صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

مرحلة جديدة في المشروع الصهيوني "ســـلام بــــاراك"

الكيان الصهيوني يقترب من الدخول في مفاوضات مع سورية على أساس مرجعية مدريد / القراران 242و 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام/ وهي مفاوضات واي بلانتيشن تستأنف من النقطة التي توقفت عندها في/ آذار 1996/. ويبدو أن الرئيس الأميركي بيل كلنتون يريد أن يحقق شيئاً في هذا الاتجاه ، نجاحاً بعد كوسوفا يعزز رصيد حزبه في الانتخابات الأمريكية القادمة ويمكِّن نائبه آل غور من الفوز في تلك الانتخابات. ولباراك وحزبه مصلحة في التوصل إلى " سلام" يعزز مسيرة الصهيونية ويكمل انتصارها كما قال، لأنه بالتوصل إلى سلام مع سورية يتأكد، ويترسخ كل ما تم سابقاً من اتفاقيات على المسارات الثنائية بين العرب والكيان الصهيوني، وتصفَّى القضية الفلسطينية، ويُنهى الصراع العربي- الصهيوني، ويوضع حد نهائي لأشكال المقاومة ضد الاحتلال، والاعتراف بحق للعدو الصهيوني في المنطقة، وبما يفرضه من سلام الاستسلام على أهلها؛ وتدخل المنطقة مرحلة تراخ تام استناداً إلى معطيات "السلام" بينما تتابع الحركة الصهيونية مرحليات مشروعها، وتنفيذ برامجها على أرضية من الأمان والاستقرار، والاعتراف المتبادل بينها وبين " جيرانها العرب " وتجلب مستعمرين جدداً يغريهم السلام بالقدوم، وتشارك مشاركة فعالة و" مشروعة" في إعادة رسم الجغرافية السياسية للمنطقة وفق مخططاتها، وفي تشكيل قوة تحالف يدخلها بعض العرب وتمسك " إسرائيل"، المدعومة أميركياً،زمام الأمور فيها، وتتحكم من خلال ذلك بأمن المنطقة بالمفهوم الشامل للأمن فيها، كما تهيمن عليها اقتصادياً‍؟؟‍.‏

التوجه العام يشير إلى إمكانية إرضاء سورية بإعادة الجولان كاملاً إليها، والعودة إلى حدود الرابع من حزيران ما عدا ضفاف بحيرة طبريا ، وباراك يطلق بالونات اختبار حول استعداد قائم، كما تقول المقترحات والمشاريع التي تروجها الاتصالات السياسية وأجهزة الإعلام، لإعادة رسم الحدود حيث تعوَّض سورية عن المساحة التي تفقدها في هذه الجهة بمساحة أخرى، ويتم التفاهم حول "الحمَّة". فلا تظهر سورية وكأنها تراجعت عن مطلبها الأساس في العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وإنما وافقت على عملية " تجميلية للحدود"، ولا يخسر الكيان الصهيوني المياه التي يحرص عليها حرصاً تاماً كما يحرص على ألا يصل السوريون إليها!؟ وفي الجولان تقوم قوات دولية بمراقبة تنفيذ الاتفاق من دون ضرورة لوجود قوات أمريكية تقيم فيه بصورة مباشر على غرار ما جرى في كامب ديفيد.‏

نقاط المراقبة التي تؤمن الجانب الأمني "لإسرائيل" متفق على أهميتها وضرورتها، وكذلك ترتيبات أمنية تضمن للكيان الصهيوني عدم قدرة سورية على القيام بهجوم مفاجئ ؛ ولا بد من أن تشمل تلك الترتيبات مناطق تمركز القوات المسلحة، وأنواع الأسلحة وأعدادها في مناطق التمركز؛ وكذلك وجود مراكز إنذار مبكر ووسائل إنذار متطورة/ محطات أرضية ، مناطيد متطورة ، طائرات مزودة برادارات، أقمار صناعية .. إلخ/ بحوزة العدو الصهيوني تحديداً.‏

