صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية/الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الثالث)/مقالات/منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

مقاربة في الخطاب العربي

ـ 1 ـ‏

أولاً : خطابنا الثقافي وخطاب العصر:‏

أعني أولاً بالخطاب الثقافي ما يتصل بذلك الخطاب ويكوِّنه في إطار المفهوم الشامل للثقافة، وليس ما يقتصر منها على الأدبي والفني بآفاقهما وتنوعهما بل بما يتصل بامتدادهما التربوي والفكري وبأداء الوعي البشري عامة عبر قنوات متعددة وبصور أداء متنوعة.‏

وأعني بخطاب العصر لغة المتقدمين من أهله واهتماماتهم ووسائلهم وأدواتهم وما يستندون إليه من قوى وقيم ومصالح ورؤى؛ وما وصل إليه أولئك المتقدمون في ميادين المعرفة والعلم. لاسيما ما تحقق من تقانة عالية أدت إلى تفوق في امتلاك القوة واستخدامها. وهو ما فرض هيمنة قوى على قرارات العالم وعلى بعض صيغ مستقبله من بعض الوجوه، وكذلك ما يصيب أناس العصر من مغارم ومكاسب، وما يقعون فريسة له من هوس القوة ومشاعر العظمة، أو من معاناة وكوارث وإحساس بالدونية وإحباط أيضاً جرَّاء استخدام أدوات العصر المتقدمة من جهة أو جرَّاء الحرمان منها ومما توفره للإنسان من آفاق، واستخدامها ضدهم لتحقيق أغراض المتقدمين ومصالحهم من جهة أخرى.‏

وسوف أحاول التوقف عند بعض أبعاد ذلك الخطاب بشيء من الإيجاز لأصل من بعد إلى تقديم خلاصة ما أتطلع إلى تقديمه مما يتصل به.‏

وأبدأ أولاً بالتوقف عند البعدين القومي والإسلامي في الخطاب :‏

1- البعد القومي في الخطاب الثقافي العربي:‏

وهو بُعدٌ عريق يؤكد الثوابت القومية والمبدئية والقيمية للأمة العربية، ويعمل على تحقيق الأهداف التي يرى أهله في تحقيقها خروجاً من المآزق التي آل إليها وضع الأمة بعد سني الحكم العثماني وعهود الاستعمار الغربي واستنزاف الصراع المستمر مع العدو الصهيوني لبعض قواها وإمكانياتها.‏

وهو خطاب، إذا نظرنا إليه في ضوء ما آل إليه أمر النضال العربي والتضامن العربي معاً، خلال العقود الماضية من هذا القرن، وفي ضوء الواقع المتردي والطموح المطلوب تحقيقه والمتحقق منه فعلياً على الأرض، خطاب مثقل بالتشوهات وأعراض الأمراض، وبالتحديات من داخله ومن الخارج، ويلقي علينا ظلال الأسئلة الآتية وأعباءها:‏

- هل هو خارج العصر، الذي يدلف إلى العولمة، وتطغى فيه هيمنة القطب الواحد واقتصاد السوق وصيغة العالم القرية، وينذر بزوال الهويات القومية كما يقول البعض، عَوْلَمَة الحداثوية التي تفتح آفاقاً عدة لنهج واحد ولغة واحدة وتقانة تتنامى في الشرق والغرب فتتواصل وتتفاعل وتدمر حدوداً وقيوداً وهويات وتقيم عالماً يهيمن فيه من يملك المعلوماتية ويسيطر عليها؟!‏

- هل ما في خطابنا القومي - العربي من: قيم قومية وأحلام وحدوية وتطلعات تحريرية وتحررية، وما يركز عليه ذلك الخطاب من انتماء وأصالة وتواصل حديث بقديم وعربي بآخر، ومصالح مشتركة؛ هو خارج حدود العصر ومعطياته وتطلعاته وخطابه؟!‏

- هل القومية العربية ماتت؟ أو يمكن أن تموت، وكل ما بني عليها أصبح باطلاً وقبض الريح؟!‏

- هل زال عصر القوميات -بالنسبة لنا- وهو يتفتح ويزهر ويزدهر عند غيرنا، روسيا الاتحادية وما كان يشكل الاتحاد السوفييتي السابق مثلاً!! لقد قال بعض الغربيين /من مفكرين وسياسيين/ في مطلع التسعينيات من هذا القرن بعد حرب الخليج الثانية:‏

"وداعاً للقومية العربية"- "وداعاً للأمة العربية". والهدف هو الإعلان عن رغبة في موت الحلم القومي العربي واستقرار عصر القطْريات الضعيفة والدويلات الضيقة الأفق والمدى، التي لا تقوم بينها جسور ثقة من أي نوع وتتهاوى عند مصالح حكامها وأنظمتها المصالح القومية كلها.‏

وهي قطْريات تعلِن، وعلى استعداد لأن تعلِن في كل حين، تحالفها مع الشيطان" ضد الأمة العربية كلها إذا ما هُددت مصالحها أو إذا ما تم النيل من سيادتها، أو إذا ما تعرضت لضغط من أي نوع!! ونماذجها كثيرة وهي تزداد نشوزاً وبروزاً منذ حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد ومنها:‏

- الدول العربية التي تقيم تمثيلاً دبلوماسياً مع الكيان الصهيوني، على أرضية الاعتراف به.‏

- والدول العربية التي تقوم بالتطبيع الاقتصادي والثقافي من تحت الطاولة أو من فوقها سواء تلك التي تربطها بالكيان الصهيوني اتفاقيات مثل: /مصر والأردن وسلطة الحكم الذاتي/ أم تلك التي هرولت على إثر تلك الاتفاقيات وأقامت علاقات تجارية وسياحية وعقدت مؤتمرات اقتصادية خدمة لمصالح العدو الصهيوني بالدرجة الأولى، وصفقات لبيع الغاز ولإقامة صناعات نسيجية واستثمارات مختلفة.‏

- والدول العربية التي أعطت ظهرها بشكل صريح ونهائي لكل من :‏

- العمل العربي المشترك، والدفاع العربي المشترك، والتضامن العربي.‏

- المصلحة التي تتعارض مع مصلحتها الضيقة ولو كان فيها حياة الأمة وكرامتها.‏

- القضية المركزية في نضال العرب الحديث، وكل ما يتصل بتاريخها وبالصراع الذي يدور منذ عقود من أجلها.‏

فهل بعد هذا يبقى لدى أهل الخطاب الثقافي العربي بعدُ الهوية والقومية -والأصالة- والوحدة- والتحرر - والتحرير- والمستقبل الواحد، وهي مقولات يحاربها الغرب والصهيونية منذ عقود وأخذ العرب يتنكرون لها بعد تراجع التيار القومي وما أصاب الأمة من إحباط، وأخذوا يحاربونها هم أيضاً بأشكال مختلفة ؟!‏

وهل التمسك بخطاب فيه مثل هذه القضايا أو يركز عليها، سواء أكان تركيزه ذاك في الإبداع الأدبي والفني أم في التنظير الفكري، مما يعد منسجماً مع العصر الذي يتوجه في مناح آخر يجعل سوق الهيمنة أو العولمة، لا فرق، تمتد من نيويورك إلى طوكيو، ومن إمبريالية الولايات المتحدة الأميركية إلى اشتراكية الصين، مروراً بتحولات ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي ومجموعة الدول الاشتراكية في أوربا الشرقية من الشيوعية- والأممية إلى الرأسمالية والقومية المتطرفة التي تريق الدماء وتهجِّر الأبرياء من بيوتهم أو تهدمها عليهم؟!‏

-وسؤال آخر يتعلق بمطلبيْ: التحرير- والمقاومة اللذين يقول بهما الخطاب الثقافي القومي قديماً وحديثاً، للخلاص من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الصهيوني ولتحرير الأرض والإنسان من أشكال السيطرة والاستلاب، هل هما مطلبان واقعيان كما يوحي التشكيك -وأسلوبان ينسجمان مع توجه العصر وخطابه الذي يقدم نفسه على أنه عصر الانفتاح وانعدام الحروب والسلام، عصر الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان؟!‏

وهل هناك مستند واقعي -عملي أو نظري- منطقي لخطاب قومي يقول بالمقاومة والتحرير في ظل الوقائع الآتية:‏

1 -غياب القدرة المادية /علمياً وتقنياً واقتصادياً/ التي تمكِّن من مواجهة عسكرية ناجحة مع العدو الصهيوني.‏

2 -غياب السند الدولي أو الحليف الدولي أو مصدر السلاح المتفوق.‏

3 -غياب البعد التضامني، بَلْه الوحدوي، العربي الذي يؤيد مثل هذا التطلع أو الحلم أو معطى الخطاب ويكسبه قوة وأملاً ؟!‏

وهل البعد القومي في الخطاب الثقافي الذي يقول بالمقاومة ويتغنى بالشهادة ويسجل نتوءات الفكر والفعل القوميين في وقائع وساحات ومواجهات معينة، منذ مطلع القرن، ما يزال يملك القدرة على الحلم أو على ابتلاع "الوهم" وتسويغه وتسويقه؟! وعلى أية معطيات يعتمد في ذلك!؟ هل هو في العصر أم خارجه؟ هل يدرك خطاب العصر وتوجه ذلك الخطاب وقدراته أم هو خارج الموضوع تماماً يعيش حلماً في التيه ويتوه في الحلم ؟!‏

-وهل يمكن بعد انتهاء الحرب الباردة ،وسيادة قطب وحيد الطرف، والانتصارات العلمية والتقنية الباهرة للغرب وحلفائه، وبعد امتلاك الكيان الصهيوني لأنواع الأسلحة المتطورة ذات القوة التدميرية الشاملة وتحالفه وتعاونه اللذين يمتدان عسكرياً و اقتصادياً و سياسياً من تركيا إلى الصين، مروراً بالغرب وبعض دول آسيا وإفريقية وأميركا اللاتينية، هل يمكن أن تقوم حرب يرجو فيها العرب نصراً وتحريراً؟! أو هل يمكن أن تقوم حرب أصلاً في ظل توجه معلن من قبل القوى الكبرى في العالم نحو "السلام" وفرض اتفاقيات باسم السلام؟!‏

هل الخطاب الثقافي العربي في بُعْدِه القومي الذي واكب ثورة الجزائر ما زال لديه القدرة على التغني بأمجاد الشعب الجزائري اليوم بعد الذي يُرى ويُسمع، في الجزائر وعنها ؟!.‏

وهل هناك أمل في استعادة تأثير المد القومي الذي حملته الفترة الناصرية، أو فترة صعود البعث وانتشاره عربياً، ليستعيد الخطاب الثقافي في بُعْده القومي تأثيراً في الشارع وفي الوجدان العربيين وليتمكَّن من تحريكهما باتجاه الصمود والمقاومة والحلم الوحدوي والمشروع النهضوي، كما كان يفعل في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من هذا القرن مثلاً؟!.‏

أسئلة وتساؤلات تخترق العظم وتركز فيه برودتها... ولكن : هل هي أسئلة تستقر معطياتِ واقعيةً نهائية في مقولاتها تصل في استقرارها إلى حدود الادعاء بتقديم أجوبة تنطوي على سلبية مستقرة هي الأخرى ؟!.وهل تلك السلبية " المحتملة" مستقرة في النفس العربية وتملك معطى واقعياً يجعلها تعزز استقرار أدائها السلبي المفضي إلى إحباط، إن لم نقل إلى يأس، من احتمالات التغيير في المستقبل، واحتمالاته لا يجوز أن تغيب ؟!.‏

-هل خطاب العصر، الذي يسعى تحت قناع العَوْلَمَةوالسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، قد ألغى أو يمكنه أن يلغي: الهوية والقومية، وحضور الغنى الحضاري في التنوع الثقافي!!؟.‏

-هل هو خطاب مصالح أم خطاب مبادئ وقيم "إنسانية" خالصة، خطاب قوة أم خطاب ينطوي على معطى خلقي وإنساني وحقاني يمنحه القوة؟!.‏

