية تملك قوة صاروخية تغطي مساحة إسرائيل وتشكل تهديداً لنا"؟! ولهذا القول معناه ومغزاه.‏

وعلينا أن نقرأ جيداً مغزى العلامات الثلاث السابقة المتكاملة أمريكياً وصهيونياً، ففيها: وعد بدعم الحل الصهيوني ـ الأميركي المفروض وإلاّ فألف سنة من الحرب قادمة وفيها الغرب و"إسرائيل" حلفاء وشركاء، وفيها تذكير بقوة العدو الذي يستطيع مع حلفائه أن يفرض ما يريد في المنطقة وعلى أهلها، وتذكير لسورية بأن قوتها التي قد تشكل خطراً هي قوة مرصودة، والرد عليها لا بد من أن يشغل بال الإسرائيليين وحلفائهم؟!‏

إذن الحل قادم، وهو حل يقدم فيه كل طرف تنازلات، كما يقول الوسطاء والرعاة!؟ وعلينا أن نسأل عن معنى التنازلات التي يُراد منا أن نقدمها ونحن نطالب بالجولان، وبالانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران 1967 هل هي مناطق من الجولان باسم أغراض الأمن الإسرائيلي المطلوب تفهم ضروراته، ومنها قمة جبل الجرمق مثلاً وضفاف طبريا؟! أم هي تنازلات تتصل بالموقف من البعد القومي للقضية القومية، قضية فلسطين، وبالحق التاريخي للشعب الفلسطيني الذي لا يمثله عرفات، ولا يطالب بحقوقه ـ فهو مسؤول عمن يخضع له فقط ويتبعه تبعية عمياء ـ بعد أن تم اعتراف بالكيان الصهيوني واغتصاب معظم فلسطين؟! أم هي في المشروع والدور القوميين اللذين تتطلع إليهما سورية وتجد نفسها، قومياً، فيهما ولا يجوز أن تتنازل عنهما!؟ أم هي في تعهد مطلوب يشمل أمن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة المتاخمة للبنان؛ مع ما يرتبه ذلك من صراعات على الأرض، وما يخلقه من مشكلات لا تُعرف نهايتها؟! أم هي مما يتصل بتوطين الفلسطينيين في سورية ولبنان وبقية الأقطار العربية، وهو ما بدأ التذكير الإعلامي لسورية بأنه كان مطروحاً ومقبولاً من حكومات سورية سابقة في عهد كل من: حسني الزعيم وأديب الشيشكلي، قبل أن تنشأ مشكلة احتلال الجولان، حيث أبديا الموافقة على الاعتراف بدولة العدو الصهيوني وعلى التوطين في مقابل حدود تقع في منتصف بحيرة طبريا إضافة إلى بعض المناطق الجغرافية الصغيرة الأخرى!؟‏

المدخل الثاني: يتصل بالعراق وما يُهيأ له بعد أن تتالت التصريحات الأمريكية وتكاثفت بهذا الشأن، لا سيما بعد انتهاء حملة الأطلسي بنجاح في كوسوفا، والإعلان عن اقتراب موعد الحسم، والتحرك السريع في الإعداد لذلك " الاستحقاق" سواء أكان ذلك تحركاً من أجل توحيد قوى المعارضة العراقية، وجمعها في مؤتمر يخطط لعقده؟ أم في إثارة وإشعال بؤرة التوتر الجاهزة للتفجر بين العراق وإيران، بعد قصف معسكر " مجاهدي خلق ـ المنافقين حسب تسمية إيران لهم " / أكثر من مئة كيلومتر إلى الشمال الشرقي من بغداد/ ؟! لأن مثل ذلك يمهد الطريق لتدخل بري لا بد منه لتحقيق التغيير الذي يتم التخطيط له. وقد عُرض شيء من هذا على الدول المجاورة للعراق ولم يلق منها قبولاً. ولا يستبعد مطلقاً، في ظل القصف المستمر على العراق،وتغذية ما كان في النفوس من بغضاء بين الإيرانيين والعراقيين ، وما يعتمل تحت الرماد بين البلدين، لا يستبعد أن تنجح الولايات المتحدة وبريطانيا في إشعال نار الحرب من جديد بين دولتين يريد الغرب وتريد الصهيونية التخلص من توجههما السياسي، ومن معارضتهما لعملية "السلام"، ومن تأثير وجودهما كدولتين قويتين في منطقة الخليج!! كما لا يستبعد أن ينجح المسعى الأمريكي في إعداد المناخ الملائم لجعل بعض دول مجلس التعاون الخليجي تقبل بأن تكون منطلقاً لتدخل بري عند الضرورة ، بعد أن كانت ترفض ذلك أو تعارضه، وهو ما يلمّح به مارتن إنديك هذه الأيام!؟.‏