وفضلاً عن هذا كله الذي كان موضوع بحث قبل توقف المفاوضات في واي بلانتيشن واستمر على نحو ما بعد ذلك، وشكل اتفاقاً على نسبة 80% مما تم بحثه إجمالاً ؛ فقد قدمت الولايات المتحدة الأمريكية لإيهود باراك في زيارته الأخيرة ما يجعله أكثر اطمئناناً على موقعه، وموقع كيانه في المفاوضات، والتصفية القادمة، وما يؤكد التزام الولايات المتحدة الأمريكية القديم المتجدد " بأمن إسرائيل وضمان تفوقها على العرب والمسلمين جميعاً، وازدهار شعبها". وقد نجح باراك في أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن/ 15 ـ 19 تموز 1999 / نجح في الحصول من كلنتون على :‏

ـ مليار ومئتي مليون دولار أمريكي كان تحويلها متوقفاً منذ اتفاق "واي ريفر، أو واي بلانتيشن" مع عرفات إلى حين تنفيذ ذلك الاتفاق، الذي وقعه نتنياهو ولم ينفذه ؛ فقدم كلنتون المبلغ لباراك قبل أن ينفذ الاتفاق المشار إليه. ثقة منه به، يا ترى، أم تشجيعاً له لا ندري؟؟.‏

ـ صفقة أسلحة طائرات متقدمة من نوع F 16 E بقيمة مليارين ونصف المليار دولار أميركي ؛ وهي صفقة تقوم بموجبها شركة لوكهيد مارتن الأميركية التي تصنع تلك الطائرات بتقديم خمسين طائرة من النوع المشار إليه لإسرائيل) في عام 2003 ؛ كما تصنع الشركة لمصلحة الكيان الصهيوني ستين طائرة أخرى من النوع ذاته، تمت الموافقة على بيعها له في أثناء زيارة باراك الأخيرة، وسيتم تسليمها بعد تسليم الدفعة الأولى. وهكذا يصبح لدى الكيان الصهيوني بموجب هذه الصفقة 310 طائرات من نوع F 16 E عام 2003 و 371 طائرة من النوع ذاته بعد ذلك بمدة قصيرة. هذا عدا عن الأنواع الأخرى من الطائرات التي يملكها وتجعل أسطوله الجوي القتالي أكثر من ذلك عدداً.‏

ـ صفقة بقيمة 18 مليون دولار لـ 42 صاروخاً من نوع عميرام / صاروخ جو ـ جو مسافته 300 كم/ وهي صفقة على ضآلة قيمتها المادية، توفر ميزة هجومية كبيرة مع الطائرات التي سبقت الإشارة إليها.‏

ـ وعد أميركي بتقديم مساعدات وتجهيزات تعزز الجانب الأمني " الإسرائيلي " بشكل عام .‏

ـ وعد أميركي بتقديم مساعدات مالية سخية لتغطية نفقات الانسحاب من الجولان وجنوب لبنان، وإعادة نشر القوات الصهيونية في مواقع جديدة.‏

ـ حضور أميركي كثيف في مراكز الإنذار المبكر التي تكون ـ حسب اتفاق أولي ـ تحت إدارة أمريكية ـ فرنسية في الظاهر، أما العناصر العاملة فيها فمعظمها، إن لم يكن كلها " إسرائيلية".‏

ـ حضور في المفاوضات يجعل الولايات المتحدة هي المرجع الأول والأخير فيها، ويجعل ما تريده ـ أي عملياً ما تريده إسرائيل لأن الذين يشرفون على ملف الشرق الأوسط ويديرونه في الإدارة الأمريكية، والذين يشرفون على المفاوضات، هم يهود صهاينة‏

من مادلين أولبرايت ووليم كوهين إلى ساندي برغر ومارتن إنديك ودنيس روس وبقية الطاقم ـ هو الذي يتم تنفيذه، على الرغم‏

من إمكانية حضور شكلي ـ صوري لروسيا الاتحادية‏

والاتحاد الأوربي.‏

لقد حقق باراك تفوقاً عسكرياً وهيمنة أمنية على المنطقة سنوات عدة بما كان لديه من أسلحة وبما يطوره منها ، لا سيما الأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة ، نووية وغير نووية ـ وكذلك بما حصل عليه من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن مصادر أخرى منها ألمانيا، التي ستصل أول غواصة بنتها للعدو الصهيوني خلال الأسبوع المقبل ، وهي واحدة من ثلاث غواصات تقوم ببنائها له وتتحمل النفقات المترتبة على ذلك كلها تقريباً، وكان قد تم الوعد بها إبَّان حرب الخليج الثانية.‏

