|
جولة أولبرايت... أهداف وأبعاد
منذ مطلع أيلول 1999 والسيدة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية في المنطقة العربية لدفع التفاوض، أو استئنافه بين أطراف عربية معنية والكيان الصهيوني ، والسيدة أولبرايت ممثلة دولة لها أكثر من لسان في هذه القضية التي ترعاها، وتؤجج نارها، وتتخذ مواقف معلنة منها وفيها، تعبر عنها بشكل مباشر، أو غير مباشر، عن طريق الحكومة، أو الكونغرس، أو وسائل الإعلام ؛ ولكنها تتمسك بأهداف استراتيجية واض حة وترغب في تحقيق مصالح ثابتة... يحاول الجهد الدبلوماسي والعمل السياسي والإعلامي أن يجد لها منافذ وتغطيات، ويلوّح بالفعل العسكري في لحظات، وتمارس القوة عملياً بشكل ساخن في مناطق تؤثر بشكل ما في مجريات الأمور.
تدرك السياسة الأميركية ، والسيدة أولبرايت ، جيداً أن الوطن العربي معني بهذه القضية ، وأن حلاً نهائياً لها لن يتم إلا بعد معالجة الأمور المرحلية والصراعات الثنائية ، بعد أن نجحت الجهود الأمريكية- الصهيونية- الأوربية في تفتيت الصراع الرئيس إلى صراعات جزئية، والكتلة العربية ذات الموقف المشترك من القضية الفلسطينية إلى مواقع مفككة الصلات بعضها مع بعض والموقف الواحد إلى مواقف متباينة أحياناً.
وتدرك أن قضايا رئيسة متعلقة بالوضع النهائي مثل: القدس، ووضع الفلسطينيين المهجَّرين بالقوة في أعوام 1948-1967 على الخصوص، تتطلب تهيئة عربية عامة : سياسية واجتماعية وثقافية، مع التركيز الخاص على أقطار وأنظمة وسياسات معينة، ومعالجة أوضاع وتوجهات ذات خصوصية وتأثير، وتبدو معنية أكثر من سواها بنوع من الحلول والاختيارات المرفوضة أمريكياً وصهيونياً ومن بعض العرب . وأن تلك التهيئة المطلوبة لا يمكن أن تتم، أو ربما لا يُستحسن أن تبدأ قبل الانتهاء من تصفية الأمور المتعلقة بالمسارات التفاوضية المتعثرة أو الجامدة.
ومن هنا تجيء أهمية ما تحمله زيارة اليهودية أولبرايت من معطيات وما قد تسفر عنه من نتائج ، لأنها تحمل في آن معاً العصا الأميركية والحلم الصهيوني والقناع الذي يوحي بالرعاية "والنزاهة" والحياد الإيجابي لجهة " إسرائيل" بشكل يؤكد ما أعلن تاريخياً على أيدي حكومات أمريكية متلاحقة منذ عام 1948.
إن المسار التفاوضي الأوسلوي المتوقف في محطة واي بلانتيشن يحتاج إلى عملية دفع ليتخطى هذه المحطة التي توقف فيها من قبل المسار التفاوضي السوري- الإسرائيلي منذ شباط 1996 بعد عملية بيت ليد.
ولا يبدو أن الجهود الأمريكية ستخفق في مجاوزة هذه العقبة التي بدا في الاسكندرية يوم الخميس الماضي أنها كأداء. فالمناورات الإسرائيلية هنا ترمي إلى الحصول على شيء في المقابل هناك ، وعندما تطبق اتفاقية تنفيذ الاتفاقية خلال الأشهر القليلة القادمة ، ويحصل أهل سلطة الحكم الذاتي على 18.1% من فلسطين سيصلون إلى الوضع النهائي، والحل النهائي مع قليل من البهارات الإضافية:
1- أبو ديس عاصمة لدولة ليس لها من مقومات الدولة شيء، وهي قرية على هامش القدس تُضم إدارياً إلى القدس ، فتبيض وجوه وتسود وجوه بحل ليس هو الحل المنتظر لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول الأعظم، وعاصمة العرب التي أسسها اليبوسيون الكنعانيون عام 3400 قبل ميلاد السيد المسيح.
2- حل وضع اللاجئين والنازحين والمهجرّين بتوطينهم في الأقطار العربية، أو بترحيل من يشاء منهم إلى بلاد الله الواسعة : من استراليا إلى كندا الواسعة إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية ودفع ثمن الوطن لمن يرضى بأن يبيع الوطن.
