|
عند عتبة ذلك الزمن ...
التفاؤل الذي يجعل الناس يقفزون فوق مخزون الخبرة والذاكرة الذي راكمته التجارب عبر عقود من الزمن، يتحول إلى وهم، أو يجر مخاطر ابتلاع الوهم والتأسيس على معطيات تنبت في أراضيه.
ويبدو لي أن التفاؤل بـ ايهود باراك وحكومته والعهد الصهيوني الجديد الذي يدشنه بعد هزيمة نتنياهو يقود إلى شيء من هذا، وقد يؤدي تناميه إلى طأطأة الرأس قليلاً للمرور من تحت مسطحات سقوفه المتدرجة نحو الأخفض بالنسبة لآمالنا وحقوقنا وتطلعاتنا نحن العرب.
فتدمير البنية التحتية في مواقع كثيرة من لبنان في العدوان الصهيوني الأخير /26 حزيران 1999/ وقتل وجرح عشرات الأشخاص من عرنين الجنوب إلى تلاع بعلبك مروراً بخواصر بيروت، نسب إلى نتنياهو فقط، وتم تسجيله في صفحة باراك على أنه إحراج لعهده القادم، وقيل إنه لا علم له به إلا بعد تنفيذه؛ وجاء من يجتهد مضيفاً: "إن حزب الليكود عندما أفلس في فرض شروطه على باراك من خلال شارون /عدم الانسحاب من الجولان كله، وعدم التقيد بمرجعية 242 و 338/ وأدرك أنه أصبح خارج حدود الائتلاف الحكومي؛ ووجد المناخ القادم يهيأ بمبادرات كلامية /سورية- إسرائيلية/ تمهد لبناء ثقة؛ وجه ضربته للبنان والمقاومة ليفسد ذلك المناخ ويجعل باراك مقيداً بفعله الذي نفذه، وما قد يحدثه ذلك الفعل من ردود فعل من سورية ولبنان وحزب الله.. فتفسد الطبخة التي كان يعد لها هو من خلال اتصالات سرية قال إن موارتينوس، ورون لاودر قد قطعا شوطاً في مساراتها؟!
قد يكون هذا القول مفهوماً، معقولاً، مقبولاً؛ في الحسابات السياسية والداخلية "الإسرائيلية" ولكنه عندما يتعلق بسورية والمقاومة أو "بأعدائنا الألد" كما يسميهم كل الساسة الصهاينة، وبمن يحملون تشدد المحيط "المتوحش" كما سماه باراك نفسه، وباستراتيجيات المشروع الاستيطاني الصهيوني؛ فإن علينا ألاّ نخطئ في قراءة حقيقية ثابتة ومستمرة: وهي أن الأحزاب والشخصيات "الإسرائيلية" كلها تتبارى في خدمة المشروع الصهيوني وتعمل بتنسيق يضمنه دائماً: الإخلاص لأهداف الصهيونية عبر مرحلية مدروسة ومبرمجة.
لقد سلم حزب العمل /شمعون بيريس/ السلطة لحزب الليكود /نتنياهو/ عام 1996 على بساط من دم أهل "قانا" وفظائع ارتكبت في الجنوب، وها هو حزب الليكود /نتنياهو/ يسلم السلطة لحزب العمل /باراك/ على أرضية من الدم والدمار في لبنان. فلا يغرّن أحد بوهم تحوّل في النزوع العنصري الصهيوني إلى "السلام" وحب "الغوييم" ومجاوزة الحقد والعنصرية البغيضة، فتلك طبيعة يدخل في تكوينها، وتثبيتها المعتقد التلمودي والتربية الصهيونية المستمرة.
وعلى من يتشكك في ذلك، أن يعود إلى تسلسل القدوة المتوارث، إلى نزوع القادة الصهاينة لتحقيق خدمات للمشروع الصهيوني تدخلهم في سجل أبطال اليهود:
*نتنياهو -شارون -شامير -بيغن -جابوتنسكي.
*باراك -رابين -مائير -بن غوريون
أما القدوة الأقدم، فتصل إلى يشوع بن نون بطل الحرائق والغدر والدم في التاريخ الأقدم.