ولنا أن نسأل بعد هذا ، وعلى عتبة "الرعاية الأميركية النزيهة" للمفاوضات، ما الذي يمكن أن تحصل عليه سورية ليكون هناك حد أدنى من التوازن في القوى بين متفاوضين يريدون أن يصلوا إلى " سلام عادل شامل مستقر" يرضي الأطراف ويؤمن احتياجاتها المتنوعة ؟!؟‏

الجواب لا يترك فرصة للتنفس براحة، ولا يبعث على التفاؤل بإمكانية حصول توازن من أي نوع مع وجود الانحياز الأميركي الصارخ والتحالف الأميركي المستمر مع " إسرائيل"، وسيكون لهذا الخلل الواضح دوره وتأثيره في النتائج النهائية للمفاوضات، التي ستسفر في أحسن الأحوال عن انسحاب من الجولان واتفاق مع الكيان الصهيوني يؤدي إلى الاعتراف به، وإلى تطبيع العلاقات معه؛ وإلى تفعيل للاتفاقيات السابقة، ومن ثمة إلى توسيع دائرة الاعتراف والتعاون على الصعيد الرسمي العربي معه على الأقل.‏

وسورية التي يمكن أن تدخل المفاوضات من جديد لا يتاح لها أن تحقق توازن قوة يمكنها من تعزيز موقفها وموقعها بالقدر الكافي ، لا سيما في ظل تآكل عربي ملحوظ، وتهافت عربي قائم على " صلح " مع العدو. فسورية تعاني من حصار شبه معلن مفروض أميركياً وصهيونياً على مشترياتها من الأسلحة ومن المعدات والتجهيزات المتقدمة تقنياً، فضلاً عن محاصرتها بتجفيف الموارد التي يمكن أن تؤمن لها تمويلاً لأية أسلحة أو تجهيزات تريد الحصول عليها، ويمكن أن تباع لها؛ ويقف وراء ذلك جهد أميركي صهيوني أيضاً. وفي الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأسد إلى روسيا لشراء بعض الأسلحة والاتفاق على تحديث الأسلحة السورية القديمة، لا سيما الطائرات والدبابات المشتراة من الاتحاد السوفييتي السابق ؛ لم تعقد صفقة الأسلحة المتطورة /طائرات ميغ 29 وسوخوي 27 وصواريخ S 300 / بشكل نهائي لأن الروس يريدون ثمناً باهظاً ويريدونه نقداً، وسورية لا تملك أن تدفع القيمة كلها نقداً، ولأن الأميركيين يعارضون تزويد سورية بأي نوع من السلاح ويهددون روسيا بفرض عقوبات عليها إن هي فعلت ذلك ؛ لأن سورية، حسب قوانينهم ولوائحهم التي تضعها وزارة الخارجية، ويريدون تطبيقها على العالم ـ مدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب!!‍ لأنها تناصر المقاومة المشروعة ضد الاحتلال في جنوب لبنان، وتسمح للمنظمات الفلسطينية الرافضة لاتفاق أوسلو بالإقامة في دمشق ومعارضة ذلك الاتفاق!! وقد هدد الأمريكيون روسيا الاتحادية فعلاً بقطع المساعدات عنها إذا هي باعت أسلحة لسورية!!‍ نعم لقد استنكر الجانب الروسي ذلك، وأعلن عن رغبته في استمرار التعاون مع سورية، الصديق القديم، وأخذته الحماسة للسيادة وللمصالح الروسية، ومنها تصدير السلاح للزبائن القدامى فأعلن أن القوانين الأمريكية ليست ملزمة دولياً وأنه سوف يمضي في عقد الصفقة مع سورية؛ ولكن من الذي يعرف الأبعاد العميقة والنتائج النهائية لتوجهات روسيا التي تبدو واضحة الضعف، ويعيث فيها الصهاينة فساداً ويملكون فيها نفوذاً لا يستهان به، يمارسه أمثال الثري اليهودي بيريسوفسكي1!؟؟ وقد فقدت الكثير من هيبتها ومكانتها، لا سيما بعد تهميشها شبه الكامل في حرب كوسوفا؛ وهي لا تملك إمكانيات اقتصادية تمكنها من المضي في طريق دولة عظمى ذات قرار وتأثير دوليين ملحوظين؟؟! بل إن الحاجة تدفعها اليوم إلى الإعلان عن أنها لن تتمكن من تحمل نفقات بقاء المحطة الفضائية "مير" في الفضاء، وهي تطلب من دول العالم التدخل لتحمل تلك النفقات ، بعد زمن كانت تفاخر فيه بأنها تملك تلك المحطة وأنها قد أرسلتها إلى الفضاء؟!‏

