صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

مؤتمر تحالف كوبنهاغن

جماعات التطبيع، وعلى رأسها تحالف كوبنهاغن، تستأنف نشاطها التآمري المنظم ضد شعبنا العربي وحقوقه وثوابته المبدئية وقيمه النضالية، وتستأنف ذلك باندفاع أعمى ينطلق من قلب القاهرة، حيث عقدت مؤتمراً حضره مئتا صهيوني ومتصهين ومتعاون مع الصهيونية في فندق "ماريوت" على ضفاف النيل /5-7 تموز 1999/ متحدية مشاعر الجماهير وتاريخ القاهرة ودماء الشهداء.‏

وما كان لذلك الأمر أن يتم لولا تشجيع مستمر بدأ منذ تأسيس تحالف كوبنهاغن في 30 ـ 31 كانون الثاني يناير 1997 حينما باركت جهات رسمية ذلك العمل ودعمته، وكان منها وزير خارجية مصر الأستاذ عمرو موسى الذي أيد انطلاقة ذلك التحالف عند قيامه؛ وكان مقرراً أن يلقي كلمة في افتتاح المؤتمر الأخير في القاهرة، ألغي حضوره وإلقاؤها مراعاة لمشاعر الناس التي جسدها رد فعل شعبي تمثل في مؤتمر مضاد عقد في فندق /شيبرد/ وحضره أكثر من ستمئة مثقف ومناضل سياسي مصري معارض، وباركه الأزهر والكنيسة القبطية وشاركا فيه.‏

لقد كان تحالف كوبنهاغن واضح الأهداف والتوجهات والوسائل والانتماء منذ البداية، فهو تحالف شجعت على إقامته جهات استخباراتية منها: الموساد والـ C. I. A ومولته عن طريق الاتحاد الأوروبي وحكومة الدانمارك التي أغاظها أن تنفرد أوسلو بخدمة متميزة "لإسرائيل" فرغبت في تقديم مشاركة نوعية.‏

وكان لدافيد كمحى /نائب رئيس الموساد الأسبق/ ومارتن إنديك وهما يهوديان صهيونيان، وللمرحوم لطفي الخولي المتعاون معهما والمعتَمَد من عرفات وأوساط رسمية مصرية، كان لأولئك مع وزارة الخارجية الدانمركية الدور الأول في تبني فكرة اليهودي الصهيوني ناحوم فونديك، ومن ثم التأسيس والانطلاقة والتوجه للعمل بتعاون عضوي مع جماعة السلام الآن "الإسرائيلية" وجماعة السلام الأمريكية، وهما جماعتان صهيونيتان قحّتان تعملان في خدمة المشروع التوسعي- العنصري- الصهيوني. وأهداف الاستراتيجية.‏

وما زال لهذا الفريق الذي يتعاون مع ممثل الاتحاد الأوروبي موراتينوس الدور الأكبر في حشد طاقة العملاء وجهودهم لإحداث اختراق في جسم الثقافة العربية، وتوسيع دائرة التطبيع، وتسويغ ممارسات "إسرائيل" ومشاريعها لتهويد القدس، والقفز فوق كل ما تؤسس له من توسع استيطاني لتبدأ مما بعده دعاية مكشوفة "لسلام الاستسلام" الصهيوني- الأمريكي المراد فرضه على الأمة العربية كلها.‏

لقد حشد المؤتمر الأخير طاقات سياسية، وجرّ إليه ممثلين عن: مؤتمر مدريد / رئيس وزراء إسبانيا آنذاك فيليب غونزاليس / وممثل عن اليابان وروسيا الاتحادية، وممثل الكيان الصهيوني، مندوب من سفارة "إسرائيل"في القاهرة ليشعر العالم أنه: مؤتمر دولي، وأنه من أجل "السلام"، وأن "إسرائيل" تلتزم بدعمه!؟ وبمقدار ما في هذا من الغرابة فيه من الصفاقة أكثر وأشد!!‏