-هل هو خطاب فكري قومي بنزوع أممي- خلقي أم بنزوع استعلائي فوقي يزري بأمم وقوميات ومصالح لا تملك القوة لحساب أمم وقوميات ومصالح تملك القوة؟!.‏

إن خطاب العصر هو بتقديري خطاب قوة تكتسح الساحة الدولية بإمكاناتها العلمية والمعلوماتية والتقنية والاقتصادية والعسكرية، وتمنح ثقلها في تلك المواقع لخطابها الثقافي المتنكر في زي إنساني، وما هو في واقع الأمر إلا خطاب استلابي- استعلائي- عنصري على نحو ما، خطاب كاذب ومنافق يريد أن يحقق بفعل القوة محو الخطاب الآخر وابتلاعه أو فرض التبعية عليه، ووضعه وأهله معاً، في حالة سخرة واستلاب دائمين!!.‏

خطاب العصر الذي يمثله الغرب المتصهين وتطفو على سطح منطقه الصهيونية بأساطيرها التوراتية والسياسية وبتشويهها للحقائق وفعلها التخريبي للثقافات، خطاب قوة لا تملك الحق ولا الأخلاق ولا القيم النظيفة. وخطابنا نحن العرب خطاب أخلاق يملك الحق ولا يملك القوة ويملك العاطفة ولا يملك الإقناع، والإقناع في بعض مظاهره قوة تكمن في منطق الخطاب أو تهيمن عليه وعلى متلقيه. وهذا يطرح علينا السؤال المر- ويفتح نافذة الأمل في آن معاً:‏

-ألا نملك المقومات والإمكانات والمعطيات التي تجعل من نهضتنا ومن أمر امتلاكنا للقوة على أرضية العلم والإيمان أمراً ممكناً؟!‏

في ظل حقائق: أن الحياة حركة لا تعرف السكون على حال، وأن الحركة تحمل التغيير، والتغيير يحمل كل الإمكانات والاحتمالات، سواء أكان بفعل إيجابي من الضعيف المتواكل ينهي ضعفه وتواكله، أو بفعل سلبي تدميري من القوي المتآكل في الأعماق ينهي قوته ويعري حقيقته ويفسح المجال أمام تجدد الحياة والشعوب والحضارات الأخرى على حساب زواله بفساده ؟!.‏

-دروس التاريخ تفيد ذلك.‏

-وقراءة تجارب الأمم تؤكده.‏

-واستقراء الواقع يبشر به.‏

فليست قوى اليوم هي قوى خالدة وباقية إلى الأبد: في القديم كان الفراعنة والآشوريون -والفرس واليونان قوى عالم ما قبل الميلاد، وتغير الوضع من بعد فأصبح الروم والفرس والبيزنطيون ثم العرب المسلمون، ثم المسلمون ومنهم العرب، قوى العالم الحية؛ وجاء عهد سادت فيه فرنسا وإسبانيا وبريطانيا واليابان، ثم تراجع أولئك ليصعد الألمان وليكون من ثمة على ترديهم صعود السوفييت والأميركيين..، وها نحن في عالم شهد انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو ويترقب صعود نجم الصين ليضاهي النجم الأميركي الساطع أو لينذر بأفوله..‏

فهل هناك ثبات على حال!؟ أليس تداول الدول سنة الحياة وقانونها وديدنها، وهل هناك مراكز حضارية ومراكز قوة دائمة في العالم وهناك أطراف لها لن تتمتع إلا بحق أن تكون أطرافاً، أم أن موضوع الصعود والهبوط، والتحول والانتقال، والنهوض والإخفاق هو شأن الحضارة والقوى البشرية على مر الزمن؟! وهل هناك ما يمنع- انطلاقاً من ذلك واعتماداً عليه - من صعود نجم أمة العرب ونجم المسلمين مرة أخرى ؟!.‏

حذّر صموئيل هنتنغتون الكاتب الأميركي صاحب: صراع الحضارات من مستقبل يتعاون فيه المسلمون والصين ضد الولايات المتحدة الأميركية والغرب؟! وحاول أن يسترعي الانتباه لتتوجه الصواريخ العابرة للقارات والنزوع المتصهين في الغرب المتعاون مع الصهيونية إلى ما يقرره من خطر قادم.‏

ولنا أن نرد على ذلك بأن الثقافة الحقَّة تقيم جسوراً بين الأمم وتصنع التعارف وتمتن الصداقة وتعزز السلام إذا كانت في خدمة الإنسان والقيم والمبادئ والأخلاق، أما إذا كانت موظفة لخدمة المصالح والأطماع الاستعمارية والشهوات التسلطية المريضة ورأس المال الجشع والربى الصهيوني والعنصرية العريقين لدى من يمثلهم " شايلوك التاريخي" فلا يمكن أن تنتج إلا "شراً" وتدفع باتجاه الشر، "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم".‏

إن البعد القومي في الخطاب الثقافي العربي يأخذ بالتحرير ويعزز المقاومة ويناصرها، والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال ،المقرَّة حسب القوانين والأعراف الدولية تغدو، خارجة على العرف في السائد من خطاب العصر /ذي الصبغة الإعلامية- الأميركية -الصهيونية، الصبغة المصلحية التي تتسلح بالقوة وتعمل على قهر الآخرين/ وتغدو المقاومة حسب المعايير الأميركية- الصهيونية وخطاب القوة الذي يعلي شأن تلك المعايير على سواها وعلى الحق ذاته، تغدو إرهاباً؛ ويغدو الخطاب القومي مناصراً للإرهاب ومعادياً للسلام، أقصد السلام الذي يروجه خطاب العصر الصهيوني- الأميركي اليوم، وهو" سلام" ليس له صلة بالعدل والحق ولا بالسلام بمفهومه الحقاني - الإنساني التاريخي الذي ينصف العرب ويريحهم .‏

وتنتقل صفة الإرهاب لتغدو قاسماً مشتركاً يصيب البعد القومي والبعد الإسلامي في الخطاب الثقافي العربي. فتصبح الأصولية القومية والأصولية الإسلامية تهمتين تقتضيان الاقتصاص ممن يتهم بهما.‏

-فالقومي الأصولي- حسب خطاب أقوياء العصر- يمارس "الإرهاب" أو يدعم من يمارسه.‏

-والإسلامي الأصولي يمارس "الإرهاب" في فلسطين وجنوب لبنان، أو يدعم من يمارسه. وينسحب الاتهام على الإسلام من خلال "الإسلامي" وعلى القومية من خلال القومي.‏

فلنتوقف قليلاً عند البعد الديني في الخطاب الثقافي العربي إذن، بعد أن توقفنا قليلاً عند البعد القومي من ذلك الخطاب.‏

وتوقّفنا هذا سيكون استفزازياً في صوغ الأسئلة التي تطرح علينا نحن العرب المسلمين أو على المسلمين إجمالاً، لأنها توجه مباشرة نحو الإسلام ممن يكنّون له ولأهله ضغينة، حتى من مسلمين ما عاد يربطهم بالعقيدة إلا الاسم وبعض الشكليات، ومن مسلمين مسجلين "في قيود السجلات المدنية"، بينما يختارون موقفاً من الإسلام أو موقفاً من الدين هو في غاية السلبية.‏

وعلى هذا نبدأ بطرح أسئلة البعد الديني في الخطاب الثقافي العربي مركزين على الشق الإسلامي في ذلك البعد:‏

البعد الديني في الخطاب الثقافي العربي:‏

وهو بعد متأصل في خطابنا الثقافي العربي:‏

هل هو خطاب متخلف أم يقود أصلاً إلى التخلف من حيث مرجعياته وغيبياته وأدواته ووسائله وأساليبه؟!.‏

إنه سؤال يثير الانزعاج والاحتجاج، بل والغضب المفضي إلى العنف، وربما العنف المشروع؛ لأنه من غير المقبول ومن غير المحتمل توجيه نقد ضمني، اتهامي أو إلغائي، لخطاب يشكل رصيده أعظم ما في الوجدان الشعبي من رصيد، وما في الإرث الثقافي المتداول من غنى، من دون تحقيق تلك الإثارة أو الجرح لمشاعر الناس؟! وخطاب يجرح مشاعر الناس يخرج بهم عن المألوف، ربما كان ذلك ليس من حقه على الرغم من مشروعية أن يسعى الخطاب إلى الخروج عن المألوف بعد الولوج فيه.‏

وهل هو خطاب عصري ذو مستقبل أو يفيد الناس في المستقبل، أم أنه خطاب عفَّى عليه الزمن وتجاوزته البشرية، ونقض بنيتَه العلم، ودمرت هياكله الحداثة وما بعدها فيما دمرتاه من بنى؟! وأثار العقل من حوله الشك فزعزع بعض ما يترسَّخ فيه من ثوابت وما يقوم عليه من يقين؟!.‏

ليس من المفيد التهرب من سؤال ومن دوائر تنداح على صفحته مهما كان فجاً واستفزازياً، فالتهرب لا يلغي الشك ولا ينهي المشكلة ولا ينقض السؤال، حتى لو احتجب وراء غلالات من ضباب وغبار.‏

في خطابنا الثقافي بعد ديني /إسلامي ومسيحي/ ويتجلى هذا البعد في منظومات قيم ومحرمات ونواهٍ ودعاوى، ويواجَه خطابنا الديني بتهم وينسب إليه بعض التطرف أو قل التعصب.‏

ويُرمى الإسلامي منه على الخصوص، من قبل قوى معادية ذات تأثير عالمي ومن قوى عربية ذات حضور رسمي أو ثقافي، بأنه الإرهاب أو يؤسس لنوع من الممارسة تصب في الإرهاب!!.‏

فهل نقرُّ ذلك جملة أو نرفضه جملة، أم أن هناك هوامش على كل صفحة تتصل بذلك القول وبالرد عليه وتفسح في المجال للتأمل والتروي والمحاكمة؟!.‏

بداية أوضح موقفاً ورأياً بإيجاز:‏

إن الخطاب الديني موجود ومؤثر وهو في حالة نمو، ورصيده على الأرض كما في الوجدان، يتعزز في معظم الوقت؛ وشعبنا ذو اعتقاد ديني ثابت واضح، وليس من السهل مجاوزة هذه الحقيقة أو القفز فوقها.‏

والخطاب الديني هو جزء من الهوية والتكوين الفكري والنفسي والاجتماعي، ولا مصلحة لنا في إضعاف تأثيره أو في تهميشه، ولن يكون عامل الدين ضعف أو تخلف إلا من خلال فهمنا له واستخدامنا إياه ونوع تواصلنا معه ومع العصر من خلاله. وليس هو سبب التخلف ولا يمكن أن يكون، وإنما فهمه وتوظيفه وأداؤنا له وتوظيفنا لذلك الأداء قد يكون متخلفاً أو مريضاً فيقود إلى التخلف والمرض وضيق الأفق والتحجر والتعصب. وما لم يحث الخطاب الديني على حقيقة كون الدين مكارم أخلاق، ومعاملة تجسِّد تلك المكارم والتعاليم السامية التي جاء بها(1) ، وتواصل مسؤول مع الناس من أجل الحياة والناس؛ فإنه سيبقى قاصراً على نحو ما ومعوِّقاً على نحو ما أيضاً.‏

المصدر الأساس الإسلامي من ذلك الخطاب /القرآن ثم الحديث ثم السنة الثابتة قولاً وعملاً/ والمراجع كثيرة، ولمن ملك القدرة عقلياً وشرعياً وعلمياً وتمكن من المعرفة وأدواتها، حق الاجتهاد.‏

ولكن هل يمكن أن يغلق علينا أبواب الفهم والتبصر والتأمل والاجتهاد إلا جهل أو قصور أو تجاهل أو تجهيل؟! وهو مما يُرفض الاحتباس في أقفاصه والركون إلى معطياته وأحكامه؟! ومن يمنع من التأمل والتفكر والتبصر وهو كله مما يحث عليه الدين ويحتِّمه العقل ويقود إليه الوعي.‏