إن العدوان على لبنان -أي الرسالة الواضحة الموجهة إلى سورية- يقدم على الأرض وقائع ويطلق في الفضاء السياسي أسئلة:
الوقائع سوف يتبناها باراك بلهفة، وهو يضع قناع الاستنكار، لأنه منذ كان في رئاسة الأركان وفي ركاب رابين، كان يمارس العدوان، ويريد أن يدمر المقاومة، "ويسحق" حزب الله وسورية إن استطاع؛ ولكنه عندما عجز عن ذلك، وكثر القتل في صفوف جيش العدوان الصهيوني في الجنوب، وتهرأت الميليشيات العميلة وأوشكت على الانهيار، وصمدت وحدة المسارين السوري واللبناني، وتجذر دعم المقاومة في نفوس وسياسات عربية؛ وارتفع صوت المستعمرين في فلسطين المحتلة خوفاً على أبنائهم؛ قرر باراك تبني سحب قوات الاحتلال الصهيوني من الجنوب تنفيذاً للقرار 425، بشروط إن أمكن، وبتدمير يرسخ في الذاكرة طويلاً، ويمنع حزب الله من ممارسة المقاومة انطلاقاً من الجنوب، ويجعل سورية تملي على الحزب إرادة التوقف عن المقاومة: كما تطلب "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية.
وهذه الخطة المقرَّة عسكرياً في الكيان الصهيوني منذ سنوات، والتي تمت مناقشتها سياسياً وأُقرّت من أطراف وتشبث طرف نتنياهو الحاكم، بإملاء شروط من خلال التدمير، أو بتمهيد الطريق أمام تعهدات من نوع ما تحصل عليها "إسرائيل" سواء أكان الحاكم هو أم سواه.
ويبدو أن الرسالة قد وصلت جيداً: -فقد أشير من مراجع سياسية مسؤولة في لبنان إلى أن حزب الله لم يكن موفقاً في قصفه لشمال "إسرائيل" - لم تقل تلك المراجع شمال فلسطين المحتلة- وأعلن على لسان بعض الدبلوماسيين العرب في واشنطن أنه في حال التوصل إلى اتفاق سوري لبناني- إسرائيلي في إطار مفاوضات السلام المحتمل استئنافها، فإن حزب الله سوف يلتزم حدود الاتفاق. والمعنى الخلفي: "سوف يلزم باحترام حدود الاتفاق." . وتلك إشارة مطمئنة صريحة إلى "إسرائيل" ايهود باراك لتتابع إرسال الإشارات المشجعة في فضاء استئناف عملية السلام والإقبال عليها بحماسة كبيرة، متجاوزة ما قد تثيره أطراف صهيونية تضع العصي في العجلات.
وبعد أن:
- أنجز باراك تشكيل حكومته بأناة مدروسة، واستبعد الليكود وقرَّب "شاس"، وأقر مبدأ الاستمرار في ما بدأه سلفه من بناء مستوطنات، وعدم التوقف عن توسيع المستوطنات القائمة، وبثَّ ما أمكن من مستوطنات جديدة بشكل لا يثير العالم، وثبّت استراتيجية تهويد القدس وتوسيعها إدارياً وإبقائها "عاصمة موحدة لإسرائيل"؛ بعد هذا سيتوجه إلى واشنطن حاملاً مطالبه، وشروطه التي اعتدنا أن تتوسع واشنطن في توسيعها وتعميقها، وتضيف قوتها وخبرتها وسلطتها من أجل فرضها وتنفيذها.
-وعاد الرئيس حسني مبارك من واشنطن مشحوناً بالتفاؤل إلى درجة كبيرة، ومشبعاً بـ"الحلم الأمريكي" بسلام في الشرق الأوسط يضعه كلنتون ختاماً لعهده، وتمهيداً لاستمرار عهد حزبه في نائبه "آل غور".
- وتكرس عزم عربي على عقد قمة عربية شاملة يكون أهم بند على جدول أعمالها "التنسيق العربي" لمواجهة استحقاقات عملية السلام: أي الاستعداد لقبول ما يمكن الحصول عليه من تنفيذ اتفاق أوسلو بسقفه المتدني الأخير الذي حملته مذكرة واي بلانتيشن، واستئناف المفاوضات على المسار السوري اللبناني - الإسرائيلي؛ وتسارع وتيرة العمل في أطر المفاوضات المتعددة الأطراف وتوسيع المشاركة فيها ما أمكن.