فمن قال: إن راعي مؤتمر مدريد الروسي له وجود حقيقي وتأثير من أي نوع في أي اتجاه؟‍! ومن قال: إن مرجعية مدريد محترمة أو مرعية الاعتبار منذ قيام ذلك المؤتمر بعد أن تمت اتفاقيتا: أوسلو بفروعها، ووادي عربة خارج نطاقه وبخروج فجّ عليه باركته الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الأول أو الأوحد لمشروع سلام استسلام صهيوني يفرض على العرب بكل الوسائل الممكنة. ومن قال إن اليابان أو أي من الدول الصناعية الكبرى الأخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوربي، يملك حق الدخول إلى ساحة التفاوض؛ بَلْه التدخل فيه إحقاقاً للحق وإقامة للعدل؟! وإذا كان لأحد أن يدعي شيئاً من ذلك، فلنا الحق في أن نسأله: أين مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة من هذه القضية وفيها؟! وأين عشرات القرارات المتعلقة بها بدءاً من القرار 181 وحتى القرار 425 وأين حضورهما الفعال في هذا المجال، وقد كرسا وجود "إسرائيل"دولة!؟‏

إن استئناف المطبعين والمتآمرين لجهودهم المتلفّعة بمسوح "محبة السلام والعمل من أجله" مع بداية عهد ايهود باراك وحزب العمل، وبتزامن مع منح حكومته الثقة /7 تموز 1999/ وادعائهم أنهم يعملون وفق مبدأ "الأرض مقابل السلام" وضد الاستيطان، من أكثر الأمور استفزازاً للمشاعر، لما فيها من تجنيات على الحقيقة ؛ فنحن نعرف أنهم قاموا بعملية تأسيس تحالفهم مع صعود نتنياهو وحزب الليكود إلى السلطة، ونعرف أنهم من منتجات اتفاق "أوسلو" ومشتقاته، وهو اتفاق حقق "لإسرائيل" من الاستيطان والتهويد والتطبيع ووقف الانتفاضة وتمزيق شمل العرب، وهرولتهم إلى العتبات الصهيونية الدنسة أكثر مما تحقق لها في أي وقت مضى؛ وأنهم يعملون تحت مظلة هذا الاتفاق ويندفعون لتوسيع نطاقه وتعزيز مساره باتفاقيات "إسرائيلية -عربية" تعقد على غراره.‏

وإن في ذلك من تدمير للسلام الحقيقي المرتبط بالعدل ما فيه، وإنه لا يشتمل حقيقة إلاّ على التسويغ والتنازل والتفريط الذي يقوم به عرب من العرب، ودفع البقية الباقية منهم إلى حفرة الذل ذاتها التي سقط فيها من سبقهم إلى توقيع اتفاقيات الإذعان.‏

لقد "احتج" هذا التحالف سابقاً على إقامة مستعمرة صهيونية في جبل "أبو غنيم" أجازها نتنياهو وكانت من مخططات حكومة حزب العمل السابقة، ثم ابتلع التحالف احتجاجه وصمت مع تطور الأمور الداخلية في الكيان الصهيوني، ومع مجيء باراك وحكومة حزب العمل الحالية التي أعلنت أنها سوف تستمر في تنفيذ المستعمرات التي تم البدء بتنفيذها من قبل الحكومة السابقة وهي: جبل أبو غنيم باب العمود، وكذلك تهويد القدس وتوسيعها إدارياً لتضم مستعمرات أخرى تدخل ضمن الأراضي التي من المفترض أن تعاد إلى سلطة الحكم الذاتي بناء على اتفاق أوسلو، والاستمرار في توسيع المستوطنات القائمة، وإنجاز مستعمرات في ما تم الاستيلاء عليه من هضاب وتلال في الضفة الغربية من قبل متدينين ومتشددين يهود- هم الآن أعضاء في حكومة باراك.‏

وهذا يعني بكل الدقة والوضوح أن التحالف التآمري يعمل وفق مرحليات المشروع التوسعي- الاستيطاني الصهيوني، ويبارك ما يتم الاتفاق عليه بين الأحزاب الصهيونية من توزيع للأدوار، كما يبارك قضم ما يتم قضمه من الأرض العربية، وينطلق مما بعده ليحقق "بواقعية سياسية"، "سلاماً واستقراراً وازدهاراً" في المنطقة لا يقوم أي منها إلا على أساس الرضا بما يرضى عنه الصهاينة، والركون إلى ما يحققونه من خطوات في مجال الهيمنة والاستيطان.‏