يفترض في الخطاب الديني أن يعزز الإيمان والإيمان كلٌ لا يتجزأ، ومن حَسُن دينه حسن إيمانه وحسن سلوكه وحسن أداؤه."إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، والمؤمن حرٌّ لا تحكمه عبودية لغير الله، ولا طاعة عليه لأحد في معصية الخالق، ومعصية الخالق تكون، بالنسبة للمؤمن، في كل ما يؤثر في صفاء الرؤية والقلب والعقيدة، وما ينطوي على ظلم أو غش أو فساد من أي نوع، والمؤمن إن أحسن الفهم والتمثّل والسلوك."يعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً" وهو القول المستند إلى قوله تعالى : " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين."/ سورة القصص الآية 77 / وفي ظل هذا التوازن المعيار والمعيار المتوازن ينشأ إقبال غير محدود على الحياة وعلى ما أحل الله لنا فيها، وهو بلا ضفاف، بوصفها ممراً إلى مستقر؛ كما تنشأ مراعاة غير منقوصة لما يوفر اطمئناناً روحياً إلى فعل شامل ينفع ويشفع في الآخرة، دار القرار.‏

وخطابنا الديني القائم على الإيمان والداعي إليه لا ينقض العلم ولا يضعفه العلم بل يعززه؛ ولا يجوز، بأي حال من الأحوال، أن يعوق الاندفاع في طرقه كافة أو يقصِّر في دفع الناس إلى السير في تلك الطرق كافة.‏

فليس هناك وعي من دون معرفة واستخلاص عِبَرٍ وتكديس خبرة واستقرائها، ولا يكون ذلك خارج حدود العلم والعمل به حسب مناهجه، ولا يكون أيضاً على هامشه وهامش الإيمان بقدرته على الإنقاذ وتعزيز الإيمان ذاته؛ ولا يتحقق تقدم من دون تحويل معطى العلم النظري إلى تطبيق عملي على أسس تقنية عالية تمكّن من توفير المنتجات المتقدمة في الميادين كلها، حيث تتوافر مقومات البقاء والحماية والأمان والصحة والحرية والسعادة والازدهار في ظل التقدم والأمن.‏

فإذا شكّل الفكر الديني عائقاً في وجه تقدم الإنسان ونمو قدراته توجب طرح السؤال على الفكر والمفكرين، وتقصي أسس الفهم والتفسير والتأويل والتدبَّر والتدبير. وقد فتح القرآن أمامنا أفق التجاوز بالعلم والإيمان من دون حدود، حيث جاء النص في قوله تعالى: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" والسلطان هنا علم وحجة وبرهان وعقل ومنطق وقدرة على الأداء حسب مناهج العلم وتطبيقاته وما يغذي ذلك ويطوره من معلومات، بإبداع ابتكار بتفوق؛ وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام /اطلبوا العلم ولو في الصين/ ولم يكن في الصين علم من علوم القرآن أو الحديث أو السنة أو علوم العربية، يوم ورد الحديث ولكنه جاء للحث على بذل أقصى الجهد لتحصيل المعرفة بكل أشكالها حيثما أمكن ذلك وامتلاك القوة بالمعرفة كيفما تم ذلك. ورباط الخيل الذي نرهب به عدو الله وعدونا، أصبح اليوم بالتطور والتقدم العلميين، أصبح رباط صواريخ وطائرات ودبابات وقنابل متعددة القدرات، وذلك أمر مندوب إليه ديناً وعلماً وعقلاً وبقاءً وانتماء قومياً وحماية للناس والعقيدة والقيم والأرض والحق.‏

ولا يجوز أن يكون الخطاب الديني مصدر اعتراض على النزوع القومي والتمايز القومي، لا عند العرب ولا عند سواهم من الأقوام، ولا سيما في ديار الإسلام؛ لأن الإسلام لم يمنع التمايز القومي بل منع التعصب القومي والغلو والغطرسة والتعالي على الأفراد والأمم والحالة الاعتراضية مستمرة على التعصب والغلو والتمييز العنصري، فقد فضَّل الناس بعضهم على بعض بالتقوى وليس بالعِرْق والدم واللون:‏

"وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم."، كما جعل الانتماء إلى العروبة انتماء ثقافياً رفيعاً في صورته الأسمى حيث جاء في الحديث الصحيح :" أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، العربية لسان، فمن تكلم العربية فهو عربي." وهنا انتماء يتعالى على العصبية العُصابية العنصرية باستمرار، وعلى أشكال العصمويات أنَّى كان شأنها ومنشأها.‏

وعلى هذا فإنه من غير المقبول أن يتعارض الشق الديني من خطابنا الثقافي مع الشق القومي لذلك الخطاب، فالأساس هو التكامل وليس التضاد أو التنافي أو التخاصم.‏

وهذا يفضي بنا إلى طرح موضوع التفاعل الحيوي والتداخل العضوي بين البعد أو الشق الديني والبعد أو الشق القومي من خطابنا الثقافي اللذين ما انفكا في نزاع وفراق وصدام منذ نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن على نحو ما، لدرجة خيل معها للبعض أنه لا يستقيم حال الأمة إلا بنفي أحدهما للآخر، وكأنهما ضدان لا يلتقيان، مع أن الواقع والمعطيات القومية والتاريخية والدينية تشير إلى غير ذلك.‏

وسبل الخروج مما تلاقيه الأمة من مآزق وأزمات وضعف وتهافت واستهانة بمصالحها وإرادتها ناتج في معظمه من تفرق أو تضاد في العمق في جوهر ما يكوِّن مقومات الخطاب صُنِّع وغذِّي بمهارة واستمرار، لجعل العروبة في مقابل الإسلام والإسلام في مقابل العروبة فأضعف الطرفين ونال منهما، وجعل أعداء الأمة يستبشرون بتحقيق انهيارهما في القرن القادم كما أعلن بعض الغربيين في مطلع التسعينيات من هذا القرن:" كما شهد القرن الحالي انهيار الماركسية والشيوعية سوف يشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام.". فهل يكون ذلك من غير أن نكون نحن شركاء فيه؟!إنني أشك بذلك شكاً مطلقاً.‏

ـ 2 ـ‏

إن التحديات الكبيرة التي يطرحها على أمتنا التقدم العلمي والتقني الهائل، ومعطى عصر ثورة المعلومات والاتصالات وآفاقه واستشرافاته، وكذلك العدوان والتهديد والنهب المستمر، الذي ينوش الأطراف ولا يستثني القلب، والتآكل المستمر في علاقات أقطارنا وأبناء تلك الأقطار بعضهم ببعض، والتخريب الذي يصيب قيمنا وبُنى أجيالنا ومقومات ثقافتنا وينعكس تواكلاً وتهافتاً في الأداء وتقليداً وتبعية متنامية للآخرين؛ كل ذلك الذي يقلقنا؛ يطرح علينا بقوة ضرورة إعادة النظر بخطابنا الثقافي وأدواته ووسائله وأساليبه وأهدافه، ويضعنا أمام مسؤولية تاريخية حيال الأمة وأجيالها وقضاياها وواقعها ومكانتها بين الأمم.‏

وإذا كانت الثقافة في المحصِّلة وعياً معرفياً ناضجاً يشكل حاملاً حضارياً على أرضية من وضوح الهوية والانتماء والأصالة، وفق معيارية خلقية عقائدية، فإن أداءها الناجز المنقذ لا بد أن يتجلى في سلوك وفعل وإنجازات، تعبر عن ذلك ولا تتخلف عن العصر، ولا يتم ذلك إلا بالإنسان غاية التقدم ووسيلته. والخطاب الثقافي، بالمفهوم الشامل للثقافة قادر على التأثير والتغيير في آن، وعلى تعزيز الثقة والإرادة معاً، وعلى مجاوزة الصعوبات والتصدي للتحديات، كما أنه قادر على استنبات أجنحة في الأرواح المثقلة بأحمالها تمكّنها من ارتياد عالم الكشف والابتكار والإبداع بأمل واقتدار، وولوج عالم الممكن باندفاع واقعي، واستثمار الحلم بوصفه أحد المداخل المشروعة لتغيير الواقع المعترَض عليه.‏

وخطابنا الثقافي الراهن فيه الكثير مما يعد إعادة إنتاج للمنتَج الثقافي السابق - عربياً كان ذلك المنتَج أم غير عربي - بأسلوب قد لا يكون فيه من الجديد والتجديد ما يسوِّغ بذل الجهد فيه، وفي خطابنا من الانفعالية والشعاراتية والعصبية والعاطفية ما قد يسدل أمام كاتبه ومتلقيه غلالة قاتمة تشوه الرؤية أو تحرفها، ويغشِّي المنطق بما لا يتلاءم مع الوضوح الذي ينبغي أن يؤسس له.‏

وانكفاء هذا الخطاب في حضن القديم وانزواؤه أحياناً في ركن من أركانه بتقديس يضفي قداسة على ما ليس مقدساً، وتعلُّق الخطاب أحياناً بخطاب قوم آخرين وثقافة أخرى بنوع من التبعية تجعله لا ينظر إليه إلا بعين الرضا والانبهار، وعين الرضا عن كل عيب كليلة؛ يحرم خطابنا استقلالية وموقفاً نقدياً هما أحوج ما يحتاج إليهما الخطاب ليكوّن وعياً بالذات والآخر، وليخوض مثاقفة بناءة، وليتفاعل مع النسغ القادم عبر التاريخ بحيوية وفاعلية وغائية.‏

وبُعد خطابنا أو ابتعاده عن المعطى العلمي، وعن حركة تدفق المعلومات وتسارع تقدم علوم العصر وتقنياته، يجعله مرشحاً للهجران ممن يتواصلون مع معطيات العصر بأدواته ووسائله، أو مؤسساً للخذلان والتخلف إذا ما أخذت به فئات وأجيال لا يصلها نور العصر. وتأكل جسد خطابنا في أحيان كثيرة غيبة الموضوعية أو تغيبها أو التنكر لها بمسوِّغات أو من دون مسوِّغات، ويكاد الذاتي في ألوان الخطاب وحتى الفكري منها أحياناً، يلف في عباءته الموضوعيَّ ويخفيه. ولا يساهم هذا في تقديم تشخيص أو رؤية على أسس سليمة تؤهل لتقدم واستنهاض فنهضة.‏

وكل ما سبق وأشرت إليه مما يعتوِر خطابنا الثقافي يشكِّل معوقات ومثقلات لذلك الخطاب في مجرى سبقه ـ إن كان هناك ثمة سبق - بينه وبين خطاب العصر وخطاب الأمم المتقدمة في هذا العصر.‏

وهذا يلقي على أهل الخطاب الثقافي قبل سواهم مسؤولية كبيرة لا يستطيعون مواجهتها من دون إقرار بوجود عيوب في الخطاب وسعي لتدارك تلك العيوب.‏

ومدخلنا إلى ذلك، بعد الاقتناع بضرورته، هو مراجعة دقيقة وجريئة للذات ولما في خطابنا من معطيات يراها العقل النقدي السليم عيباً فيه أو حجاباً له عن العصر ومعطياته، وعن التأثير في مجرياته والقدرة على التغيير من موقع بنَّاء.‏

فخطاب لا يستخدم أدوات عصره ولا يطورها خطاب قاصر، وخطاب لا يسد حاجة أناس عصره في واقعهم وبيئتهم وتطلعاتهم خطاب لا ينقذ بل يحتاج إلى إنقاذ، وخطاب مسكون بالشعاراتية والإدعاء وتورم العاطفة أو تورم الأنا خطاب مريض لا يصنع الصحة ويحتاج إلى مصح.‏