- وتزايد إشارات التفاؤل ورسالات رسل تعزيز الثقة، بين المتفاوضين في سماء المنطقة.
- وضغط دولي وعربي في اتجاه التوصل إلى حلول تضع حداً للصراع العربي- الصهيوني الذي تحوَّل إلى نزاع لا يجوز أن يحل إلا بالطرق السليمة، ولا يجوز أن يستمر في ظل مناخ دولي جديد تخفق راياته في كوسوفا مبشرة ومنذرة في آن معاً.
- وتراخ عربي في صفوف المقاومين والصامدين والمتشبثين بالحق والمبدأ والثوابت القومية، يضاعفه هجوم عربي على من يتشبثون بذاكرة الماضي" وبتراب أرض لم تعد لهم"، و"بحلم قومي تهاوى عند أقدامهم"؟!.
عندما يحدث هذا كله سوف يفتح باب "عصر جديد" في سجل المنطقة الحافل بالمعطيات، وفي تاريخ الأمة العربية المليء بالغصّات. ومنذ الآن نشهد حشداً في شارع الإعلام، وهجوماً من جيوش الذباب على مقل النسور؛ وتخويفاً وإرهاباً لمن يقول: الله، والحق، والأمة، والتاريخ، وفلسطين، والقدس، والمقاومة، ودم الشهداء، وخلال هذه الأيام يحتشد جمع أهل كوبنهاغن في القاهرة لتجديد الهمة، ومتابعة برنامج التطبيع والاختراق الثقافيين، يحتشدون من: "إسرائيل" وفلسطين أوسلو، والأردن ومصر وأوربا والولايات المتحدة الأميركية لينطلق نعيبهم في وجه من يتمسك بحق ويرفض تكريس العدوان والاعتراف بنتائجه.
وحين نصل بعد أشهر إلى عتبة زمن جديد، وندخل العصر الصهيوني بشموله وهيمنته؛ وتندلق على رؤوسنا كلمات المسوِّغين لنهج الاعتراف بالعدو وتطبيع العلاقات معه، وتتمطى آراؤهم في الفضاء محاولة تغيير سلم القيم ومقومات المعايير، مظهرة القومية أصولية والإسلام إرهاباً والحس الوطني غيبوبة عن الواقع والعصر، والتمسك بالذاكرة والوجدان تحجراً و"ديناصورية" عائدة من عمق التاريخ...
عندما يحدث ذلك، وندلف إلى عتبته، وتنصب علينا مسوِّغاته واتهاماته وسياطه.. تذكروا معنا واذكروا منا الآتي:
1- لن نعترف بالكيان الصهيوني، ولا بحق من أي نوع له في فلسطين، ولن نطبّع العلاقات معه على أي مستوى وصعيد، مهما كان الثمن.
2- لن تمسح فلسطين وشعبها، ولا القدس ومقدساتها ومكانتها، من الذاكرة والوجدان العربيين، وسوف يزداد تاريخها العربي وقداستها سطوعاً في ذاكرتنا والوجدان.
3- لن نتنازل عن حقنا في المقاومة من أجل الأرض والحق والكرامة. وسوف نشحن كلماتنا منطقاً وحماسة وقوة وإيماناً لتزداد تعبيراً عن الأرض والشهداء والمؤمنين بكرامة أمتهم، وبحقها في الحياة.
4- لن نسكت، ولن ننهزم ولن نغير جلودنا، وسيكون لنا صوت هو صوت شعبنا، وصوت شهداء أمتنا على طريق فلسطين وقضيتها العادلة.
قد تمضي عقود من زمن، ولكن إذا حملت الكلمة الصادقة راية الحق والعدل والحرية والتحرير فسوف تأتي أجيال وتتكوّن عقول وقلوب وإرادات تصنع فجراً جديداً للأمة العربية يليق بها وبتاريخها المجيد.
دمشق في 3/7/1999
الأسبوع الأدبي العدد 666
|