وهذا هو الشر الذي تحمله أولبرايت أولاً، وتبشر به سراً في هذه الزيارة التي ينتظرها العرب.
3- منح شارة وبساط أحمر، وطائرة خاصة، وحذاء رئاسي، لمن قايض ذلك بأربعة ملايين فلسطيني في الشتات وبثمانين بالمئة من فلسطين ، وبكل المعنويات التاريخية والشهداء، وما تعنيه القضية في الوجدان العربي طوال العقود المرة السابقة.
إن الصهيونية أولبرايت ، والذين يديرون ملف" الشرق الأوسط" في الإدارة الأميركية من الصهاينة الأخرين، والجبهة المتراصة التي تقف وراءهم في الكونغرس، وتتجاوزهم في اقتراحات التهويد، وجعل القدس عاصمة ونقل السفارة الأمريكية لها ... إن هؤلاء جميعاً سينجحون في نفخ أوداج كثيرة لتكون أكثر جرأة، وهي تصرخ بأنها تحقق نصراً كبيراً وهي تتنازل عن الأرض والتاريخ، وحقوق الفلسطينيين في وطن.
في المسار التفاوضي السوري اللبناني- الإسرائيلي الذي وعدت الإدارة الأمريكية بتحريكه.. هناك وضوح في المواقف، والطلبات والعقبات ، وهناك انتظار لما قد تحمله أولبرايت من معطيات جديدة للوصول إلى قرار باستئناف الحوار التفاوضي .
فما الجديد الذي يمكن أن تحمله الصهيونية أولبرايت التي تضع قناع الوزير الأمريكي " المحايد النزيه" على وجهها؟!.
إن الموقف السوري في مجال هذا المسار واضح وثابت وبسيط، يعرفه الساسة العرب والأجانب، وأخذت الإدارة الأميركية تدركه بجلاء تام وتتفهم حقيقة أنه لا يمكن أن يتم تآكله مع مرور الأيام، وشدة الضغط، وفرض أنواع الحصار، وتحييد القوى التي قد تقدم دعماً سياسياً أو عسكرياً لسورية في مواقفها، ومن تلك القوى الصين التي تقبل بما يتفق عليه الطرفان مع مراقبة من بعيد لمجريات الأمور، وروسيا الاتحادية التي لا تخالف التعليمات الأمريكية بشكل جوهري وإن كانت تجد أسلوباً أو طريقاً للتعبير عن حضور القرار المستقل، والإرادة السياسية الحرة، فيما يتعلق بهذه الدائرة من دوائر التعامل السياسي- العسكري في " الشرق الأوسط".وقد بدا واضحاً أن التفاهم تام على نقاط أرى أنها تحتاج إلى مزيد من التفاهم حول ما بقي عالقاً في ظلالها من أمور ، وتلك النقاط هي:
1- أن تبدأ المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في واي بلانتيشن عام 1996 . ويكلف الصهيوني الأميركي دينس روس بتذليل الصعوبات التي تنشأ عن تساؤل كل من الطرفين عن وضوح النقطة التي توقفت عندها المفاوضات. وقد أشرت في مقال منشور سابقاً إلى أن اللعبة الصهيونية سوف تدور في هذا الميدان عندما توافق " إسرائيل" على مطلب سورية الثابت بأن تبدأ المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في واي بلانتيشن .
2- إن الانسحاب من الجولان ينبغي أن يكون تاماً وشاملاً إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967.
وعلى هامش هذا المبدأ اختلاف حول مناطق تقدر مساحتها بحوالي ستين كيلو متراً مربعاً تسميها " إسرائيل" حدوداً دولية، وهي حدود الانتداب البريطاني- الفرنسي بين سورية وفلسطين كما رسمته اتفاقية سايكس بيكو التي رفضها العرب وقاوموها ، وكان من نتائجها جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود بموجب وعد بلفور المشؤوم.
والمساحة المختلف عليها ، أو التي تناقش" إسرائيل" بشأنها تتصل بمنابع مياه ، وبضفاف بحيرة طبريا، والحمة، وبعض المواقع الاستراتيجية.
وهي كما يقترح الوسيط الصهيوني- الأميركي مناطق يمكن أن يتم التفاهم حولها في إطار حدود تجميلية . على أن يتم اتفاق لاحق حول حصة سورية من مياه طبريا. والموقف السوري حول طبريا واضح فالقضية لا تتصل بحصة من المياه بل تتصل بحقوق في الجغرافية السياسية.