يبدو أن ما يمكن أن تحصل عليه سورية، في ظل الاستعداد الذي أبداه الرئيس الأمريكي كلنتون لمتابعة عملية السلام بالتزام كامل واندفاع ملحوظ، لا سيما بعد أن قدم " لإسرائيل " ما قدم من دعم مالي وعسكري وسياسي لافت للأنظار، وفي ظل تصريح له جاء على أرضية الإشارات الإيجابية المتبادلة بين سورية والكيان الصهيوني حول استئناف عملية التفاوض، حيث أعلن أنه حريص على علاقات طيبة مع سورية؛ يبدو أن ما يمكن توقع الحصول عليه من قبل سورية هو :‏

1 ـ رفعها من قائمة الدول الراعية للإرهاب ، وذلك مع، أو في أثناء، أو بعد، زيارة مادلين أولبرايت لدمشق خلال شهر آب القادم.‏

ويأتي ما تقدمه الإشارات المتبادلة، وما يشار إليه في الإعلام من أن حزب الله أُمِر بتخفيف عملياته ضد الكيان الصهيوني إلى أدنى حد، وأنه سوف يلتزم التزاماً تاماً ، أو يلزم إلزاماً تاماً، بما يتم التوصل إليه من اتفاقيات على المسارين السوري واللبناني مع الكيان الصهيوني؛ وأن المنظمات الفلسطينية نصحت هي الأخرى بأن يقتصر نشاطها على الجانبين السياسي والاجتماعي ، كما نصحت بترك الجانب العسكري ، الذي كان أصلاً مجمداً عملياً؛ يأتي إمَّا حثاً على اتخاذ شيء من ذلك وتلميحاً به، أو إرهاصاً أولياً بالتلميح إليه بشكل ما. وعلى الرغم من أن التنظيمات الفلسطينية وحزب الله قد نفيا حدوث أي شيء من ذلك نفياً قاطعاً في تصريحات وبيانات وخطابات، إلاّ أن الإشاعة التي تروج ذلك تدوي في الفضائين السياسي والإعلامي، وتؤكدها أو تستغلها منظمات فلسطينية على وشك أن يلتقي مسؤولوها بعرفات وبممثلين عنه ليتم تنسيق، ويبدأ تعاونٌ معه على أساس أن المرحلة القادمة مرحلة حاسمة تتصل بالحل النهائي.‏

ومما يؤسف له أن رئيس لجنة المتابعة التي تشكلت في دمشق بعد إعلان رفض تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، الأستاذ خالد الفاهوم الذي نفى هو الآخر قيام سورية بتقديم أي أمر من ذلك النوع لم ينف إمكانية حدوث ذلك التعاون " مع الأخ عرفات في هذه الفترة نظراً لخطورة المرحلة "، كما قال بالحرف، وأضاف: " نحن مع أي سلام ، ومع أي حل ، ومع عودة الأرض .. ونؤيد تسوية من خلال مفاوضات سلمية بكل تأكيد. " وقد جاء قوله ذاك في لقاء له ، مؤسف ومستغرب، مع إذاعة العدو الصهيوني من عمان يوم الأربعاء 21 تموز 1999 الساعة السابعة وأربعين دقيقة صباحاً. وفي حين أكد الأستاذ الفاهوم موضوع التوجه نحو العمل السياسي قال إن العمل العسكري لم يكن موجوداً أصلاً لكي يتوقف!!. ويذهب شطار السياسة والإعلام والضالعون في التخريجات الموظفة لخدمة أغراض محددة ، يذهبون إلى القول: أن هذا التصريح؛ ومن ذلك الموقع؛ وفي ذلك التوقيت؛ مقصود تماماً لإيصال رسالة واضحة إلى جهات عدة، منها الكيان الصهيوني وعرفات، وفيه أيضاً إشارة واضحة إلى ما يمكن أن تقرأه كل من واشنطن والكيان الصهيوني قراءة ذات دلالات واضحة تماماً قبيل مجيء أولبرايت إلى المنطقة!!؟.‏