فإذا أدركنا أهمية التغيير وضرورته وأحسنّا تشخيص العلة ومعالجتها، وضعنا أقدامنا على بداية طريق توصلنا إلى امتلاك العلم والتقانة على أرضية الإيمان والأصالة، وهو ما يقودنا إلى امتلاك قوة، بالمعنى الشامل للقوة، تستطيع أن تحمي وتحرر وتنقذ، وتجعل المتطاولين على الأمة والعقيدة يحسبون ألف حساب قبل أن يخطوا خطوة في طريق العنجهية والغي والعدوان؛ فرباط العصر الذي نرهِب به عدو الله وعدونا هو رباط علم ومعرفة ووعي وقوة منقذة تصنعها استقلالية قرار سياسي وإرادة قوية قادرة على تحقيق ما تخطط لتحقيقه، واقتصاد يحمل عبء التنمية وتطلعات الإرادة. ولا يكون ذلك إلا بتحرير الإنسان من ربقة العبودية للإنسان وإشاعة الأمن من جوع وخوف في نفسه وبيته ومحيطه، فبالإنسان ننمي ونبني ونحرر ونتقدم، والإنسان يساهم في صنعه خطاب ثقافي أصيل سليم متفتح، فهل نلتفت إلى خطابنا الثقافي بالأهمية التي يؤثر فيها الخطاب في تكويننا وتحريرنا؟!‏

لم يعد خطابنا الشعري يحرك السيف، لأن الشعر تراجع والسيف أخلى مكانته للصاروخ، ولم يعد انغماسنا في عاطفية القصة ومعطى الحب في الرواية يشكل إرادة في المواجهة وعزماً في أداء التنمية، وقيمة عليا نحتاج إليها؛ وتغرق طائفة من كتاباتنا في تبعية مؤسية، تبعية لمركزيات ثقافية أخرى أو لخلافية سياسية عربية مؤذية، خلافية الأنظمة والأقطار والحكام؛ الأمر الذي يجرنا إلى عصبيات حرب قيس ويمن، أو إلى دونية مستقرة في النفس على أرضية الإحباط أمام علم قوم وقوتهم، قوم يستغلوننا ويستلبوننا ولا سبيل لنا إلا تحرير الخطاب من كل شوائبه وأمراضه لنحرر به ونتحرر على أرضية صحته وسلامته وعصريته وانفتاحه؛ فلنبدأ بأن نزيل ما بينه وبين خطاب العصر من مسافات.‏

ـ 3 ـ‏

خطاب القوة وقوة الخطاب :‏

يفترع إرادتنا وعزمنا وعالمنا اليوم خطاب القوة، الذي يجيّش جيوشاً ويطور أسلحة ويغزو بلداناً وآفاقاً وعقولاً وإرادات، ويستند إلى قاعدة علمية واقتصادية ضخمة يحرص على تعزيزها، ويحوّل علوم العصر المتطورة إلى تقنيات وإنجازات يوظفها في خدمة مشاريعه الطموحة، ويستنزف الدخل المادي للآخرين وطاقتهم أحياناً في استهلاك ما يُنتج ليحسّن إنتاجه من جديد فيغري بمزيد من الاستهلاك، ولا يتوقف عند حدود المادة بل يحاول فرض قوته في غزو الشخصية والروح وتخريب القيم والثقافات وينعكس المردود المادي والنفسي لخطاب القوة ذاك ثقة بالنفس وعزة بالإثم وقوة في الخطاب وتصميماً على التوسع والتفوق والهيمنة وفرض الإرادة المتعالية على الآخرين؛ فتنشأ بذلك وتستمر علاقة جدلية تزيد القوة قوة في الخطاب وتجعل أهله أكثر قدرة على الحركة وأكثر تجرؤاً على الحق والحرية والإنسانية: تفسيراً وتشويهاً وإزراء بها، كما ينعكس على العلاقة بالآخرين، الأقل قوة، انتهاكاً وإضعافاً وابتزازاً وإحباطاً.‏

وخطاب القوة الذي تزداد معاناتنا من شدة وطأته وشراسة غطرسته، يُعنى أولاً بالمصالح حيث يضع المبادئ والقيم في خدمتها ويسوغ كل فعل يؤدي إلى حمايتها وتنميتها، ولا يقيم وزناً لأية معطيات إنسانية أو قيمية أو خلُقية إلا إذا رأى في توظيفها مردوداً إيجابياً على المصالح ذاتها التي لا يؤمن إلا بها ولا يعمل إلا لها، ويعلي شأنها فوق كل شأن، في إطار المدى الحيوي الذي يلح عليه في كل نبرة من نبراته.‏

ولا يملك خطاب القوة، في الأغلب الأعم، قوة الخطاب عن جدارة، التي أراها تستمد مقوماتها من الاستناد إلى الحق والاعتماد على ثوابت مبدئية وقيمية وخلقية وإنسانية؛ ولكنه يضفي من قوته قوة على خطابه فيضفي الخطاب عليه وهم الشرعية وحالة الإقناع .‏

أما الذين يأخذون بقوة الخطاب ويقعون تحت عوامل استلاب خطاب القوة وإرهابه، فإنهم يستندون إلى معطيات خلقية وحقَّانية وإنسانية في الأغلب الأعم، وهم يفعِّلون خطابهم ويطورونه مستفيدين مما فيه من قيم ومقومات تمنحه القوة الروحية، التي تبقى مجرد كمون للقوة التي تتطلع إلى التجسد والتحقق في الواقع المعيش.‏

ولكنهم يواجهون دائماً عنتاً مؤلماً ويستشعرون القهر والمرارة، وقد يرتطمون بجداري الإحباط واليأس؛ فهم في رفعة على جناح الحق وفي انحدار بسبب فقدان القوة التي تحمي ذلك الحق، وهم بسبب قوة الحق الذي يملكون وضعف القوة التي يفتقر إلى سندها الحق في حالة أرق ورهق وتآكل دائمة، فتراهم يكرّون مدفوعين بالحق ويفرّون مهزومين بفعل القوة، ولا يرتاحون على حال أبداً، طاقتهم الروحية ومنطق الحق واستقراء التاريخ كل ذلك يقف سنداً لخطابهم، وما لخطابهم من قدرة أو سند يؤديان إلى تغيير ما يجري على أرض الواقع.‏

ومن هذه النقطة تبدأ مسيرة تقديم مسوغات لبدائل تكون مقبولة لديهم يزينها الوهم أو العجز، وكل البدائل المعروضة تتعرض لسهام قوة الخطاب. وتستمر حالة السعي إلى التوازن وحالة الخروج على الاستسلام بتلمس الموثِّبات وصولاً إلى استنهاض الهمم واستعادة الثقة وتقديم ما يفتح أبواب الأمل ولو في المستقبل البعيد. ولكن تفاصيل المداخل المفضية إلى تغييرٍ مقبول تبقى في العتمة مجهولة أو غائمة أو مستعصية، وكلها تحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى تعزيز قوة الخطاب بقوة تجعله متوازناً في الداخل مؤثراً في الخارج، مالكاً لما يحتاج إليه من قوة ليقف بوجه خطاب القوة، مقدماً البديل الذي يجعل للقوة أو لقوة الخطاب معنىً وترجمةً على أرض الواقع.‏

في وضعنا العربي، ونحن نمتلك قوة الخطاب التي تفتقد إلى خطاب القوة ويضعفها أيضاً نَوَسَان بين اختيارات غير مرضية وغير مشرِّفة في حالات كثيرة، تلقي علينا نوعاً من البدائل المتاحة مسؤوليةٌ تاريخية تضعنا بمواجهة مطلب القومية ومطلب العقيدة التاريخيين فهل نستقيل من موقعنا القومي والتاريخي ونقبل بموقع خارج الموضوع الحضاري والحقَّاني أم نستعيد، بتأثير من موقعينا المذكورين، طاقة وقدرة وموقعاً وحضوراً حضارياً حراً ؟!.‏

إن الرغبة والحماسة لا تكفيان، والاستقالة من الموقع والمسؤولة غير ممكنة وغير مقبولة. والطريق المؤدية إلى خلاص ممكن تشير إلى أن معالمها تتحدد في ضوء تغيير جذري على صعد شتى: فردية وجماعية، قطرية وقومية، عربية وإسلامية؛ تبدأ بالعلم والإيمان والعمل بهما، ولكن سلَّمها يبدأ من المدرسة والأسرة والخلية الاجتماعية الأوسع، حيث يتشكل مناخ يتكامل بالتدريج ليصل إلى حالة وعي مسؤول على مستوى الفرد والجماعة والدولة القطرية والأمة، وعي يؤكد أن الخلاص نصنعه نحن ويكون قومياً أو لا يكون أبداً، إذ لا يوجد خلاص فردي في عالم التكتلات والقوى الكبرى، ومدى العَوْلَمَةالزاحف علينا؛ ولا يكون الخلاص إلا انطلاقاً من ذات تدرك أنها بترجمة العلم والإيمان معاً إلى سلوك ومنجزات: مدنية وعسكرية، ورباطٍ عصريّ للقوة يتكون من مقومات القوة العصرية وأدواتها وتجهيزاتها، تستطيع بذلك أن تكوِّن قدرة على الخروج من الحيز النظري إلى الحيز العملي.‏

ومطروح علينا اليوم بجدية ودقة سؤال وضع قوة خطابنا ومآله، خطابنا الذي يحتاج إلى قوة ليواجه خطاب القوى المتغطرسة سواء أكان ذلك في فلسطين المحتلة، أو في الأمم المتحدة حيث يتبدَّى ضعفنا، أو في مجالات الاقتصاد والَّتقَانة والمعلوماتية، أو في العطالة التقنية والعلمية الباديتين بكثافة فيما ننتج من أبحاث وما يتحوَّل من علم نظري إلى تطبيق علمي ومنجزات وإنتاج، أو في مجالات مواجهة الإرادات والقرارات ابتداءً من مجلس الأمن وانتهاء بآخر اتفاقيات التفريط بالحق وملتقياته مروراً بالمؤتمرات الاقتصادية ومعارض والت ديزني، التي تفرضها علينا الإرادتان الصهيونية والأميركية، بينما تقف الإرادة العربية المغلولة متفرجة أو مستسلمة أو زاحفة حيث لا تجد أمامها سوى أن تزحف إلى بيت الطاعة.‏

فهل نقبل بوضع قوة خطابنا المهزوم أمام خطاب القوة القاهرة؟!.‏

إنه سؤال يدمي الروح والقلب معاً ولكنه قد يفضي بنا إلى النور إذا حولنا الطاقة والرغبة والطموح إلى فعل منقذ.‏

ـ 4 ـ‏

الخطاب السياسي العربي :‏

ما هو الخطاب السياسي، ولمن يوجه ولأي غرض، وما الذي ينطوي عليه مما يميزه أو يمايزه عن أي خطاب آخر؟! وهل هو لغة ذاتية أم لغة موضوعية، وبمعنى آخر هل هو كلام صاحب الخطاب أم خطاب صاحب المسؤولية والصلاحية في التعبير عما ينتهجه نظام من سياسة وما يتخذه بلد من قرارات عبر مؤسساته الرسمية، مما يريد أن يتعامل معه الخطاب بطريقة ما، وكيف يتجلى ذلك كله في الخطاب؟!‏

وهل الخطاب السياسي لغة ذات خصوصية في الأداء والتوصيل والصوغ والإقناع، أم أنه منطق شخص وأسلوبه يعطيان للخطاب واللغة خصوصية وقوة تأثير وقدرة على الإقناع في أثناء الأداء؟! أم هو مجرد طريقة في استخدام الأدوات والانفعالات وعوامل التأثير الأخرى وتوظيفها لجعل المتلقي يقتنع بوجهة النظر التي يحملها صاحب الخطاب، أو تلك التي يريد أن يوصلها إلى الغير؟! وهل الخطاب السياسي يمتلك القوة في ذاته ومعطياته، أم أن قوته تنبع من عوامل القوة التي تقف خلف الخطاب وتشكل سنداً له، وهي قدرات البلد والموقف التي تعطي للكلام مصداقية ومدلولاً عملياً وتجعله مشبعاً بالموحيات ومستنبتاً للاستنتاجات؟!‏

هل الخطاب السياسي كلام في المبدئية والأخلاق والثوابت القومية والوطنية والقيم الإنسانية، أم أنه مجرد صياغات كلامية مدروسة بعناية أحياناً، تخفي ما تخفي من الحقائق والمواقف وتلوِّح بما تريد أن تلوِّح به من الحقائق والمواقف لجعل الاحتمالات المؤدية إلى تحقيق مصالح أو دفع مخاطر أكثر قدرة على التحقق وأكثر قدرة على التأثير في المتلقي؟!‏