وهبوب ريح أولئك مع حزب العمل لا يعني حقيقة أنهم ضد ما يحققه الليكود، ولكنه يعني إخلاصهم المطلق لنهج أوسلو الذي ألغى مرجعية مدريد عملياً، وأبعد الأمم المتحدة نهائيا عن القضية الفلسطينية، وأعطى الرعاية التامة والمطلقة لمفاوضات السلام للجانب الأمريكي، أي للمجموعة الصهيونية التي تشرف على هذا الملف، وتقوم بكل ما يلزم للمحافظة على أهداف استلامه والإشراف عليه في الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وهو تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمشروع الصهيوني، وحماية مصالح "إسرائيل" وإخضاع العرب نهائياً للهيمنة الصهيونية في المنطقة وقبولهم المطلق للذل المطلق المتمثل بالاعتراف بحق تاريخي "لإسرائيل" في الوجود وإقامة علاقات طبيعية معها على أرضية ذلك الاعتراف، الذي يبقي الفلسطينيين قسمين: قسم بلا وطن ولا هوية، ولا مستقبل، يعاني من التشرد والبؤس، وقسم بلا سيادة ولا كرامة يقوم بدور العميل والتابع والمقاول في حدود ما تقرره الحركة الصهيونية، وما ترسمه "إسرائيل" وتطلبه منه.‏

إن استئناف جماعات التطبيع لنشاطها الهدام لا ينطوي على استفزاز للمشاعر العربية Kوانحياز للصهيونية فقط، وإنما ينطوي على مخاطر كبيرة تتعلق بالمبدئي والثابت والعادل والبناء مما يتصل بحقائق الصراع العربي- الصهيوني ومعطياته وتاريخه وأهدافه، ومما يتصل بالهوية والشخصية ومقومات التربية وتكوين الرأي العام.‏

وحين تقول هذه الجماعة، التي تمولها جهات غريبة تشكل غطاء للتمويل الحقيقي الذي تقف وراءه أجهزة الاستخبارات الأمريكية والصهيونية بالدرجة الأولى، حين تقول إنها تعمل من أجل "ثقافة السلام" و" تربية من أجل السلام "في أوساط الشعب، وأنها تعمل ليكون "للسلام" جذوره وامتداده في الأوساط الشعبية، فإنما نكشف قمة جبل الجليد في مخطط يرمي إلى تخريب قيم أجيالنا العربية، وجعلها أجيالاً بلا قضية وبلا أهداف تهيأ لها تربية وفق مناهج وبرامج ترمي إلى إعادة تكوين ذاكرتها ووجدانها ومنظومات قيمها بما يرسخ الاعتراف "بإسرائيل" على حساب فلسطين، وبما يكرس غياب الفلسطيني وتغييبه مع قضيته وفلسطين كلها بما فيها القدس، من التطلع والهم والأفق القومي والمسؤولية القومية.وجعل الأجيال تنصرف عن كل ما يتعلق بالتحرير والنضال والصمود، وعن كل تكوين يؤدي إلى صلابة قومية، أو روحية. كما ترمي إلى تكريس مفاهيم مغلوطة وسلبية عن الإسلام، والقومية العربية تؤدي إلى أن تهجر الأجيال قيم الإسلام وتعادي القومية العربية، أو تتنكر لها، أو ترى في دعوتها دعوة عفى عليها الزمن، ولا تلائم المستقبل وعصر "السلام" والعولمة، والحوار مع الآخر والانفتاح عليه!؟ ذاك الآخر الذي ينحسر ويتقزم لينحصر في العدو الصهيوني الذي يغتصب فلسطين ويسيطر على الاقتصاد ويهيمن سياسياً وأمنياً على المنطقة، والذي يبقى من حقه وحده أن يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وأن يطورها لأنه يعيش بين "متوحشين" كما قال باراك بعد فوزه في الانتخابات الأخيرة؟!. ويبقى من حق "إسرائيل" "والتحالف الذي يحمي السلام ويعمل من أجله!؟" أن يحث الولايات المتحدة الأمريكية على أن تلتزم الحكومات العربية بتربية "لا تعادي إسرائيل" ولا تحرض على معاداتها" أي لا تذكر ما قامت به "إسرائيل" من مذابح وحروب وما اغتصبته من أرض وما شردته من بشر، وما عطلته من مسارات تنمية في الوطن العربي.‏