وفي هذا القول أو الدعوة ـ إن صحت تخرصات المتخرصين واستنتاجات المستنتجين ـ فيه قفز تام فوق أوسلو التي تجذر الخلاف مع عرفات حولها ، وفيه قفز على حقيقة التمسك الشعبي فلسطينياً وعربياً بعدم الاعتراف بتعديل الميثاق الذي قام به عرفات، ومتابعة العمل بثوابت النضال الوطني الفلسطيني على أرضية الميثاق.‏

ويأتي كل ذلك كما أسلفنا في سياق المؤشرات الدالة على إمكانية حصول ذلك الذي أشرت إليه مع قدوم أولبرايت إلى دمشق.‏

2 ـ تسهيل حصولها على ما طلبت الحصول عليه من أسلحة من روسيا ـ أي سحب الاعتراض الأميركي ـ ربما باتفاق على ذلك بين الولايات المتحدة وروسيا، أو بصمت عن ذلك ، ولكن بما لا يمكّن سورية من امتلاك أي سلاح متطور تقنياً تحتاج إليه للدفاع عن نفسها!؟.‏

وسوف يوفر ذلك نوعاً من الادعاء الأمريكي العريض بتقديم " لفتة طيبة" وبتحقق شيء من التوازن في التسلح ، على أبواب استئناف المفاوضات، وهي بعدم وقوفها ضده ـ إذا ما تم ذلك ـ ستزعم أنها تحقق توازناً مطلوباً يقوم به وسيط " نزيه" !؟وذلك كفيل بأن يسوغ في أعين العرب ما قدمته وتقدمه " لإسرائيل" ـ ولو أنها لا تحتاج إلى أي نوع من التسويغ ـ كما يشكل هذا إرضاء لسورية وتطميناً لها يساعدانها على دخول المفاوضات بثقة أكبر، والقبول بنتائجها على أرضية ذينك الرضا والثقة. ومن المفيد أن نذكر بأن مصدر ثقة سورية بنفسها كان دائماً قوياً ، وقد برهن على ذلك بأشكال مختلفة.‏

إن الولايات المتحدة الأمريكية حين تُقدِم على ذلك ـ إن أقدمت عليه ـ لن تخسر شيئاً ولن يخسر حليفها الأول " إسرائيل " شيئاً ، بل ربما ازداد ربحها وأمنت مصالحها، وتمكنت من احتواء تحرك روسي بدا أنه على وشك التفلُّت من القبضة؛ تحرك يحاول أن يرفض ذل الموقف في كوسوفا، ويعزز حضوراً في مناطق من العالم بالعودة إلى الصداقات القديمة وإلى الحضور في ساحات دولية، منها الساحة العربية، بعد أن هُمِّش دور روسيا وقصقصت أجنحتها؟؟‏

والولايات المتحدة حين تفعل ذلك تصيد أكثر من عصفور بحجر واحد، وتصل إلى ما ترمي إلى الوصول إليه من دون استثارات حادة ملحوظة. وهي تفعل عملياً أشياء من هذا القبيل ، فقصفها شبه اليومي للعراق منذ أشهر يمر، ويستمر من دون اعتراضات عربية أو دولية تذكر، وهو أنموذج على ذلك الفعل!!.‏

إن كل ما سبق وأشرت إليه يطرح معطيات جديدة، وجدية تماماً علينا أن نتابعها ونواجه استحقاقاتها ، لأنها لن تقف عند حدود بعد انطلاقتها التي يبدو أنها قريبة، فما الذي يمكن أن نعمله؟ وما الذي يمكن أن نتصدى له مما يطرح علينا بقوة وحدّة وسرعة!؟؟‏

وبين يدي ذلك كله أرى من المفيد والهام التذكير بالحقائق الآتية :‏

ـ أن سورية كانت وما زالت، وستبقى موقع الصمود العربي الأول ، ومنطلق النضال القومي من أجل الحرية والتحرير والوحدة؛ وأنها أنزلت فلسطين وقضية شعبها المنزلة الأولى من نضالها منذ الاستقلال حتى اليوم ، وأنها ستبقى وفية لمبدئيتها ونضالها واختياراتها القومية.‏