3- المناطق الأمنية ، لاسيما ما يتعلق من ذلك بقمة جبل الشيخ والمرصد الإسرائيلي الموجود فيها ،وبنوع القوات والأسلحة والمناطق المجردة من السلاح والاجتهادات هنا ستقود إلى اتفاق على مقترح يرضى به المتفاوضون.
ولكن العقبة الرئيسة هي: أن سورية تطلب التزاماً " إسرائيلياً" بالانسحاب من الجولان كاملاً قبل استئناف المفاوضات ، والصهاينة: أمريكيون وإسرائيليون يقدمون عرضاً بالتزام الانسحاب من 80% من الجولان وتبقى نسبة 20% للمفاوضات وهي محاولة لقضم شيء من أرض الجولان، مع وعد بالمحافظة على نصيب سورية من المياه. وهذه النقطة هي من نوع الألغام التي طالما زرعت في أرض التفاوض ليؤدي انفجارها في اللحظة الملائمة إلى تدمير التفاوض عندما لا يخدم " إسرائيل" ولا يحقق شروطها الأخرى غير المعلنة أو غير المباشرة.
4- تبقى نقاط عديدة مما يشكل نقاط اختلاف ، وقضايا تتطلب معطيات وإضاءات حولها من الجانب الأمريكي- الصهيوني من ذلك:
أ- مدة الانسحاب التي يقول الجانب المعادي إنها ستكون خمس سنوات، وترى سورية أنه ينبغي ألا تزيد على سنتين.
ب- الملاحق الاقتصادية وغير الاقتصادية ، التي تدخل عملياً في مجال التطبيع ، تلك التي تطلبها " إسرائيل" وترفضها سورية. ولكن ذلك يبقى مجالاً مفتوحاً لتطبيق القاعدة التي رددها الطرفان:" عمق الانسحاب بعمق السلام"
ج- الموقف مما يسميه الطرف المعادي " الإرهاب" وهو يقصد بالتحديد الفصائل الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو والمقيمة في دمشق، والمقاومة الوطنية في جنوب لبنان، ولاسيما حزب الله.
وهذا الأمر لا ترى سورية أنه يحتاج إلى مزيد من التوضيح، فحق الشعب المحتلة أرضه بممارسة المقاومة ضد الاحتلال أمر مشروع، وهي مع الفلسطيني واللبناني في المطالبة باستعادة الأرض والحق، وهي جزء من مقاومة الاحتلال والمشروع الصهيوني الذي يستهدف المنطقة. فكيف يمكن أن تكون ضد نفسها على نحو ما حين تقف ضد من يقاومون الاحتلال الصهيوني ويطالبون بالحقوق المشروعة، وهي نفسها تعاني من الاحتلال الصهيوني للجولان ومن انتزاع الكيان الصهيوني لحقوق عربية مشروعة في فلسطين ولحقوق الشعب الفلسطيني، وحقوق السكان السوريين في الجولان؟!.
وعلى الرغم من وضوح شرعية الموقف السوري، وسطوع منطقه الحقّاني العادل، فإن الإدارة الأمريكية تصر على اتخاذ مواقف صهيونية، وتوجيه اتهامات لسورية بأنها ترعى الإرهاب، وتمارسه من خلال دعم حزب الله، حين ترفض التدخل المطلوب" إسرائيلياً وأمريكياً" لوقف جهاد حزب الله و" طرد الفصائل الرافضة للاستسلام، ولتفريط عرفات من دمشق؟!.
إن هذه القضية المثيرة للعجب والاستغراب من القضايا التي تستخدمها الولايات المتحدة الأميركية ورقة ضغط لحصار سورية من جهة، ولإجبارها على اتخاذ مواقف، وقرارات وانتهاج سياسات تتلاءم مع ما يطلبه المستسلمون، وما يحقق الاستسلام.
في المسار السوري اللبناني- الإسرائيلي قضية في غاية الأهمية، وقد اكتسبت خلال السنوات الأخيرة بعداً جديداً ، هي قضية الانسحاب من جنوب لبنان، والموقف من المقاومة الوطنية اللبنانية بشكل عام، ومن حزب الله بشكل خاص فقد أصبح واضحاً أن " إسرائيل" تريد الانسحاب من جنوب لبنان بسبب الخسائر البشرية وضربات حزب الله المتلاحقة، ولكنها تريد أن تزج سورية في المعترك لتكون ضامنة لأمن ما تسميه" حدودها" ومستوطناتها في شمال فلسطين، وتطلب أيضاً تجريد حزب الله من السلاح.