وهل هو خطاب يلتزم بالاستراتيجية السياسية والأيديولوجيا ويعبر عنهما ويدافع عن ثوابتهما وأهدافهما واختياراتهما، أم أنه تكتيك ومناورات وعوامل تمويه، تؤدي إلى إشغال المتلقي عن الأهداف الاستراتيجية وتساهم في صرف النظر عن حقائق الفعل الذي يعتمده السياسي أو يسعى إليه؟؟‏

وهل ينطوي الخطاب السياسي، أو ينبغي له أن ينطوي، على الصدق أم أنه فضاء يراوغ المتكلم في مجالاته للوصول إلى الأهداف والمنافع والأغراض الشخصية أو العامة؟!‏

إن سؤال الأخلاق والسياسة سؤال مركزي عند ملامسة الخطاب والتعامل معه فهماً وتفسيراً وتحليلاً؛ ولكن السياسة التي تستند إلى مبدئية خلقية وثوابت حقّانية قد تفلس وتسبب الكوارث إذا كانت لا تملك قوة كافية تحمي التعبير المبدئي والقيمة الخلقية والحقّانية التي ينطوي عليها الموقف موضوع الخطاب، وفي هذه الحالة ما هو الموقف من الخطاب وفيه؟! وما هو الحكم عليه وعلى مضمونه وعلى النتائج التي قد يسفر عنها أو يقود إليها؟!‏

السياسة فن الممكن في بعض الاجتهادات، والسياسة مصالح عند الكثير من السياسيين وفي معظم السياسات، والسياسة تنطوي على منظومات قيم وأخلاق عند سياسيين وسياسات وتتنكر لها عند آخرين وأخريات. والمذاهب السياسية أكثر من أن تعد أو تحصى إذا ما أخذنا بالاعتبار نوع الخطاب وقائله وهدفه ومردوده ومنطلقاته وغاياته وأساليب وتوظيفه ومرجعياته وأداءه، ولكن يبقى من الأهمية بمكان أن نتوقف عند الخطاب السياسي لنفهمه ونتعامل معه، لأنه يتعلق بالحياة والمصير، باليومي والمستقبلي في آن معاً، ليس بوصفه نصاً منفصلاً عن الأداء والظرف والمناخ العام الذي اقتضاه، داخلياً وخارجياً، بل بوصفه خلاصة تفاعل عضوي للسياسي مع الاجتماعي والوطني والقومي والدولي في أداء لا تقيده حدود ظاهر نص.‏

في الخطاب السياسي العربي ثوابت، وفيه الكثير من أساليب التعبير عن هذه الثوابت، وفيه أيضاً ما هو مضمَر أو منسي أو ما يُراد له أن يكون منسياً من تلك الثوابت، وفيه المسكوت عنه وما لا يشاء السياسي أن يصرح به أو يؤخذ عنه أنه خاض فيه، كما أنه يحتوي على إشارات لما لا يريد أن يبدو وكأنه أنه تنكر له أو تملَّص منه على نحو ما، في الخطاب.‏

وقد مر هذا الخطاب بمراحل وحالات منذ موجة الاستقلال الوطني- القطري حتى الآن، وتغير فيه ما تغير سواء أكان ذلك في الأسلوب أم في اللغة والمفردات وطريقة التعبير، أم في المستوى العام للأداء؛ ولكن يبقى فيه ما هو ثابت ولو في صيغ الكلام الرسمي.‏

فهل الخطاب العربي يحمل في طيَّاته ازدواجية الوجه والقناع؟! أم أنه خطاب لا صلة له بجوهر الأهداف التي يتكلم عنها ويدور حولها ولا بجوهر الاستراتيجية المعتمَدة ظاهراً على الصعيد القومي، وهو مجرد تكتيك يخدم مصلحة النظام أو المصلحة القطرية ويراعي ما تطلبه الجماهير من عبارات حماسية ومواقف قومية للإرضاء ليس غير؟! وإذا كان ذلك كذلك فمن أين جاء هذا ولأية أسباب يستمر؟!‏

وهل الخطاب السياسي العربي هو خطاب شخص الحاكم أم خطاب النظام، أم خطاب الدولة، أي مؤسسات المجتمع المدني والهيئات القائمة في البلد المعني بالخطاب، أم أن التداخل في هذا لا يترك مجالاً للسؤال والبحث، لأن نسيج البنية أصبح " عضوياً" بين الشخص والنظام والدولة على نحو يصعب معه الفصل أو التمييز بين الخاص والعام، الذاتي والموضوعي؟‍!.‏

أم أن الخطاب في حقيقته خطاب يملي على الداخل شيئاً ويقول للخارج شيئاً آخر، ويريد أن يرضي الداخل بكلام قوي يفهمه الخارج على أنه للاستهلاك المحلي، ويفهمه الداخل على أنه تعبير عن ثوابت الموقف وقوته، بنوع من الصلابة والشجاعة؛ فيدخل في المراوغة التي لا تكشفها الذاكرة الشعبية ويطوي ذكرها ودواخلها النسيان مع فيض الزمان؟!‏

في الخطاب السياسي العربي مواقع ومواقف يحسُن بنا أن نتوقف عندها طويلاً لأن الخطاب يؤثر أكثر مما نتصور في حياة الناس ومصائر البلدان، وفي التكوين والتفكير وأوجه التدبير الممتدة من البيت إلى أكبر المؤسسات المعنية بالتنمية ورسم السياسات العليا مروراً بالمدرسة والجامعة!!‏

ومما ينبغي التوقف عنده من معطيات الخطاب السياسي العربي وشواغله وثوابته، في الماضي القريب والحاضر المليء بكل المؤثرات والمؤشرات والإنذارات المستقبلية: الوحدة العربية- قضية فلسطين- الصراع العربي- الصهيوني والموقف منه- التضامن العربي ـ القومية العربيةـ الديمقراطية- حقوق الإنسان والحريات العامة- التنمية- الأمن على الصعيدين القطري والقومي بالمفهوم الشامل للأمن: مائي غذائي عسكري .. إلخ ـ الاستقرار الاجتماعي- الإرهاب- الأيديولوجيا- الإسلام- العلاقة مع الغرب.. الخ..‏

قضايا كبيرة وقضايا أخرى أكبر قد يلامسها الخطاب وقد لا يتعرض لها أبداً، وقد يكون الخلاف حولها حاداً بين خطاب وخطاب؛ مما يشكل مجالاً واسعاً للجدل والاختلاف والاستقطاب، وربما للاتهام والاقتتال. ولا أزعم أن هذا المجال يتسع للدخول في تفاصيل الخطاب حول هذه المواضيع وسواها مما يشكل مجال اهتمام الخطاب؛ وقد تكون المحطات القليلة والوقفات القصيرة عند بعض النقاط حافزاً على مقاربة أوسع لها في المستقبل، أو دعوة للقيام بتلك المقاربة.‏

ـ 5 ـ‏

يحاول بعض العرب أن ينال من الخطاب السياسي العربي وأهله، لا سيما خطاب العقود الثلاثة الأولى من النصف الثاني من هذا القرن، والهدف فيما يبدو تحميل ذلك الخطاب نتائج الكوارث لا لتحقيق يقظة ونهضة ومجاوزة لتلك الأوضاع وذلك الخطاب، وإنما لتسويغ خطاب من نوع آخر يجري العمل على تسويقه وإعلاء شأنه ورفع اختياراته ونهجه فوق كل اختيار ونهج آخر، خدمة لسياسة ترمي إلى فرض "سلام الاستسلام" على العرب.‏

إن خطاب الاستنهاض والحشد الذي اعتمده سياسيون عرب لمواجهة العدوان والاحتلال، وللدفاع عن الإرادة والرؤية المستقبلية والحق والأرض، ليس خطاباً مداناً لمجرد كونه خطاب استنهاض؛ ربما كان في بعض الأساليب المتبعة بعض ما يدعو إلى التفكير بالحكم عليه وليس له، ولم يكن خطاباً مسؤولاً عن الهزيمة أو مسبباً لها لأنه خطاب أخذ هذا النوع من التوجه؛ إنما كان المسؤول عن ذلك بالدرجة الأولى: المناخ العربي العام الممزق، الموزع الولاء، المنخور بالعملاء والتبعية للاستعمار، وأخطاء في الحسابات أو تآمر على الحسابات الاستراتيجية، أو ازدواجية مراوغة بين الخطاب والحساب من جهة والارتباط السياسي لبعض الساسة العرب مع جهات معادية أو حليفة للعدو، وإعلائها للشأن والمصلحة القطريين على الشأن والمصلحة القوميين من جهة أخرى.‏

الذين يقدمون عبد الناصر: رجلاً انفعالياً عاطفياً مغامراً واهماً ومشيعاً للوهم ومسؤولاً عن خطأ الحسابات وعن انحطاط الخطاب السياسي، لا يدركون جيداً الأدوار التي قام بها سياسيون ومسؤولون آخرون وأنظمة عربية تواطأت على الخط الذي انتهجه عبد الناصر وساهمت في إخفاقه، ولا يأخذون بالاعتبار معطيات المرحلة ـ مرحلته ـ وشراسة التآمر الاستعماري الصهيوني. إن حرب حزيران، على سبيل المثال، لم تكن سوى مؤامرة وتوريط من نوع مدروس شاركت فيهما ـ إلى جانب عوامل القصور والتقصير والخطأ الذاتي ـ قوى عديدة منها الأصدقاء السوفييت، إمّا عن غفلة أو عن تسميم إعلامي أميركي- صهيوني مدروس، وإما بإدراك ووعي قامت به عناصر موالية للصهيونية من داخل سدة الحكم السوفييتية؛ وشارك في التوريط والتآمر ساسة عرب وكذلك مسؤولون مباشرون منهم عبد الحكيم عامر المحارب الذي لم يحارب، الذي لم يشأ لعبد الناصر أن ينتصر أو أن يحارب أصلاً، لاعتبارات كثيرة منها اعتبارات شخصية.‏

لقد وقعت هزيمة حزيران وتحمل عبد الناصر وشركاؤه في الخسارة مسؤولية عنها، وتدخلت الجماهير لتبقي عبد الناصر في سدة المسؤولية بعدما اتجه الظن إلى أنها سوف ترضى به كبش فداء وترى في انصرافه عن الحكم مخرجاً. ولم تسكت المدافع أو تضعف المقاومة طوال فترة حرب الاستنزاف والإعداد والاستعداد لمحو آثار العدوان. وليس الإحباط أو الهزيمة في معركة أو معارك دليلاً على خطأ مبدأ الحشد والاستنهاض في الخطاب السياسي -عربياً كان الخطاب أم غير عربي- لأنه من غير المعقول قبول الخطاب البديل ـ خطاب التيئيس ـ الذي هو حرب على إرادة الشعب ووعيه وصموده وحقوقه وتاريخه لإلحاق اليأس به وجعله يقبل الذل والهزيمة ويستسلم للتبعية والاستعمار!؟‏

صحيح أن الخطاب السياسي العربي يحتاج إلى مراجعة ليكون أقل عاطفية وانفعالية وشعاراتية وطوباوية، وأكثر موضوعية وعلمية وواقعية ومعلوماتية وسعة رؤية، وأكثر اعتماداً على الحسابات الدقيقة والإمكانيات الحقيقية؛ ولكن ما يحتاج إلى تدقيق وحسابات أصلاً هو مؤسِّسات القرار الذي يعبر عنه الخطاب أو يستند إليه ومقوماته ومسنِداته وأركانه التي يقوم عليها. وذلك يتصل بالإرادة السياسة وبالمعطيات التي تشكل قوام القوة وعواملها وأرقام الحساب، تلك التي تعطي للخطاب في النهاية مصداقية ومعنى وقيمة على الأرض.‏