المدخل الثالث: يتصل بالسودان وما يمثله، وبمن يتعاطف معه في الوطن العربي والعالم الإسلامي، حيث يدبر له فخ مهلك قد لا يكون باستطاعته تحمل نتائجه. وقد تجلى ذلك في وضع مشروع قرار يتبناه ثلاثة أعضاء من مجلسي الكونغرس الأميركي هم : "سام برونباك، ودونالد باين، وتوم تانكريدو" ويساند حملتهم مجموعة من النواب على رأسهم السناتور فرانك وولف المعادي بشدة للسودان. ومن المقدر أن يصدر ذلك القرار عن مجلسي الكونغرس في وقت واحد ويتضمن: دعوة للرئيس الأمريكي ليقوم من خلال مجلس الأمن الدولي ـ وهو أداة أمريكية عند اللزوم كما هو معروف ـ لفرض حصار على السودان، ومنع الطيران السوداني من التحليق فوق جنوب السودان،وفرض حظر على بيع أية أسلحة للسودان، وتسليح المتمرد جون غارنق ليتم تقسيم السودان وإقامة دولة موالية عقائدياً وسياسياً للغرب،وجعل الثقافة العربية والعقيدة الإسلامية تتكافآن إفريقياً. ويتم ذلك في ظلال حملة شرسة متصاعدة الآن لإعداد الرأي العام الأميركي والعالمي ضد السودان بتركيز الاتهام للسودان بالإرهاب، وبأنه يشن حرب إبادة على السكان في الجنوب، ويقوم بانتهاك حقوق الإنسان وبممارسة تجارة الرقيق ـ تلك التجارة اختصاص يهودي ـ أمريكي في القرون الثلاثة الماضية على الأقل كما نعرف ـ وبتهديد المصالح الأميركية في إفريقية.!؟ وكل هذه الأمور تسوِّغ التدخل العسكري في السودان حتى تحت غطاء الأمم المتحدة الذي تعده الإدارة الأمريكية والحركة الصهيونية بعناية.‏

والمداخل الثلاثة التي أشرت إليها تجعل أفق هذا الصيف ملبداً بالغيوم السامة التي تسيِّرها رياح السياسة والمصالح الصهيو ـ أميركية، وهي تنذر بمطر الكبريت في سماء المنطقة العربية، إذا هي رفضت العروض الأمريكية التي تفيض ذلاً وسماً يفيضان من شفاه حريرية صفراء مثقلة بالغطرسة والتهديد والعنصرية، والحقد التاريخي لكل ما هو عربي وإسلامي؟!‏

وفي الوقت الذي يرتفع فيه نداء لقمة عربية لمواجهة استحقاقات "السلام" بالدرجة الأولى، ولتنسيق الجهود العربية لتمكين الذين فرَّطوا بالقضية ورموا كل نوع من أنواع التنسيق العربي وراء ظهورهم، لتمكينهم من الاستمرار في أدائهم البائس المدان، تحت غطاء عربي يسوِّغ كل التنازلات: منذ كامب ديفيد حتى وادي عربة، مروراً بحضيض "أوسلو" و" واي ريفر" الأسوأ والأردأ والأبشع من كل ما مرَّ في تاريخ القضية الفلسطينية؛ وفي مجرى الصراع العربي- الصهيوني؛ في هذا الوقت تجري تهيئة الأجواء والأدوار السياسية العربية ليقوم كل ذي حاجة ومصلحة وارتباط بدوره المرسوم له، وبما يخدم مصلحته الضيقة، ويلبي طموحاته وتطلعاته الأنانية: فـ " من كل حسب جهده ولكل حسب حاجته"، وويل لمن يرفض أن يضع رأسه بين الرؤوس تحت سقف الرحى الأمريكي، في هذا العهد الأمريـ ـ صهيوني الأسود البغيض!؟!‏

إن " نوايا الخيِّرين " تتركز الآن في واشنطن على أبواب مناقشة الموازنة الأمريكية القادمة، وعلى أعتاب الاستحقاقات الرئاسية التي تحتاج إلى انتصارات تعزز الضربة الموفقة لكلنتون في كوسوفا. وعندما يشكل باراك حكومته، التي يرجح أن يدخلها الليكود، وبعد أن يجتمع بالرئيس كلنتون، يأتي موعد القمة العربية الشاملة، التي وافق على انعقادها معظم القادة العرب، لتقرر ما " تمليه الحكمة" في ظل المتغيرات الجديدة!؟! إذ إن الأمور سوف تكون واضحة بما فيه الكفاية لاتخاذ قرارات عربية، والعقبات التي قد تقف في الطريق سوف تسوَّى : إمَّا بالإغراء والإغواء، أو بمطر عاصف في صيف حارق أو خريف كبريتي المطر، ينذر بالكثير، وبالمثير من الأمور.‏

فهل عرب اليوم على استعداد لمزيد من الانحناء، أو لمزيد من الدم والبؤس والمعاناة؟! أو نسأل عن الصمود والتصدي والتوازن الاستراتيجي ، أو أن ذلك قد أصبح من أحلام الماضي!!.‏

دمشق في 23/ حزيران 1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 665‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244