وواقع الأمر أن التلازم أصبح معلناً وواضحاً بين تحرير الجنوب، وتحرير الجولان، فوعد باراك بالانسحاب من جنوب لبنان حتى تموز 2000 ولو من جانب واحد، سيجعله أكثر حرصاً على التوصل إلى اتفاق مع سورية لينسحب ذلك الاتفاق على لبنان، لأنه ما لم يتم انسحاب من جنوب لبنان، والجولان لن تتوقف المقاومة حسب الإعلانات الرسمية على الأقل. وهذا يجعل الموضوع اللبناني من جهة وجزءاً عضوياً من أي اتفاق بين سورية، والكيان الصهيوني من جهة ثانية، ولاسيما في ظل الإعلان المؤكد بتلازم المسارين السوري واللبناني، وعجز العاملين على فصلهما عن تحقيق ذلك.
وهنا يترتب على أولبرايت أن تقدم وجهة نظر، وتجد ما تعد أو تقوله: ليس للسوريين واللبنانيين فقط، وإنما "لللإسرائيليين " أيضاً وبالدرجة الأولى.
وفي حين تنصب هذه الجولة من جولات أولبراييت في المنطقة على تحريك المسارات فإنها - بتقديري- تحمل الكثير مما يتعلق بالحل النهائي، أو الوضع النهائي الذي يحتاج إلى إعداد واستعداد مبكرين، فيما إذا أريد له أن يصل إلى نهاية في عام 2000 كما يبشر بذلك أهل أوسلو والمؤيدون لهم.
وتأتي على رأس تلك الموضوعات، قضية توطين الفلسطينيين الذين هجّروا بالقوة في أعوام 1948-1956-1967 وهذه القضية لم تكن خارج دائرة الاهتمام والتخطيط في السنوات الماضية ، ولكنها كانت مما يعدّ له على المدى الطويل، وقد اقترب موعد الدخول في تفاصيلها . ومن أجل ذلك يطرح موضوع التوطين لأربعة ملايين فلسطيني تقريباً موزعين في البلاد العربية.
ويبدو أن الجهات الصهيونية/ الأمريكية- الإسرائيلية أدركت أنه من دون حل جذري لهذا الموضوع، فلن تصفى القضية الفلسطينية بشكل نهائي. ومن أجل هذا كانت الدعوة التي أحبطتها سورية برفضها السابق لانعقاد ما يسمى دول الطوق الذي يهدف إلى دعم عرفات في مراحل التصفية النهائية من قبل تلك الدول، وعلى رأس ما تقوم به المشاركة في المسؤولية عن الحل النهائي وتفاصيله الجوهرية، ومنها توطين " اللاجئين والنازحين" ولهذا السبب تطلب أولبرايت في جولتها هذه أن يتم اجتماع وزراء دول الطوق معها في نيويورك، أو واشنطن في أثناء انعقاد دورة الأمم المتحدة القادمة . وعلى هذا ينكشف تماماً أن الدعوة لذلك الاجتماع الذي بادرت إليها دولة عربية كانت مطلباً أمريكياً ومازال ذلك المطلب قائماً ، كما يبدو أيضاً أن وضع الكونفدرالية بين السلطة الفلسطينية والأردن على نار حامية من جديد، وهو المطلب الصهيوني القديم، يتم في إطار فرض التوطين، وحل مشكلات صهيونية على حساب العرب، ولا يقف العراق بعيداً عن موضوع الضغط والحصار من أجل فرض التوطين ، وهو - أي التوطين- ما سنتعرض له في حديث لاحق بعون الله.
ويبقى السؤال قائماً: هل ستنجح أولبرايت في جولتها هذه في تجريد العرب من الثوابت الأصلية فيما يتعلق بالحقوق التاريخية وبالأبعاد القومية للقضية الفلسطينية ، لتمهد الطريق لحلول جزئية تقضي على العقبات المتعلقة بحل نهائي ومنها الشعب الفلسطيني الموجود خارج فلسطين والذي يرفض أن يبيع الوطن والذاكرة والتاريخ؟.
هذا ما نرجو ألا تنجح في تحقيقه الصهيونية أولبرايت وكل من يقف معها .
دمشق في 3/9/1999
الأسبوع الأدبي العدد 674
|