الخطاب السياسي العربي المتعلق بفلسطين وبالصراع العربي الصهيوني وبما يتعلق بذلك من عوامل ورؤى وتصورات واستعدادات، خطاب يأخذ بالاعتبار الواقع من جهة والممكن من جهة أخرى؛ ولكنه محكوم في منطلقه وأهدافه البعيدة بتطلعات شعب وبآمال ينبغي ألا تموت، وبحقائق تاريخ وحقوق أمة يجب أن تؤخذ بالاعتبار، وبثوابت صراع مع الاستعمار والصهيونية وبمعطيات ذلك ومستجداته ومتغيراته؛ وهو ما ينبغي ألا يغيب عن الوعي أو أن يخرج من دائرة الحسابات الدقيقة. وكل حسابات تؤدي إلى استنتاجات ليست في صالح الأمة وقضيتها العادلة على المدى القريب لا تسوِّغ إعادة النظر بالحق والمبدأ، وإنما ينبغي أن تدفع باتجاه تعزيز ما يحتاج إلى تعزيز من مقومات القرار والقوة والحساب ليأتي الحساب مؤيداً لقرارات سياسية تخدم الأهداف والاستراتيجيات البعيدة والمبدئيات الثابتة.‏

لقد كان السؤال منذ البداية يتصل بالحق وبالقوة على تثبيت ذلك الحق. إن النظر إلى إمكانيات الأمة وقدراتها البشرية والاقتصادية وتجربتها التاريخية يؤهل صاحب الخطاب للتعامل مع "واقع ممكن" يقوم على تلك المعطيات في حال توظفيها وتفعليها بشكل علمي سليم، لا سيما وهي تستند إلى قضية عادلة وحق تاريخي وروح شعبي متعلق بالقضية والعدل والحرية والكرامة ومستعد للتضحية من أجل ذلك.‏

ولكن وجه الحساب الآخر متعلق بالغير من جهة وبالشركاء الداخلين في الحشد والإعداد وتوظيف الطاقة والإمكانيات على أرضية الاقتناع التام بجدوى خيار التحرير والتمسك به وبضرورة امتلاك القوة واستخدامها، من جهة أخرى.‏

في الشق المتعلق بالغير هناك العدو وقدراته، ومن يدعم العدو ويتحالف معه ويعزز قدراته على أرضية شراكة استراتيجية أو التزام خلقي -ديني- عاطفي.. تاريخي ـ أو ارتباطات مشبوهة ... الخ. وهناك ميزان القوى الدولي وتوجهاته والمصالح التي تحكم تلك التوجهات؛ وهناك الصديق أو الحليف الذي يستند إليه صاحب /القرار والخطاب/ العربي، لأنه لا يملك - ولم يسعَ إلى أن يملك للأسف -مقومات القوة المحررة للقرار والإرادة: علمياً وتقنياً وعملياً، تلك التي تجعله متحرراً من أشكال الضغط والقمع والشلل، التي تقود إلى تدمير الإرادة السياسية أو تجميدها.‏

إن مقاتلاً يعتمد في أدواته ومعداته ووسائل دفاعه وهجومه على ما يقدمه - أو يتحكم بتقديمه- الغير له، هو مقاتل أسير على نحو ما، ومقاتل ومهزوم في لحظة ما؛ لا سيما إذا كان من يستند إليه في الإمداد بالأدوات والمعدات والوسائل القتالية موالياً بشكل ما لعدوِّه أو معترف بحق لذلك العدو يدخل في صلب ذلك الصراع، ويرى أن على المقاتل ألا يتجاوزه.‏

وقد كان هذا هو وضع السوفييت الذين كانوا يرسمون خطوطاً حمراء للتطلع العربي المتعلق بالتحرير؛ ولم يقف ذلك عند حدود الخطاب السياسي والنصائح الديبلوماسية والمعنويات والمواقف السياسية؛ وإنما كان يتخطاه إلى التحكم بنوع المعدات والعدد والوسائل القتالية وكمها ونوعها، وبالإمكانيات التي يملكها أو بالأحرى يوظفها العرب /كماً ونوعاً/ بحيث لا تشكل تهديداً جدياً للكيان الصهيوني ولا تمكِّن من تحقيق توازن من نوع ما معه.‏

ليس دقيقاً القول: إن الغرب وحده الذي أقام "إسرائيل" وحماها ودافع عنها، فالشرق -السوفييت وحلف وارسو- شريك مؤثر في ذلك، قدم الإنسان والسلاح في بدايات المشروع الصهيوني/ مرحلة 1948 والسلاح التشيكي/ واستمر بتقديم الإنسان المدرب حتى آخر ما يقف عنده ويحتاج إليه ذلك المشروع الآن من خبراء في المجالات كلها. ومن المعروف دور الخبرة السوفييتية في الصناعات العسكرية الإسرائيلية من خلال اليهود السوفييت.. الروس مؤخراً.‏

صحيح أنه لم يكن لدينا، نحن العرب، فرص واختيارات كثيرة، وصحيح أن الخلافات بين المعسكرين: الرأسمالي والاشتراكي قد أفادتنا وكونت لنا سنداً ومصدراً للسلاح التقليدي تمثل في المعسكر السوفييتي على أرضية العداء المتبادل بين المعسكرين وسعي كل منهما لإيجاد الأعوان والأدوات وبسط النفوذ والسيطرة، واستنزاف الثروة والطاقة؛ ولكنه صحيح أيضاً، وبالقدر والقوة ذاتيهما، أنه كان للسوفييت سياساتهم وحساباتهم التي تتجاوز كل المصالح والأحلام والتطلعات والحقوق العربية عند اللزوم، ولهم أيضاً أدواتهم وأساليبهم التي تستخدم لتحقيق تلك السياسات والحسابات والمصالح، وأنهم كانوا يوظفونها بما يخدم مصلحة الدولة العظمى في صراعها مع دولة عظمى أخرى. لقد كنا على نحو ما جزءاً من كتلة القوة التي توظَّف في صراع المعسكرين، ونوعاً من الحطب يغذي النار والفزَّاعات التي تنتشر في الحقول.‏

ولا يفوتني أن أتوقف عند "كنا" لأسأل: كنا نحن..‏

من نحن؟‍‍! وكيف كنا؟!‏

ألم نكن عرب أميركا وعرب السوفييت، أو عرب الغرب وعرب الشرق؟! ألم يكن سلاح دول عربية وما زال مصدره الغرب والولايات المتحدة خصوصاً وسلاح دول أخرى مصدره المعسكر الاشتراكي؟! وهل كان السلاح حراً وسلعة متاحة من دون شروط وقيود واتفاقيات والتزامات في يوم من الأيام، أم أنه كان وما زال سلعة سياسية محكومة بكثير من الحسابات والمصالح والاعتبارات؟!‏

إن الوقائع تقول والواقع يثبت أن السلاح العربي ذا المصادر والارتباطات والالتزامات الموزعة على المعسكرين والمحكوم بقرار المعسكرين على نحو ما كان مما يُتَحَكَّم به: كماً ونوعاً واستخداماً. ومن ثم كان التحكم بالتخطيط العربي والقرار والإرادة والتوجهات العربية موجوداً على نحو ما... وهو تحكم لا يسمح بالتجاوز ولا يمكِّن منه. إنه تحكم مستند إلى مصالح وتحالفات والتزامات سياسية وغير سياسية ـ يسمونها أخلاقية أحياناً ـ حيال الكيان الصهيوني، وإلى اعتراف به وبأنه وجد ليبقى، وأن احتلاله لمزيد من الأرض وامتلاكه لمزيد من القوة ومقومات البقاء سوف يمكنانه من فرض وجوده بالقوة وإقامة الأمر الواقع، وجعل العرب يعترفون به وبحقه في الوجود والبقاء والهيمنة.. وأن الأساليب المؤدية إلى ذلك مباحة من قبل الطرفين أو الأطراف القوية النافذة القرار والمقرة بالمشروع الصهيوني.‏

لقد كنا وكان خطابنا السياسي وقرارنا السياسي وإرادتنا في الفخ على نحو ما، وكان الذي يكفل لنا الحركة والصمود هو إرادة شعبنا وجماهيرنا ورغبة ذلك الشعب وتلك الجماهير في التحرك التحرري والاستعداد للتضحية من أجل التحرير مهما كان ثمن ذلك كبيراً ومكلفاً. وقد ظهرت هذه الإرادة الجماهيرية وتم التعبير عنها والاستناد إليها، ودفعت الفعل السياسي نحو الأمام- على الرغم من قوة العدو وكثافة العدوان- في مواقف منها: حرب السويس 1956 وعدوان حزيران 1967 ونتائجه الكارثية والإصرار القومي على بقاء عبد الناصر في الحكم بعد الكارثة الحزيرانية - حرب تشرين أكتوبر 1973- اجتياح لبنان وحصار بيروت 1982 ـ رفض اتفاقيات الإذعان ورفض التطبيع من العدو على المستوى الشعبي والثقافي على الأقل.‏

إن حرب اليوم - بعد كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وبعد نتائج حرب الخليج الأولى والثانية... تنصب على الإرادة الجماهيرية وعلى روح الأمة ومواطن القوة والصمود والعزيمة فيها. ولذلك يوجَّه الخطاب المعادي والخطاب الانهزامي ـ " خطاب الواقعية الانهزامية " ـ معاً إلى الأمة سواء أكان خطاب أعدائها أم خطاب أبنائها المرتبطة مصالحهم بالأعداء والمنهزمين أمام العدو منذ زمن بعيد؛ يوجَّه ذلك الخطاب ليدمر إرادة الأمة ومقومات وعيها وصمودها وروحها المعنوية، وليلحق اليأس لا الإحباط، بأبنائها، ويغرس الإحساس بالدونية في نفوس أجيالها القادمة؛ ويسوغ في نظر أولئك جميعاً سلام الاستسلام وخطواته واتفاقياته، ويقدم رموزه المهزومة والمتواطئة أبطالاً وحكماء ونماذج حضارية !؟! كما يسوِّغ نبذ التطلعات والطموحات العادلة والمشروعة والكريمة: التحرير -النهضة- إقامة المشروع القومي- امتلاك العلم والتقانة ومقومات القوة، المحافظة على الذاكرة والوجدان القوميين سليمين من النخر والتخريب والتشويه؛ والدعة إلى الاستعاضة عنها بالخنوع والاستكانة وتدني سقف الرؤى والطموحات والتطلعات الفردية والجماعية.‏

إن الخطاب الانهزامي وخطاب الهزيمة و" واقعية" الموالين للصهيونية والغرب الاستعماري، كل ذلك ينصب على عقل العربي ووجدانه وروحه وذاكرته وشخصيته الثقافية وعقيدته، في كل لحظة ليغرس فيه الدونية ويجعله "يختار" الاستسلام والهزيمة الأبدية.‏

إن أهل كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة لم يكتفوا بما قدموا من تنازلات وبما فرطوا به من حقوق الأمة وثوابتها وتضحيات شهدائها وأهدافها البعيدة، وإنما يسعون سعياً حثيثاً إلى تنصيب أنفسهم أبطالاً وحكماء ومنقذين وأصحاب رؤية مستقبلية وقيم حضارية فاقت بمراحل وسبقت بزمن بعيد العقول "المتخلفة" التي تتمسك بالحق وتقول بالتحرير وتدعو إلى الصمود ومقاومة الهزيمة والاستسلام، وتلح على ثورية علمية وواقعية تفاؤلية تواجه الواقع البائس، بالإمكانيات والقدرات التي تمكِّن من تغييره، وإيجاد واقع بديل تحمل المعطيات دلائل قدرته على التحقق وهي بدائل ومعطيات نراها قائمة ومشروعة وممكنة التحقق وتحتاج إلى عمل وإرادة وقرار سياسي وخطاب سياسي متفائل وتربوي سليم أصيل متين، يستنهض الهمة ويبني الشخصية ويستفيد من دروس التاريخ ويوظف الإمكانيات والطاقات توظيفاً علمياً لتحقيق رؤيته ومشروعه، في ظل نقاء ثوري ووعي عصري وإيمان وعلم يُجَسَّدان عملاً ومنتجات وسلوكاً من كل نوع وقيم تعامل.‏