كما تلتزم تلك الحكومات بعدم امتلاك أي سلاح عادي وبعدم تطويره فضلاً عن التزامها بالتحريم القاطع للتفكير في امتلاك أي سلاح أو أي قوة تدميرية شاملة تقترب من موازنة ما يملكه العدو من تلك القوة.لأن معنى السعي لامتلاك سلاح من أي نوع هو سعي لتدمير "إسرائيل" ومعاداة صريحة "للسلام"! أمَّا امتلاك " إسرائيل " لكل ذلك فلا يشكل في عرفهم تهديداً للعرب !؟!.‏

إن هذا التحالف العجيب الغريب، الذي اصطاد بعض المقاولين في مجال الثقافة والسياسة من العرب الضعفاء، وشكل تجارة سياسية - ثقافية، ليغزو بها الأوساط الشعبية العربية، ويتجرأ على الزعم بأنه يمثل توجهاً شعبياً من جهة، ويرمي إلى تكوين توجه شعبي أوسع من جهة أخرى، وله من جلد التماسيح ما يمكنه من الكلام باسم الشعب وهو يتكون من عناصر لا صلة لها بالشعب وهمومه وحقائقه وتطلعاته وتكوين وجدانه.‏

والسؤال الذي يواجهنا منذ سنوات، بعد الذي كان والذي صار من هذا التحالف وأمثاله وممن هم على هوامشه أو في صلب تكوينه من دعاة التطبيع والمروجين له؛ هو: إلى أي مدى يبقى إعلام من الإعلام العربي يروج لهذا التوجه ويضخم أقزامه ويدافع عنهم؟! وهل من يقوم بذلك غافل أو جاهل أم والغ فيما ولغ فيه أهل أوسلو وغرناطة وكوبنهاغن ويشكل أصداف جلودهم؟!‏

وإلى متى تبقى حكومات عربية وسياسات عربية متفرجة على ما يجري تاركة البغاث يستنسر في أرضنا موفرة له حضناً آمناً أو سكوتاً يطمئن الأحضان الآمنة؟!‏

وإلى متى يبقى التيار المقاوم للاستسلام والتطبيع ولتحالف كوبنهاغن وجماعات "السلام" وأهل غرناطة محارَباً معتَّماً عليه، مكتوماً صوته، ينهال عليه الأقزام والجهلة والعملاء التاريخيون، الذين يمتصون دم الأمة منذ عقود و "ويزدهون" بأنهم يناضلون"، ينهالون عليه بضرباتهم؟! إلى متى يبقى أولئك بلا صدى لصوتهم، وبلا إشهار لمواقفهم؟! وما الذي وراء ذلك التصرف والعمل من أسباب؟!‏

إن الخوف ليس من جماعة كوبنهاغن وأحزابها، ولا من العدو الصهيوني ومكائده وعدوانه.. ، على خطورة ذلك ؛ بل الخوف هو من تعالم الجهلة، وتعملق الأقزام، وتسلم الرعاديد مراكب القتال.. والخوف من جهل قتَّال، وانتهازية طغت فوق كل وعي والتزام وحقيقة، وأخذت تصبغ أرض الأمة وقضاياها بصبغة" الواقعية الانتهازية الجبانة" التي تفتك في جسم الأمة أكثر مما يفتك الاستعمار، والعدو الذي يحتل أرض الدار؟! فهل إلى خلاص ووعي بضرورته من سبيل؟!‏

أسأل الله تعالى أن يلهمنا العمل والأمل وسلوك تلك السبيل.‏

دمشق في 8/7/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 669‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244