ـ أن استعادة الجولان سلماً أو حرباً من الأهداف النضالية القومية ، وأن فرحتنا بيوم عودته ستكون عظيمة، وسوف ننظر إليها على أنها خطوة على طريق التحرير ، فلم يقع احتلال الجولان إلاّ على طريق الكفاح من أجل استعادة فلسطين.‏

ـ أن المتغيرات الدولية التي تعمل سلبياً ضد تطلعاتنا، وأهدافنا القومية الكبيرة لن تستمر في مساراتها، وكذلك الوضع العربي المتهالك على الهرولة لن يستمر هو الآخر على هذا النحو. ومن ثم فإن التفاؤل بإمكانية تغير هذا الواقع المؤلم ليس إبحاراً في الوهم، وإن العمل على أرضية الثوابت الوطنية والقومية لا بد من أن يسهم في أمرين هامين:‏

- المحافظة على التماسك الداخلي وصلابة الروح النضالية واستمرار نموهما.‏

- المساهمة في تقريب ساعة التغيير المؤاتية رياحها لأشرعتنا التي تنتظر الإبحار نحو أهدافها المحددة.‏

وهذا يستدعي عملاً وإيماناً وإعداداً للنفس وتحصيلاً علمياً ومعرفياً عالياً، وتهيئة لمناخ عمل على الصعيدين القومي والقطري ، الروحي والمادي ؛ يمكّن من امتلاك القدرات والأدوات اللازمة للأمة في نضالها وتحقيق مشروعها النهضوي المضاد للمشروع الصهيوني .‏

وأرى في هذا المجال أنه من الأهمية بمكان ألاّ نفقد الرؤية السليمة، وأن نتبين الخطو الحكيم وأهدافه سياسياً ونضالياً وفكرياً ، وأن نتصدى لمن يريدون إلحاق الهزيمة بإراداتنا وأعماقنا وأرواحناً معاً ، ومن يعملون على تخريب مستقبلنا بتخريب قيم شبابنا، ومنظومات قيم مجتمعنا؛ وأنه من الأهمية بمكان متابعة التأكيد على التمسك بثوابتنا المبدئية والقومية ، لا سيما فيما يتعلق من ذلك بحقيقة أن الصراع العربي- الصهيوني هو صراع وجود مع عدو يعمل على تحقيق مشروع استعماري ـ استيطاني كبير على حساب وجودنا، وأن ندرك بوعي تام أن العدو يطبق مرحليات منها " السلام"، على طريق تحقيق مشروعه ذاك، الذي يستهدف أرضنا، ودورنا الحضاري وحضورنا الحيوي، وهويتنا الثقافية والقومية، وبنية مجتمعنا ومصالحنا الحيوية، وأن هذا المشروع الاستعماري العنصري سوف ينتقل إلى مرحلة من الأداء جديدة وخطيرة في مناخ ما يسمونه " السلام". وليس لنا إلا أن ندافع عن أنفسنا وحقوقنا وثوابتنا، وعلينا أن نتذكر أن من أهم الأهداف الرئيسة لأمتنا العربية في نضالها المعاصر، هو استعادة الأرض المحتلة من قبل العدو الصهيوني ، وإعادة الشعب الفلسطيني إلى وطنه حراً كريماً سيداً فوق أرضه، ذلك الهدف الذي سقط على طريق تحقيقه مئات الآلاف من الشهداء الذين من حقهم علينا أن نحقق الأهداف التي استشهدوا من أجلها. وهذا يستدعي منا تأكيد الموقف المبدئي للجبهة الثقافية العربية القائل برفض الاعتراف بالعدو الصهيوني ورفض كل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معه على أي مستوى وصعيد، وتأكيد استمرار الصراع في ضوء الحقيقة التي أشار إليها الرئيس حافظ الأسد في بعض خطاباته تلك التي تقول : " إننا نملك ما لا يمكن أن يملكه العدو في يوم من الأيام : الحق الساطع والشعب الواسع. " ، وفي ضوء حقيقة أخرى ذكرها المرحوم جمال عبد الناصر حين قال : " ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. " .‏

دمشق في 24/7/1999‏

الأسبوع الأدبي العدد 669‏

(1) ـ يبدو من النسبة أنه من عشيرة شمعون بيريس الروسي الأصل.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244