إن أعشاش الهزيمة مليئة بالفراخ، فهل يستنسر البغاث بأرض العرب الرافضين للهزيمة أم تراهم يهزمون التخاذل وأعشاشه والصهيونية والإمبريالية الأميركية وما تزرعانه من بؤس ويأس في إطار ترويجهما لمشروعهما الاستعماري -العنصري الاستيطاني، الذي يشكل النقيض التام والضد القوي لأي مشروع نهضوي عربي يحفظ وجوداً متطوراً ويحقق حضوراً فاعلاً في كل مجالات الحياة؟!‏

أتصور أن هذا هو رهان الحاضر وميدان الصراع في المستقبل.‏

ـ 6 ـ‏

وأرى أن الخطاب السياسي العربي مشدود إلى أطراف معادلات متناقضة: لا سيما في بعض الأقطار العربية المحيطة بفلسطين المحتلة:‏

1-المعادلة الأولى:‏

رؤية أوراق الحل بيد الأميركيين -ورؤية الأميركيين منحازين بل متحالفين مع إسرائيل ويمولون الاستيطان والتسلح الصهيونيين، ويشجعون تحالفات إسرائيلية ضد العرب منها التحالف التركي -الإسرائيلي؛ ويضربون العرب ويستنزفون قواهم ومصالحهم كل يوم...‏

ومع ذلك فهم رعاة عملية السلام الذين لا يسمحون بدور لا للروس /الراعي الثاني/ لعملية السلام، ولا لأوربا التي ينبغي أن تبقى -بنظرهم- هامشية في هذه العملية، ولا للأمم المتحدة التي أصبحت بعض قرارات هيأتها /مجلس الأمن/ القرار: 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973 هي مرجعية الحل السلمي، مرجعية مدريد /إضافة إلى مبدأ مبادلة الأرض بالسلام -وهو مبدأ / أو معادل موضوعي/ "إسرائيلي" منذ عام 1948 وأكد عليه عام 1967 في بداية احتلال الضفة والقدس عام 1967، تحصل بموجبه على الاعتراف وعلى الأرض والسلام معاً. وتبقى العيون العربية مشدودة إلى " عدالتهم ورعايته وعبثهم بالقضية والمصير"!؟!.‏

2-المعادلة الثانية:‏

فلسطين عربية تاريخياً، ومقدساتها لا يمكن التفريط بها، والشعب الفلسطيني المشرد صاحب حق وله أن يقرر مصيره بحرية، والبعد القومي للقضية الفلسطينية حقيقة واقعة. ولكن لا يوجد نظام قطري على استعداد لوضع مستقبله في الميزان من أجل تنفيذ هذه الأهداف وفي سبيل نصرة هذه القضية العادلة. وأصبح النظام القطري يبحث عن خلاصه وأمنه واستقراره ومصالحه الخاصة واستمرار حكمه وحاكمه؛ عن طريق تملصه من أي التزام بالقضية الفلسطينية، ومن كل ما قد يجعله عرضة للضغط أو للأزمات.‏

ولذلك وقع الخطاب حول هذه القضية الهامة في التناقض - وحدثت حالة الوجه والقناع ـ الخطاب العلني والخطاب السري- خطاب الاستهلاك وخطاب الثوابت الاستراتيجية المبدئية، التي تتلبس الخطاب السياسي العربي. كما وقع ذلك الخطاب، في الوقت ذاته في مستنقع التناقضات والازدواجيات الآتية:‏

1 -كلام رسمي سري للولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوربية /لا سيما بريطانيا/ ولإسرائيل في اتصالات سرية بدأت تتكشف خيوطها بكثافة في العقد الأخير من هذا القرن.‏

2 -كلام رسمي حذر -وخطاب رسمي مزدوج - في اللقاءات الرسمية العربية -ثنائية وجماعية/ في مؤسسة القمة وفي مؤسسة الجامعة العربية/ وفيه تقرأ:‏

"الحرص على التمسك بدور مشرف حيال القضية الفلسطينية -والإشارات إلى عدم إمكانية تحقيق أي شيء في ظل غياب /الوحدة -الاتحاد- التضامن/ وفي الوقت ذاته إبقاء كل صيغ: الوحدة -الاتحاد- التضامن هشة وشكلية وتظاهرية وفارغة من أي مضمون/ لانعدام الثقة بين الأنظمة والأقطار والحكام من جهة ولمحاولة إقامة تكتلات آنية من شأنها حماية النظام القطري في وجه قطر أو تقارب أقطار عربية أخرى من جهة أخرى" ـ أمثلة: الاتحاد المغاربي، الاتحاد العربي، اتحاد دول مجلس التعاون الخليجي، الوحدات المهيضة قبل تحليقها التجريبي في المغرب والمشرق‏

ليبيا -مصر -سورية) ـ وإقامة هذه الصيغ الاتحادية يبدو أنه لامتصاص نقمة الشارع العربي أو لاسترضائه، أو لتسديد وعود كلامية بالتوجه الوحدوي والعمل في الإطار العربي، ومعظمها صيغ تولد ميتة.‏

3-المعادلة الثالثة:‏

وتبنى على سياسة العرب التي بدأت رسمياً عام 1948 بتحرير الأرض المحتلة /فلسطين/ ثم أخذت تتراجع أو تتكشف عن عجز أو تواطؤ أو تبعية للاستعمار أو وجود كم من الاختراقات الغربية والصهيونية لها جعلتها تتدرج شيئاً فشيئاً نحو العجز والإحباط وتغيير المسارات والاستراتيجيات.‏

* في الوقت الذي شكلت فيه قيادة موحدة عام 1948 للحرب، لم تكن هناك قوة حقيقية ولا إرادة قتالية فعلية، ولا قرار عربي مستقل بخوض الحرب/ غلوب باشا البريطاني حاكم الجيش الذي كان يقوده الملك عبد الله وآمر ذلك الجيش -وسياسة ما كو ـ أوامر والذخائر الفاسدة- والاتصالات السرية بالعدو في الشونة/ كل ذلك من ظواهر الأمور أما مخفياتها فأعظم بكثير.‏

** في الوقت الذي قال فيه العرب لا للعدو لم يضعوا استراتيجية تعطي لـ "لا" معناها وإنما تفرقوا وانكفؤوا قطرياً ولم يمتلكوا قوة تحرر قرارهم السياسي والاقتصادي وإرادتهم، وتملي احترام تلك الإرادة، ولا رؤية مستقبلية ترى النتائج المؤسفة التي يصل إليها الجميع واحداً بعد الآخر.‏

*** لاءات الخرطوم بلا سند، والصناعات العسكرية التي بدأت بوادرها بين مصر والسعودية توقفت، وكل عمل في مجال تنفيذ قرارات الجامعة العربية المتصلة بالصراع العربي الصهيوني بقيت على الرفوف وفي الأدراج.‏

**** وفي الوقت الذي قالوا فيه نعم لطريق السلام وخياراته ـ مؤتمر قمة فاس 1982 المبني على مشروع أو بيان الأمير فهد، "الملك فهد الآن"، عام 1981 أو النقاط الثمانية -لم يكوّنوا موقفاً موحداً يقدم سياستهم بقوة وتنظيم وتنسيق علميين عمليين ويجعل قواهم الاقتصادية/ النفط والمال على الخصوص/ في خدمة استراتيجيتهم وقضيتهم المركزية وصراعهم الرئيس مع العدو!!‏

****** تفرقت سياسات أقطارهم أيادي سبأ وكل زعيم أخذ يعد مبادراته وتصرفاته على ما يرى فيه مصلحته أولاً ومصلحة قطره ثانياً.. أما المصلحة القومية العليا فليست في أساس الحسابات.‏

وقد بدا هذا حتى في حرب 1973 حيث كان قرار السادات: خوض حرب تحريك /الدفرسوار، جدار الصواريخ على القناة كان مداه 20 كم فقط/ بينما كان قرار الأسد: حرب تحرير. قال جيمي كارتر في مذكراته : "بدأ السادات والأسد التحضير لخوض حرب محدودة وتعبيد الطريق إلى سلام حقيقي"، فهل كانت الحرب المحدودة هدف الرئيس الأسد أم هدف الرئيس السادات !؟ ومن الذي أعلم الأميركيين بحرب محدودة ترمي إلى الانتقال إلى الضفة الأخرى من القناة فقط، ألم تكن تلك صيغة " للتسخين " متفق عليها بين السادات وصديقه كيسنجر كما أعلن وأذيع سابقاً، ولم تكن سورية على علم بذلك ولا من الشركاء فيه!؟ ولذلك جاءت المدحلة الروسية التي تشكل جموداً عملياً للقوات على ضفة القناة بعد العبور، الأمر الذي مكَّن العدو الصهيوني من تكثيف قواته على الجبهة السورية فاحتل المزيد من أرض الجولان وهدد دمشق، إذ وصل إلى سَعْسَع !؟‏

وهكذا دخل الجيشان المصري والسوري الحرب عام 1973 بقرارين مختلفين وكانت النتيجة غير سارة، وعلى أرضية من النجيع والألم والغضب المكبوت نبتت وقائع جديدة.‏

وكان الخروج من انتصار العبور الرائع إلى مقدمات الخيمة /101/ وما تلاها، ومن نصر الشعب المعنوي الكبير إلى الارتماء في مستنقع كامب ديفيد، الذي خنق الأحلام القومية، وكان إخراج مصر الكبيرة من دائرة الصراع مع العدو الصهيوني، وهو الهدف الصهيوني الغربي الكبير منذ اعتمِد عام 1948 - وما تلا ذلك كان واضحاً. وما نبت على جذع كامب ديفيد من اتفاقيات إذعان وانتشار لروح الهزيمة والاستسلام برائحته الكريهة كان أشد وضوحاً ودلالة وفتكاً بالإرادة العربية وبالروح المعنوية للناس.‏

وتجلى الضعف والتمزق العربيان عام 1982 حينما حوصرت بيروت في أثناء اجتياح العدو للبنان/ ما سمي عملية سلامة الجليل، وهي عملية امتحان متانة كامب ديفيد من جهة واستثمارها إلى أبعد مدى من جهة أخرى/ ولم يكن هناك عرب مع العرب يقفون حقيقة مع بيروت ودمشق والشعب الفلسطيني، في تلك المواجهة المضنية، اللهم إلا في الأداء العارم: كلاماً وصراخاً ودموعاً.‏

كم تجلى تعارض المواقف والتآمر الصريح على الأخ الشريك في القضية والمصير:‏

- كلام حول التنسيق في مؤتمر مدريد- وذهاب سري تآمري مضى إلى حدود نسف كل أشكال التنسيق، في أوسلو ووادي عربة، وثماره المتدلية عناقيد غضب ما زالت تحرق العيون والقلوب والآمال.‏

- كلام في التضامن وتدمير فعلي لكل أشكال التضامن.‏

- وكان الانفجار الكارثي للوضع العربي في غزو العراق للكويت وما أسفر عنه ذلك من شق علني للسياسة العربية وللشارع العربي معاً، مؤسساً لشيء كثير من ذلك المناخ البائس، وكانت تلك المرة الأولى في تاريخ العرب الحديث، التي يشق فيها الشارع العربي شعبياً بعمق؛ فأخذنا نسمع المسكوت عنه بصراحة معلنة، وأخذنا نسمع ذم الأمة العربية والقومية العربية على ألسنة أبنائها وفي إذاعاتها وصحفها، وأخذنا نرى سكاكين الأخوة مغروزة في صدور بعضهم بعضاً، والعدو وأعوانه في حالة من الفرح الغامر والاستثمار الكامل لهذه الحالة المؤسية المؤسفة عربياً.‏

ونسأل: هل تناقضات الخطاب السياسي العربي ناتجة عن استخدام "الغموض في النصوص، الذي يراه بعضهم بنّاءً ويراه البعض الآخر الأساس في عدم الثقة والاختلاف/مثل الموقف الملتبس من القدس في الاتفاقيات والنصوص والتصريحات والاتصالات. وكذلك ما يتعلق بنصوص : حقوق الشعب الفلسطيني ـ حدود التضامن العربي ـ المرحليات العربية على طريق الاستراتيجية العربية الثابتة!؟‏

تناقضات الخطاب السياسي تكمن في الفردية الأنانية المتورمة، وفي التنافس الظاهري أو المظهري على خدمة القومي والتمسك بالمبدئي والثبات على الحق، وفي ضعف المؤسسات التي يراعيها الخطاب أو يفترض فيه أن يراعيها، أو في غياب تلك المؤسسات وأسئلتها ومسؤولياتها ودورها. أمَّا تجلّيات التناقض في ذلك الخطاب فتبدأ من قبول مبادئ سياسية متناقضة، منها على سبيل المثال:‏

أ - ميثاق الدفاع المشترك واختراق هذا الميثاق بل انتهاكه بأشكال مختلفة/ من التهديد بغزو الكويت في عهد عبد الكريم قاسم، إلى اجتياحها عام 1990، إلى حرب التحالف لإخراج القوات العراقية منها عام 1991. ومن ذلك الميثاق ونصوصه الصريحة فيما يتعلق بالموقف من الصراع العربي الصهيوني- والميثاق وضع أصلاً من أجل تعاون عربي أساسه تحرير الأرض المحتلة: فلسطين فقط آنذاك ـ إلى اتفاقيات: كامب ديفيد- وأوسلو- والمعاهدة الأردنية- الإسرائيلية، لا سيما المادة الرابعة منها المتعلقة بالأمن.‏

[ بموجب تلك المادة لا يجوز أن يساعد الأردن دولة عربية ينشأ بينها وبين إسرائيل صراع عسكري مثلاً. وهو نص مستنبت على جذع كامب ديفيد].‏

ب - وجدل الدول العربية الموقعة على اتفاقيات مع إسرائيل حول موضوع التضامن العربي وحدوده، وحول موضوع تفعيل المقاطعة العربية لإسرائيل، وحول موضوعات التطبيع ومظاهره وأشكاله وتفعيله أو تعطيله.‏

وما تعطيل تنفيذ مقررات قمة القاهرة 1996 بهذا الشأن إلا من مظاهر ذلك الازدواج الناشئ عن مبدأ تفعيل السيادة القطرية في وجه السيادة والكرامة القوميتين، وتفعيل مبدأ إعلاء المصلحة القطرية على حساب المصلحة العربية العليا، ورؤية كل مصلحة قطرية من منظور تضاربها مع مصلحة قطرية أخرى وليس تكاملها معها في إطار منظور أوسع وأشمل وأبعد مدى. ومن ثم انتفاء القومي أو انكماشه لمصلحة حضور القطري أوانتفاشه، وانتفاء المصلحة القطرية أو تضييقها أو شلها لتنافرها مع مصالح شخصية تعمل على إضعافها. وهكذا يضيع القومي لدى اقترابه من القطري، ويضيع القطري لدى اقترابه‏

من الشخصي، ويضيع العام لدى اقترابه من الخاص؛ وفي هذا‏

ضعف وإضعاف للجميع.‏

من حق العربي أن يحتمي بأمته عند الضرورة والحاجة، ومن واجب العربي ألاّ ينسى أمته ولا أي قطر منها عند البحبوحة وانتفاء الحاجة.‏

والسؤال الأعلى يبقى:‏

إلى أي حد ينصاع القطري للقومي أو يلتزم به أو يتنازل له أو ينضوي تحت لوائه، ولأي مدى تنصاع المصلحة الآنية الضيقة/ لشخص أو فئة أو تنظيم أو قطر/ للمصلحة الدائمة الواسعة ؟! وحتى إلى أي حد ينصاع النظام القطري للمصلحة القطرية في نظرة استراتيجية دقيقة وموضوعية، والحاكم لمصلحة القانون والنظام والناس في القطر الواحد، حتى لا نتكلم في العموميات القومية والمصالح العربية العليا والأحلام الكبيرة والأوهام المغرقة في الضحل من الوقائع!!؟.‏

كيف ندافع عن حقوق وأوطان، وعن مصالح واستراتيجيات وسياسات تبنى من أجلها، في ظل تملُّص فردي أو قطري من العام والقومي بشكل واضح؟!‏

وكيف نرى إلى ثقافة واحدة موحدة وهوية ثقافية وشخصية ذات سمات ومعالم وحدود ومقومات وتطلعات واحدة في ظل وضع الخاص صيغة اعتراضية على العام، ووضع القطري صيغة اعتراضية على القومي، ووضع الشخص السيد صيغة اعتراضية على الوطن السيد، ووضع مبدأ السيادة القطرية صيغة اعتراضية على القرار القومي، الذي يخدم السيادة وينشد التحرير ويوفر للإرادة حضوراً وقوة، وللقرار نفاذاً واستمراراً واحتراماً وتحريراً من أشكال الضعف والضغط والتبعية؟!‏

إن ذلك لا يرتبط بالخطاب السياسي وإنما يرتبط بالأهداف والمبادئ والثوابت والأخلاق والاستراتيجيات التي يستنبت فيها ذلك الخطاب، ويعبر عنها، ويلتزم بها، ويدعو للكفاح من أجلها؟!‏

إن الخطاب السياسي العربي ملغّم ومخترق في مصداقيته، لأنه يحاول أن يتلفّع بالصدق والإخلاص وبالبعد القومي وبعزيمة التحرير والحرص على الحق في حين يكشفه في كل لحظة توجهٌ فعلي مغاير تنم عنه اتفاقيات واتصالات وتصريحات ومواقف، وأحياناً تتفجر أحشاؤه في أصدق تعبير عن حقائقه، على شكل خلافات وصراعات عامة يجند لها الإعلام وتزج فيها الثقافة وتوظف لها الأموال وأجهزة الأمن؛ وتصل إلى حدود استخدام السلاح وإراقة الدماء!!.‏

- تناقضات الخطاب السياسي تنبجس أحياناً من تحركات وصلات تعبر تعبيراً صارخاً عن ثعلبية ما يقدم من معطيات وما تؤسس عليه القرارات التي لا يلبث أن ينقضها الموقعون عليها بأشكال مختلفة. ومن ثم فإن ذلك يقدم خطاباً مراوغاً يفضي إلى قرار لا يلتزم به صاحب الخطاب السياسي ويسهل عليه اختراقه ونقضه من جانب واحد، ملتمساً مسوغات تفضح الإطار القومي وتضعفه أكثر مما تؤسس لقوته ولتلافي ما قد يعتوره من أخطاء. مثلاً: [انتهاك توصيات قمة بغداد عام 1978/ وقرار المجلس الوطني الفلسطيني من قبل عرفات حينما التقى مبارك في كانون أول/ ديسمبر 1983 قبل إلغاء اتفاق كامب ديفيد وبعيداً عن احترام الإرادة العربية والقمة العربية وقراراتها.‏

- ثم عودة العرب إلى مصر وتعريب كامب ديفيد من دون إلغاء قرارات قمة بغداد 1978 أو التقيد بها. وتلك مواقف وقضايا تحسب على الناكصين وتؤسس للتراجع والضعف ولا تعد بطولة من أي نوع!! ]‏

والأسئلة المرة هي:‏

- هل كانت قرارات قمة بغداد 1978 مجرد اندفاع حماسي في الخطاب السياسي العربي، كشف الزمن ضعفها؟!‏

- هل كانت الدول التي اتخذت القرارات، ومن ثم التي مارست الخطاب السياسي الذي أسس على تلك القرارات، في حالة مراوغة ومجاملة، أم في حالة انفعال حماسي، أم تراها لم تؤسس لمصداقية ذلك الخطاب ولما يجعله قادراً على البقاء أصلاً - وهو الأرجح - فوجدت نفسها في حالة ضعف عن التمسك بمعطياته وأمام تراجع عنه!؟ أم أنها لم تعمل شيئاً وتركت الآخرين يعملون إلى أن انكشف ضعفها، أم أنها اخترِقت سياسياً من أعدائها إلى الدرجة التي تجرأت معها على القرار بعد أن مهدت لذلك فاعتبرته كلاماً على الورق ونوعاً من تبرئة الذمة، في صراخ وضجيج يعلنان عن ذلك، ويبقيان صراخاً وضجيجاً؟!‏

إن سيكولوجية اتخاذ القرار مهمة لأنها تفضي إلى تحليل لسيكولوجية الخطاب السياسي العربي ذاته. وأرجح الأخذ بالآتي:‏

- صدق النية - تفعيل الثوابت - شجب حالة الضعف أو التواطؤ أو الاستسلام - استهوال الانهزام والتراجع عن المبادئ. وذلك يؤدي ضمن خطاب: قومي خلقي مبدئي إلى قرارات قومية- مبدئية متصلة بالثوابت النضالية: التحرير- التضامن- العمل المشترك- الوحدة ـ الحرية ـ الكرامة.. الخ..‏

ولكن التنافر القطري المقيم لا يسمح بحسابات وقرارات موضوعية ملزمة تماماً: من بعد الحماسة الجماعية، أو الحماسة التي تمليها روح الحضور مع الجماعة ويصنع مناخها التقابل وجهاً لوجه ووضع الأوراق على الطاولة، ومحاولات عدم التراجع أمام المنافس والهروب إلى الأمام- وعدم إجراء الحسابات الموضوعية بدقة قبل اتخاذ القرار، أو عدم وضع الإمكانيات للإعداد لما يستوجبه تنفيذ القرار والتمسك به. لأن كل ذلك يفضي إلى قرار في مناخ الحماسة والتنافس والمزايدة، لا يلبث أن يذوي أو يفتضح، ثم يموت عندما تسطع عليه شمس الواقع القطري الضيق المحرقة وتشويه بالتنكر له على أرضية مراعاة القطري على حساب القومي، وعدم التفريط بالإمكانيات والمقومات الخاصة لحساب العام الذي تم الاتفاق عليه.‏

في الحسابات الأساسية البعيدة الأمد خطرٌ يكتنف الروح القطرية والتنافسية والمصلحية والشخصية المسيطرة على بيئة الخطاب وبيئة القرار القومي ويتجلى ذلك في:‏

1- عدم رؤية المستقبلي في ظل الآني والراهن والقريب.‏

2- عدم رؤية قوة الكل في انضواء الجزء تحت رايته، في إطار جسم قوي متماسك.‏

3- عدم التأسيس لعمل الجماعة بالاعتماد على أعضائها وإمكانياتها وثرواتها ومقوماتها الرئيسة وثوابتها وحقوقها ومستقبلها البعيد. والاكتفاء برؤية غائمة عاطفية انفعالية شعاراتية حماسية آنية.. تريد ولا تؤسس لما تريد، ترغب في الانتصار ولا تريد أن تدخل الحرب التي تحقق الانتصار ولا أن تتحمل تبعاتها، تريد التحرير والكرامة ولا تتحمل التضحيات والمرارة ودفع تكاليف هذا النوع من الاختيار.‏

4- هناك عامل التواكل، وعامل التآكل في الإرادة، وهناك الارتباطات المسبقة، والولاء شبه التام للغير، والاعتماد شبه التام أيضاً على قوى الغير. الأمر الذي يصنع وهماً في التصور القطري بالأمن والازدهار وعدم الحاجة إلى الأخ والجار والشقيق، كما يصنع وهماً أشد في البناء على أساس من اشتراك الأخ والجار والشقيق بالمصير: عاطفياً وتاريخياً وانفعالاً آنياً، وتجريده من كل مقومات الثقة به ومسوغات تلك الثقة، في أثناء التعامل معه أو الاستناد إليه‏

أو الاعتماد عليه.‏

جاءت أحداث كرست هذا النوع من التفكير وسوغت هذا النوع من التدبير، كما سوغت خطاباً ثعلبياً يستند على جوهر تلك المقولات أو المواقف أو الاستنتاجات.‏

الفكر السياسي /العدد السابع‏

صيف 1999‏

(1) ـ جاء في الحديث الصحيح قول النبي عليه الصلاة والسلام: " إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق " و " الدين المعاملة " .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244